تفاسير

الأصحاح العاشر

القسم: رسالة كورنثوس الأولى.

"فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ" (ع 1).

لا ننسى أيها الأحباء أن التقسيم إلى أصحاحات في الكتاب المقدس هو من قبيل تسهيل الرجوع إلى كل جزء وليس موحى به من أجل ذلك ينبغي أن نلاحظ دائماً ارتباط الكلام ببعضه وتسلل الفكر الإلهي العام.

يبدأ هذا الأصحاح بالقول: "فإني" الفاء تربط أصحاحنا بما قبله. كان آخر كلام في الأصحاح السابق: "حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً" وعرفنا أن الرسول لا يتكلم بذلك عن نفسه لأنه واثق بكل تأكيد أنه غير مرفوض لا من الجعالة لأنه هو الذي قال: "وأخيراً وصنع لي إكليل البر" ولا من السماء لأنه قال أيضاً: "جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي (القانوني) حفظت الإيمان".

وهنا كأن الرسول يقول هل تستغربون أن شخصاً بعد أن سعى وكرز للآخرين صار مرفوضاً؟ هذا ليس بغريب فإني أحيلكم إلى تاريخ الشعب القديم فإن آباءنا جميعهم مع أنهم ساروا وراء موسى لكن بأكثرهم لم يسر الله وطرحت جثثهم في القفر بسبب عدم الإيمان وعجيب أن يسمى آباء الشعب القديم "آباؤنا" وكان هذا سبباً في أن كثيرين قالوا إننا إسرائيل الروحي وأن الكنيسة امتداد لإسرائيل، لكن هذا غير صحيح على الإطلاق فإسرائيل شيء والكنيسة شيء آخر تماماً.

يقول الرسول في (ع 32) من هذا الأصحاح: "كُونُوا بِلاَ عَثْرَةٍ لِلْيَهُودِ وَلِلْيُونَانِيِّينَ (أي الأمم) وَلِكَنِيسَةِ اللهِ". فكنيسة الله لم يكن لها وجود في العهد القديم لكنها مؤسسة جديدة تكونت بحلول الروح القدس في يوم الخمسين عندما قال الرب لبطرس: "وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي" لم تكن الكنيسة قد بنيت لكن عندما جاء الروح القدس من السماء جمع المؤمنين وربطهم معاً وصيرهم جسداً واحداً "لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضاً اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ يَهُوداً كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ عَبِيداً أَمْ أَحْرَاراً. وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحاً وَاحِداً" (1 كو 12: 13). إن أولاد إبراهيم يعتبرون آباءنا لأن إبراهيم هو أبونا في الإيمان وهؤلاء أولاد إبراهيم ولكن هذا ليس معناه أننا نحن إسرائيل لا يوجد شيء اسمه إسرائيل الروحي. يوجد إسرائيل ويوجد أمم وتوجد كنيسة الله وفي كنيسة الله ليس "يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ" (كو 3: 11).

"وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ" (ع 2).

يتكلم الرسول هنا عن امتيازات عامة للجميع بدون استثناء هل جميع الذين خرجوا من مصر كانوا مؤمنين حقيقيين؟ لا الدليل أنه يقول في عب 3 أنهم رفضوا بسبب عدم الإيمان ويقول الرسول هناك نفس الكلام الذي يقوله هنا: "لِذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً (يعود الرسول لتاريخ الشعب القديم). لِذَلِكَ مَقَتُّ ذَلِكَ الْجِيلَ، وَقُلْتُ إِنَّهُمْ دَائِماً يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي. حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي» (وبعد ذلك يقدم الرسول تحذيراً للعبرانيين الذين كتبت لهم الرسالة وفيهم مؤمنون حقيقيون وفيهم مؤمنون بالاسم مثل الشعب القديم الذي كان فيه مؤمنون بالحق ومؤمنون بالاسم). اُنْظُرُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي أَحَدِكُمْ قَلْبٌ شِرِّيرٌ بِعَدَمِ إِيمَانٍ فِي الاِرْتِدَادِ عَنِ اللهِ الْحَيِّ" (عب 3: 7- 12).

من هو الذي يرتد عن الله الحي؟ غير المؤمن طبعاً لكن المؤمن لا يرتد لأن المؤمن محفوظ بقوة الله ويواصل الرسول كلامه في رسالة العبرانيين قائلاً: "لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ، إِذْ قِيلَ: «الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ». فَمَنْ هُمُ الَّذِينَ إِذْ سَمِعُوا أَسْخَطُوا؟ (أي أغضبوا الله) أَلَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى؟ وَمَنْ مَقَتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ أَلَيْسَ الَّذِينَ أَخْطَأُوا، الَّذِينَ جُثَثُهُمْ سَقَطَتْ فِي الْقَفْرِ؟ وَلِمَنْ أَقْسَمَ لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ" (عدد 14- 19).

فالرسول يبين في عب 3 أن أكثرية الذين خرجوا من مصر من الشعب القديم لم يكونوا مؤمنين حقيقيين رغم تمتعهم بالامتيازات العامة الممنوحة للشعب ويبين في هذه الرسالة في آخر ص 9 أنه بين المؤمنين يوجد أناس غير مؤمنين حقيقيين لكنهم في وسط المؤمنين ويتمتعون بامتيازات المؤمنين وقد يكرزون أيضاً لكن يظهر في النهاية أنهم مزيفون.

عندما خرج الشعب القديم من مصر وخرج المصريون وراءهم ماذا عملت السحابة؟ فصلت بينهم وبين المصريين وبعد ذلك ظللتهم. فالذين تحت السحابة تميزوا عن الذين خارج السحابة، من هم الذين تحت السحابة؟ شعب الله فلهم هذا الامتياز أنهم تحت السحابة وجميعهم اجتازوا في البحر ولا واحد منهم غرق في البحر اجتازوا في البحر بصفتهم شعب الله. المصريون غرقوا لكن هؤلاء اجتازوا في البحر في أمان "اعتمدوا لموسى": يعني انفرزوا أي أن هؤلاء ليسوا مصريين لكن تبعوا موسى بدليل أنهم اجتازوا في الموت في البحر وكانت المياه من هنا ومن هنا وهم في وسط البحر والسحابة فوقهم اعتبر الرسول أن هذا بمثابة دفن المعمودية للموت.

"وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَاماً وَاحِداً رُوحِيّاً" (ع 3).

بعد أن خرجوا من مصر إلى البرية نزل لهم المن- الطعام الذي أعطاه الله لهم في البرية فهذا الطعام الذي أكلوه كان طعاماً مادياً لكن لا دلالة روحية أي لا دلالة رمزية هل هذ الكلام غريب؟ لا. لأننا نقرأ في (رؤ 11: 8): "الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تُدْعَى رُوحِيّاً سَدُومَ وَمِصْرَ"- المدينة العظيمة روما تدعى روحياً أي من الوجهة الرمزية سدوم بالنسبة لفسادها ومصر بالنسبة لقسوتها.

وأيضاً في ( غلا 4: 23- 25) يتكلم الوحي عن هاجر وسارة وإبراهيم واسحق فيقول: "الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. وَكُلُّ ذَلِكَ رَمْزٌ (أي له دلالة رمزية)، لأَنَّ هَاتَيْنِ (هاجر وسارة) هُمَا الْعَهْدَانِ (أي رمزان روحيان للعهدين)، أَحَدُهُمَا مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ الْوَالِدُ لِلْعُبُودِيَّةِ، الَّذِي هُوَ هَاجَرُ. لأَنَّ هَاجَرَ جَبَلُ سِينَاءَ" أي إن هاجر ترمز لجبل سيناء الوالد للعبودية.

فهنا عندما يقول الكتاب: "أكلوا طعاماً واحداً روحياً" يقصد أن هذا الطعام له دلالة روحية كما قال الرب لليهود عندما قالوا إن موسى أعطانا المن فقال: "لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ لأَنَّ خُبْزَ اللَّهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ" (يو 6: 32، 33) إذاً المن كان روحياً يرمز للمسيح.

"وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَاباً وَاحِداً رُوحِيّاً - لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ" (ع 4).

بالمثل شربوا ماء من الصخرة كان له دلالة روحية لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية لم يكن معهم صخرة روحية بل كان معهم صخرة مادية تابعتهم لكن هذه الصخرة المادية كانت ترمز للمسيح الصخرة المادية ضربت وانفجرت منها المياه. ويقول التلمود أنه كانت توجد صخرة مادية تمشي وراءهم. ولكن المهم أن الصخرة الروحية أي المسيح فقد تابعتهم لأن المسيح هو الذي سار معهم الأربعين سنة في القفر. وعندما قال الهم الرب إني لا أصعد في وسطكم لئلا أفنيكم في الطريق قال له موسى: "إن لم يسر وجهك لا تصعدنا من ههنا" والرب قال: "وجهي يسير فأريحك" (خر 33: 14، 15). فالرب سار معهم وكان هو الصخرة الروحية التي تابعتهم. لقد شربوا من صخرة مادية لكن نحن نشرب من صخرة روحية هي الرب يسوع المسيح.

لاحظوا يا أحبائي أن الرسول اختار أشياء عن الشعب القديم مثل المعمودية فيقول اعتمدوا لموسى ثم الأكل والشرب الذي فيه تلميح عن العشاء الرباني يعني كان للشعب القديم معمودية وأكل وشرب كذلك توجد امتيازات في المسيحية معمودية وعشاء الرب هل جميع الذين اعتمدوا مؤمنون حقيقيون؟ كلا. هل كل الذين يتناولون من عشاء الرب في كل المسيحية مؤمنون حقيقيون؟ كلا. إذاً الامتيازات الخارجية لا تعطي اليقين بشيء لأنها امتيازات عامة. لكن المهم الحياة الداخلية المعطاة من الله والإيمان الحقيقي.

نقرأ في (رؤ 3: 10): "أنا عارف أن لك اسماً أنك حي وأنت ميت". الخلاصة أنه يوجد أناس في وسط المسيحية لهم الامتيازات العامة وأخصها المعمودية وعشاء الرب لكنهم غير مؤمنين حقيقيين.

لا تنخدع أيها العزيز تحقق من أنك مولود من فوق الولادة الثانية ويسكن فيك الروح القدس.

"لَكِنْ بِأَكْثَرِهِمْ لَمْ يُسَرَّ اللهُ لأَنَّهُمْ طُرِحُوا فِي الْقَفْرِ. وهَذِهِ الأُمُورُ حَدَثَتْ مِثَالاً لَنَا حَتَّى لاَ نَكُونَ نَحْنُ مُشْتَهِينَ شُرُوراً كَمَا اشْتَهَى أُولَئِكَ" (ع 5، 6).

دليل عدم سرور الله بهم أنه أماتهم وطرحهم في القفر ولم يدخلهم أرض الموعد ونقرأ في (عب 3: 19): "فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ".

"وهَذِهِ الأُمُورُ حَدَثَتْ مِثَالاً لَنَا": أي إنها أمور حقيقية حدثت لكن التاريخ حقيقي له جانب رمزي حدثت مثالاً لنا وكتبت لتكون تحذيراً لنا لأننا نجتاز في نفس الصعوبات التي اجتازوا هم فيها وفي ع 11 نقرأ: "أصابتهم مثالاً وكتبت لإنذارنا". فالأشياء التي كتبت ليست هي كل تاريخ البشرية فهذا التاريخ يحتاج إلى مجلدات لكن اختار الله حوادث معينة نجد في كل حادثة منها مثالاً لنا وفيها إنذار وتحذير لنا. هل غرض الروح القدس من كتابة هذه الأشياء أن نعرف التاريخ؟ لا. لكن لكي نتعلم دروساً عن البركات الروحية التي كانت ترمز إليها تلك الأمور- هذا من جهة. ومن الجهة الثانية نتعلم عملياً في حياتنا أن نتجنب تلك الشرور التي جلبت عليهم غضب الله.

انظروا يا أحبائي الترتيب الدقيق "حتى لا نكون نحن مشتهين شروراً كما اشتهى أولئك"- حتى لا يذكر هنا خطية معينة ولكن يذكر خطايا محددة بعد ذلك لكن في الأول يذكر أساس الخطية ما هو أساس الخطية؟؟ الشهوة. ونقرأ في رسالة يعقوب: "ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمُلَتْ تُنْتِجُ مَوْتاً" (يع 1: 15). وهنا يذكر أن جثثهم طرحت في القفر وماتوا ابتدأت بالشهوة وولدت خطية والخطية أنتجت موتاً ونحن كذلك معرضون للشهوة. لذلك يقول الرسول يوحنا: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ... لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ..." (1 يو 2: 15، 16) وإذا اشتهينا هذه الأشياء نقع في الخطية فهنا يقول "لا نكون مشتهين شروراً" هذا كلام عام يبين أن أصل الخطية شهوة نبتت في القلب إذاً يجب أن نحرص على قلوبنا حتى لا تتسرب إليها الشهوة ولا نربي الشهوة في قلوبنا حتى تحبل بل نقضي على الشهوة أولاً بأول.

"فَلاَ تَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «جَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ»" (ع 7).

متى حدث هذا؟ عندما عبدوا العجل الذهبي عقب خروجهم من مصر مباشرةً وقال الرب لموسى اصعد إلى الجبل عندي كي أعطيك الشريعة ثم غاب أربعين يوماً عن أنظارهم وهذا الشعب يريد المنظور ما دام لا يوجد إيمان فهم يريدون آلهة تسير أمامهم ويريدون أن يروا بعيونهم لكن المسيح له المجد قال "لا تضطرب قلوبكم أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي" (يو 14: 1) المسيح غير منظور لكن نؤمن به ونسجد له ونعبده وكل منا يقول "ربي وإلهي". لكن أولئك بمجرد أن غاب موسى عن عيونهم قالوا نحن نريد إلهاً منظوراً فعمل لهم هرون العجل الذهبي وجلسوا للأكل والشرب ثم قاموا للعب (أي الرقص حول العجل) ونقرأ عن ذلك في سفر الخروج أنهم كانوا يرقصون حول العجل الذهبي ونلاحظ أن عبادة الأوثان ترتبط بالأكل والشرب والرقص والنجاسة. تقترن عبادة الأوثان حتى اليوم وغداً بالنجاسة والشهوات الجسدية.

"وَلاَ نَزْنِ كَمَا زَنَى أُنَاسٌ مِنْهُمْ فَسَقَطَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَلاَثَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفاً" (ع 8).

يذكر الرسول حادثة الزنى هذه مباشرةً بعد عبادة الأوثان مع أنها حدثت في آخر الرحلة مع بنات المديانيين (سفر العدد ص 25) لما أراد بالاق أن يلعن الشعب واستخدم في ذلك بلعام ولم يقدر بلعام أن يلعنهم لأن الله منعه فلكي يأخذ أجرته من بالاق قدم له نصيحة بأن يجعل بنات مديان يرقصن أمام الشعب فيختلط الشعب بهم ويتعلم عبادة آلهتهن والرب يغضب عليهم فالذي وضع معثرة أمام بني إسرائيل هو بلعام أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا. أنظر سفر العدد (ص 31: 16). وهنا يربط الوحي عبادة الأوثان بحادثة الزنى.

لاحظوا أيها الأحباء أن الروح القدس يختار الأمور التي كان الكورنثيون كعبدة أوثان منغمسين فيها قبلاً وكانوا معرضين لها خصوصاً المدسوسون بينهم وهم غير المؤمنين. قال لهم الرسول قبل ذلك "وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم.." (ص 6: 11) من أجل ذلك يحذرهم الرسول من هاتين الخطيتين الكبيرتين المرتبطتين معاً اللتين وقع فيهما الشعب وعندما نرجع إلى سفر العدد (ص 25: 6) نجد أن الذين سقطوا بسبب حادثة الزنى هذه كانوا 24 ألفاً لكن هنا يقول 23 ألفاً! قال النقاد والملحدون أن الوحي ليس حرفياً وإن بولس أخطأ في الرقم لكن الحقيقة أن بولس لم يخطىء ولا بولس هو الذي كتب لكن الذي كتب هو الروح القدس الذي لا يخطىء.

والعبارة التي توضح المسألة قوله "سقط في يوم واحد" أي أنه في اليوم الأول سقط بالوبأ 23 ألفاً والألف الباقية سقطت بعد ذلك اليوم الأول والجملة هي 24 ألفاً كما في سفر العدد ص 25.

"وَلاَ نُجَرِّبِ الْمَسِيحَ كَمَا جَرَّبَ أَيْضاً أُنَاسٌ مِنْهُمْ فَأَهْلَكَتْهُمُ الْحَيَّاتُ" (ع 9).

هل جرب أولئك المسيح؟.. هل كانوا يعرفون المسيح؟ لا، لكن جربوا الله. وليس غريباً لأن موسى كان يعرف المسيح [1] ومكتوب عنه: "حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر..." (عب 11: 26).

لقد اعتبر عار شعب الله شرفاً وفخراً له واعتبر الرسول هذا أنه احتمال لعار المسيح لقد جرّب أناس منهم الله وقالوا من يعطينا لحماً؟ ونقرأ هذا في سفر العدد (ص 11: 4، 6): "وَاللفِيفُ الذِي فِي وَسَطِهِمِ اشْتَهَى شَهْوَةً. فَعَادَ بَنُو إِسْرَائِيل أَيْضاً وَبَكُوا وَقَالُوا: «مَنْ يُطْعِمُنَا لحْماً؟... وَالآنَ قَدْ يَبِسَتْ أَنْفُسُنَا. ليْسَ شَيْءٌ غَيْرَ أَنَّ أَعْيُنَنَا إِلى هَذَا المَنِّ!»". وبذلك احتقروا المن، عطية الله الثمينة التي ترمز للمسيح، وشكوا في عتايته بهم.ونقرأ عن ذلك أيضاً في (ص 21: 5- 9) من نفس السفر: "وَتَكَلمَ الشَّعْبُ عَلى اللهِ وَعَلى مُوسَى قَائِلِينَ: «لِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِنَمُوتَ فِي البَرِّيَّةِ! لأَنَّهُ لا خُبْزَ وَلا مَاءَ وَقَدْ كَرِهَتْ أَنْفُسُنَا الطَّعَامَ السَّخِيفَ». فَأَرْسَل الرَّبُّ عَلى الشَّعْبِ الحَيَّاتِ المُحْرِقَةَ فَلدَغَتِ الشَّعْبَ فَمَاتَ قَوْمٌ كَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيل.... فَصَلى مُوسَى لأَجْلِ الشَّعْبِ فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: «اصْنَعْ لكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلى رَايَةٍ فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِليْهَا يَحْيَا». فَصَنَعَ مُوسَى حَيَّةً مِنْ نُحَاسٍ وَوَضَعَهَا عَلى الرَّايَةِ فَكَانَ مَتَى لدَغَتْ حَيَّةٌ إِنْسَاناً وَنَظَرَ إِلى حَيَّةِ النُّحَاسِ يَحْيَا".

هذه وقائع حدثت فعلاً لكنها رموز لأمور روحية يقول الرب يسوع في (يو 3: 14) "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ" فكانت الحية النحاسية رمزاً للمسيح المرفوع على صليب الجلجثة لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.

عندما عبد شعب إسرائيل العجل الذهبي قديماً وأراد الله أن يفنيهم توّسط موسى لأجلهم فكان رمزاً للمسيح الوسيط. نحن أحياناً نجرب المسيح عندما نشك في محبته أو عندما نشك في عنايته عندما تصغر نفوسنا بسبب ضيق أو آلام الزمان الحاضر ولذلك نجد هنا تحذيراً من أن نجرب المسيح.      

"وَلاَ تَتَذَمَّرُوا كَمَا تَذَمَّرَ أَيْضاً أُنَاسٌ مِنْهُمْ فَأَهْلَكَهُمُ الْمُهْلِكُ" (ع 10).

والتذمر هنا يشير إلى مشاجرة قورح الذي تذمر هو وجماعته على موسى وهرون حيث نقرأ: "وَأَخَذَ قُورَحُ... وَدَاثَانُ وَأَبِيرَامُ.... يُقَاوِمُونَ مُوسَى مَعَ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ رُؤَسَاءِ الجَمَاعَةِ مَدْعُوِّينَ لِلاِجْتِمَاعِ ذَوِي اسْمٍ. فَاجْتَمَعُوا عَلى مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالُوا لهُمَا: «كَفَاكُمَا! إِنَّ كُل الجَمَاعَةِ بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا الرَّبُّ. فَمَا بَالُكُمَا تَرْتَفِعَانِ عَلى جَمَاعَةِ الرَّبِّ؟»" (العدد 16: 1- 3).

وفي (ع 31- 35) من نفس الأصحاح نقرأ: "فَلمَّا فَرَغَ مِنَ التَّكَلُّمِ بِكُلِّ هَذَا الكَلامِ انْشَقَّتِ الأَرْضُ التِي تَحْتَهُمْ وَفَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلعَتْهُمْ وَبُيُوتَهُمْ وَكُل مَنْ كَانَ لِقُورَحَ مَعَ كُلِّ الأَمْوَالِ فَنَزَلُوا هُمْ وَكُلُّ مَا كَانَ لهُمْ أَحْيَاءً إِلى الهَاوِيَةِ وَانْطَبَقَتْ عَليْهِمِ الأَرْضُ فَبَادُوا مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ... وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَكَلتِ المِئَتَيْنِ وَالخَمْسِينَ رَجُلاً الذِينَ قَرَّبُوا البَخُورَ" ولكن أين المهلك الذي يقول عنه الرسول: "فأهلكهم المهلك"؟ نجد هذا في حادثة أتت بعد ذلك مباشرة نجدها في (ع 41- 50): "فَتَذَمَّرَ كُلُّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيل فِي الغَدِ عَلى مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلِينَ: «أَنْتُمَا قَدْ قَتَلتُمَا شَعْبَ الرَّبِّ»... فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: «اِطْلعَا مِنْ وَسَطِ هَذِهِ الجَمَاعَةِ فَإِنِّي أُفْنِيهِمْ بِلحْظَةٍ». فَخَرَّا عَلى وَجْهَيْهِمَا. ثُمَّ قَال مُوسَى لِهَارُونَ: «خُذِ المَجْمَرَةَ وَاجْعَل فِيهَا نَاراً مِنْ عَلى المَذْبَحِ وَضَعْ بَخُوراً وَاذْهَبْ بِهَا مُسْرِعاً إِلى الجَمَاعَةِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ لأَنَّ السَّخَطَ قَدْ خَرَجَ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ. قَدِ ابْتَدَأَ الوَبَأُ». فَأَخَذَ هَارُونُ كَمَا قَال مُوسَى وَرَكَضَ إِلى وَسَطِ الجَمَاعَةِ وَإِذَا الوَبَأُ قَدِ ابْتَدَأَ فِي الشَّعْبِ. فَوَضَعَ البَخُورَ وَكَفَّرَ عَنِ الشَّعْبِ. وَوَقَفَ بَيْنَ المَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الوَبَأُ...". فالذين تذمروا أهلكهم المهلك أي ضربهم الملاك المهلك بالوبأ فماتوا ففي حادثة العجل الذهبي كانت خدمة موسى الوسيط. وهنا خدمة هرون رئيس الكهنة، رفضوا الوسيط موسى ورفضوا رئيس الكهنة هرون مع أنه لولا خدمة الوسيط لهلكوا في حادثة العجل الذهبي. ولولا خدمة رئيس الكهنة لهلكوا بالوبأ بسبب التذمر فكل هذه رموز لخدمات ربنا يسوع المسيح له كل المجد.

"فَهَذِهِ الأُمُورُ جَمِيعُهَا أَصَابَتْهُمْ مِثَالاً وَكُتِبَتْ لِإِنْذَارِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ" (ع 11).

ما هي أواخر الدهور؟ اله له تدبيرات وأزمنة فمثلاً تدبير الضمير عندما امتحن الله الإنسان تحت الضمير. وتدبير حكومة الإنسان وتدبير وعد إبراهيم وتدبير الناموس والتدبير الحالي تدبير النعمة يقول عنه الدهر الحاضر (1 تي 6: 17). ويوجد دهر آت حيث نقرأ "وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي (أي ملك الألف سنة).

لقد فشل الإنسان تحت كل التدابير والدهر الحالي هو أواخر الدهور ويليه دهر آت أو "عالم عتيد" وهو الملك الألفي السعيد. ويقول الرسول في (عب 1، 2) "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ،كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ.. ".

"إِذاً مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ" (ع 12)

هؤلاء سقطوا مع أنهم افتخروا بأنهم شعب الله والمسيحي يجب أن يكون حريصاً فيوم أن يتصور المؤمن أنه قائم يمكن أن يسقط لكن لا يهلك لأن الله يقيمه أما غير المؤمن فيسقط للهلاك ذات مرة قال بطرس المتقدم بين التلاميذ للرب "وإن شك فيك الجميع أنا لا أشك" لكنه أنكر سيده وسقط ولكن الرب كان قد سبق وطلب من أجله لكي لا يفنى إيمانه وأنت أيها المؤمن يوم أن تظن أنك قائم بقوتك يجب أن تنتبه لأن الثقة في الذات هي بداية السقوط.

"لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اللهَ أَمِينٌ الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضاً الْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا" (ع 13).

أحياناً نأخذ هذا الكلام عن التجارب الأمراض والآلام، والأحزان لكن المقصود هنا التجربة من الشيطان لإسقاط الإنسان في الشر مثل الأمور السابق ذكرها في هذا الأصحاح إذ كانت كل التجارب المشار إليها سابقاً من الشيطان بهدف إيقاع الشعب في الشر وقد سقطوا وفشلوا فيها كلها ونحن يجب أن نكون صاحين كما علمنا الرب "اسهروا وصلوا لئلا تقعوا في تجربة" (مت 26: 41).

