تفاسير

الأصحاح السادس

القسم: رسالة كورنثوس الأولى.

"أَيَتَجَاسَرُ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَهُ دَعْوَى عَلَى آخَرَ أَنْ يُحَاكَمَ عِنْدَ الظَّالِمِينَ وَلَيْسَ عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ؟" (ع 1).

كان موضوع الأصحاح السابق الخطية الكبيرة التي كانت موجودة في وسط الجماعة وضرورة حكم الكنيسة عليها وتنقية الخمير وعزل الخبيث فالكنيسة محكمة عند اللزوم والرب يحضر في وسطها "ببيتك تليق القداسة يا رب إلى مدى الأيام" وينتقل الرسول في هذا الأصحاح إلى موضوع محاكمة القديسين بعضهم للبعض في المحاكم البشرية قائلاً: "أَيَتَجَاسَرُ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَهُ دَعْوَى عَلَى آخَرَ أَنْ يُحَاكَمَ عِنْدَ الظَّالِمِينَ؟" ما هي الجسارة في هذا العمل؟ نعم إنها جسارة كبرى على اسم الرب وحضوره وسط شعبه، وعلى مقام المؤمنين ودعوتهم السماوية!

عندما يختلف مؤمنون على أمور زمنية ويلجأون إلى المحاكم البشرية يقررون أن مؤهلاتهم السماوية غير كافية وفي ذلك إهانة لقوة الرب الحاضر ليحكم في وسط قديسه واضح من ع 6 أن الشخصين المتقاضيين من الأخوة المؤمني. فهل يجوز أن يحاكم أحدهما الآخر في المحاكم العالمية؟ لا. لكن إن كان أحد الطرفين ليس من الأخوة فماذا يفعل الأخ؟ إن كان له إيمان قوي يضع قضيته في يد الرب وإن ظلمه الآخر فليكن فإن سيده قد ظُلم وكان يُسلم لمن يقضي بعدل (أي الله) وإن لم يستطع أن يحتمل الظلم وهو صاحب حق فلا يخطئ إذ رفع دعواه إلى السلطات لأن السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله.

اضطر بولس أن يرفع دعواه إلى قيصر مع أنه في الحقيقة كان رافعاً دعواه إلى الله ويقول في رسالة فيلبي ص 1: "فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاِثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ (أي يحكم علي بالإعدام). ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً. وَلَكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ".

"يُحَاكَمَ عِنْدَ الظَّالِمِينَ وَلَيْسَ عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ": العالم على وجه العموم عالم الظلم والمال الذي في العالم حتى إن كنت أحصل عليه بعرق جبيني وبطرق مشروعة لكن اسمه مال الظلم مهما تكن نزاهة الحكام العالميين هل تصل إلى المرتبة التي ينبغي أن يكون عليه القديسين؟ السائد في العالم هو الظلم يقول الكتاب: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ فَخُذْ مَعَكَ أَيْضاً وَاحِداً أَوِ اثْنَيْنِ لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ".

نجد هنا قانوناً ومحكمة وشهوداً وحكماً وهذا الحكم يختم عليه بالمصادقة من السماء: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونه عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّونهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ". ولماذا تصادق السماء على الحكم؟ لأنه حيثما اجتمع اثنين أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم ونستخلص من هذا أنه لا داعٍ على الإطلاق أن يتحول المؤمنون إلى محاكم العالم في معاملاتهم المادية بعضهم مع بعض.

"أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟ فَإِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُدَانُ بِكُمْ أَفَأَنْتُمْ غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ لِلْمَحَاكِمِ الصُّغْرَى؟" (ع 2).

نقرأ في (رؤ 20: 4): "وَرَأَيْتُ عُرُوشاً فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْماً..." القديسين سيحكمون في ملك الرب يسوع في مدة الألف السنة وفي (رؤ 19: 11، 12، 14) نقرأ: "ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِيناً وَصَادِقاً، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ... وَالأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ، لاَبِسِينَ بَزّاً أَبْيَضَ وَنَقِيّاً". هذا هو مشهد ظهور المسيح والقديسين معه كما هو مكتوب "متى أظهر المسيح حياتنا فحينئذ تظهرون أنتم أيضاً معه في المجد" (كو 3: 4).

أيها الأخ الحبيب لماذا تحتقر نفسك ودعوتك؟ إن لك مقاماً سامياً ودعوة عليا "فإن كان العالم سيدان بنا فلسنا أهلاً للمحاكم الصغرى"؟ المحاكم الصغرى هي التي تنظر في الأمور العالمية التافهة- أمور هذه الحياة. لماذا ترفع دعوة على أخيك؟ هل من أجل أموال أو أرض أو عقار أو ميراث زمني؟ هذه أمور صغرى بالنسبة للمؤمن الذي مقامه سماوي ودعوته سماوية وميراثه سماوي لا يُفنى ولا يتدنس ولا يضمحل نحن نقيم أمور هذه الحياة أكثر من اللازم مع أنها تُفنى، وهيئة هذا العالم تزول! لو قدرنا مركزنا ودعوتنا ووطننا السماوي لاحتقرنا الأرض وكل ما فيها.

إن بعض أتقياء العهد القديم يخجلوننا عندما حصلت مخاصمة بين رعاة لوط ورعاة إبراهيم كيف تصرف إبراهيم؟ قال: نحن أخوان لا تكن مخاصمة بيني وبينك (مع أنه عمه) اختر الأرض التي تروق لك. فاختار لوط لنفسه أما إبراهيم فكان ينظر بعين الإيمان إلى المدينة السماوية التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله فاحتقر كل ما في الأرض. ماذا كسب لوط. لا شيء. لقد احترق كل ما اقتناه.

وشى صيبا عبد مفيبوشث به إلى الملك داود قائلاً عن مفيبوشث فرح بخروجك من مقر المملكة وهروبك أمام أبشالوم وقال ستعود لي المملكة! مع أن مفيبوشث كان حزيناً ولم يعتنِ برجليه ولا بلحيته ولا غسل ثيابه حتى رجع الملك بسلام. ولما قال له الملك قد قلت أنك أنت وصيبا تتقاسمان الحقل قال مفيبوشث للملك فليأخذ الكل أيضاً بعد أن جاء سيدي الملك بسلام إلى بيته (2 صم 19: 24- 30). والمؤمنون العبرانيون قبلوا سلب أموالهم بفرح عالمين في أنفسهم أن لهم مالاً أفضل في السماوات وباقياً (عب 10: 34).

"أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هَذِهِ الْحَيَاةِ!" (مع 3).

عندما يؤتى بالملائكة للمحاكمة سنكون مع المسيح عند محاكمتهم فالمؤمنون لهم مقام أعظم من الملائكة. يوجد أناس ببساطة ينسبون أموراً عظيمة لملائكة ويعتبرونهم أعظم اعتبار لكن لهؤلاء نقول المؤمنون سيدينون الملائكة والملائكة الأبرار هم خدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص، أما الملائكة الأشرار فسندينهم مع المسيح. فما هي أمور هذه الحياة بالنسبة لمقام المؤمن؟

"فَإِنْ كَانَ لَكُمْ مَحَاكِمُ فِي أُمُورِ هَذِهِ الْحَيَاةِ فَأَجْلِسُوا الْمُحْتَقَرِينَ فِي الْكَنِيسَةِ قُضَاةً! لِتَخْجِيلِكُمْ أَقُولُ. أَهَكَذَا لَيْسَ بَيْنَكُمْ حَكِيمٌ وَلاَ وَاحِدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ إِخْوَتِهِ؟" (ع 4، 5).

أمور هذه الحياة أمور مادية وقتية لا تستحق كل هذا الاعتبار.

"فَأَجْلِسُوا الْمُحْتَقَرِينَ فِي الْكَنِيسَةِ قُضَاةً": نحن جميعاً في المسيح مكرمون لكن قد يكون للبعض مراكز وضيعة في العالم وينظر إليهم الناس نظرة احتقار كما يقول الرسول في الأصحاح الأول من هذه الرسالة: "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءُ حَسَبَ الْجَسَدِ... لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءُ بَلِ اخْتَارَ اللهُ... أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى (أي المحتقرين) وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ..." فالرسول يريد أن يخجلهم بهذا الكلام قائلاً: "إن هؤلاء الذين يحتقرهم العالم مؤهلون لأن يكونوا قضاة في أموركم لأن عندهم الروح القدس".

"أَهَكَذَا لَيْسَ بَيْنَكُمْ حَكِيمٌ وَلاَ وَاحِدٌ": سبق أن قال لهم الرسول قد استغنيتم في كل كلمة وكل علم وتفتخرون بالحكمة والفلسفة والمواهب ولستم ناقصين في شيء وهنا يقول لهم: "أَهَكَذَا لَيْسَ بَيْنَكُمْ حَكِيمٌ وَلاَ وَاحِدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ إِخْوَتِهِ؟".

"لَكِنَّ الأَخَ يُحَاكِمُ الأَخَ وَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَالآنَ فِيكُمْ عَيْبٌ مُطْلَقاً لأَنَّ عِنْدَكُمْ مُحَاكَمَاتٍ بَعْضِكُمْ مَعَ بَعْضٍ. لِمَاذَا لاَ تُظْلَمُونَ بِالْحَرِيِّ؟ لِمَاذَا لاَ تُسْلَبُونَ بِالْحَرِيِّ؟" (ع 6، 7).

هذه فضيحة أن الأخ يحاكم أخاه عند أهل العالم أخ يذهب إلى المحكمة ويتكلم ضد أخيه وأخوه يكذبه وكل واحد يحاول أن يبرئ نفسه والناس ينظرون ويتعجبون، فهؤلاء هم الأخوة الذين يرونهم في الكنائس يصلون ويرتلون ويقولون إن وطننا في السماء.

يا للفضيحة! هل انتهت المحكمة عند المؤمنين حتى يلتجئ الأخ إلى المحكمة ويعرض قضيته؟ هذا عيب وإهانة لاسم المسيح فالآن فيكم عيب مطلقاً (أي شائع) لأن عندكم محاكمات بعضكم مع بعض إن كان هذا عيب فما العمل إذاً؟ يرفع الرسول مستواهم الروحي ويقول ما معناه لا تحاكم أخاك في المحاكم ولا حتى في الكنيسة. هل ظلمك؟ دعه يظلمك وتمثل بسيدك الذي ظُلم ولم يكن يهدِّد. قال المسيح: "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضاً" (متى 5: 39، 40). ويقول الرسول بطرس: "لأَنَّ هَذَا فَضْلٌ إِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ اللهِ يَحْتَمِلُ أَحْزَاناً مُتَأَلِّماً بِالظُّلْمِ" (1 بط 2: 19). "فَإِذاً، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ (في عمل الخير) كَمَا لِخَالِقٍ أَمِينٍ" (1 بط 4: 19). هذا هو طريقك أيها الأخ المسيحي.

"لَكِنْ أَنْتُمْ تَظْلِمُونَ وَتَسْلُبُونَ وَذَلِكَ لِلإِخْوَةِ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا! لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ" (ع 8- 10).

قبل العبرانيون سلب أموالهم بفرح مع أنهم محبون للمال بحسب طبيعتهم وبركاتهم كانت أرضية- ما السبب؟ لأنهم علموا أن لهم مالاً أفضل وباقياً في السماء لا تستطيع يد أن تصل إليه لكن هنا وصل الأمر بالكورنثيين إلى حد غير محتمل فبدلاً من أن يقبلوا الظلم وسلب أموالهم كانوا يظلمون ويسلبون أخوتهم!! الذين يفعلون ذلك هم غير مؤمنين ويذكر الرسول قائمة سوداء بأوصاف الذين لا يرثون ملكوت السماوات.

والرسول يحذرهم وينبههم مكرراً القول: "ألستم تعلمون؟ لثالث مرة. هذا مبدأ عام مقرر من الله فيقول لهم الرسول لا تضلوا. لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون... إلخ. وأيضاً ولا ظالمون يرثون ملكوت الله- كلمة الله تشرح الطبيعة البشرية الفاسدة وتظهر كل رداءتها كما نجد ذلك أيضاً في رومية 1.

ونقرأ في (رؤ 21: 8): "وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي". وفي (رؤ 21: 10، 27): "وَأَرَانِي الْمَدِينَةَ الْعَظِيمَةَ أُورُشَلِيمَ الْمُقَدَّسَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ... وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِساً وَكَذِباً، إِلَّا الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْحَمَلِ".

"وَهَكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لَكِنِ اغْتَسَلْتُمْ بَلْ تَقَدَّسْتُمْ بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلَهِنَا" (ع 11).

"وَهَكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ": هل القديسون من طبقة أخرى سامية تمتاز عن الآخرين؟ لا يوجد أحد قديس في ذاته ولا يوجد أناس عندهم قداسة شخصية لكن الجميع كانوا أبناء المعصية مستحقين الغضب كالباقين كان أناس منكم منغمسين في هذه الخطايا والشرور لكن اغتسلتم منم نجاستكم بغسل الميلاد الثاني وانمحى هذا التاريخ القديم وانتهت السيرة الرديئة وأصبحتم مقدسين أي مخصصين ومكرسين لله.

"لَكِنِ اغْتَسَلْتُمْ بَلْ تَقَدَّسْتُمْ": هاتان الكلمتان ترجعان إلى تقديس الكهنة في العهد القديم (لا 8) فعند تقديس هرون وبنيه كان أول شيء يعمل أنهم يغتسلون بالماء أي يستحمون وبعد ذلك يتقدسون بالدم وكان الدم يوضع على شحمة الأذن اليمنى وإبهام اليد اليمنى وإبهام الرجل اليمنى وفوق الدم يوضع الزيت (دهن المسحة) رمز للروح القدس كانوا نجسين ولكن اغتسلوا وصاروا أطهاراً أنقياء وبعد ذلك تقدسوا أي تخصصوا لله.

 "تَقَدَّسْتُمْ بَلْ تَبَرَّرْتُمْ":- كنا مذنبين فتبررنا لأن الله "جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ" (2 كو 5: 21).

هؤلاء الكورنثيين الذين كانت فيهم هذه الخطايا الشنيعة هم أصحاب الحكمة والفلسفة اليونانية والمدنية! حكمة وفساد- مدينة وفساد. هل استطاعت الحكمة والمدنية أن ترفع مستوى الأخلاق أو تزيل فساد القلب؟ أبداً. لا شيء يغسل هذه الشرور ويطهر من كل خطية إلا دم المسيح لا شيء يغير الإنسان إلا الولادة الجديدة التي يحصل بها المؤمن على طبيعة جديدة ويصير إنساناً جديداً في المسيح يقول الرسول: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ..." (رو 1: 16). فالقوة المخلصة هي في إنجيل ربنا يسوع المسيح.

نلاحظ كلمة "اغتسلتم" هي في الأصل "غسلتم" لسنا نحن الذين غسلنا أنفسنا لكن المسيح هو الذي غسلنا "الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه..." (رؤ 1: 5).

"بَلْ تَقَدَّسْتُمْ": أي صرتم مقبولين أمام الله بلا لوم- مقبولين في المسيح أبراراً كأنكم لم تفعلوا ذنباً هل يمكن أن الشرير الدنس الغارق في الوحل والخطية يغسل ويقدس ويبرر؟ نعم. فهؤلاء كانوا عينة وكما حدث لهؤلاء هكذا يحدث لأي خاطئ يلتجئ إلى المسيح المخلص فينال كل هذه البركات ويصير المؤمن إنساناً جديداً مبرراً "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ"( رو 3: 24). بماذا تبررتم؟ باسم الرب يسوع- هل يوجد اسم غيره؟ كلا. هل توجد طريقة أخرى؟ كلا. "لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ" (أع 3: 12).

"وَبِرُوحِ إِلَهِنَا": الروح القدس هو الذي طبق الكلمة علينا دم المسيح رش علينا فتقدسنا وتكرسنا لله. "الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1 بط 1: 1، 2).

"كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ" (ع 12).

كانت توجد أشياء في الناموس طاهرة وأشياء نجسة- أشياء تؤكل وأشياء لا تؤكل لكن المؤمن الآن عنده حرية مسيحية لأنه مغتسل وطاهر ومختوم بالروح القدس وكل خليقة الله طاهرة وجيدة والذين تطهروا بدم المسيح لا يرفضون شيئاً هل يعني ذلك أننا نعمل ما يحلو لنا؟ كلا، لنا طبيعة جديدة وفينا الروح القدس والمسيح مثالنا الكامل الذي نتبع خطواته لكن هنا يتكلم عن الأمور الطقسية التي كانت ممنوعة في العهد القديم والآن تحل لي كل الأشياء تحل لي ويمكن أن استعملها لكن ليست كل الأشياء توافق توجد أشياء تحل لي لكن ليست لائقة.

"كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ": المؤمن أصبح حراً لله فلا تستعبده عادة ولا أكل ولا شرب. قال الرسول لتموثاوس: لا تكن شرّاب ماء استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة لكن إذا رأى المؤمن أن القليل من الخمر الذي يستعمله كدواء قد أصبح عادة متسلطة فيجب أن يمتنع عنه في الحال يوجد قانون آخر في (ص 10: 23) حيث نقرأ أن: "كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي"، إذاً يجب أن نلاحظ بنيان الآخرين في استعمال حريتنا ويوجد شيء آخر يجب ملاحظته نجده في (رو 14: 15): "فَإِنْ كَانَ أَخُوكَ بِسَبَبِ طَعَامِكَ يُحْزَنُ فَلَسْتَ تَسْلُكُ بَعْدُ حَسَبَ الْمَحَبَّةِ. لاَ تُهْلِكْ بِطَعَامِكَ ذَلِكَ الَّذِي مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِهِ". "حَسَنٌ أَنْ لاَ تَأْكُلَ لَحْماً وَلاَ تَشْرَبَ خَمْراً وَلاَ شَيْئاً يَصْطَدِمُ بِهِ أَخُوكَ أَوْ يَعْثُرُ أَوْ يَضْعُفُ" (ع 21).

في 1 كو 8 سُئل الرسول من جهة ما ذبح للأوثان فقال: "نعلم أن ليس وثن في العالم وأن ليس إله آخر إلا واحداً" (ع 14). لكن يوجد أناس ضميرهم إذ هو ضعيف يتنجس ولكن الطعام لا يقدمن إلى الله لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لم ننقص... لذلك إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحماً إلى الأبد لئلا أعثر أخي" (ع 7، 8، 13). إذاً كل الأشياء تحل لي لكن ما لا يوافق مرفوض وما يستعبدني مرفوض وما يحزن أخي مرفوض وما يعثر أخي مرفوض وما لا يبني مرفوض. بل كل شيء يكون بلباقة وللبنيان. فالمسألة ليست مسألة حلال وحرام لكن مراعاة الضمير الصالح والمحبة الله والمؤمنين.

"اَلأَطْعِمَةُ لِلْجَوْفِ وَالْجَوْفُ لِلأَطْعِمَةِ وَاللهُ سَيُبِيدُ هَذَا وَتِلْكَ. وَلَكِنَّ الْجَسَدَ لَيْسَ لِلزِّنَا بَلْ لِلرَّبِّ وَالرَّبُّ لِلْجَسَدِ" (ع 13).

الأطعمة والأكل ليست موضوعاً أساسياً فالأكل لا يقربنا إلى الله المهم التقدم الروحي لكن الأطعمة نأكلها وتنتهي فهي للجوف والجوف نعطيه ما يلزمه منها للحياة فقط الكل ليس للمتعة فنحن لا نعيش لنأكل بل نأكل لنعيش يوجد أناس يعيشون لبطونهم! يقول الرسول عنهم: "الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلَهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ" (في 3: 19). الأطعمة ستُباد وتنتهي لكن الجسد ليس للزنى بل للرب.

هناك فلسفة عند الوثنيين الذين يبيحون الزنا فيقولون كما يشبع الإنسان غريزة الجوع بالأكل كذلك يشبع الغريزة الجنسية بالزنا لكن الكتاب يقول ليس الأمر هكذا فإن هذه فلسفة شيطانية الرب امتلك الجسد وصنع فداء للجسد ويقول الرسول: "نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضاً نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا" (رو 8: 23). لقد نلنا فداء أرواحنا لحظة إيماننا وأجسادنا مدفوع ثمنها وستفدى عند مجيء الرب الثاني "الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ" (في 3: 21). فالجسد للرب وليس للخطية "لأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيداً لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ هَكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيداً لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ. لأَنَّكُمْ لَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيَّةِ كُنْتُمْ أَحْرَاراً مِنَ الْبِرِّ... وَأَمَّا الآنَ إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ وَصِرْتُمْ عَبِيداً لِلَّهِ فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَةِ وَالنِّهَايَةُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" (رو 6: 19- 22). كل أعضاء الجسد للرب العين والأذن واليد والفم والرجل وبها جميعاً نخدم الرب.

 توجد فلسفة أخرى وهي من الشيطان أيضاً- "فلسفة قهر الجسد" وهي عكس الفلسفة الأولى وخلاصة هذا المبدأ هي التقشف والتصوف ومنع الأكل الدسم والعيشة في الأديرة وهذه كلها هي للفناء في الاستعمال حسب وصايا وتعاليم الناس التي لها حكاية بعبادة نافلة وتواضع وقهر الجسد ليس بقيمة ما من إشباع البشرية (كو 2: 22، 23).

هل الذين يعيشون في الجبل ويأكلون أبسط أكل لا توجد في داخلهم شهوات؟ يقول سليمان الحكيم: "إِنْ دَقَقْتَ الأَحْمَقَ (الجسد) فِي هَاوُنٍ بَيْنَ السَّمِيذِ بِمِدَقٍّ لاَ تَبْرَحُ عَنْهُ حَمَاقَتُهُ" (أم 27: 22) كل ذرة فيه حماقة لأن "المولود من الجسد جسد هو" (يو 3: 16). فالفلسفة الأولى والفلسفة الثانية خطأ أيضاً[1].

"وَاللَّهُ قَدْ أَقَامَ الرَّبَّ وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضاً بِقُوَّتِهِ" (ع 14).

الله أقام ربنا يسوع المسيح من الأموات ولم يدع جسده يرى فساداً بل أقامه في اليوم الثالث: "لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَاداً" (مز 16: 10). ويقول الرسول بطرس في (أع 2: 30- 32) عن داود: "فَإِذْ كَانَ نَبِيّاً وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً. فَيَسُوعُ هَذَا أَقَامَهُ اللهُ وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذَلِكَ". فالجسد للرب والرب للجسد ليس فقط في هذه الحياة وهو يعطينا ما نأكل وما نلبس لكن حتى بعد أن نموت (إذا تأنى الرب عن مجيئه وتحللت أجسادنا) فسيقيمنا الرب بقوته لأنه افتداها ويقول الرسول في (1 كو 15: 42): "هَكَذَا أَيْضاً قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ: يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ".

"أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟ أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ الْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟ حَاشَا! أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنِ الْتَصَقَ بِزَانِيَةٍ هُوَ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّهُ يَقُولُ: «يَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً»" (ع 15، 16).

لقد افتدانا المسيح بدمه الكريم وأعضاؤنا ملك له وهو صاحب الحق في أن يشغّلها أفآخذ أعضائي التي صارت ملكاً للمسيح أي أخذ أعضاء المسيح التي قد امتلكها وجعلها أعضاء امرأة زانية؟ وكلمة آخذ معناها "أغتصب". وقوله "ألستم تعلمون" يفيد أنهم كانوا يعلمون أن من التصق بزانية هو جسد واحد.

وطبعاً هنا إشارة عامة عن الزنى الذي كان منتشراً في كورنثوس وفيه إشارة تلميحية للرجل الذي أخذ امرأة أبيه (ص 5) وعاش معها فالذي يزني مع امرأة يكون هو والزانية جسد واحد فالزواج ليس سراً لكن حتى الزانية متى التصق بها إنسان أصبح هو وهي جسداً واحداً السر ليس في الزواج لكن في الارتباط الروحي بين المسيح والكنيسة. لذلك يقول الرسول: "هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ" (أف 5: 32).

"وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ. اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا. كُلُّ خَطِيَّةٍ يَفْعَلُهَا الإِنْسَانُ هِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْجَسَدِ لَكِنَّ الَّذِي يَزْنِي يُخْطِئُ إِلَى جَسَدِهِ" (ع 17، 18).

"وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ": هذا هو مقام المؤمن عندما يقول المسيح "أعضاء المسيح" لا يقصد أن المؤمنين أعضاء في جسد المسيح الروحي بل إن أعضاء جسم المؤمن هي للرب العين عضو للمسيح واليد عضو للمسيح والأذن عضو للمسيح وهذا بخلاف الكلام في (1 كو 12: 18، 21) حيث نقرأ: "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَضَعَ اللهُ الأَعْضَاءَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْجَسَدِ كَمَا أَرَادَ... لاَ تَقْدِرُ الْعَيْنُ أَنْ تَقُولَ لِلْيَدِ: «لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ»... وهكذا". فالكلام هنا في (1 كو 12) عن جسد المسيح السري الذي هو الكنيسة ويشبه المؤمنين بأعضاء فيه.

"اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا": نهرب أي لا نناقش ولا نجادل مع الأفكار الدنسة والأميال الشهوانية مثلاً إذا شبت نار فهل أحاول أن أطفئها بيدي؟ لا. فإن يدي تحترق لكن أهرب من النار هكذا لا أحاول إطفاء الشهوة التي تثور فيَّ بل أهرب كما فعل يوسف "فترك ثوبه في يدها وخرج إلى خارج" (تك 39: 12). يقول الرسول بولس لتيموثاوس: "أما الشهوات الشبابية فاهرب منها" (2 تي 2: 22) ويقول أيضاً عن شيء آخر نهرب منه وهو محبة المال: "لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ. وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِنْسَانَ اللهِ فَاهْرُبْ مِنْ هَذَا..." (1 تي 6: 10، 11).

"أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ" (ع 19، 20).

في (ص 3: 16) يقول الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم" فهناك يتكلم عن المؤمنين كجماعة- بيت الله والروح القدس يسكن فيهم أما هنا فيتكلم عن المؤمن كفرد وجسده المادي يسكن فيه الروح القدس باعتباره هيكلاً للروح القدس. كما يستدعي هذا منا كل الانتباه وكل الحرص- الله الروح القدس ساكن فيَّ- ويقول الرسول: "ولا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف 4: 30) "ولا تطفئوا الروح" (1 تس 5: 19) "ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح" (أف 5: 18).

يلاحظ أن الرسول يقول: "ألستم تعلمون" في هذا الأصحاح سبع مرات فهي مبادئ مقررة ينبغي أن تكون معروفة جيداً:

1- "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟" (ع 2).

2- "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟" (ع 3).

3- "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟" (ع 9).

4- "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟" (ع 15).

5- "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنِ الْتَصَقَ بِزَانِيَةٍ هُوَ جَسَدٌ وَاحِدٌ" (ع 16).

6- "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ" (ع 19).

7- "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْلأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ" (ع 19).

ويذكر الرسول هنا ستة أدلة على أهمية الجسد- جسد المؤمن الحرفي وهي:

1- "وَلَكِنَّ الْجَسَدَ لَيْسَ لِلزِّنَا بَلْ لِلرَّبِّ وَالرَّبُّ لِلْجَسَدِ" (ع 13).

2- "وَاللَّهُ قَدْ أَقَامَ الرَّبَّ وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضاً بِقُوَّتِهِ" (ع 14).

3- "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟" (ع 15).

4- "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ" (ع 19).

5- "لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ" (ع 20).

6- "لأننا نمجد الله في أجسادنا" (ع 20).

وأيضاً يقول الرسول في فيلبي 3 أن هذا الجسد سيفتدى وسيتغير على صورة جسد المسيح.

"لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ": ما هو الثمن؟ الجواب في (1 بط 1: 18- 20): "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفاً سَابِقاً قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ". يا له من ثمن غالٍ وكريم! ويبني الرسول على ذلك التحريض الواجب على كل المؤمنين "فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي الله".

[1]- ويجب أن نلاحظ أنه يوجد فرق بين الجسد المادي الذي نسكن فيه أي اللحم والدم وبين الجسد (أي مبدأ الخطية) الذي يسكن فينا وهو الطبيعة الساقطة التي يقول عنها الرسول " فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ" (رو 7: 18). الجسد المادي به نخدم الرب أما الطبيعة الفاسدة فمحكوم عليها بالموت ويجب أن ننفذ فيها هذا الحكم كما يقول الرسول: "فأميتوا أعضاءكم (أي شهواتكم) التي على الأرض".

أضف تعليق


قرأت لك

القناعة كنز

في بلاط الملك لويس الرابع عشر، كانت تعيش امرأة ذات ثروة كبيرة، فقرّرت أن تخصّص جزءاً منها لتخفيف بؤس وعوز الشعب. ولم تكن المهمّة سهلة. فبينما كانت تعطيهم خبزاً، يطلبون وليمة، تعطيهم لباساً يطلبون ملابس فخمة. فعلقت على ذلك بقولها : " طبيعة الانسان وجشعه تجعله يحلم بالرخاء، بينما تعوزه الضروريات ".

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة