الفَصلُ التَّاسِع كيفَ نسقُطُ بِنجاح

القسم: قضاة، راعوث، وصموئيل الأول والثاني.

يُخبِرُنا الكتاب المقدس أن المفتاح لمسحةِ الروح القدس هو الطاعة. قالَ يسوعُ: "إن كنتم تُحبُّونَني، فاحفظوا وصاياي وأنا أطلبُ من الآب فيُعطِيكُم الروحَ القُدُس." (يُوحَنَّا 14: 15، 23). بكلامٍ آخر، الطاعة هي الشرطُ المُسبَق لإختبارِ ما يدعوهُ الكتابُ المقدس "مسحةُ الروح القدس علينا." (أُنظُرْ أعمال الرُّسُل 5: 32). في مُعظَمِ مراحِل حياتِهِ، كانَ داود مثالاً عن حقيقَةِ الطاعة الممسوحة.


فَجرُ النَّجاح

وصَلَ مِثالُ داوُد في الطَّاعَةِ المَمسُوحَة إلى أَوْجِهِ في صموئيل الثاني الإصحاح السابع. فلقد كان على قلبِ داود أن يبنيَ بيتاً لله. فهو نفسُهُ كان يعيشُ في قصرٍ من خشبِ الأرز. فأرادَ أن يبنيَ بيتاً عظيماً لله، بدل خيمة الإجتماع التي كانت مُخصَّصَة للعبادة في تلكَ الأيام. فجاءَ ناثان النبي إلى داود وقالَ لهُ أن اللهَ لا يُريدُ أن يبنيَ داود بيتاً لهُ، لأن اللهَ كانَ يُريدُ أن يبنيَ بيتاً لداود. وهذا البيت الذي أرادَ اللهُ بناءَهُ لداود كان المملكة الأبدية. فكان داود سيحصل على سلالة مُلوك من أبنائهِ الذي سيملِكون على إسرائيل. وبالطبع، فإن المسيا سوفَ يُعتَبَرُ من ضمن هذه السُلالة، ولمُلكِهِ لن تكونَ نهاية. (لُوقا 1: 33)

عندما أُخبِرَ داود بذلك، صلَّى صلاةً جميلةً جداً قائلاً: "أيها الرب الإله، من أنا حتى تُغدِقَ عليَّ بركاتِكَ وأنا غيرُ مُستحق؟ وفوقَ كُلِّ ذلكَ أنتَ تتكلمُ عن إعطائي مملكةً أبديَّة. أيها الربُّ الإله، ماذا أستطيعُ أن أقول وأنتَ تعرفُني. فأنت تعملُ كُلَّ هذه الأُمور لأنَّها وعدُكَ ومشيئتُك." (2صَمُوئيل 7: 18- 21) فاللهُ لا يُباركنا بسبب إنجازاتِنا، ولا بسبب أَدائنا، بل يُبارِكُنا اللهُ بسبب نعمَتِه.


غُيُومُ عاصِفَةِ الخَطِيَّة

عندما نصلُ إلى صموئيل الثاني الإصحاح الحادي عشر، سوفَ نبدأُ فصلاً جديداً في حياةِ داود. وهذه المرحلة كانت أطولَ المراحِل وأصعَبَها في حياةِ داود. وهُنا نجدُ حياةَ داوُد، التي سبقَ وكانت مِثالاً رائعاً، تتحوَّلُ لِتُصبِحَ واحِداً من أرهَبِ التَّحذيراتِ في الكتابِ المُقدَّس. لقد إرتكبَ داود خطيةَ الزنى، ثم إرتكبَ خطيَّةَ القتل، وحاول طمسَ خطاياه لمدةِ سنةٍ كامِلة.

كيفَ يُمكِنُ لرجُلٍ بحسبِ قلبِ الله الذي يعملُ إرادَتَه، كيفَ يُمكِنُ لهُ أن يسقُط بالخطيَّة بهذه الطريقة المأساوِيَّة. نجدُ أن لِخَطِيَّةِ داوُد عدة تفسيرات وأسباب. فأوَّلاً أخطأَ داود لأنَّهُ مُجرَّد إنسان. حتى ولو كان إنساناً تقياً، ولكنَّهُ لم يكُن فوقَ إمكانية الخطية والسقوط الروحي. (أُنظُرْ 1كُورنثُوس 10: 12، 13).