يوجد نوعان من التجارب: "لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، لأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَداً" (يع 1: 13) هذه تجربة بالشر يجربنا بها الشيطان لكي يسقطنا في الخطية أما النوع الثاني فمن عند الله لامتحان إيماننا.

"لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ": أي أن التجارب التي من الشيطان قد تجرّب بها بشر قبلنا ويقول الرسول هنا أم هذه الأمور أصابتهم مثالاً وكتبت لإنذارنا. لأننا مثلهم نسقط بسبب شهواتنا البشرية كما نقرأ في (يع 1: 13). وقد تجاسر الشيطان وجرّب الرب يسوع لكن الرب انتصر عليه بسيف الكلمة "مكتوب" ونحن عندنا سلاح الله الكامل (أف 6). والرب يعطينا المنفذ لطي ننتصر في التجربة. فالتجارب التي نجرّب بها بشرية كالتي جرّب بها أناس آخرون قبلنا "ولكن الله أمين" الذي دعانا إلى مجده الأبدي يحفظنا ويثبتنا ويقوينا قد تظهر منا عدم الأمانة لكنه يبقى أميناً. الذي يسقط ويهلك هو غير المؤمن لكن المؤمن محفوظ وحافظه أمين.

"لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا": وليس فقط أن نحتمل لكن نستطيع أيضاً أن ننتصر على فخاخ العدو.

"لِذَلِكَ يَا أَحِبَّائِي اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ" (ع 14).

وهنا يستأنف الرسول كلامه في ع 7 عن عبادة الأوثان. ويقول الرسول يوحنا "أيها الأولاد احفظوا أنفسكم من الأصنام" (1 يو 1: 25). ما هي الأصنام؟ هي كل ما يتحول إليه القلب عن الله وكذلك الزنى الروحي هو تحول القلب عن الله. أما القلب الشبعان بالمسيح فلا يشتهي شروراً ولا يكون موزعاً ومنقسماً لكن يكون للرب وحده.

يأمرنا الكتاب أن نهرب من ثلاثة أشياء:

1- "اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ" (1 كو 10: 14) وعبادة الأوثان كما سبقت الإشارة هي الانحراف إلى أي شيء يميل إليه القلب بعيداً عن الرب فإن كان شغلي يأخذ كل وقتي وفكري يكون عبادة أوثان.. وهكذا يقولون أكل العيش عبادة لكن عبادة من؟ عبادة أوثان "الذين إلههم بطنهم.. نهايتهم الهلاك".

2- في (1 تي 6: 9- 11): "الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ، لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ. وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِنْسَانَ اللهِ فَاهْرُبْ مِنْ هَذَا" محبة المال منزلق أول ما يضع الإنسان رجله ينزلق ويجد نفسه نازلاً ويحاول التوقف ولا يستطيع والشيطان هو الذي يغري الإنسان ويضعه في هذا المنزلق.

3- في (2 تي 2: 22) "وأما الشهوات الشبابية فاهرب منها" لا يجوز أن يصارع الشباب مع الشهوات الشبابية لكن يطردها بعيداً لأن الصراع معها يقود إلى الهزيمة المؤكدة ونقرأ عن يوسف أنه استعمل سلاح الهروب إذ "ترك ثوبه في يدها وهرب" (تك 39: 12).

"أَقُولُ كَمَا لِلْحُكَمَاءِ: احْكُمُوا أَنْتُمْ فِي مَا أَقُولُ" (ع 15).

يقول الرسول لهم في (ص 1: 5) من نفس الرسالة "إنكم في كل شيء استغنيتم فيه في كل كلمة وكل علم" أنتم حكماء لكن لما أتيت إليكم أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة.. "لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً" (ص 2: 1، 2). وقال لهم أيضاً: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هَذَا الدَّهْرِ فَلْيَصِرْ جَاهِلاً لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيماً!" (ص 3: 18). الحكمة الحقيقية هي المسيح "الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسةً وفداءً" (ص 1: 30) والرسول يقول هنا: "أقول كما للحكماء" والحكيم حقاً هو الذي عنده الروح القدس وصار المسيح حكمته فيقدر أن يعرف كل شيء.

"احْكُمُوا أَنْتُمْ فِي مَا أَقُولُ": اتخذ غير المؤمنين والعصريون في هذه الأيام هذه العبارة سنداً لكي يحكموا في كلمة الله! بالكذب وخداع العدو هل من المعقول أن يكون قصد الرسول من هذه العبارة أن الإنسان الطبيعي يحكم في كلام الله ليقبل ما يقبل ويرفض ما يرفض! "وَلَكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ (أي لا يقدر أن يفهمه) مَا لِرُوحِ اللهِ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيّاً" (ص 2: 14). هل يضع الإنسان نفسه فوق كلمة الله كسيد يحكم فيها؟ حاشى إن كلمة الله هي التي تحكم فينا.

لكن هنا يتكلم عن الحكماء الذين فيهم الحكمة الحقيقية كما يقول الرسول في (ص 14: 37): "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيّاً أَوْ رُوحِيّاً فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ" أي يحكم إن هذا كلام الله المنزه عن الكذب الموحى به تماماً الواجب الاحترام.

فالحكم هنا هو حكم الإنسان الروحي بأنها هي كلمة الله وإن حكم إنسان غير ذلك فليس عنده روح الله لأن روح الله هو الذي كتب الكتاب وهو الموجود في الإنسان الروحي فيجعله ينحني بكل خشوع ويصادق أن هذا هو كلام الله.

"كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟" (ع 16).

الموضوع في هذا الفصل أيها الأحباء هو الشركة لقد تكلم الرسول في الأصحاح الثامن عن الأكل مما ذبح للأوثان وهنا يقول أن الأكل مما ذبح للأوثان يعتبر شركة كما أن الأكل من عشاء الرب يعتبر شركة فالكلام هنا ليس المقصود به أن يرينا طريقة ممارسة عشاء الرب فهذا يبنيه في ص 11.

لكن هنا يتكلم عن وجه من أوجه عشاء الرب وهو الشركة إن الوجه الرئيسي من عشاء الرب هو ذكرى موت الرب الذي قال: "اصنعوا هذا لذكري" ولكن يوجد وجه آخر فرعي وهو الشركة التي هي مفهوم من الجلوس معاً على مائدة واحدة.

ونلاحظ تكرار كلمة "شركة ويشترك" عدة مرات في هذا الفصل لأن هذا هو الموضوع الرئيسي هنا ولو كان قصد الرسول رسم عشاء الرب لذكر الخبز أولاً ثم الكأس كما قال في (ص 11: 23): "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضاً: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا أَخَذَ خُبْزاً وَشَكَرَ... كَذَلِكَ الْكَأْسَ أَيْضاً...". هذا هو الترتيب الذي تسلمه من الرب وهذه هي الطريقة لممارسة عشاء الرب لكن هنا عندما يتكلم عن الشركة يذكر الكأس أولاً. لماذا؟ لأن الشركة تفيد أن المؤمنين يشتركون معاً على أساس أنهم مغسولون بدم المسيح هل يجوز لواحد غير مغتسل بدم المسيح (غير مؤمن) أن يشترك مع المؤمنين؟ لا. قبل أن نشترك في الخبز الواحد الذي يفيد وحدة المؤمنين معاً كجسد المسيح اغتسلنا بدم المسيح المطهر كلنا على قدم المساواة، وهذا ما يشير إليه الكأس إن أساس الشركة هو التطهير أولاً.

"كأس البركة": أي كأس الشكر لذلك يسمون عشاء الرب افخارستيا أي شكر.

"التي نباركها": أي نشكر عليها من الذي يشكر عليها؟ هل شخص معين يكون عنده سر كما يقول البعض؟ لا يقول الرسول "التي نباركها" وليس التي يباركها لنا خادم أو من له وظيفة أو وضع خاص لكن التي نباركها أي من حق جميع المؤمنين أن يشكروا عليها عندما يجتمع المؤمنون حول مائدة الرب يقوم أحد المؤمنين ويشكر بالروح القدس على مائدة الرب والجميع يقولون آمين أي جميعنا نبارك. فالشكر على مائدة الرب شركة بين المؤمنين. واحد يشكر والباقون يعتبرون أنهم باركوا معه.

"أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟": في هذا إشارة إلى أننا جميعنا تمتعنا بقيمة دم المسيح هنا كأس فيها عصير الكرمة (خمر) لكن يشير إلى دم المسيح وعندما نشترك فيها نتذكر أننا جميعنا اغتسلنا بدم المسيح الذي سُفك لأجلنا.

قال الرب يسوع عندما أعطاهم الكأس في الليلة التي أُسلم فيها: "لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت 26: 28). هل كان دم المسيح قد سُفك وقتئذ؟ لم يكن قد سُفك بعد لكن يقول هذا هو دمي أي الذي يشير إلى دمي الذي سيُسفك عنكم هل مغفرة الخطايا نتيجة التناول من الكأس؟ لا. مغفرة الخطايا هي نتيجة سفك دم المسيح فيقول: "الذي يسفك... لمغفرة الخطايا" فدم المسيح سُفك لكي يطهرنا وتغفر خطايانا بدمه "الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه" فالتطهير وغفران الخطايا بدم المسيح "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا" (أف 1: 7). فنحن نشترك في الكأس التي فيها خمر لكي نذكر دم المسيح الذي به غُفرت خطايانا.

"شركة دم المسيح": أي نشترك كلنا في فوائد دم المسيح.

"الخبز الذي نكسره": كسر الخبز أيضاً شركة وجميعنا نقول آمين عند الشكر عليه.

"شركة جسد المسيح": أي الاشتراك في فوائد بذل جسده الذي مات به على الصليب الذي يصوره لنا الخبز.

"فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ" (ع 17).

"فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ": هل يعني ذلك أننا نتحول إلى خبز؟ طبعاً لا هذا كلام رمزي نحن المؤمنون باعتبار وحدتنا كأننا رغيف واحد لأن هذا هو المقصود بكلمة خبز واحد من أجل ذلك لا يوضع على المائدة نصف رغيف ولا رغيفان لكن رغيف واحد ليشير إلى وحدة المؤمنين.

الخبز الذي نكسره في عشاء الرب هو في مادته وفي قيمته جسد المسيح الذي بذله لأجلنا على الصليب وهو ليس في مادته لحم وليس في مادته جسد المسيح الحرفي ولا يتحول إلى جسد المسيح فعشاء الرب يصور لنا جسد المسيح الحرفي الذي بذله لأجلنا ويصور لنا أيضاً أننا جميعنا شركاء في جسد المسيح السري الذي هو الكنيسة الذي يتكون من جميع المؤمنين والذي بدأ تكوينه يوم الخمسين فقبل يوم الخمسين لم يكن جسد المسيح الروحي الذي هو الكنيسة قد تكون كان يوجد مؤمنون- أولاد لله لكن لم تكن هناك كنيسة ولكن لما جاء الروح القدس جمع المؤمنين وكونهم كنيسة (أي جماعة) جسد المسيح كما نقرأ "أننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه"- والمسيح الرأس والمؤمنون أعضاء الجسد: "وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْساً فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (أف 1: 22، 23).

"انْظُرُوا إِسْرَائِيلَ حَسَبَ الْجَسَدِ. أَلَيْسَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الذَّبَائِحَ هُمْ شُرَكَاءَ الْمَذْبَحِ؟" (ع 18).

الكلام هنا عن ذبيحة السلامة التي كانت فيها شركة فكانت الأجزاء سمينة حسب قول الرب- الشحم الذي يغطي الكليتين يوقدها الكاهن على المذبح نصيبا للرب والكاهن يأخذ القطعة المعينة له والباقي يأخذها مقدم الذبيحة ليأكله مع عائلته. وهنا إشارة إلى ذبيحة المسيح التي جعلت لنا شركة مع الله في سروره بابنه الحبيب فأول شيء هو أن الله قبلنا ورضي عنا في المسيح إذ اشتم رائحة الرضى وشبع قلبه وتمجد بذبيحته ونحن المؤمنون أيضاً شبعنا بذبيحة المسيح كما كان مقدم الذبيحة يأكل منها والكاهن يأكل منها فهو شريك المذبح لأن المذبح يأخذ جزءاً وهو يأخذ جزءاً إذاً هو شريك المذبح..

هذه كانت معتبرة مائدة في العهد القديم كما نقرأ في (ملاخي 1: 7): "تُقَرِّبُونَ خُبْزاً نَجِساً عَلَى مَذْبَحِي. وَتَقُولُونَ: بِمَ نَجَّسْنَاكَ؟ بِقَوْلِكُمْ إِنَّ مَائِدَةَ الرَّبِّ مُحْتَقَرَةٌ" ما هي مائدة الرب في العهد القديم؟ ذبيحة السلامة التي كان يأكل منها شركاء المذبح- هذه مائدة الرب في إسرائيل قديماً الذين كانت عبادتهم جسدية فهنا في (1 كو 10) نجد ثلاث حالات:

1- شركة في مائدة الرب.

