المَزمُورُ الرَّابِع والثَّلاثُون وصفَةٌ للفَشَل

القسم: الأسفار الشعرية.

إن المزمور 34 هو واحدٌ من مَزامير الصَّلاة العاطِفيَّة، رُغمَ أنَّ هناكَ الكثير من العِبادَةِ والوعظ في هذا المزمور. تُوضِحُ الكتابَةُ المَوجُودَةُ في بِدايَةِ المَزمُور الرَّابِع والثَّلاثِين خلفِيَّتَهُ التَّاريخيَّةَ. فهُوَ يُمَثَّلُ مرحَلَةً قاتِمَةً مُظلِمَةً من تاريخِ حياةِ داوُد، عندما كانَ هارِباً من وجهِ الملك شاوُل. نجدُ وصفاً لهذه المرحلة المُظلِمَة في حياةِ داود في صَمُوئيل الأوَّل الإصحاحَين 21 و22. عندما هرَبَ داوُد من شاوُل، وأصبَحَ عَدُوَّهُ الأوَّل، قامَ داوُد بهدَفِ حِمايَةِ نفسِهِ والحفاظِ على بقائِهِ بالتَّحالُفِ معَ مَلِكِ الفِلسطِيِّين. وعندما فَشِلَ هذا التَّحالُف بِدَورِهِ، أصبَحَ داوُد هارِباً، وعاشَ في الكُهُوفِ والبَرارِي. ثُمَّ نقرَأُ بعدَها أنَّهُ قد إنضَمَّ إلى داوُد في البَرِّيَّة كُلُّ مُرِّ النِّفس، وكُلُّ مديُونٍ ومُتَضايِق (1صَمُوئيل 22: 2) أن تَكُونَ مَديُوناً في الحضاراتِ القَديمة كانَ يعني أن تَكُونَ تحتَ خطَرِ السِّجنِ، كما نَجِدُ ذلكَ مُوَضَّحاً في مَثَلِ يسُوع في الإصحاحِ الثَّامِن عشَر من إنجيلِ متَّى. منَ المُربِكِ أن نُدرِكَ أنَّ هذا كانَ لِقاءَ داوُد الأوَّل معَ الرِّجالِ الذي سيُصبِحُونَ لاحِقاً "أبطالَ داوُد."

المَزمُور 34 هُوَ نَمُوذَجٌ مُختَصَرٌ عمَّا وعظَ بهِ داوُد لأُولئكَ الهارِبينَ الفاشِلين، الذين أصبَحُوا لاحِقاً أبطالَ الملك داوُد، لأنَّهُ فهِمُوا وآمنُوا بِجَوهَرِ ما وعظَهُم بهِ. يُمكِنُ تلخيصُ وصفَةِ داوُد للفَشَل بالقَول، "ثلاثَةُ أشخاصٍ على المِقعَد أيٌّ منهُم هُوَ أنتَ؟"


الإنسانُ ذُو الرَّجاء

الإنسانُ الذي يتمسَّكُ بالرَّجاء، يُؤمِنُ بأنَّهُ يُوجَدُ خَيرٌ في هذا العالم، وبأنَّهُ سوفَ يكتَشفُ هذا الخَير. اللهُ يضعُ رَجاءً في قُلوبِنا، لأنَّ الرَّجاءَ مُمكِنٌ أن يَقُودَنا إلى الإيمان. لهذا يبدَأُ إصحاحُ الإيمانِ في الكتابِ المُقدَّس بإخبارِنا أنَّ الإيمانَ يُعطِي مادَّةً للأُمُورِ التي نترجَّاها، أو "الإيمانُ هُوَ الثِّقَةُ بما يُرجَى." فالإيمانُ هُوَ الذي يَقُودُنا إلى الله.

في أميركا، يقومُ ما بين 25 ألفاً إلى 30 ألفاً من الناس بالإقدامِ على الإنتحار سنويّاً. عندما يدرُسُ المُحلِّلُون النفسيُّون والإجتماعيُّون حالات الإنتحار هذه ويتساءلون "لماذا إنتحروا؟" يتوصَّلون إلى النتيجةِ التالية: أحد الأسباب التي جعلَتْهُم يُقدِمُونَ على الإنتحار، هُوَ لأنَّهم فقدوا الأملَ والرجاء. فعندما يفقُدُ النَّاسُ الإقتناع بأنَّ خيراً سوفَ يُصيبُهُم، يُقدِمُونَ على الإنتِحار.

