تفاسير

الفَصلُ الخامِس صَخرَةٌ وعَصا

القسم: لاويين، عدد، تثنية، ويشوع.

فهرس المقال

(عدد 20)

إذ نُتابِعُ النَّظَر إلى حَياةِ مُوسى، منَ المُؤسِف أن نُدرِكَ أنَّهُ لم يَرَ مُطلَقاً أرضَ المَوعِد. ففي النِّهايَة، اللهُ لم يرضَ بِكُلِّ الأُمَّةِ بَديلاً لمُوسى. وتُعتَبَرُ خَطيَّةُ مُوسى لُغزَ سفرِ العدد.

يُخبِرُنا الكتابُ أنَّ الرَّبَّ تكلَّمَ معَ مُوسى وأمرَهُ بأن يحملَ عصاهُ وأن يجمَعَ مجمُوعَةً منَ الشَّعبِ معاً. وقالَ لهُ اللهُ أن يُكَلِّمَ الصَّخرَةَ فتُخرِجَ ماءً للنَّاسِ والحيوانات. رُغمَ أنَّ مُوسى شكَّكَ بهذا، إلا أنَّهُ جمعَ الشَّعبَ. ثُمَّ ضَرَبَ الصَّخرَةَ مرَّتَين بِعَصاهُ، وخرجَتِ المياهُ. فشَرِبَ الشَّعبُ وحيواناتُهُم. فقال الربُّ لموسى وهرون، "من أجلِ أنكما لم تُؤمنا بي حتَّى تُقدِّساني أمام أعينِ بني إسرائيل لذلك لا تُدخِلانِ هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتُهُم إيَّاها." (عدَد 20: 11- 13).

يُمكِننا أن نُقدِّمَ ملاحظتين عندما نتأمَّلُ في قساوةِ قصاصِ الله هُنا. أوَّلاً، من نحنُ حتى نقولَ لله ما هو العادل وما هو الحق؟ فاللهُ هو الذي يُحدِّدُ الحقَّ والعدل. من اللافت للإنتباه أن نرى أن موسى في هذه القصَّة لم يتذمَّرْ أبداً من قصاصِ اللهِ له. في سفر التثنية، كُلّ ما ذُكِر هو أن موسى تكلَّمَ مع الله مرَّةً عن هذا الموضوع، فأجابَهُ الله، "لا تُكلِّمني ثانيةً بهذا الموضوع." فلم يعُدْ موسى يأتِ على ذِكرِهِ أبداً.

حقيقةٌ أُخرى يُمكِنُ أن نُشارِكَها إذ نُفكِّرُ بهذه الحادثة، هي أن المستوى الذي يضعُهُ الله للقادة هو أعلى من مُستوى الشعب. يضعُ الكتاب المقدس أمامنا هُنا مُستويين. عندما تُصبحُ عُضواً في كنيسة، أعتقدُ أن هُناكَ مُستوى مسلكيَّاً مُعيَّناً عليكَ أن تُحافِظَ عليه. ولكن الكنيسة، وبحسبِ الكِتاب، ينبغي أن تتوقَّعَ من قادتِها أكثرَ مما تتوقَّعُه من شعبِها أو أعضائها. اللهُ يأخذُ القيادةَ على محملِ الجدّ. كان موسى في موقِع القِيادَة، وما يبدو أنَّهُ خطيئةٌ صغيرةٌ بالنسبةِ للآخرين، لم يكُن صغيراً البتَّةَ بالنسبةِ إلى موسى ومن كان، وفي أي موقِعٍ وضعَه الله.

يبدو أن خطيئتَهُ كانت كالتالي. فقبلَ كل شئٍ، قال الله، "كلِّمْ تلكَ الصخرة هُناك." ولكن موسى لم يُكلِّم الصخرة، بل ضربَها بالعصا مرَّتين. كانَ هذا عِصياناً.

ولقد إتَّهمَ اللهُ موسى بخطيَّةٍ أُخرى. كانَ اللهُ قد عَلَّمَ مُوسَى أنَّهُ سيَكُونُ دائماً معَهُ، وأنَّهُ هُوَ الذي سَيُنقِذُ شَعبَهُ، وسوفَ يستَخدِمُ مُوسى كأداةٍ بَشَرِيَّةٍ لإنجازِ هذه المُعجِزة. ولقد حدَثَت مُعجِزَةُ الخُروج العظيمة لأنَّ مُوسى تعلَّمَ ماذا يستَطيعُ اللهُ أن يعمَلَ من خلالِ شَخصٍ تعلَّمَ أنَّهُ بِحَدِّ ذاتِه ليسَ ذا أهمِّيَّة. لقد قضى مُوسى أربَعين سنَةً في وسطِ الصَّحراءِ، وهُوَ يتعلَّمُ الأسرارَ الرُّوحيَّةَ التَّالِيَة: "لستُ أنا المُنقِذ، بل الرَّبُّ هُوَ المُنقِذ، وهُوَ معي. أنا لا أستطيعُ أن أُنقِذَ أحداً، ولكنَّ الرَّبَّ يستطيعُ، وهُوَ معي." لقد حدَثَت المُعجِزَة العظيمة لأنَّ مُوسى إستطاعَ القولَ عندما حدَثَت هذه المُعجِزة، "لَستُ أنا من أنقَذَ هذا الشَّعب، بل الرَّبُّ هُوَ الذي أنقَذَهُم، لأنَّهُ كانَ معي."

عندما قال مُوسى، "أمن هذه الصخرة نُخرِجُ لكُم ماءً؟" لم يُعطِ مُوسى الفضلَ والمجدَ للهِ في أعيُنِ الشَّعب. ولم يُوضِح للشعب أن اللهَ هو الذي كان يعملُ هذه المُعجِزَة. بل كانَ موسى يأخُذُ مجدَ المُعجِزَة لنفسِه. كان هذا أخطر ما في خطيَّة موسى.

الطريقة الوحيدة التي نستطيعُ بها أن نرى هذه القضيَّة من وُجهة نظر الله، هي أن نعرف أن الله لديه مجموعة مُستويات هو وحده يعرفُ عنها. وهُو يُشارِكنا ببعضِها أحياناً، ولكن تذكَّرْ أن الله هو الذي يُعلِّمُنا البرّ، ولسنا نحنُ من نُعلِّمُه. وبحسبِ مُستويات الله، كان الحُكمُ على موسى عادلاً. ويبدو أن موسى وافقَ مع الله. فعبرَ مُعجِزَةِ الخُرُوجِ بكامِلِها، كانت عصا مُوسى تَرمُزُ إلى الأسرارِ الرُّوحِيَّةِ الأربَعة التي تعلَّمَها مُوسى عندَ العُلَّيقَةِ المُتَوقِّدَة. وعلى صَعيدِ التَّطبيقِ الشَّخصِيّ، تُوجَدُ حقيقَةٌ عميقَةٌ بإمكانِنا أن نتعلَّمَها من خَطِيَّةِ مُوسى عندما ضربَ الصَّخرَةَ بِعَصاهُ.


إنهاكُ مُوسى

في الإصحاح 11 من سفر العدد توجدُ حادثةٌ أخرى عن موسى التي أجدُها مُثيرةً للإهتمام. كثيراً ما نسمعُ اليوم عن ما نُسمِّيهِ الإنهاك، أو الإحتراق، أو الإنهيار العصبي، وتعابير أُخرى نُطلِقُها على الذين يفشلون من ذواتِهم جسدِيَّاً، عاطِفيَّا، وعقلِيَّاً. فحتَّى رِجالاتُ اللهِ العِظام تَعِبُوا، وأحياناً أُخرى تَعبوا من أُمُورٍ مُعَيَّنة. وهُناكَ فرقٌ بينَ الحالَتين.

مثلاً، في هذا الإصحاح من سفرِ العدد، نسمَعُ مُوسى يَقُولُ للرَّبِّ، "أنا لا أستطيعُ أن أتحمَّلَ هذه الأُمَّة. إن هذا لحملٌ ثقيلٌ جداً عليَّ. فإن كُنتَ ستُعامِلني بهذه الطريقة، خُذْ نفسي الآن، وهذا سيكونُ لُطفاً منك. أخرجني من هذا الظرفِ الصعب." (عدد 23: 9- 11)

هل سبقَ لكَ وشعرت بمثلِ هذا الشعور؟ لقد وجدتُ أن رجالاً أمثال موسى، إيليَّا، أيُّوب، داود، ويوحنَّا الرسول، وعُظَماءُ آخرون مثلهم في كلمةِ الله، وصلوا لمرحلةٍ من الإنهاك لدرجةٍ صلُّوا فيها للرب طالِبينَ المَوت. هكذا نوع من الإعياء يمكن أن يحدث لرجالات الله الأتقياء. تُخبِرُنا كَلِمَةُ اللهِ أنَّ هذا حَدَثَ لِرجالاتِ اللهِ العِظام أمثال مُوسى، إيليَّا، يُونان، أيُّوب، وآخرُونَ أمثالُهم. ولكن عندما أصبَحَ رِجالاتُ اللهِ هؤُلاء مُنهَكُونَ لِدرجَةِ أنَّهُم طَلَبُوا منَ اللهِ طِلباتٍ مغلُوطة – أي أن يأخُذَ حياتَهُم – أبقَى اللهُ على حياتِهم لأنَّهُ كانَ يعرِفُ قُلُوبَهُم.

لقد عرفَ مُوسى أنَّ اللهَ وحدَهُ بإمكانِهِ أن يتحمَّلَ هذا العِبءَ الثَّقيل للقِيامِ بعمَلِهِ الخارِق للطَّبيعة. ولقد تعلَّمَ مُوسى درساً آخَر حَيويَّاً، عبرَ إختِبارِهِ للإنهاك. الدَّرسُ الذي تعلَّمَهُ مُوسى كانَ أنَّ عملَ اللهِ هُوَ عملُ فريق. فلقد أَدرَكَ أنَّهُ رُغمَ أنَّ اللهَ كانَ يعمَلُ عملَهُ من خلالِهِ، فلن يَكُونَ بإمكانِهِ أن يتحمَّلَ عِبءَ مُقاضاةِ شَعبِ إسرائيلِ بِمُفرَدِهِ. عندما وصلَ إنهاكُ مُوسى بهِ إلى إدراكِ هذه الحقيقة، أعطاهُ اللهُ سَبعينَ رَجُلاً ليُساعِدُوهُ على تحمُّلِ هذا العِبء. ولقد مسحَ اللهُ سَبعينَ رَجُلاً بالرُّوحِ القُدُس، فحكَمُوا بالقَضاءِ للشعبِ تحتَ قيادَةِ مُوسى. وبدُونِ أخذِ القِيادَةِ من مُوسى، قسَّمَ اللهُ العمَلَ إلى أجزاءٍ يُمكِنُ تحمُّلُها، وأقامَ سبعينَ رَجُلاً على هذه الأجزاء من العمل. يُخبِرُنا دارِسو إدارة الأعمال بأنَّ الخُطوات الخَمس للنَّجاحِ في العملِ التَّنفيذِيّ هي:تحليل، تنظيم، تفويض، إشراف ومُعاناة!

عندما جاءَ مُوسى إلى اللهِ مُنهَكاً، أخبَرَهُ اللهُ أنَّ نفسَهُ تحتاجُ إلى التَّرميم. لقد أظهَرَ اللهُ لمُوسى طُرُقَ البِرِّ التي ستُريحُ نَفسَهُ. هذه الطُّرُق كانت ستسمَحُ للهِ أن يعمَلَ العملَ الذي وحدَهُ يستَطيعُ عمَلَهُ، وستجعَلُنا نتذكَّرُ أنَّ عملَ اللهِ من خلالِ شَعبِ اللهِ هُوَ عملُ فريق. بِهذهِ الطَّريقة رَدَّ اللهُ نفسَ رجالاتِهِ العظام عندما كانُوا يشعُرُونَ بالإنهاك.

نحنُ نَعيشُ في عالَمٍ لا يَعرِفُ الصَّبرَ، ونُريدُ الحُصُولَ على ما نُريدُهُ فَوراً. اللهُ لا يُعطينا عادَةً ما نُريدُهُ على الفَور. لقد كانَ رَدُّ نَفسِ مُوسى أمراً عملِيَّاً ونافِعاً جدَّاً في حياتِهِ. فبَدَلَ تجميدِ الوضعِ فوراً، أظهرَ لهُ اللهُ كيفَ يُمكِنُهُ أن يُنَظِّمَ ويُفَوِّضَ الآخرينَ ليُساعِدُوهُ على تحَمُّلِ هذا العِبء.

مما يُثيرُ الدَّهشَةَ أن رجُلاً عظيماً كموسى كان مُمكِنا أن يُنهَك. لقد إختَبَرَ مُوسى الإنهاك لأنَّهُ كانَ إنسانِيَّاً بَشَرِيَّاً مِثلَ كُلِّ واحِدٍ منَّا. كثيرون يظنُّونَ أنَّكَ عندما تُصبِحُ مسيحيَّاً مؤمِناً، تكفُّ عن كونِكَ إنسانيَّاً. ولكن عندما ننظُرُ إلى حياةِ مُوسى، نَجِدُ أنَّ هذا الظَّنَّ لَيسَ صَحيحاً. فالكِتابُ المُقدَّسُ مَليءٌ بِقِصَصِ أشخاصٍ حَقيقيِّينَ تَصارَعُوا معَ الضُّغوطاتِ والتَّحَدِّياتِ ذاتِها التي تدفَعُنا لإكتِشافِ محدُودِيَّةِ طبيعَتِنا البَشَريَّة. إنَّهُم نماذِجُ لنا، لأنَّهُم حقَّقُوا إنجازاتٍ عَظيمَة عندما كانَ رُوحُ اللهِ يُسيطِرُ على طبيعَتِهِم البَشَريَّة.


تَطبيقيَّاً

بإمكانِنا أن نُضيفَ قصَّةَ مُوسى إلى لائحَةٍ طَويلَةٍ من شَخصِيَّاتِ الكتابِ المُقدَّس، الذين بَرهَنَت حياتُهُم مُعجِزَةَ كَونِ اللهِ يُسَرُّ بعَمَلِ أُمُورٍ خارِقَةٍ للطَّبيعَة من خلالِ أشخاصٍ إعتِيادِيِّين، لِمُجَرَّدِ كَونِهِم مُتَوفِّرينَ بينَ يديهِ. إنَّ الإختِبارَ الذي إجتازَهُ مُوسى معَ اللهِ يُظهِرُ لنا أنَّ الذين يستَخدِمُهُم اللهُ ينبَغي أن يتعلَّمُوا أنَّ أعظَمَ أهلِيَّةٍ هي التَّوفُّر. إنَّ أعظَمَ أهلِيَّةٍ يُمكِنُنا أن نتحلَّى بها، هي تَوَفُّرُنا بينَ يدي الله. في سفرِ العدد، نَجِدُ عظمَةَ مُوسى المُنهَك، ونجِدُ أيضاً خَطيَّةَ مُوسى. لقد إستَخدَمَ اللهُ مُوسى لأنَّهُ كانَ مُتَوفِّراً. فاللهُ يُريدُ أن يستَخدِمَكَ وأن يستَخدِمَني لكَونِنا مُتَوفِّرين. فهل جعلتَ نفسَكَ مُتَوفِّراً بينَ يدي اللهِ؟ وهل تُريدُ أن تَكُونَ مُتَوفِّراً بينَ يدَيِ الله؟ إنضَمَّ إلى مشيئَةِ اللهِ قائِلاً لهُ: "أنا مُستَعِدٌّ ومُتَوفِّرٌ لأيِّ شَيءٍ تطلُبُهُ يا رَبّ، في أيِّ مكانٍ وأيِّ زمانٍ. وأنا لا أهتَمُّ ماذا سيفعَلُ بي هذا، وإلى أينَ سيمضِي بي، وماذا سيُكَلِّفُني. فأنا مُتَوفِّرٌ بينَ يديك."

أضف تعليق


قرأت لك

بين النعمة والأعمال

"لأنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطية الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (أفسس 2: 8و9). هل للأعمال دور في تكميل خلاصنا؟ وإن أخفقنا في القيام بأعمال صالحة كافية، فهل نخسر خلاصنا؟ هذه الأسئلة حيّرت الكثيرين والكتاب المقدس يقدم الجواب الشافي على هذ الطرح المهم: