تفاسير

المَزمُورُ الرَّابِع حُلُولٌ للضغط

القسم: الأسفار الشعرية.

فهرس المقال

بعدَ أن تأمَّلنا بِبَعضِ مزامِيرِ الرَّجُلِ المُبَارَك، أصبَحنا جاهِزينَ لنتأمَّلَ ببَعضِ المزامير التي أُسَمِّيها المزامير العاطِفيَّة. هذه المَزامير هي غالِباً مزاميرُ صلاة، حيثُ يتكلَّمُ المُرَنِّمُ معَ اللهِ عنِ الإنسان – وهو يتكلَّمُ عادَةٍ عن نفسِهِ. أحدُ هذه المزامير هُوَ المزمُورُ الرَّابِع:

"عندَ دُعائي استجِبْ لي يا إلهَ بِرِّي.

في الضيقِ رحَّبتَ لي.

تراءَفْ عليَّ واسمَعْ صلاتي.

يا بني البَشَر حتَّى متى يكونُ مجدي عاراً.

حتَّى متى تُحبُّونَ الباطِلَ وتبتغون الكذِب.

فاعلَموا أن الربَّ قد ميَّزَ تقيَّهُ.

الربُّ يسمعُ عندما أدعُوهُ.

ارتعِدُوا ولا تُخطِئوا.

تكلَّمُوا في قُلُوبِكُم على مضاجِعِكُم واسكُتُوا.

اذبَحوا ذبائحَ البرِّ

وتوكَّلوا على الرب.

كثيرون يقولون من يُرينا خيراً.

ارفَعْ علينا نورَ وجهكَ يا ربُّ.

جعلتَ سُروراً في قلبي

أعظمَ من سُرُورِهم

إذ كثُرَت حِنطَتُهُم وخمرُهُم.

بِسلامةٍ أضطجعُ بل أيضاً أنام.

لأنَّكَ أنتَ يا ربُّ في طُمأنينةٍ تُسكِّنُني."

 

كيفَ ينبَغي أن نتجاوَبَ معَ الضَّغط؟

إن الحالةَ العاطفية لِكاتِبِ المزمور الرابع هي حالةٌ تعيسة. في هذا المَزمُور، يُعالِجُ المُرَنِّمُ مُشكِلَةَ الضَّغط. فالعالَمُ المضغُوطُ الذي نعيشُ فيهِ اليوم، تمَّ وَصفُهُ بأنَّهُ "عالَمُ القَلَق." يُرينا هذا المَزمُورُ كيفَ نتعايشُ معَ الضَّغطِ الذي نُواجِهُهُ يوميَّاً.


صَلاة

في المزمور 4، تجاوَبَ داوُد معَ الضُّغُوطاتِ العاطِفيَّة من خلالِ الصَّلاة. فَصَلَّى قائِلاً: "عندَ دُعائي استجِبْ لي يا إلهَ بِرِّي." (1) فالصلاةُ هي مُحادثةٌ مع الله. والمُحادَثَةُ لها بُعدان – التَّكَلُّمُ والإستِماع. فاللهُ يُريدُكَ أن تتكلَّمَ معَهُ، ولكنَّهُ يُريدُ هُوَ أيضاً أن يتكلَّمَ إليكَ. في مُعظَمِ مزامير الصَّلاة، نرى أوَّلاً المُرَنِّمَ يتكلَّمُ معَ الله، ومن ثَمَّ نسمَعُ اللهَ يُجيبُهُ. فالمُرنِّمُ يتضرَّعُ إلى اللهِ، ثمَّ ينالُ تأكيداً أنَّ اللهَ سَمِعَ صلاتَهُ، لأنَّهُ يستَجيبُ صلاتَهُ.

بدَأَ داود هذه الصَّلاة بإخبارِهِ اللهَ عن مَصدَرِ تعاسته وضيقِه. (2)فأجابَ اللهُ بإعطائِهِ داوُد إعلاناً: "فاعلَموا أن الربَّ قد ميَّزَ تقيَّه. الربُّ يسمعُ عندما أدعوهُ. ارتعِدُوا ولا تُخطِئوا." (3، 4أ) في أيِّ وقتٍ تُستجابُ صلاتُكَ، لا ينبغي أن تبقى كما أنتَ عليه. فكِّر بما تعنيهِ الصلاةُ المُستجابَة. فهي تعني أن اللهَ مُهتَمٌّ بنا، وهُوَ يسمع، ويَستَجيب صلواتِنا عندما نتحادَثُ معَهُ. وسُرعانَ ما نختَبِرُ إستِجابَةَ صَلاةٍ، لا تبقَى الحياةُ بالنِّسبَةِ لنا كما كانت عليهِ سابِقاً.


إمتَحِنْ قَلبَكَ

عندَما تكلَّمَ اللهُ معَ داوُد، أخبَرَهُ أن يعمَلَ شَيئاً، "تكلَّموا في قُلُوبِكُم على مضاجِعِكُم واسكُتُوا." (4ب) عِندَما أخبَرَ اللهُ داوُد بأن يسكُتَ أمامَ الرَّبّ، كانَ يطلُب منهُ أن يُصغِيَ إليهِ. بِمعنىً ما، عندما قالَ الرَّبُّ لِداوُد أن يتأمَّلَ في قَلبِهِ على مضجَعِهِ، كانَ يَقُولُ لِداوُد أن يتكلَّمَ معَ نفسِهِ. لقد أرادَ الرَّبُّ أن يمتَحِنَ داوُد قلبَهُ أو أن يجتَمِعَ معَ نفسِهِ.


إعمَل الشَّيءَ الصحيح

بينما كانَ داوُد يمتَحِنُ قَلبَهُ، أظهَرَ لهُ اللهُ ماذا ينبَغي عليهِ أن يفعَلَ حِيالَ ضِيقِهِ أو قَلَقِهِ. فلقد جعلَ اللهُ داوُدَ أن يعرِفَ أنَّ واجِبَهُ هُو: "إذبَحوا ذبائحَ البرِّ وتوكَّلوا على الرب." (5) لماذا إحتاجَ أن يعمَلَ هذا؟ لأنَّ كَثيرينَ كانُوا يُراقِبُونَ ويسأَلُون، "من يُرينا خَيراً؟" (6 أ) فلقد كانَ النَّاسُ يُراقِبُونَ داوُد. وكانُوا يتعلَّمُونَ عن اللهِ من مِثالِ داوُد.

بإمكانِنا أن نفتَرِضَ أنَّ داوُد كانَ يُواجِهُ قراراً تطلَّبَ خياراً. فكانَ بإمكانِهِ أن يعمَلَ مصلَحَتَهُ ويعيش. أو كانَ بإمكانِهِ أن يعمَلَ الصَّوابَ. فإذا عمِلَ الصَّواب، ظَنَّ أنَّهُ لن يستَطيعَ تحمُّلَ ضغط أزَمَتِه. فبما أنَّهُ كانَ رَجُلاً صادِقاً، لم يستَطِعْ أن يَعيشَ معَ ذنبِ عمَلِ ما هُوَ لِمَصلَحَتِهِ. فعندما قامَ بهذه المُحادَثَة معَ الله، عقدَ العَزمَ على أن يُقَدِّمَ أيَّةَ تضحِياتٍ كان يتوجَّبُ عليهِ تقديمُها ليعملَ الصَّواب. لقد عرفَ أنَّ النَّاسَ كانُوا يُفتِّشُونَ عن شَيءٍ جَيِّد، أي عن شخصٍ يعمَلُ الصواب، حتَّى ولو تطلَّبَ الأمرُ تضحياتٍ كبيرة.

عندما قرَّرَ داوُد أنَّهُ سيُقدِّمُ تضحِياتٍ كبيرَةً منَ البِرِّ، إختَبَرَ تغيُّراً عاطِفيَّاً. قالَ، "جعَلتَ سُروراً في قَلبِي أعظَمَ من سُرُورِهم... بِسلامَةٍ أضطَّجِعُ بل أيضاً أنامُ، لأنَّكَ أنتَ يا رَبُّ في طُمأنِينَةٍ تُسَكِّنُني." (مزمُور 4: 7 أ و8).

إذا وجدتَ تفسَكَ وحالَتَكَ العاطفيَّة المُضطَّرِبَة في ضِيقِ داوُد، تأمَّلْ في قَلبِكَ وتحادَثْ مع الله. فإذا أمكَنَ رَدُّ قَلَقِكَ إلى صراعٍ رُوحِيٍّ حولَ ما هُوَ لِمَصلَحَتِكَ وما هُوَ الصَّواب، قرِّرْ في قَلبِكَ أن تُقَدِّمَ تضحياتِ البِرّ، وأن تَضَعَ ثِقَتَكَ في الله. بَرهِنْ أنَّ حَلَّ داوُد للضَّغطِ والقَلَق يُمكِنُ أن يُغَيِّرَ عواطِفَكَ تجاهَ التشنُّجِ الأدبي، وتجاهَ عدَمِ الإستِقرار والتَّعبِ والخَوفِ، ويُحَوِّلَها إلى جَوٍّ عاطِفيٍّ تَسُودُهُ الرَّاحَةُ التي تنبُعُ منَ الثِّقَة، السَّلام، والنَّوم الهَنيء.

أضف تعليق


قرأت لك

من على سفوح الجبال

من هناك من على سفوح الجبال الخضراء، وقف يسوع الذي أدهش العالم بهويته ليطلق أعظم كلمات عرفها التاريخ، التلاميذ في هدوء يستمعون، الطبيعة كلها تترنم فرحة، فالمسيح يريد أن يطرح معادلات جديدة تجعل الإنسان ينطلق إلى آفاق الرجاء والأمل لتتخطى الكبرياء والحسد إلى أسوار متينة مليئة بالمحبة والخضوع والتواضع، بين كل هذه السكينة ابتدأ المسيح بالقول: