الفَصلُ الثَّالِث أخبارُ الأيَّام "أُمُورٌ مَنسِيَّة"

القسم: ملوك، أخبار،عزرا، نحميا، وأستير.

لَمحَةٌ على أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل والثَّانِي

يُغطِّي سفرا صموئيل الأوَّل والثَّانِي وسفرا الملوك الأوَّل والثَّانِي الحقبةَ التارخيَّةَ نفسَها التي يُغَطِّيها سِفرا أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل والثَّانِي، والتي تمتدُّ من 1000 ق.م. إلى 500 ق.م. التقسيم السابق للعهدِ القديم وضعَ سفري أخبار الأيام مع عزرا ونحميا؛ فاللغةُ العبرية المُستخدمة في أخبارِ الأيام مُتشابهةٌ لدرجةٍ كبيرة مع لُغة عزرا ونحميا، لدرجةٍ جعلت المُفسِّرين يقولون بكون عزرا هو كاتب أسفارِ أخبارِ الأيَّامِ ونحميا، إلى جانِبِ السِّفرِ الذي يحمِلُ إسمَهُ. وفي مرحلةٍ مُتقدِّمة من التاريخ تمَّ تصنيفُ أخبارِ الأيام مع صموئيل وملوك، كونها تتعامل مع ذاتِ الحقبة.


أسبابُ التَّكرار

لماذا يُعيدُ اللهُ سردَ هذه الحقبة التاريخيَّة ثانيةً؟ هُناكَ بضعةُ أجوبة على هذا السؤال. الجوابُ الأولُ هو أن التكرارَ هو جوهر التعليم. فإن لم تُكرِّر، لا تكونُ مُعلِّماً، كما يَقُولُ إختِصاصِيُّو التَّعليم. وثانِياً، في كلمةِ الله، التكرارُ هو ليسَ فقَط لتعليمِ المقاصِد، بَل أيضاً للتَّشديد. فهل سبقَ ولاحظتَ الأُمور التي يُكرِّرُها الكتاب المقدس؟ فسردُ حَدَثِ الخلق يتكرَّرُ مرَّتين في سفرِ التكوين. وناموسُ موسى يتكرَّرُ في سفر التثنية. وسيرةُ حياة يسوع المسيح تتكرَّرُ أربعَ مرَّاتٍ في العهدِ الجديد، وهذه الحقبةُ من التاريخ العِبري في أسفارِ أدبِ المملكة التاريخية تتكرَّرُ ثانيةً في سِفرَي أخبارِ الأيَّام الأوَّل والثَّانِي.

فإن كان التكرارُ يهدفُ للتشديد في كلمةِ الله، فعلامَ يتمُّ التشديدُ عندما تُكرِّرُ أسفارُ أخبارِ الأيام سردَ هذه الحقبة التاريخية ذاتها؟ الجوابُ الواضِحُ على هذا السُّؤال هُوَ: ملكوت الله. قالَ يسوعُ أن هذا الملكوت ينبغي أن يَكُونَ الأولويةَ في حياتِنا، وغايَةَ تضَرُّعاتِنا. فملكوت الله هو القَصدُ منَ الولادة الجديدة، والولادَةُ الجَديدَةُ هي وسيلتُه، بحسبِ تعليم يسوع. (متَّى 6: 33؛ يُوحَنَّا 3: 3، 5) وبما أن ثمارَ ملكوت الله هي القضية التي على المِحَك، فهذا يجعلُ من ملكوت الله في غايةِ الأهمية. فاللهُ يُريدُنا أن نستَوعِبَ مفهُومَ كَونِه هُوَ المَلِك، وكونَهُ يُريدُنا أن نكُونَ رعايا في ملَكُوتِهِ. لهذا يُكَرِّرُ اللهُ مَرَّتَين ذِكرَ هذا الحقبَة منَ التَّاريخ.

السببُ الثالث الذي من أجلِهِ سمحَ اللهُ بتكرار سرد تاريخ هذه الحقبة، هو أهمية رفض الشعب أن يكون اللهُ ملكاً عليهم. من المهم أن نفهم أننا لا نزالُ اليومَ نعيشُ العواقبَ الوخيمة لهذا الرفض. ويُريدُنا اللهُ أن نفهمَ هذا الرَّفضَ، لأنَّهُ يُصَوِّرُ الحقيقةَ الصَّعبة التي تَقُولُ أنَّهُ بإمكانِنا نحنُ أيضاً اليوم أن نرفُضَ اللهَ كَمَلِكٍ عَلَينا.


الأزمِنَة والمَواسِم

عندما أُخِذَ شعبُ المملكةِ الجنوبيَّة إلى السبي، بدأَ عصرٌ جديد يُسمَّى، "أزمِنةُ الأُمَم." لقد أراد اللهُ أن يكونَ هناكَ ثيوقراطيَّة حيثُ يكونُ هو ملكَ الشعب ويكونون هم رعاياه. ولكن عندما رفضَ بنو إسرائيل هذا الترتيب، قالَ الله، "حسناً، سوفَ تتشَتَّتُونَ بينَ الأُمَم،" أي بين غير اليهود، وغير المُؤمِنين، "وسوفَ تُحكَمون من قِبَلِ الأُمم." وإذ نبدأُ الحديث عن السبي البابلي، نجدُ أن اللهَ لم يكُن يعمل من خلالِ ملوكٍ مثل داود، الذين كانُوا يعملون إرادتَه من كُلِّ قلبِهم، بل من خِلالِ ملوكٍ وثنيين مثل نبوخذنصَّر وكوروش الكبير. إن أسفار أدب المملكة التاريخية هذه تُخبِرُنا أن عملَ اللهِ لا ينتهي عندما يحكُمُ الوثنيُّون شعبَه. إن أسفارَ أدب المملكة تُخبِرُنا أنَّ خُطَطَ اللهِ لا يَستَحيلُ تطبيقُها لِمُجَرَّدِ كَونِ شَعبِهِ أصبحَ محكُوماً من قِبَلِ مُلُوكٍ وَثَنِيِّين. فلقد تابَعَ اللهُ عمَلَهُ وتنفيذَ مُخَطَّطاتِهِ من خلال حُكَّامٍ وثنيين. فخُطَطُ اللهِ لا يستَحيلُ تطبيقُها لمُجَرَّدِ كَونِنا نحنُ المُؤمنين قد رَفَضناهُ كَمَلِكٍ عَلَينا.

ففي أزمِنَةِ الأُمَم، يَكُونُ مَلَكُوتُ اللهِ داخِلَ المُؤمنين الذين يجعَلُونَ اللهَ مَلِكَهُم. فرعايا ملكوتُ الله يعيشون بين غير المؤمنين وتحتَ حُكمِهم. ويُصبِحُونَ مُشَتَّتِينَ كمِلحٍ بينَ غيرِ المُؤمنين، لكي يُمَلِّحُوا الأرضَ. هذا لا يعني أن الأُمَّة التي سيعيشُ فيها شعبُ الملكوت ينبغي أن تكونَ أُمَّةً مسيحيَّة تقيَّة. فهذه الخطة رفضَها بنو إسرائيل. لقد أرادَ اللهُ ملكوتاً ثِيوقراطِيَّاً. ومنذُ تلكَ المرحلة من التاريخ العِبري، لم يعُدْ هُناكَ أيَّة أُمَّة على الأرض يحكُمُها اللهُ. فلا يُوجد ما يُسمَّى أُمَّة مسيحيَّة. لأن ملكوتَ الله يُختَبَرُ فرديَّاً في القُلوب. (لُوقا 17: 9، 10)

السببُ الرابع لتكرار السرد التاريخي للمرحلة نفسها في أخبار الأيام هو أن عزرا آمنَ على ما يبدو أنهُ لم يتمَّ إخبار كُلّ القصة سابِقاً. لقد آمنَ عزرا أن كاتبَ صموئيل ومُلوك أعطانا تاريخ تلكَ المرحلة من وُجهةِ نظرِ الإنسان، ولقد أُوحِيَ لعزرا أن يسجِّلَ تاريخَ تلكَ الحقبة التاريخية من وجهة نظر الله. لهذا كتبَ عزرا سِفرَي الأخبار الأوَّل والثَّانِي.


أُمُورٌ مَنسِيَّة

رُغمَ التَّاريخِ المُكَرَّر سَردُهُ، تختَلِفُ الأسفارُ عن بعضِها بشكلٍ كَبير. وبإمكانِنا أن نجِدَ مِفتاحاً للإختِلافاتِ، في كَونِ عُلماءِ الترجمة السبعينيَّة قد أطلقُوا على أخبارِ الأيَّام إسمَ "أُمور مَنسيَّة." وهذا العنوان يعني أن هناكَ أموراً منسيَّة عندما تمَّ سردُ تاريخ تلكَ الحقبة التاريخية في صموئيل وملوك، وأنَّ هُناكَ أُمُوراً أُخرى ملأَت عدَّةَ صَفَحاتٍ في صَمُوئيل ومُلُوك، مثل خطايا داوُد وسُلَيمان، تمَّ إغفالُها ونِسيانُها في سفرَي أخبارِ الأيَّام.

يُعتَبَرُ نِسيانُ خطيةِ داود خبراً سارَّاً. ويعني هذا النسيانُ أن خطايانا لن تُذكَر عندما نقفُ أمامَ الله لأنَّنا آمنَّا بيسوع المسيح وبخلاصِه. ولهذا السَّبَب ذاتِهِ، نجدُ أن خطيَّةَ سُليمان أيضاً هي من أجمَلِ الأُمُورِ التي تناساها عزرا في سِفرَي أخبارِ الأيَّامِ.

عندَما يَتِمُّ اليومَ تَصويرُ حدَثٍ بكامِيراتِ التَّلفزيون، تُستَخدَمُ عدَّةُ كاميرات تصوير لتُوفِّرَ وُجهاتِ نظَرٍ مُتَعَدِّدَة لهذا الحدَث. بمعَنَىً ما، إنَّ سِفرَي صَمُوئيل وسفرَي المُلوك يُشيرانِ إلى هذهِ الحَقَبَة منَ التَّاريخِ العِبرِيّ، من خلالِ الكامِيرا الإنسانِيَّة، أمَّا سِفرا أخبارِ الأيَّام، فيُشِيرانِ إلى هذه الحقبة من وُجهَةِ نَظَرِ كامِيرا الله. وكما نتوقَّعُ، كانت هُناكَ بعضُ الأُمُورِ المَنسيَّة الرَّهيبة في سِفرَي أخبارِ الأيَّام. فمثلاً، مملكة إسرائيل الشماليَّة التي كانت شرِّيرة جداً، لم يُؤتَ على ذكرِها بتاتاً بعدَ إنقِسامِ المملَكَة. ولكن لماذا؟ لأنَّ أخبارَ الأيَّام يُرَكِّزُ على نسلِ بَيتِ داوُد وسبط يَهُوَّذا. ونَسَبُ داوُد هو مَوضُوعُ التَّركيز في أخبارِ الأيَّام لأنَّ المَسِيَّا سوفَ يأتِي من نسلِهِ.

في أخبارِ الأيام، المُلوك الذين تمَّ تسليطُ الضوءِ عليهم هم أولئكَ المُلوك الذين إستخدَمَهُمُ اللهُ في إِحداثِ نهضةٍ أو رجوعٍ للرب أو إصلاح. كان بعضُ الملوك في المملكة الجنوبية مثل آساف، يهوشافاط، يوآش، حزقيا، ويوشيَّا، إستخدمهم اللهُ في أمورٍ صالحة. أمَّا المُلوكُ الأشرار أو غيرُ المُبَالين (وكُلُّ مُلُوكِ مملكَة إسرائيل الشَّمالِيَّة هُم من هذا الصِّنف) فلم يُؤتَ حتَّى على ذكرِهم في أخبارِ الأيام.

يُوشِيَّا مَثَلاً عَمِلَ على ترميمِ الهَيكَل. خِلالَ هذه العمليَّة، وجدَ حلقيَّا الكاهِن بعض المخطوطات منَ الأسفارِ المُقدَّسة. وكان الشعبُ في مرحلة إنحطاطٍ وإرتداد، فنسُوا أنهُ يوجدُ شيءٌ يُسمَّى كلمة الله أو الأسفار المقدسة. فقُرِئت هذه الأسفار المقدسة على يوشيَّا الملك، الذي عندما سمِعَ وصايا الله ولاحظَ أنها لم تكُن تُطاع، أرجعَ الأُمَّةَ بكامِلِها إلى كلمةِ الله. (أُنظُرْ 2 أخبار الأيَّام 34).

إن أخبار الأيام هي بِمَعنىً ما تفسيرٌ أو تعليقٌ على سفري الملوك. لهذا تجدُ أنهُ في سفري الملوك يتردَّدُ القولُ بالرجوع إلى أخبارِ الأيام، لأن مؤلِّفَ سفري الملوك، أي الروح القدُس، يُريدُكَ أن تأخذَ وجهة النظر الإلهية عن ذلكَ الملك أو الحدث المُعيَّن.

تأمَّلُوا في حياةِ داوُد. فالتفسيرُ الذي يُعطيهِ سِفرا الأخبار لِنجاح داود السياسي، هُوَ أنَّ داود تبارَكَ في مُلكِهِ لكي يُعطيَ فرحاً لشعبِ الله. يُرينا سِفرا أخبار الأيَّام المُساهمة الكبيرة التي قدَّمها داود للعبادة بإدخالِهِ الموسيقى للعبادة. في 1أخبارِ الأيام 15 و23، نجدُ مقاطِعَ جميلة تُخبِرُنا كيفَ نظَّمَ داود الجوقات الموسيقيَّة. وكان لداود فرقةً موسيقيَّة ضخمة، وفرقة لاويين، وبالتَّحديد أربَعَة آلاف منهم. فمُساهمةَ داود في العبادة مُشدَّدٌ عليها في أخبارِ الأيَّام، حتَّى ولو تمَّ إغفالُها أو نسيانُها في سفري صموئيل، لأنَّ اللهَ يُخبِرُنا ماذا تعني عبادَتُنا من وُجهَةِ نظَرِهِ.

في أخبارِ الأيام نجدُ السبب الذي من أجلِهِ لم يُسمَحْ لداود ببناء بيتٍ لله. نرى أنهُ لم يُسمَحْ لداود ببناءِ بيتٍ لله لأنَّهُ كان مُحارباً وسفكَ الكثير من الدماء. (2 أخبار 22: 8- 9)  في أخبارِ الأيام نكتشفُ لماذا تحالفَ ملكٌ صالحٌ مثل يهوشافاط مع ملكٍ شرِّيرٍ مثل آخاب. فلقد كانوا أجداداً لنفس الأحفاد، لأن أولادهما تزوَّجوا من بعضِهم. (2 أخبار الأيَّام 18: 1)


صَلاةٌ لأجلِ نَهضَة

أحدُ أهمِّ الأعداد في أخبارِ الأيام هو أخبار الأيام الثاني 7: 14،

"فإذا تواضَعَ شعبي الذين دُعِيَ اسمي عليهم وصلُّوا وطلبوا وجهي وَرَجَعُوا عن طُرُقِهِم الرديَّة فإنَّني أسمعُ من السماء وأغفِرُ خطيَّتَهُم وأُبرئُ أرضَهُم." 

في هذا العدد، نسمعُ كلمةً من الهَيكَلِ إلى القصر، من الحياة الدينية إلى الحياة السياسية للأُمة، نجدُ عهداً يُقدِّمُهُ اللهُ لشعبِه. فما يقولُه اللهُ هنا هو، "أنا حاضرٌ لأغفِر، أنا حاضرٌ لأشفي. ولكن قبلَ أن أغفِرَ وأشفي، هُناكَ بعضُ سُبُلِ البرّ التي أُريدُ أن يسلُكَ شعبي فيها." لهذا، أعتَقِدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ منَّا ينبَغي أن يحفَظَ هذا العدد من 2 أخبار الأيَّام 7: 14 عن ظَهرِ قَلب، أوَّلاً على الصعيدِ الشَّخصي، ومن ثَمَّ يُمكِنُ تطبيقُهُ على الصَّعيدِ الوَطَنِيّ.

ومفتاحُ فهمِ وحَلِّ المُفارقات والتَّكرار في هذه الحقبة من التاريخ العبري كما جاءَ في سِفرَي أخبارِ الأيَّام، هو: أن طُرُقَ اللهِ ليست طُرُقَنا، ولا أفكارُهُ أفكارنا. فالفرقُ بين طريقة تفكير الله وطريقة عمله، وبين طريقة تفكيرنا نحنُ البشر وطريقة عملِنا، هو مثلُ إرتفاعِ السماواتِ عن الأرض. (إشعياء 55: 8- 9). فإن أردتَ أن تحصلَ على وجهة النظر الإلهية، وإن أردتَ أن تجعلَ طريقةَ تفكيرك وعملِكَ تنسجمُ مع طريقة تفكير الله وعمله، عليكَ بقراءةِ أخبارِ الأيام. عندها سوفَ تكتشفُ درساً عظيماً في القِيَم وفي وُجُهاتِ النظر.

"أمورٌ منسيَّة" هو عُنوانٌ جيِّدٌ لسفري أخبارِ الأيام. إنها أخبارٌ سارَّةٌ عندما نكتشفُ أن خطايانا مُمكِن أن ينساها الله، كما نسِيَ خطايا سُليمان وداود في أخبارِ الأيَّام. وكذلكَ نجدُ تحدِّياً رهيباً عندما نُلاحِظُ أن اللهَ لم يأتِ على ذكرِ المملكة الشمالية لأن أهلَ تلكَ المملكة الشمالية لم يكونوا مدعوِّين بحسب قصدِ الله. إنَّها لَفِكرَةٌ مُهِيبَة أن نتصوَّرَ أنَّ وُجُودَنا بأَكمَلِهِ يتجاهَلُهُ اللهُ اليوم، وسوفَ يتجاهَلُهُ في الأبديَّة، لكَونِنا لم نجعلْ أفكارَنا وطُرُقَنا وحياتَنا تنسَجِمُ معَ إرادَةِ اللهِ وطُرُقِهِ.

أُصلِّي أن تُؤدِّي مُقارنتُكَ بين سفري أخبارِ الأيام وبين أسفار صموئيل وملوك إلى تحدٍّ لكَ لكي تُقارنَ بين وجهة نظر الله وبين وجهة نظر الإنسان، ليسَ فقط خلالَ هذه الحقبة التاريخية، بل في الحقبةِ التَّاريخيَّة التي نعيشُ فيها اليوم، وفي تاريخِنا الإجتِماعِيّ الشَّخصيّ.