فمن جهة، من المأساةِ أن نعرِفَ مثلاً أنَّهُ فقط في الولايات المُتحدة ما بين 25 إلى 30 ألف شخص سنوياً يفقدون الأملَ ويُقدِمُون على الإنتحار، ولكن من جهةٍ أُخرى أليسَ مُعجِزةً أن يتمسَّكَ بالرجاءِ والأمل، حوالي 250 مليون نسمة في هذا البلد نفسَهُ؟ فنحنُ نتمتَّعُ بالأمَلِ والرَّجاء، لأنَّنا نُولَدُ وهذا الرَّجاءُ مزروعاً في قُلُوبِنا. إنَّ قَصدَ اللهِ هُوَ أنَّ الرَّجاءَ الذي يزرَعُهُ في قُلُوبِنا ينبَغي أن يَقُودَنا إلى الإيمان، وخُطَّةُ اللهِ هي أنَّ إيمانَنا ينبَغي أن يَقُودَنا إلى علاقَةٍ شَخصِيَّةٍ معَ الرَّبّ.

يُخبِرُنا الرسول بُولُس أن أعظم ثلاثة ميزات للحَياة في هذا العالم هي الإيمان، الرجاء، والمحبة (1كُورنثُوس 13: 13). فالرجاءُ هو أعظَمُ هذه المِيزات، لأنَّهُ لا يَقُودُنا إلى شَيءٍ يَقُودُنا بِدَورِهِ إلى الله. بل عندَما نختَبِرُ نَوعِيَّةَ المَحَبَّةِ التي يَصِفُها بُولُس الرَّسُول، نكُونُ قد وصَلنا إلى ضالَّتِنا المَنشُودة، أي إلى الإلتِقاءِ بالله. فالكلماتُ المألُوفَةُ، "اللهُ محبَّة،" تعني أنَّهُ تُوجدُ نَوعِيَّةٌ منَ المحبَّةِ التي اللهُ هُوَ نفسُهُ إيَّاها.


الإنسانُ المَعدُومُ الرَّجاء (مَزمُور 34: 16، 21)

هُناكَ ما يُسمَّى بالإنسان المَعدُوم الرَّجاء. فالإنسانُ الذي يُحَاوِلُ أن يتَّخِذَ خُطُواتٍ ضِدَّ الله، هُوَ إنسانٌ لا رَجاءَ لهُ. فإن كانَ اللهُ معكَ، فمن يقدِرُ أن يكُونَ ضِدَّكَ؟ ولكن، إن كانَ اللهُ ضِدَّكَ، فمن يستطيعُ أن يَكُونَ معَكَ؟ لقد كانَ الرَّسُول بُولُس يُوافِقُ معَ مُعَلِّمِي النَّامُوس القُدَامَى، أمثال غمالئيل، عندما كتبَ قائِلاً، "إنْ كانَ اللهُ معَنا، فمن عَلَينا؟" وعكسُ ذلكَ هُوَ صحيحٌ أيضاً، "إن كانَ اللهُ ضِدَّنا، فمن يستطيعُ أن يَكُونَ معنَا؟" (رُومية 8: 31؛ أعمال 5: 34- 40) الإنسانُ الذي يعمَلُ ضِدَّ الله يتحرَّكُ بإتِِّجاهٍ يجعَلُ من حَيَاتِهِ معدُومَةَ الرَّجاء. يُعَبِّرُ داوُد عن هذه الحقيقة عندما يقُول، "وَجهُ الرَّبِّ ضِدّ فاعِلي الشَّرّ... الشَّرُّ يُبيدُ الأشرار." (مزمُور 34: 16، 21).


الإنسانُ السَّعيدُ (المُبارَك) (مَزمُور 34: 15، 17- 20، 22)

الإختِبارُ والمُلاحَظَة يُرَكِّزانِ على سعادَةِ وبَرَكَةِ الإنسانِ البارّ، وعلى إنعدامِ سعادَةِ وإنعِدَامِ بَرَكَةِ الإنسان الشِّرِّير. هذه المُلاحَظة تَصِحُّ بِشَكلٍ عام في هذه الحياة. إنَّ سِفرَ أيُّوب وأسفار أُخرى كَثيرَة تُحَذِّرُنا بالقَول، "إيَّاكُُم أن تَقُولُوا دائماً، وإيَّاكُم أن تَقُولوا أبداً." (أُنظُرْ: "ثلاثُونَ سَبَباً لِسَماحِ اللهِ لِشعبِهِ بأن يتألَّمَ" الذي هُوَ بمثابَةِ مُلاحَظاتٍ إضافِيَّةٍ على سِفرِ أيُّوب في هذا الكُتَيِّب.) ففي الحالَةِ الأبديَّة، ستَكُونُ مُلاحَظَةُ داوُد حقيقَةً دائمة (المَزمُور 73).


الحَدَث (مزمُور 34: 3- 8)

لقد أخبَرَ داوُد هَؤُلاء الرِّجال التَّائِهين والفاشِلين عن إختبارِهِ الشَّخصِيّ، وكيفَ إنتَقَلَ من حالَةِ الإنسانِ المَعدُوم الرَّجاء، إلى الإنسان الذي يتمتَّعُ بالرَّجاءِ، ومن ثَمَّ بالسَّعادَة. لاحِظُوا هذه التَّصريحاتِ الشَّخصِيَّة لِداوُد: "طَلَبتُ الرَّبَّ... أصغَى إليَّ... من كُلِّ مخاوِفي أنقَذَني... هذا المِسكِينُ صَرخَ... والرَّبُّ سَمِعَهُ، ومن كُلِّ ضيقاتِهِ أنقَذَهُ." هذهِ هي شهادَةُ داوُد عن إختبارِهِ الشَّخصيّ للتَّجديد.


وَصفَةُ داوُد للفَشَل

"ذُوقُوا وانظُرُوا ما أَطيَب الرَّبّ،" ثُمَّ إكتَشِفُوا أنَّ الإنسان الذي يُؤمِنُ باللهِ هُوَ إنسانٌ مُبَارَكٌ. (8) ومن خلالِ إختِبارٍ شَخصِيٍّ للتَّجديد، إكتَشِفُوا أنَّ الرَّبَّ هُوَ الخير الذي كُنتُم دائِماً ترجُونَ أن تختَبِرُوهُ في هذه الحَياة.


العَهدُ بينَ داوُد ورِجالِهِ الأقوِيَاء

"عَظِّمُوا الرَّبَّ مَعِي، ولنُعَلِّ إسمَهُ معاً." (3) هذا العَهدُ هُوَ وصفٌ جَميلٌ لِلمُجتَمَعِ الرُّوحيّ. هذا هُوَ نَوعُ الوَعظِ الذي أنتَجَ أبطالَ داوُد. لا تَنسُوا أبداً أنَّ أبطالَ داوُد كانُوا هارِبينَ وفاشِلينَ عندما إلتَقاهُم داوُد. وكانُوا أيضاً يرزَحُونَ تحتَ الدُّيُون والضِّيقاتِ.

تَجِدُونَ أيضاً في أبطالِ داوُد الحقيقَةَ التي تمَّ إيضاحُها في حياةِ أشخاصٍ مثل مُوسَى، وكُلِّ القُضاة، وداود نفسه. هذه الحقيقة هي أنَّ اللهَ يُسَرُّ بأن يعملَ أُمُوراً غير إعتِيادِيَّة من خلالِ أشخاصٍ إعتِيادِيِّين. فمَزمُورٌ مثل المزمُور 34، وكُلّ ظاهِرة أبطال داوُد تُعطي معنىً أوضحَ لما أُسمِّيهِ الأسرار الرُّوحيَّة الأربَعة:

لستُ أنا المُهِمّ، بل الرّبّ هُوَ المُهِم، وهُوَ معي.

أنا لا أستَطيع، ولكنَّ الرَّبَّ يستطيع، وهُوَ معي.

أنا لا أُريدُ، ولكنَّ اللهَ يُريدُ، وهُوَ معِي.

أنا لم أعمَلْ، بل اللهُ هُوَ الذي عمِلَ، لأنَّهُ كانَ معي.