ثانِياً، جعلَ نجاحُ داوُد منهُ شَخصاً ضَعيفاً سَريعَ العَطَب. نقرأُ في صموئيل الثاني 11: 1 "وكانَ عندَ تمامِ السنة في وقتِ خروجِ المُلوك أن داود أرسلَ يوآب وعبيدَهُ معهُ وجميعَ إسرائيل فأخربوا بني عمُّون وحاصَروا ربَّة. وأما داود فأقامَ في أورشليم."

في تلكَ الأيام كان على المُلوك أن يقودوا جُيوشَهُم في المعركة. أما داود فبقيَ هذه المرة في أورشليم، وأرسلَ شخصاً آخر ليقودَ جيشَه. أنا أعتقدُ أن الخروج من إرادةِ الله، كما فعلَ داود، جعلَهُ أكثر عُرضَةً للتجربة. وأنا أُؤمِنُ أيضاً أن داود أخطأَ لأنهُ كان في أَوجِ نجاحِه. قالَ بولُس الرسول، "أعرف كيفَ أتَضِع، وأعرف كيفَ أستفضِل." (فيلبِّي 4: 12). وإن كان الإتِّضاعُ يتطلَّبُ الكثيرَ من النضُج الروحي، فالإستفضالُ يتطلَّبُ من النضجِ الروحي أكثر مما يتطلّبُهُ الإتِّضاع. فنحنُ لا نتَّكِلُ على اللهِ كِفايَةً عندما نَكُونُ مُستَفضِلينَ، الأمرُ الذي يجعَلُنا سَريعي العَطَب رُوحيَّاً.

فبينما كان جيشُ داود يُحاصِرُ ربَّة، نقرأُ أن داود خرجَ ليتمشَّى على شُرفتِهِ، ورأى إمرأةً جَميلَةً تستحمُّ. فأرادَ داود أن يحصلَ على ما رآه. وبما أن داود كان الملك، فكان بإمكانِهِ أن يحصلَ على أي شئ يُريدُه. فأرادَ تلكَ المرأة، وحصلَ عليها. ولقد كان زِنى داود من أسوأ أنواع الزنى. إقرأ القصَّة بتمعُّن. لم يكُن بإمكانِ المرأة بتشبَع أن تقولَ شيئاً. فلم يكُن لها رأيٌ بذلك. يبدو أن بتشبع أحبَّت زوجَها بعُمق. وكان زوجُها أوريَّا واحداً من أبطالِ داود. وكان يُهاجِمُ مدينةَ ربَّة، ويُحاربُ حربَ داود.

عندما إكتشفَ داود أن بتشَبَع صارت حُبلَى منهُ، أرجَعَ داوُد زوجَها أوريَّا من المعرَكَة. وحاوَلَ داوُد لكي يُموِّه خطيَّتَهُ، أن يجعلَ أوريَّا يذهب إلى منزلِهِ وينام مع زوجتِه بتشبَع، فأسكَرَهُ وأرسلَهُ، ولكن أوريَّا رفضَ دخولَ منزِلِه من شدَّةِ ولائِهِ للملِك ولحربِه. فقالَ أوريا، "إن رِجالي هم خارجاً في البرية في أرضِ المعركة، فليس صحيحاً أن أنامَ مع زوجتي اليوم." عندما لم ينجح داوُد في جعلِ أوريا يدخُل إلى منزلِهِ وينام مع زوجتِه، كتبَ داوُد رسالةً لقائدِ جيشِهِ يوآب وأرسَلَها بيد أوريا. وهذا يُرينا أن أوريا كان موضعَ ثِقَةٍ لأنَّهُ لم يفتَحْ الرسالة ويقرأها. وكانت الرسالة تقول، "إجعلوا أوريا في وجهِ الحربِ الشديدة وارجِعوا من ورائه فيُضرَب ويموت." (2صَمُوئيل 11: 15).

ولم يمُر الكثير من الوقت حتى أرسلَ يوآب وأخبرَ داود بجميعِ أُمورِ الحرب في رسالةٍ إلى داود يقولُ فيها، "ولقد قد ماتَ عبدُكَ أوريَّا الحثِّي أيضاً." (21) وبمقتلِ أوريَّا، أصبحَ داود مُذنِباً ليسَ فقط في أبشعِ نوعٍ من الزِنى، بل وأيضاً في أبشعِ نوعٍ من الجريمة، لأنهُ قتلَ واحِداً من أبطالِهِ الأُمَنَاء. عندما تمَّ إعادَةُ ذكر هذه الخطيَّة لاحِقاً في سفرَي أخبارِ الأيَّامِ، تمَّ التَّركيزُ بشكلٍ أساسيٍّ على جريمَةِ قتلِ أُوريَّا الحِثِّي على أنَّها في قَلبِ خَطِيَّةِ داوُد. ولقد أذنَبَ داوُد بإقتِرافِهِ خَطيَّةَ الكَذِب أيضاً. وبحسب الكتاب نجدُ أن داود كتمَ خطيَّتَهُ لمدَّةِ سنةٍ كامِلة. لقد ظنَّ داوُد أن أحداً لم يعرِف بالأمر إلا هو وقائدُ جيشِهِ يوآب. إذا درستَ مزامير داود ووصلتَ إلى نتائج الخطية، ستجدُ أن أسوأَ وأحزنَ سنةٍ في حياةِ داوُد كانت تلكَ السنة عندما كتمَ داود خطيَّتَه. (أُنظُرْ المَزمُورَين 32 و51).

إن الذنبَ الذي شعرَ بهِ داود جعلَهُ مريضاً جسديَّاً. وفي النَّهايَة، إلتَفَتَ داوُد نحوَ الرَّبِّ وقالَ لهُ: "أعتَرِفُ لكَ بِخَطِيَّتي ولا أكتُمُ إثمِي. قلتُ أعترفُ للربِّ بذنبي وأنتَ رفعتَ أثامَ خطيَّتي."(مَزمُور 32: 5). قالَ داود أنَّ على الأتقياء أن يُصلُّوا من أجلِ بهجةِ الغُفران. ألا يعني هذا أنهُ مُمكِنٌ للأتقياءِ أن يُخطِئوا؟ نعم، مُمكِن. ولكن بِمعنىً ما، إن عَظَمَة داود تظهَرُ في طريقةِ تعامُلِهِ مع خطيَّتِهِ فيما بعد، وفي طريقة قُبولِهِ لعواقب خطيَّتِه.


شُعاعٌ منَ النُّور في سَماءٍ مُظلِمَة

عندما نسقُطُ، الأمرُ المُهِمُّ هُوَ ما سنفعَلُهُ حِيالَ سُقُوطِنا – وكيفَ نتجاوَبُ معَ هذا السُّقُوط. في هذه المرحلة تُصبِحُ حياةُ داوُد، حتَّى عندما أخطأَ، من أعظَمِ الأمثِلَةِ أو النَّماذِج التي تُقتدَى في الكتابِ المُقدَّس.

المُواجَهَة

في 2صَمُوئيل 12، يظهرُ في قصرِ داود نبيٌّ شُجاعٌ إسمُهُ ناثان. فأخبرَ النبيُّ ناثانُ قصةً في حضرةِ الملك وقالَ أنهُ كان هُناكَ رجُلٌ ثري لديهِ الكثير من القُطعان. وكان لهُ جارٌ فقير جداً لم يكُن عندَهُ إلا نعجة صغيرة. ولقد أحبَّ هذا الرجُل الفقير نعجَتَهُ كثيراً. وكانت مثلَ حيوانٍ أليفٍ لأولاده. وكانت هذه النعجة تأكُلُ على مائدَتِهِ وتشرب من كأسِه. وإذا بضيفٍ يحلُّ على الرجُلِ الغني. فلم يذبح هذا الرجُل الغني أياً من قطعانِهِ لضيفِه، بل إجتازَ الطريق نحو بيتِ جارِهِ الفقير، وأخذ نعجتَهُ الأليفة المحبوبة، وذبحها ليُقدِّمَها لضيفِه.

عندما سمِعَ داود قصةَ ناثان، قالَ داود، "موتاً يموتُ هذا الرجُل بسبب ما فعلَه." (5). فأشارَ ناثان بإصبَعِهِ نحو داود وقال لهُ، "أنتَ هُوَ الرجُل! أنتَ هو الرجُل الذي كنتُ أتكلَّمُ عنهُ. فأنتَ ملكُ إسرائيل ولديكَ الكثير من النساء. ولديكَ كُلُّ الغنى الذي كانَ لشاوُل، ولقد حفِظَكَ اللهُ من يدِ شاوُل، ولو لم يكُن هذا كافياً، لأعطاكَ اللهُ المزيد. فلماذا إحتَقَرتَ كلامَ الرَّبِّ بعمَلِكَ الشَّرَّ في عينَي الرَّبّ؟ فقَتَلتَ أُوريَّا الحِثِّي بالسَّيف، وأخذتَ زوجَتَهُ لتَكُونَ إمرأةً لكَ." (2صَمُوئيل 12: 7- 9).

هُناك، في محضرِ المحكمة الملكيَّة، واجَهَ ناثان الملِك داود بخطيَّتِه. وتذكَّرْ أن داوُد كان ملِكاً، وكان بإمكانِهِ القول، "إقطَعوا رأسَه،" ولكن داود لم يفعل هذا. هُنا تظهرُ عظمةُ داود. لقد إعترفَ داود بخطيَّتِه. (2صَمُوئيل 12: 13 أ). ولقد سامَحَهُ اللهُ (2صَمُوئيل 12: 13 ب)، ولكن توجَّبَ عليه أن يأكُلَ من مائِدَةِ العواقِب الوخيمة لِخَطِيَّتِهِ.


العَواقِب

لقد نقلَ ناثان كَلِمَةَ الرَّبِّ إلى داوُد: "والآن لا يُفارِقُ السَّيفُ بيتَكَ إلى الأبَد... هأنذا أُقيمُ عليكَ الشَّرَّ من بَيتِكَ". (2صَمُوئيل 12: 10 أ، و11 أ). وبما أنَّ داوُد أخطَأَ في إطارِ العائِلة، فلقد عاقَبَهُ اللهُ في هذا الإطار ذاتِهِ. في إصحاحٍ بعدَ الآخر مِمَّا تَبَقَّى من صَمُوئيل 2، نرى نُبُوَّةَ ناثان تتحقَّق.

أوَّلاً أخبَرَهُ النَّبيُّ أنَّ الطِّفلَ الذي سيُولَدُ منهُ لِبَتشَبَع سوفَ يمُوت. فسقطَ داوُد على وجهِهِ وصلَّى لستَّةِ أيَّامٍ لَيالٍ. ثم صامَ وطالبَ اللهَ من أجلِ حياةِ الصبي. ولكن حالَةَ الطفلِ إزدادَت سُوءاً، وفي اليومِ السَّابِعِ مات. وعندما ماتَ الطفل، قامَ داود واغتسل، ومشَّطَ شعرَهُ، وبدَّلَ ثيابَه، وتناولَ وجبةً كبيرةً من الطعام. ثم ذهبَ داود إلى خيمةِ الإجتماع وعبدَ الرب. لم يفهمِ الناسُ سُلوكَ داود. فقال، "عندما كان الطفلُ حيَّاً، ظننتُ أنَّ اللهَ مُمكِنٌ أن يكونَ رحوماً ويُنعِم عليَّ. ولكن الآن وقد أخذَ اللهُ هذا الطفل، فأنا أعلمُ أنني أنا سأذهبُ إليهِ. وأنا أعلمُ أن الطفلَ لن يرجِعَ إليَّ." (2صَمُوئيل 12: 23).

أعتقدُ أن هذه القصة تُخبِرُنا أنهُ عندما يأخذُ اللهُ طِفلاً من الحياة، لا ينبغي أن يكونَ هُناكَ أدنى شكّ بخلاص الطفل الأبدي. عبَّرَ داود عن رجاءٍ واثق عندما قال، "أنا ماضٍ إليهِ." لاحِظْ الفرق بين ردةِ فعلِهِ على وفاةِ الطفل وبين ردَّةِ فعلِهِ على وفاةِ أبشالوم، زَمَنَ تأدِيبِ داوُد. فعندما سمِعَ داود أن إبنَهُ أبشالوم قد قُتِل، لم يكُن لحُزنِهِ حُدود.

ولقد إستمرَّت عواقبُ خطيةِ داود في الإصحاح الثالث عشر وما يتبع. فلقد كان لداود إبناً إسمُهُ أمنون، وإبنةً إسمُها ثامار. ولقد إغتصبَ أمنون ثامار. وإذا بأبشالوم الإبن المُحبَّب عند داود، يقومُ بقتلِ أخيهِ أمنون. ثم هربَ أبشالوم من أجلِ حياتِه. وأخيراً، أُعِيدَ أبشالوم بوساطةِ قائد جيشِهِ يوآب. وعندما رجعَ أبشالوم، فشِلَ داود في أن يغفِرَ كُلِّياً لأبشالوم. فقالَ داود، "يُمكِنُ لأبشالوم أن يدخُلَ المدينة، ولكنني لا أُريدُ أن أرى وجهَه."

لقد إشتَاقَ داوُد للشَّرِكَة معَ إبنِهِ أبشالُوم، ولكنَّهُ فَشِلَ بأن يغفِرَ لهُ وبأن يُرَمِّمَ العلاقَةَ معَهُ. (2 صمُوئيل 14: 24). وبهذا أبعدَ داود أبشالوم إبنَهُ عنهُ نهائياً. هنا، بعدَ أن أصبَحَ أبشالُوم معزُولاً وغاضِباً، بدأَ ثورةً ضدَّ أبيه، طارِداً بذلكَ أبيهِ داوُد إلى خارِج أُورشَليم. وزيادَةً على هذه الخِيانَة، إتَّخَذَ أبشالُوم لنَفسِهِ مُستَشاراً، كانَ يُشيرُ على أبيهِ داودُ، ألا وهُوَ أخيتُوفَل. ولقد نصَحَ أخيتُوفَل أبشالُوم بأن يُثيرَ غَيظَ أبيهِ داوُد ليُحارِبَهُ وداوُد غيرَ مُستَعِدٍّ لذلكَ، بإضطِّجاعِ أبشالُوم في العَلَن معَ سَرِّياتِ أبيهِ داوُد العَشر، اللواتِي بَقينَ على سَطحِ القَصر المَلَكِيِّ في أُورشَلِيم، مُشَهِّراً بحُرمَةِ أبيهِ أمامَ أعيُنِ إسرائيل. وللأسَف، لقد تَبِعَ أبشالُوم نصيحَةَ هذا المُستشارِ الخائن أخيتُوفَل.

عندما سمِعَ داوُد عن هذه الفظاعَة، وعندما سَمِعَ أن صديقَهُ الذي كان بمثابةِ أبٍ لهُ، قد نصحَ إبنَهُ أبشالوم بالتعدِّي على نساءِ أبيه، كتبَ داوُد المزمور 55. إقرأ المزمور 55 وسوفَ تجد أن قلبَ داوُد كان مملوءاً بالرُّعب والألم. بالإمكانِ قراءَةُ هذه التَّفاصيل المأساوِيَّة من هذا الفصل الرَّهيب من حياةِ داوُد، بِقِراءَةِ 2 صَمُوئيل 11 – 18.

ولكن رغمَ كُل ما عَمِلَهُ أبشالُوم، وقبلَ أن يُعطِيَ داوُد خطَّةَ المعركة المُنتَصِرة لأبطالِهِ ضِدَّ جَيشِ إسرائيل الذي كانَ تحتَ قيادَةِ أبشالُوم، حذَّرَ داوُد أبطالَهُ أن يترفَّقوا بالفتى أبشالوم. أنا أعتقدُ أن السوط الأخير الذي وجَّهَهُ اللهُ لداود هو أنهُ سمحَ أن يموتَ إبنَهُ أبشالوم في هذه المعركة. لاحُظُوا مُجدَّداً الفَرقَ بينَ رَدَّةِ فِعلِ داوُد على موتِ طفلِهِ من بَتشَبَع، وبينَ رَدَّةِ فعلِهِ على موتِ إبنِهِ أبشالُوم. عندَما قُتِلَ أبشالُوم، غَرِقَ داوُد في الحُزنِ، وصرخَ باكِياً، "يا أبشالوم يا إبني. كنتُ أودُّ لو أني مُتُّ مكانك. آه يا أبشالُوم إبنِي، يا إبني." (2صَمُوئيل 18: 33).

كانَ أبشالُوم قد هَيَّجَ ثَورَةً ضِدَّ أبيهِ، فلماذا كانت رَدَّةُ فعلِ داوُد بهذه الطريقة؟ على خلافِ مَوتِ طفلِهِ من بَتشَبَع، لم يَكُنْ بإمكانِ داوُد أن يَقُولَ عن أبشالُوم، "أنا سأذهَبُ إليهِ." أعتَقِدُ أنَّ هذا كانَ سَبَبُ حُزنِهِ العميق على مَوتِ أبشالُوم. ومِنَ المُحتَمَلِ أيضاً أنَّ داوُد ظنَّ أن أبشالوم ماتَ بسبب خطايا أبيهِ، مع أن داود كان يتمنَّى أن يحدُثَ العكس، أي أن يَمُوتَ هُو بسببِ خطايا إبنهِ.

عندما تقرأُ قصةَ خطيَّة داود وعواقبها الوخيمة، تذكَّرْ أن لا أحد منا هو فوق إمكانية السقوط. (1كُورنثُوس 10: 12 و13). ولاحظ كيفَ أن داود أظهرَ لنا كيفَ نتعامل مع الفشل الأخلاقي والروحي- أن نعترف بخطايانا. ثمَّ فكِّر بقيمة كلمات يسوع عندما قال للزانية، "إذهبي ولا تُخطِئي أيضاً." (يُوحَنَّا 8: 11).