الفَصلُ الثَّانِي قيامُ وسقوط المملكة

القسم: ملوك، أخبار،عزرا، نحميا، وأستير.

بَينَما نَقراُ ملوك الأول والثاني، نَتَعَلَّمُ عن قِيَامِ وسقوطِ المملكة التي أرادَها بنو إسرائيل. لقد وَصَلَت هذه المملكةُ العِبريةُ إلى قمَّةِ قُوَّتِها من ناحية الأُبَّهة والمجد، تحتَ حُكمِ سُليمان. ولكنَّ هذه المملكة لم تُعمِّر طويلاً، لأنها لم تَقُمْ بإرادةِ الله الآمرة، بَل بإرادَةِ اللهِ السَّامِحَة. نقرأُ في ملوك الأول وَصْفَاً عن إنقسام المملكة. في مُلوك الثاني، نرى القسمين الشمالي والجنوبي من المملكة يسقُطان. سقَطَت مَملَكَةُ إسرائيل الشَّمالِيَّة على يَدِ الأشُورِيِّين؛ وسقطَت ممَلكَةُ يَهُوَّذا الجَنُوبِيَّة على يَدِ البابِليِّين، وسُبِيَت إلى بابِل.

عندما تدرُسُ سقوط المملكة الجنوبية بتمعُّن، سوفَ ترى أن إحتلالَ وسبيَ هذه المملكة الجنوبية لم يكُن بالبساطة التي يظنُّها البعض. بل نقرأُ أن أورشليم سقطَت ثلاثَ مرَّات في مرحلةِ عشرين سنةً. فلقد سقطَت أورشليم للمرةِ الأولى عندما كان يهوياقيم ملِكاً. سلَّمَ يهوياقيم المملكة وخدمَ ملكَ بابل لثلاث سنين. ثم تمرَّدَ يهوياقيم على قواتِ الإحتلال البابليَّة. فكان على البابليين أن يحتلوا المدينة ثانيةً. وفي هذه المرة الثانية، كان يهوياكين إبن يهوياقيم هو الذي سلَّمَ المدينة. في هذه المرة الثانية التي سقطَت فيها أورشليم، قُتِلَ الكثيرُ من بني إسرائيل فيها. وكثيرون من أولئكَ الذين لم يُذبَحوا، أُخِذوا أسرى بالسلاسلِ إلى بابل. وبعدَ ذلكَ، عيَّنَ البابليون ملِكاً أُلعُوبةً في أيديهِم هو صدقيَّا، الذي حكمَ أورشليم كملِكٍ دُمية لعشرِ سنواتٍ تحتَ سُلطة البابليين. ولكن صدقيا بدورِهِ تمرَّدَ، وهكذا سقطَت المدينةُ للمرةِ الثالثة. ولكن في هذه المرة الثالثة، دُمِّرَت مدينةُ أُورشَليم وأُحرِقَت تماماً.

ولكن بدلَ أن نتحرَّكَ إلى الأمامِ بسُرعَةٍ أكثَر منَ اللازِم، دَعُونا نَرجِعُ إلى أيَّامِ المجدِ الخَوالِي، أي إلى الأيَّامِ التي كانت فيها المملكَتانِ مُتَّحِدَتَينِ تحتَ المَلكِ الرَّائعِ والثَّرِي سُليمان. وهُوَ سيُزَوِّدُنا بمثالٍ يُحتَذى وبتحذيرٍ يُتفادَى على حَدٍّ سواء.


تُراثُ سُليمان المُزدَوج

من ناحية بدايتِهِ الصالحة يُشبِهُ سُليمانُ شاول. ولكنهُ يُشبِهُ شاول أيضاً في كونِ نهايتِهِ رديئة. في البِدايَة، عندما كلَّفَ داود سُليمان بمسؤولية أن يكونَ الملكَ الثالث في إسرائيل، بدا وكأنَّ سُليمان كان سيقتفي خطواتِ والِدِه. فصلَّى سُليمانُ بِتواضُعٍ طَالِباً منَ الرَّبِّ الحِكمَةَ ليَقُودَ شَعبَهُ. (1مُلوك 3) فحرَّكَ قلبَ الله، فاستجابَ اللهُ لصلواتِ سُليمان، وأعطاهُ حكمَةً وغِنَىً وكرامَةً لا مَثيلَ لها سابِقاً.

وهكذا أصبحَ سُليمانُ أغنى وأحكَمَ رَجُلٍ سبقَ وعاشَ على الأرض. وهُوَ يُشكِّلُ بهذا مِثالاً عظيماً، عندما طلَبَ منَ اللهِ الحكمَةَ منَ اللهِ، واضِعاً هذا الطَّلَب قبلَ الغِنَى والمكاسِب الشَّخصيَّة. ولكن، فوقَ كُلِّ هذا، أصبحَ سُليمانُ أكثرَ رجُلٍ فاشِلٍ عاشَ على الأرض. وتذكَّرْ أنني سبقَ وقلتُ أن ما نقرأُ عنهُ في مُلوك الأول والثاني من إنقسامِ وسُقوطِ وسبي المملكة، وكلُّ الشرور التي أصابتها لم تكُن نتيجةً لخطيةِ داود. فداود إعترفَ بخطيَّتِهِ وتابَ عنها، وغفرَها لهُ الله. فإذاً، كُلُّ الشر الذي حلَّ بالمملكة، الذي تقرأُ عنهُ في سفري المُلوك، كان بسبب خطيَّةِ سُليمان وسُقوطِه.

فعندما وَصَلَتْ مملكةُ إسرائيل إلى أَوجِ مجدِها، إبتعدَ سُليمانُ عن الله. وبالتحديد كانت نساؤُهُ هي التي أبعدتهُ عن الله، وكان عندَهُ سبعمائة إمرأة وثلاثمائة سُرِّيَّة. فَعَبَدَت الكثيرُ من نِسائِهِ آلهةً غريبةً وتأثَّرَ سُليمانُ بهنَّ وعبدَ آلهَتِهنَّ.

أعتقدُ أن سُليمان رجعَ روحياً إلى الرَّبّ. المزمور 127 كان المزمور الوحيد الذي كتبَهُ سُليمان. يقولُ سُليمانُ في هذا المزمور:"إن لم يَبنِ الرَّبُّ البَيت، فَباطِلاً يتعَبُ البَنَّاؤُون." (مَزمُور 127: 1) لقد كان سُليمانُ بنَّاءً عظيماً. فهو لم يبنِ الهيكلَ فقط، بل بنى أيضاً مُدُناً وحدائقَ وسُفُناً. وعندما كتبَ سُليمانُ هذا المزمور الصغير، أعتَقِدُ أنَّهُ أرادَ أن يُعطِيَنا دَرساً في الأولويَّاتِ، فقال، "من المُمكِن أن نُرَكِّزَ بِدُونِ جَدوَى، وأن نبنيَ بدونِ جدوى؛ من الممكن أن نتعب بدونِ جدوى؛ من المُمكِن أن نهتم بدونِ جدوى لأننا نهتمُّ بالأمور الخطأ، ونتعبُ ما أجلِ الأُمورِ الخطأ، ونبني الأمور الخطأ. فالخُبرَةُ ليسَت المُعَلِّمَ الوَحيد، ولكنَّها مُعَلِّمٌ مُقنِعٌ جدَّاً. إستَفِيدُوا من خُبرَتِي. إن أهمَّ ما تبنيه في حَياتِكَ، هو حياةُ طفلِكَ."

أبناءُ سُليمان لم ينشأوا بطريقةٍ سليمة. لقد كان لسُليمان إبنٌ كان مجنوناً. فأعتقدُ أن سُليمان ندِمَ على الوقت الذي صرفَهُ على كُلِّ شيءٍ تحتَ الشمس إلا تنشِئة أولادِهِ. يُرينا المزمور 127 أنَّ أولويَّاتِ سُليمان كانت مُختَلَّةً وغيرَ مُرَكَّزَةٍ بتاتاً خلالَ حياتِهِ النَّاشِطَة.

في سفرِ الجامِعة، يُقدِّمُ سُليمانُ بِطريقَةٍ أُخرى الرِّسالَةَ ذاتَها التي أظهَرَها لنا في المَزمُورِ المَذكُورِ أعلاه. فسفرُ الجامعة كانَ عظةً ألقاها سُليمانُ على الشُّبَّانِ الذين كانُوا من رَعاياهُ، في المملكَةِ التي جلسَ على عَرشِها كَمَلِك. فتِلكَ العِظة وذلكَ المَزمُور يُعطِيانِنا سَبَبَين لنُصَدِّقَ أنَّهُ إختَبَرَ عَودَةً روحيَّةً في آخِرِ أيَّامِهِ على الأرض.

السببُ الثالثُ الذي من أجلِهُ أظنُّ أن سُليمان إختبرَ الرُّجُوعَ الروحيَّ إلى الله، هو أنهُ عندما سيتمُّ تكرارُ ذكر هذه المرحلة التاريخية في سفر أخبارِ الأيَّام الثَّانِي، سوفَ يتمُّ الإغفالُ ليسَ فقط عن خطيَّةِ داود، بل أيضاً عن خطيَّةِ سُليمان. بالنسبةِ لي، هذا يعني أن سُليمان إعترفَ بخطيَّتِه وتابَ عنها، تماماً كما تابَ أبُوهُ داوُد عن خطِيَّتِه.

ولكن سُليمان يبقى تحذيراً خطيراً لنا في الكتابِ المقدس علينا تجنُّبَه. فعندما تقرأُ سفر ملوك الأول، تجد أن سُليمان هو الملك الأهم الذي ينبغي التركيز عليه، أوَّلاً كَمِثالٍ يُحتَذَى، ومن ثَمَّ كتَحذِيرٍ يُتَفَادَى.


المَلِك الصَّالِح حزقِيَّا

كان حزقيَّا أحَدَ أعظَم مُلُوكِ يَهُوَّذا المُتأخِّرين (أُنظُرْ 2 مُلوك 18- 20). فَهُوَ الذي أنقَذَ وطَنَهُ من عبادَةِ الأوثان التي كانت قد تأصَّلَت بينَ شعبِ الله، ووَثِقَ بالرَّبِّ وإتَّكَلَ عليهِ. بالحقيقة، لم يَكُنْ يُوجَدُ بينَ المُلوكِ لا قَبلَهُ ولا بعدَهُ من هُوَ أقرَبُ من الملكِ حزقِيَّا إلى الله. من هُنا يُقدِّمُ لنا حزَقِيَّا مِثالاً صالِحاً يُحتَذى، ولكنَّهُ يُوفِّرُ لنا أيضاً تَحذِيراً يُتفادَى.

فعندما مرِضَ حزقيا، تكلَّمَ اللهُ إليهِ من خِلالِ النبي إشعياء وقالَ لهُ، "أُكتُبْ وصيَّتَكَ ورتِّبْ أمورَكَ لأن كلمةَ الرب هي أنَّكَ ستموت." (2مُلوك 20: 1- 11) فأدارَ حزقيا وجهَهُ نحو الحائط وبكَى، وصلَّى للهِ ليُنقِذَ حياتَهُ. ومن ثمَّ نسمع تلكَ الرسالة الجميلة التي أرسَلَها اللهُ إلى حزقيَّا من خِلالِ إِشعياء النبي، "لقد سمِعتُ صلاتَكَ ورأيتُ دُموعَك." (5) اللهُ يرى الدُّموع. وهذا لهُ أهميَّتُهُ ومَغزاهُ. ثمَّ أضافَ اللهُ بقولِه، "وسوفَ أزيدُ على عُمرِكَ خمسَ عشرةَ سنةً." وهذا نموذجٌ رائعٌ لنا. فلقد صلَّى هذا الرجُل إلى الله، رُغمَ أنَّهُ قِيلَ لهُ أنهُ سوفَ يموت، من قِبَلِ النَّبيِّ العظيمِ إشعياء، الذي جاءَ وكلَّمَهُ بالنِّيابَةِ عنِ الله.

على أيَّةِ حال، وفي حادِثَةٍ مُرتَبِطَةٍ بهذه المُعجِزَة، أصبحَ حزقيَّا تحذيراً لنا، ينبغي أن نتَفاداه. فذاتَ يوم، زارَ البابِليُّون حزقيا. فأراهُم بكِبرياء كُلَّ ما في خزائنِه، الأسلحة والذخائر والكُنوز. فقالَ النبي إشعياء لحزقيا، "ماذا أَرَيتَ هؤلاء الرجال في قَصرِكَ يا حزقيَّا؟" (15) فأخبَرَ حزقيا إشعياء عَمَّا أراهُم إيَّاه، فقالَ لهُ إشعياء إن هذه غلطةٌ فادِحة. وقالَ لهُ "هُوَّذا تأتي أيَّامٌ يُحمَلُ فيها كُلُّ ما في بَيتِكَ وما ذخَرَهُ آباؤُكَ إلى هذا اليوم إلى بابِل. لا يُترَكُ شَيءٌ يَقُولُ الرَّبُّ." (2مُلوك 20: 17) لقد كانَ إشعياءُ يتنبَّأُ عن الإحتِلالِ البابِليِّ لأُورشَليم. فبِحَسَبِ نُبُوَّةِ إشعياء، كانَ بَنُو حزَقِيَّا "سيُصبِحون خِصياناً ويُؤخَذون أسرى إلى بابل." (18)

وماذا كانت رَدَّةُ فعلِ الملِك؟ لَقَد سُرَّ بأن يعلَمَ أنَّ نُبُوَّةَ إشعياء كانت تعني أنَّ كُلَّ هذه الأُمُورِ الرَّهيبَة ما كانت ستحدُثُ في عهدِه. "فقَالَ حزَقِيَّا لإِشَعيا جَيِّدٌ هُوَ قَولُ الرَّبِّ الذي تكَلَّمتَ بهِ. ثُمَّ قالَ فكَيفَ لا إن يَكُنْ سلامٌ وأَمانٌ في أيَّامِي." (19) وهكذا قَبِلَ حزقيَّا كلِمَةَ الرَّبِّ، لأنَّهُ آمنَ أنَّ السَّنواتِ الخمسة عشر التي أضافها اللهُ إلى عُمرِهِ كانت ستَكُونُ أيَّاماً صالِحَةً. ويبدُو أنَّهُ لم يهتَمَّ كثيراً لما كانَ سيحدُثُ لأبنائِهِ وأحفادِهِ من بَعدِهِ. ومنَ الواضِحِ أنَّ أنانِيَّةَ حزقيَّا لم تجعَلْ منهُ نمُوذجاً أو مثالاً صالِحاً عنِ الأبِ، أو عن شَخصيَّةٍ كِتابِيَّةٍ يُمكِنُ تقديمُها كَمِثالٍ يُقتَدى في عظةٍ كتابِيَّة، عن كيفَ يكُونُ الأبُ الصَّالح. بِسَببِ هذا المَوقِف، أصبَحَت حياةُ حزقِيَّا تحذِيراً لنا نحنُ الآباء.


مِثالُ أَلِيشَع الرَّائِع

نَجِدُ مِثالاً آخر يُقتَدَى في حياةِ أليشَع النَّبِيّ. ففي 2 ملوك 5، أتى قائدُ جيشِ آرام السُّورِيّ إلى أليشَع، طالباً الشِّفاء. في ذلكَ الوقت، كانت آرامُ تَستَعِدُّ لإحتلالِ مملكة إسرائيل الشمالية. وكانت هُناكَ إشتِباكاتٌ صغيرةٌ تحدُث. وكان لآرام جيشٌ مُقتَدِر، ولكن قائد هذا الجيش، نُعمان، كان مُصاباً بالبرص. وإذا بفتاةٍ عبرانيةٍ صغيرةٍ كانت أسيرةً في آرام، وكانت خادِمَةَ زَوجَةِ نُعمان، إذا بها تقولُ لنُعمان أنَّهُ يوجدُ نبيٌّ في إسرائيل الذي عندَهُ قوةٌ ليشفيهِ من برصِه. فذهبَ نُعمان الأبرص في عربتِهِ مع بعضِ جُنودِهِ إلى كوخِ أليشَع.

وكانت لنُعمان أفكارٌ مُسبَقة يتوقَّعُ فيها أن يشفيَهِ أليشَع بطريقةٍ دراماتيكيَّة. وظنَّ نُعمانُ أن أليشَع سوفَ يُعامِلُهُ بالكثير من الإحترامِ والإجلال لأنَّهُ كان قائدَ جيشِ أشور. أما أليشَع فلم يعمل ما توقَّعَهُ نُعمان، ولم يخرُج حتَّى من كُوخِه ليُحيِّي نعمان، بل أرسلَ أليشع خادمَهُ إلى نُعمان. فقالَ خادِمُ أليشَع لنُعمان، "يقولُ أليشَع إذهبْ واغتسِلْ في مياهِ الأُردنّ سبعَ مرَّات. وعندها تُبرَأُ من برصِك." (10) فجنَّ جُنونُ نُعمان. فتركَ كوخَ أليشع بغضبٍ مُخلِّفاً وراءَ مركبتِهِ سَحَابَةً من الغُبار، صارخاً بِسُخطٍ على حامل سِلاحِهِ وقائلاً له، "ظننتُ أن أليشَع سيخرُجُ خارجاً ويُردِّد يدَهُ على البرصِ فيبرأ." (12) كانت تُوجَدُ أنهارٌ جميلةٌ في بِلادِ آرام. لهذا كانَ موقِفُ نُعمان أنَّهُ لن يذهَبَ ليغتسِلَ في أوحالِ نهرِ الأُردن الصَّغير.

وبينما كانوا يسوقون العربةَ رُجُوعاً، شَجَّعَهُ خُدَّامُهُ أن يُنَفِّذَ تعليماتِ ألِيشَع. وهكذا سُرعانَ ما غَيَّرَ رأيَهُ، وذهَبَ وغطَسَ في مياه الأُردُنّ سبعَ مرَّاتٍ. وعندما خرجَ نُعمان من مياهِ الأُردنّ المُوحِلة بعدَ المرةِ السابعة، طهُرَ برصُهُ. لم تَحصُلْ الأُمُور بِحَسَبِ توقُّعاتِهِ، ولكنَّهُ حصلَ على نتائجِ فاقَت توقُّعاتِهِ وآمالِهِ بأضعاف.

تطبيقيَّاً، إن قصَّةَ شِفاءِ نُعمان هي رمزٌ جميلٌ للخلاص. عندما يكونُ لدى الناس جوعٌ روحي ويأتون إلى المسيح طَلَباً للخلاص، تكونُ لديهم أفكاراً مُسبقة عن كيفَ يتوقَّعون أن يتحقَّقَ خلاصُهُم. بعضُهُم يتوقَّعُ أن يكونَ الخلاصُ عِلاجاً لاهوتيَّاً شامِلاً. آخرون عقلانيُّون يظنُّونَ أنهُ إن لم يكُنِ الخلاصُ مُعقَّداً، فهو ليسَ ذو قيمة. هكذا يظنُّ الأشخاص الأكاديميُّون. فعندما يَسمعون بساطةَ الإنجيل، التي يُسمِّيها الرسول بولس، "جَهَالة الكِرازة،" يجِدون أنهُ لا يُمكِنُهُ تَصدِيقُهُ أوِ الإيمانُ بهِ. ولكنَّ الإنجيلَ هو بسيطٌ بِبَساطَةِ الغَطسِ في نهرِ الأُردُنِّ سَبعَ مرَّاتٍ، ولا يحتاجُ الإنسانُ إلى مُؤَهِّلاتٍ فكريَّةٍ خاصَّة ليقبَلَ هذا الإنجيل. هُنا نَجِدُ أنَّ أليشَع هُوَ مِثالٌ لنا في كَونِهِ لم يُسايِر توقُّعاتِ نُعمان، رُغمَّ أنَّ مُسايَرتَهُ لنُعمان كانت ستَنفَعُهُ كَثيراً. هذه هي التَّطبيقاتُ الأَوَّلِيَّةُ لقِصَّةِ نُعمانِ السِّرياني الأبرَص وأليشَع النَّبِيّ.

قَبلَ أن نترُكَ هذه الأسفارِ التَّاريخيَّة التي تُرَكِّزُ على مَلَكُوتِ الله، دَعُونا ننظرُ إلى هؤلاء الأنبياء ثانيةً ونُقدِّمُ مُلاحظةً أُخرى عنهم. فهؤلاء الأنبياء لم يكونوا فقط رجالاً تكلَّموا بإسمِ الله، وتكلَّمَ اللهُ من خِلالِهم، ولم يكونوا فقط رجالاً وقفوا أمامَ كلمةِ الله وجعلوها تشعُّ بِالنور، بل أيضاً كانوا رجالاً ظَهَروا في وسطِ المشاكِل. فبطريقةٍ أُخرى يمكِنُكَ القول، "إن لم تكُن هُناكَ مُشكِلة، فلن يكونَ هُناكَ نبي." ولكن سُرعان ما تظهرُ المشاكل، فتِّش عن النبي الذي سُرعانَ ما سيظهَر.

سوفَ ترى هذا عندما تقرأُ أن عمل الله تعرقَلَ أمامَ حاجِزٍ ما، وفي مثلِ هذه الأوقات، يُقيمُ اللهُ نبيَّاً. أحدُ أدوار نبي الله هو أن يُركِّزَ وعظَهُ على تلكَ المُشكِلة التي عرقَلت عملَ الله حتَّى تزول، ويُتابعُ عملُ الله تقدُّمَه. وهكذا فإن الدور الرئيسيّ لهؤلاء الأنبياء هو إزالة العقبات التي تعترضُ سبيلَ عملِ الله.

بالإختِصار، كما نقرَأُ في مُلوك الأوَّل والثَّانِي، لِنُلاحِظْ قيامَ وسُقُوطَ المَملَكَة. وبينما ندرُسُ عن هذه المملكة، سنتمكَّنُ مِن تمييزِ ما يُريدُ أن يعمَلَهُ اللهُ اليومَ في كنيستِهِ. ثُمَّ لنَنْتَبِهْ إلى المُلوكِ أنفُسِهم. فمُعظَمُ سِيَرِ حَياتِهم كانت تحذيراتٍ لنَتفادَاها؛ قَليلٌ منها كانت نماذجَ يُقتدَى بِها. ثُمَّ لنَتَتَبَّعْ أثرَ الأنبِياءِ عن كَثَب، لأنَّ مُعظَمَهُم يُقدِّمُونَ لنا نماذِجَ صالِحَةً يُقتَدَى بها.

إنَّ أدبَ سفري الملوك الأول والثاني يتطلَّبُ الكثير من القراءة؛ وفي دراسَةٍ من هذا النَّوع، يُمكِنُنا فقط أن نبقى في العُموميَّات، مُحاوِلِينَ أن نضعَ هذه الأسفار في إطارِها الصَّحيح، حتَّى عندَما نَقرأُها، نأخُذَ منها الكثير. فهاكُم بعضَ المُلاحظاتِ الإضافِيَّة عنِ المُلوك.


مُلاحَظَاتٌ خِتاميَّة حولَ مُلُوك الأوَّل والثَّانِي

لاحِظُوا أوَّلاً كيفَ تحمَّلَ اللهُ إلى درَجَةٍ ما المُلُوكَ الذينَ لم يُرِد أصلاً لِشعبِ إسرائيل أن يحظُوا بهم. ولاحِظُوا صَبرَ اللهِ الطَّويل مع المُلوك الأشرار، خاصةً في المملكة الشماليَّة. ولاحظوا كيفَ أن اللهَ أَنذَرَ هؤلاء الملوك بصبرٍ قبلَ أن تأتي ويلاتُ السبي عليهم. ولاحِظوا أيضاً كيفَ أن اللهَ إستجابَ حتى لصلوات المُلوك الأشرار، مما يُحيِّرُنا ويُثيرُ تساؤُلاتٍ لاهُوتيَّةً حولَ المَوضُوع. (2 مُلوك 13: 4- 5) يعتقدُ الكثيرون أن اللهَ يستجيبُ فقط لصلوات المؤمِنين، وفقط عندما يكونُ المؤمنون في شركةٍ مع الله. ولكنَّني لا أرى هذه الحقيقة في الكتاب المقدس. بل نرى في كلمةِ الله أن الله إستَجابَ صلاةَ العشَّار، (لُوقا 18: 10- 14)، ولقد سَمِعَ اللهُ صلاةَ اللِّصِّ على الصَّليب (لُوقا 23: 42، 43)، ولقد إستَجابَ اللهُ أيضاً صلاةَ الملوك الأشرار. إذا جُرِحَ إبنُ أحدهم اليوم في حادثٍ ما، وكان الوالدُ شريراً، فإن أحنى هذا الوالدُ الشرير رأسَهُ وصلَّى مُطالباً الله أن يحفظَ حياةَ إبنه، فهل يسمعُ اللهُ هكذا صلاة؟ نعم، إن اللهَ يسمعُ صلاةَ أيٍّ كان في أي وقت. وهذا ما نراهُ في أسفار الملوك.