2- شركة إسرائيل في ذبائح السلامة.

3- شركة الشياطين كما سنرى.

"فَمَاذَا أَقُولُ؟ أَإِنَّ الْوَثَنَ شَيْءٌ أَوْ إِنَّ مَا ذُبِحَ لِلْوَثَنِ شَيْءٌ؟ بَلْ إِنَّ مَا يَذْبَحُهُ الأُمَمُ فَإِنَّمَا يَذْبَحُونَهُ لِلشَّيَاطِينِ لاَ لِلَّهِ. فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ شُرَكَاءَ الشَّيَاطِينِ" (ع 19، 20).

سبق أن عرفنا في ص 8 أنه لا يوجد شيء اسمه وثن في العالم- هذا من جهة العلم- الذي عنده علم كتابي صحيح يقول لا يوجد غير إله واحد. الله لم يخلق شيء اسمه وثن. هذه أشياء مادية عملها الناس أوثاناً لكن لا ننسى أن الشيطان هو الذي أوحى للإنسان أن يعمل هذه الأوثان إذاً الوثن شيء وهمي عمله الإنسان بغواية الشيطان. وهنا كلام صريح يقوله الروح القدس إن ما يذبحه الأمم للأوثان إنما يذبحونه للشيطان وليس الله. عندما يقول الوحي "الشيطان" بالمفرد فهو إبليس وتوجد شياطين أتباعه وهم أجناد الشر الروحية.

"فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ شُرَكَاءَ الشَّيَاطِينِ": أي لا يجوز للمؤمن أن يأكل مما ذبح للأوثان لأنه إذا أكل منه يعتبر شريكاً للشياطين كما أن الذي يأكل من ذبيحة السلامة شريك في مائدة إسرائيل وكما أن الذي يأكل من عشاء الرب فهو شريك في مائدة الرب، مائدة إسرائيل وعلى ذلك توجد ثلاث موائد كما أسلفنا: مائدة الرب، واحدة من هذه الثلاث. مائدة الشياطين. وغير ممكن أن يشترك واحد إلا في مائدة.

"لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ. أَمْ نُغِيرُ الرَّبَّ؟ أَلَعَلَّنَا أَقْوَى مِنْهُ؟" (ع 21، 22).

إذا كنا شركاء شياطين نكون عابدين للأوثان وعلى ذلك نغير الرب (أي نغيظه) لأننا نكون قد تركناه واستبدلناه بالأوثان. نقرأ في (تث 23: 16، 17): ""أغاروه بالأجانب وأغاظوه بالأرجاس. ذبحوا لأوثان ليست الله" وفي (مز 78: 58): "أَغَاظُوهُ بِمُرْتَفَعَاتِهِمْ وَأَغَارُوهُ بِتَمَاثِيلِهِمْ" فالذي يأكل مما ذبح للأوثان يكون شريك الأوثان وكأنه يعبد إلهاً آخر غير الرب وبذلك يغير الرب. يا له من غباء!

"كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي" (ع 23)

"كل الأشياء" تعني كل ما يؤكل وليس كل ما يعمل. والكلام عما يؤكل جاء في ص 6، 8 أيضاً ونلخص ذلك في أن كل المأكولات التي هي خليقة الله تحل لي لكن نضع في الاعتبار ثلاثة أمور:

1- لا يتسلط عليَّ شيء- لا تكن لنا عادة لا نقدر أن نتخلص منها كأخذ قليل من النبيذ مع الكل مثلاً أو كشرب القهوة والشاي بطريقة منتظمة ومتكررة بحيث لا نقدر أن نستغني عنها في وقت من الأوقات.

2- أنه ليست كل الأشياء توافق الحياة المسيحية.

3- أنه ليست كل الأشياء تبني. فعلينا ملاحظة ضمائر الآخرين أيضاً وبنيانهم.

"لاَ يَطْلُبْ أَحَدٌ مَا هُوَ لِنَفْسِهِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هُوَ لِلآخَرِ" (ع 24).

الشخص الأناني الذي يهتم بما لنفسه بغض النظر عن الآخرين ممقوت. لكن في المسيحية الحقيقية يجب أن يضحي الواحد بحريته وبنفسه في سبيل الآخرين يقول الرسول في ( في 2: 2- 7): "فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْراً وَاحِداً وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ... لاَ شَيْئاً بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضاً. فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً..." لنأخذ الرب يسوع المسيح مثالنا فهو لم يرض نفسه لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد وهو السيد. ما أردأ أن يعيش الإنسان لنفسه! "لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يَعِيشُ لِذَاتِهِ وَلاَ أَحَدٌ يَمُوتُ لِذَاتِهِ. لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ" (رو 14: 8).

"كُلُّ مَا يُبَاعُ فِي الْمَلْحَمَةِ كُلُوهُ غَيْرَ فَاحِصِينَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ الضَّمِيرِ، لأَنَّ لِلرَّبِّ الأَرْضَ وَمِلأَهَا" (ع 25، 26).

توجد ثلاث أماكن فيها اللحم:

1- الملحمة عند الجزار.

2- البيوت حيث يأكلون اللحم.

3- هياكل الأوثان حيث يأكلون ما ذبح للأوثان.

وخلاصة الكلام- الحالة الأولى: ما يباع في الملحمة نشتريه ونأكله غير فاحصين لأن للرب الأرض وملأها. أحياناً كانوا يذبحون للوثن ويعطون جزءاً للجزار ليبيعه فأنت لا تفحص طالما ضميرك لا يتعثر فالرب أعطانا سلطان أن نأكل من كل خليقة الله لأنها جيدة ولا يرفض شيء إذا تناولناه بالشكر.

"وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُوكُمْ وَتُرِيدُونَ أَنْ تَذْهَبُوا فَكُلُّ مَا يُقَدَّمُ لَكُمْ كُلُوا مِنْهُ غَيْرَ فَاحِصِينَ مِنْ أَجْلِ الضَّمِيرِ" (ع 27).

الحالة الثانية: إذا دعيت من احد غير مؤمن لوليمة في بيته في عرس مثلتً أو كان قريبك أو زميلك في العمل في مناسبة وتريد أن تذهب فأنت كمؤمن فيك الروح القدس تقدر أن تحكم إذا كان هناك شيء لا يمجد اسم الرب فلا تذهب أم إذا كنت ترى إن عدم ذهابك يعتبر مقاطعة وليس من اللياقة فاذهب لكن ضع مجد الرب أمامك فإذا وجدت ما يهين اسم الرب لا بد أن تمتنع ولا تشارك بل تقف ضده كأن وجدتهم يقدمون خمراً مثلاً أو توجد فرقة مغنيين يجب أن تترك المكان الذي لا يتمجد فيه اسم الرب "وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا" (أف 5: 11).

قد يقول واحد إن الرب له كل المجد كان يذهب إلى بيت الفريسي صحيح كان الرب يذهب لكن كالطبيب الذي يدخل البيت لكي يعالج ويشفي دعي الرب وتلاميذه إلى عرس قانا الجليل فلم يرفض بل ذهب ومعه تلاميذه وهناك صنع أولى آياته وطبعاً لها رمز روحي.

الخلاصة:

أن المؤمن ببصيرته الروحية يقدر أن يحكم هل يذهب أم لا يذهب، لا مقاطعة جافة تجعل الناس ينفرون منا ولا تهاون يهين الرب في مشاركتنا للآخرين وهناك كلوا من كل ما يقدم لكن غير فاحصين كما في الملحمة.

"وَلَكِنْ إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: «هَذَا مَذْبُوحٌ لِوَثَنٍ» فَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ أَجْلِ ذَاكَ الَّذِي أَعْلَمَكُمْ وَالضَّمِيرِ. لأَنَّ لِلرَّبِّ الأَرْضَ وَمِلأَهَا أَقُولُ الضَّمِيرُ - لَيْسَ ضَمِيرَكَ أَنْتَ بَلْ ضَمِيرُ الآخَرِ. لأَنَّهُ لِمَاذَا يُحْكَمُ فِي حُرِّيَّتِي مِنْ ضَمِيرِ آخَرَ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَتَنَاوَلُ بِشُكْرٍ فَلِمَاذَا يُفْتَرَى عَلَيَّ لأَجْلِ مَا أَشْكُرُ عَلَيْهِ؟" (ع 28- 30).

في هذه الحالة لا نأكل بل نمتنع في الحال من أجل الذي أعلمنا والضمير ثم يفسر الرسول ليس ضميرك أنت لأن ضميرك يسمح أن تأكل كل شيء لعلمك أن كل خليقة الله جيدة لكن لأجل ضمير ذاك الذي قال لك أنه مذبوح لوثن فهو يريد أن يرى تصرفك فإن أكلت يتعثر ويقول إنك تشترك في مائدة الأوثان أو بالحري الشياطين فيجب أن تمتنع مراعاة لضميره.

الحالة الثالثة: قبول الدعوة إلى هياكل الأوثان ممنوعة منعاً باتاً "لأنه لماذا يحكم في حريتي من ضمير آخر": قد يقول المؤمن في نفسه هذا القول: لماذا أجعل الآخر يحكم في حريتي؟ الجواب لأن الامتناع لا يعطيه فرصة أن يحكم علي أحكم أنا على نفسي ولا أجعل الآخر يحكم علي وقد يقول المؤمن أيضاً في نفسه: "فإن كنت أنا أتناول بشكر فلماذا يفترى علي لأجل ما أشكر عليه؟" الجواب من الأفضل أن لا أتناوله ولا أشكر عليه حتى لا أعطي فرصة. صحيح إن لي حرية أن أتناول وأشكر ولكن طالما أن آخر يتعثر أكون أنا معطياً له فرصة لكي يفتري علي فيما أشكر عليه فالحل هو الحكم على الذات.

"فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئاً فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ. كُونُوا بِلاَ عَثْرَةٍ لِلْيَهُودِ وَلِلْيُونَانِيِّينَ وَلِكَنِيسَةِ اللهِ. كَمَا أَنَا أَيْضاً أُرْضِي الْجَمِيعَ فِي كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ طَالِبٍ مَا يُوافِقُ نَفْسِي بَلِ الْكَثِيرِينَ لِكَيْ يَخْلُصُوا، كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضاً بِالْمَسِيحِ" (ع 31- 33)+ (ص 11: 1).

نجد هنا المبدأ الجميل إذا كنتم تأكلون أو تشربون فما الغرض؟ هل لكي نشبع رغبات الجسد؟؟ لا كذلك إذا كنتم تفعلون شيئاً فليكن الغرض دائماً هو "مجد الله".

توجد هنا أربع مبادئ هامة جداً أضعها أنا أمامي وتضعها أنت أمامك كحجر امتحان تمتحن عليه كل شيء- في الأكل والشرب والشغل وعمل أي مشروع- كل ما نريد أن نعمله نمتحنه بالأربع أمور الآتية:

الامتحان الأول والأهم: أن يكون لمجد الله.

الامتحان الثاني: أن لا يعثر الآخرين.

الامتحان الثالث: أن يكون لربح النفوس- "لكي يخلصوا" لا أرضي نفسي في شيء بل أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما هو لنفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا.

الامتحان الرابع: أن أكون مشتبهاً بالمسيح "كونوا متمثلين بي كما أن بالمسيح" لأسأل نفسي من جهة كل شيء: هل كان المسيح يفعل هذا الأمر؟ هل يتوافق عمل هذا الشيء مع صفات المسيح؟.

أيها الأحباء هذه هي الحياة المسيحية الصحيحة التي قدوتنا فيها "المسيح" لا تسأل هذا الشيء حلال أم حرام بل امتحنه بالامتحانات الأربعة السابقة ثم قرر إن كنت تعمله أم لا يقول الرسول في (كو 3: 17): "وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْلٍ اوْ فِعْلٍ، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ اللهَ وَالآبَ بِهِ".

نلاحظ أيضاً قوله: "كما أنا أرضي الجميع في كل شيء" هل يعني ذلك إني أسير على رضى الناس؟ بالعكس يقول الرسول في (غل 1: 10): "فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبداً للمسيح". لكني أرضي الجميع يعني أحكم على حريتي ولا أرضي نفسي لكي أرضي ضمير الآخر ولا أعثره لكن طبعاً ليس على حساب الحق لأنه فيما يختص بالحق حسب كلمة الله مكتوب: "ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس".

[1]- موسى لأنه كان نبياً عرف عن مجيء المسيا (تث 18: 15).

أضف تعليق


قرأت لك

الفادي

الفادي هو الشخص الذي يصنع الفداء، أي الخلاص والتحرير من شر ما، وذلك بدفعه فدية ما. مثل الشخص الذي ندعوه "كفيل" الذي يدفع كفالة أو فدية من أجل إطلاق سجين ما. وبالمعنى الروحي المسيح هو الفادي الذي دفع دمه من أجل تحرير الخطاة من قيود الخطية، فقام بهذا العمل المدهش وركّز نظره نحو الصليب. وإمتاز هذا الفادي بأنه:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة