سفرُ الجامِعَة

القسم: الأسفار الشعرية.

يُخاطِبُ سِفرُ الجامِعَة قُلُوبَ شَعبِ اللهِ عندما يُفَتِّشُونَ عن أجوِبَةٍ على المُعضِلاتِ المُستَعصِيَة في الحَياة. إن كَلِمَة "جامِعَة" تعني "الواعِظ"، والسِّفرُ الذي سُمِّيَ بهذا الإسم هُوَ بالواقِعِ عظةٌ ألقَاها سُليمانُ على الشُّبَّانِ في أواخِرِ حياتِه. ونَبرَةُ عِظَتِهِ هي أنَّهُ بينما الخُبرَةَ هيَ مُعَلِّمٌ مُقنِعٌ، ولكنَّها لَيسَت المُعلِّم الوحيد. فليسَ علينا أن نتعلَّمَ كُلَّ شَيءٍ بالخُبرَةِ الشَّخصِيَّة. فبما أنَّ هذه العِظَة هِيَ السِّجلُّ المُوحَى بهِ عن نوعِ الحياةِ التي عاشَها الرَّجُل الذي عُرِفَ عنهُ أنَّهُ أحكَمُ رَجُلٍ عاشَ على الأرض، والذي فتِّشَ بِكُلِّ حكمتِهِ لِيَجِدَ معنى وهدَفَ الحياة، لهذا إستَخدَمَ اللهُ هذه العِظَة "كالكَلِمَة الأخيرة للحكمَة" ليُخاطِبَ قُلُوبَ شَعبِهِ عندما يطلُبُونَ، يبحَثُونَ، يُفَتِّشُونَ ويتساءَلُونَ، وحتَّى يُشَكِّكُون.


لمحَةٌ سَرِيعَةٌ على العِظَة

إنَّ سفرَ الجامِعَة هُوَ السِّفرُ الشِّعريُّ الثَّاني لسُليمان. ألقَى سُليمانُ هذه العِظَة على شُبَّانِ شعبِ اللهِ عندما كانَ هُوَ قد أصبَحَ شَيخاً مُتَقدِّماً في السِّنّ. وكما تعلَّمنا في المَزمُور 127، عندما راجَعَ سُليمانُ حياتَهُ من وُجهَةِ نظَرِ النُّضُوجِ والشَّيخُوخَةِ، بما في ذلكَ الحكمة التي تعلَّمَها على مدَى السِّنين، إعتَرَفَ بأنَّهُ عَمِلَ بِجدٍّ، وكانَ مُهتَمَّاً ببناءِ الكثيرِ منَ الإنجازاتِ ولكن بِدُونِ جدوَى. هذه العِظَة هي نسخَةٌ مُوسَّعَة للمَزمُور 127. فلقد ألقَى عِظتَهُ هذهِ لأنَّهُ تأمَّلَ أنَّ يتعلَّمَ الشُّبَّانُ الذين كانُوا يسمَعُونَهُ من خُبرَتِهِ المأساوِيَّة.


ثلاثَةُ أبحاثٍ عن معنَى الحَياة

أخبَرَ سُليمانُ في سِفرِ الجامِعَة شَبابَ شَعبِ اللهِ أنَّهُ حاوَلَ أن يَجِدَ هدفاً ومعنىً للحياةِ في ثلاثَةِ مَجَالات، وأنَّهُ في نِهايَةِ كُلٍّ من مُحاولاتِ البَحثِ هذه، وجدَ الباطِلَ والعَدَم. يَقُودُنا هذا إلى كَلِمَتِهِ المُفضَّلَة. ففي مزمُورِهِ المُقتَضَب، الذي إعتَرَفَ فيهِ بِفَشَلِهِ، سَمِعناهُ يَقُولُ أنَّهُ منَ المُمكِنِ أن نقلَقَ، وأن نعمَلَ، وأن نبنِيَ، وكُلُّهُ بِدُونِ جَدوَى. "فإن لَم يَبنِ الرَّبُّ البَيت، فباطِلاً يتعَبُ البنَّاؤُون. إن لم يحفَظِ الرَّبُّ المَدينَةَ، فباطِلاً يتعَبُ الحارِس. باطِلٌ هُوَ لَكُم أن تُبَكِّرُوا إلى القِيامِ مُؤَخِّرينَ الجُلُوس آكِلينَ خُبزَ الأَتعَاب." (مزمُور 127) سوفَ نَجِدُ هذه الكلمة كَثيرَةَ الإستِخدام في هذه العِظَة المُوسَّعَة لِسُليمان حولَ قصد ومعنى الحياة.


الثَّرَوَات

يَعِظُ سُلَيمانُ قائِلاً أنَّهُ فتَّشَ عن معنى وقصد الحَياة من خلالِ تكديسِ الغِنَى والثَّروات، فأصبَحَ أغنَى رَجُلٍ سبقَ وعاشَ على الأرض. ولكن، عندما نظرَ إلى غِناهُ من منظارِ كَونِهِ مائِتاً، قالَ، "فَكَرِهتُ كُلَّ تَعَبِي الذي تَعِبتُ فيهِ تحتَ الشَّمس حَيثُ أترُكُهُ للإنسانِ الذي يَكُونُ بَعدِي." (جامِعَة 2: 18)

لقدِ إلتَقَى سُلَيمانُ بإنسانٍ غَبِيٍّ في السُّوق، وأدرَكَ أنَّ الإنسانَ الذي سيَرِثُ مُمتَلَكاتِهِ، قد يَكُونُ غَبِيَّاً تماماً كالإنسانِ الذي إلتقاهُ في السُّوق. هذه الحقيقة التي لا مَفَرَّ منها عن هذا الإحتِمال الواقِعيّ، قادَ سُليمان لَيَضعَ عُنوان "باطِل الأباطِيل" على كُلِّ بحثِهِ النَّاجِح عنِ الغِنَى.


الحِكمَة

عندما أدرَكَ سُليمانُ أنَّ الغِنى لم يَكُن قصدَ أو معنَى الحياة، كَرَّسَ نفسَهُ لطَلَبِ الحِكمة. وأصبَحَ أحكَمَ رَجُلٍ عاشَ على الأرض، ولكنَّهُ لم يَكتَشِف هدَفاً ولا في بَحثِهِ هذا. فكتبَ "باطِل الأباطِيل" على ثرواتِهِ، لأنَّهُ لم يستَطِعْ أن يأخُذَ ثرواتِهِ معَهُ إلى القَبر. ولم يَطُلِ الوَقتُ كَثيراً حتَّى أطلَقَ على بَحثِهِ عن قَصدِ ومعنى الحياة بالحكمة، بأنَّ هذا البَحثَ أيضاً هُوَ باطِلُ الأباطيل. هذا لأنَّهُ وَجَدَ أنَّهُ لا يستطيعُ ترجَمَةَ حِكمَتِهِ إلى سعادَة: "لأنَّ في كَثرَةِ الحِكمَةِ كثرَةُ الغَمِّ والذي يَزيدُ عِلماً يَزِيدُ حُزناً." (جامِعَة 1: 18)

تِمثال "المُفَكِّر" ليسَ صُورةً عن شخصٍ سعيد. فالجَهلُ هُوَ قِمَّةُ السَّعادَةِ عندَ الكثيرين، والسَّعادَةُ البَليدَةُ هي سعادَةٌ راضِيَة لأنَّهَا مَبنِيَّة على الجَهل. فبِما أنَّ بَحثاً مُرَكَّزاً عنِ المَعرِفَة لا يَزيدُ من السَّعادَة، أطلَقَ سُليمانُ على بَحثِهِ عن هدَفِ ومعنى الحياة بواسِطَةِ الحِكمة عُنوان: باطِل الأباطِيل.


اللَّذَة

جرَّبَ سُليمانُ طريقاً ثالِثاً في البحثِ عن هدفِ ومعنى الحياة. فلقد إنصرَفَ إلى جُنونِ اللذةِ والطربِ والمرح، وهو قصدَ بهذا أنَّهُ خرجَ إلى العالم وتمتَّعَ بكُلِّ الملذَّات التي وجدها فيه. قالَ، "ومَهما إشتَهَتْهُ عَينَايَ لم أمسِكْهُ عَنهُما. لم أمنَعْ قَلبِي من كُلِّ فَرَحٍ." (جامِعَة 2: 10أ) يا لهذا التصريح! فلم يسبُقْ لأحدٍ أن يسعَى وراءَ اللهو وإشباع الذات كما فعلَ سُليمان. على أيَّةِ حال، يقولُ لنا سُليمانُ أنَّهُ عندما انصرفَ إلى الطربِ والمرح، خرجَ منها بالأسئلةِ التالية: أيَّ خيرٍ تُنتِج؟ وأيَّة منفعةٍ منها؟ وماذا أُحقِّقُ باللذة؟ لقد إكتَشَفَ سُلَيمانُ أنَّهُ في أعماقِ قَلبِهِ، كانَ يعلَمُ أنَّهُ كانَ يُوجَدُ هدَفٌ آخر للحَياة غيرَ التَّرَفِ واللَّهُو والتَّمتُّعِ باللذَّاتِ نهاراً ولَيلاً.


الحُكم

عندَما وصلَ سُليمانُ إلى نهايةِ عظتِهِ لشبابِ شعبِ الله، كان إستنتاجُهُ مبنيَّاً على بحثِهِ الطويل في مجالاتِ الغِنَى والحكمة واللذة. وكانَ إستنتاجُ سُليمان هو التالي: "فَلنَسمَعْ خِتامَ الأمرِ كُلِّهِ. إتَّقِ الله واحفَظْ وصاياه، لأنَّ هذا هو الإنسانُ كُلُّه. لأنَّ اللهَ يُحضِرُ كُلَّ عملٍ إلى الدينونة، على كُلِّ خَفِيٍّ إن كانَ خيراً أو شرَّاً." (جامِعَة 12: 13- 14). إنَّ الفكرةَ وراءَ استنتاجِ سُليمان مُعبَّرٌ عنها باللغةِ العِبريَّةِ الأصلِيَّةِ أنَّ خَوفَ اللهِ وطاعَةَ وصاياهُ كالتالي سيجعلُ منكَ إنساناً كامِلاً. فرأسُ الحِكمَةِ مخافَةُ اللهِ، لأنَّها تجعَلُ منَ الإنسانِ يُصبِحُ كما أرادَهُ اللهُ أن يَكُون. هذا هُوَ القَصدُ الذي لأجلِهِ سعى سُليمانُ في حَياتِهِ.

لقد قادَت الحِكمَةُ سُليمانَ ليتيقَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ أن تَكُونَ هُناكَ دينُونَةٌ مُطلَقَةٌ، لأنَّهُ إكتَشَفَ خلالَ عِظَتِهِ أنَّ الحياةَ مَليئَةٌ بالمظالِم. فَلَقَد وَرِثَ النَّاسُ الغِنَى الذي لم يكتَسِبُوهُ بأَنفُسِهم، والمظلُومُونَ لم يَحصَلُوا على أيَّةِ تعزِيَة، والمَتخُومُونَ لم يَشعُرُوا أبداً بالإكتِفاء ولا بالرَّضَى. فالظُّلمُ، والتَّمييزُ، وإستِغلالُ الفَقير والذي ليسَ من يُدافِعُ عنهُ منَ الأشرارِ وألاعِيبِهم، كُلُّ ذلكَ دَفعَ سُليمان للإقتِناعِ بأنَّهُ لا بُدَّ وأن تَكُونَ هُناكَ دَينُونَةٌ مُطلَقَة.


شَذَرَاتٌ مُوحاةٌ عنِ الحَقيقَةِ في سِفرِ الجامِعَة

بينما تقرأُ في سفرِ الجامعة، سوفَ تكتَشِفُ مساراً مُزدوجاً للحقيقة. فهُناكَ أوقاتٌ شكَّكَ بها سُليمان، وأوقاتٌ أُخرى تساءَلَ بها عَنِ الحَقيقَةِ، مُتَظاهِراً وكأنَّهُ ليسَ لَدَيهِ أيُّ إعلانٍ منَ الله، وأنَّهُ كانَ يُفَكِّرُ فقط كشَخصٍ غَيرِ رُوحِيٍّ أو عالَمِيٍّ تماماً. وفي أوقاتٍ أُخرى، فكَّرَ وتأمَّلَ سُليمانُ كإنسانٍ رُوحِيٍّ ذي إعلانٍ مُوحَىً بهِ منَ الله. رُغمَ أنَّ سُلَيمان عبَّرَ عن عِدَّةِ شُكُوكٍ في إطارِ تلكَ الذِّهنِيَّةِ الأُولَى، فإنَّ الحَقائِقَ التي عبَّرَ عنها كإنسانٍ آخر هي حقائِق عميقَة تُساعِدُنا على إكتِسابِ مفهُومٍ لِقَصدِ ومعنَى الحياة.

نقرَأُ في مقطَعٍ في الإصحاحِ الثَّالِثِ من سِفرِ الجامِعة: "لكُلِّ شيءٍ وقت. ولكُلِّ قصدٍ تحتَ السماء وقتٌ: فللولادةِ وقتٌ، وللموتِ وقت؛ للزرعِ وقتٌ ولقلعِ المزروعِ وقت؛ للقَتلِ وقتٌ وللشفاءِ وقت." جامعة 3: 1-8. يُشبِهُ هذا المقطَع جملةً صغيرةً في المزمور الأوَّل، التي تُخبِرُنا أنَّ الإنسانَ المُبارَكَ يُشبِهُ الشجرَةَ المَغرُوسَةَ عند مجاري المِياه، التي "تُعطِي ثمرها في أوانِه،" أي عمل الله في وقتِهِ في حياةِ الإنسان.

في الإصحاح الرابِع، أعطَانا سُليمانُ حكمةً جميلةً عن الزواج. فهو يقول: "إثنان خيرٌ من واحد، لأنَّ لهما أجرةَ لتَعَبِهما صالِحةً، لأنَّهُ إن وقعَ أحدُهما يُقيمُهُ رفيقُه. وويلٌ لمن هو وحدَه، إن وقعَ إذ ليسَ ثانٍ لِيُقيمَه. أيضاً إن اضَّطجع إثنانِ يكونُ لهما دفءٌ، أمَّا الواحِدُ فكيفَ يدفأ. وإن غلبَ أحدٌ على الواحِدِ يقِفُ مُقابلَهُ الاثنانِ والخيطُ المثلوث لا ينقَطِع سريعاً." (4: 9- 12)

عندَما خَطَّطَ اللهُ لعلاقَةِ الزَّواج، أرادَ أن يَكُونَ الزَّوجُ و الزَّوجَةُ واحِداً في الذِّهنِ والجسدِ و الرُّوح. لقد كانت خُطَّتُهُ ولا تزالُ أن يتمِّ التَّعبير عنِ مَجَالَي الرُّوح والذِّهن، أن يتِمَّ التَّعبيرُ عنهُما بِبهجَةٍ من خلالِ العلاقَةِ الجسديَّةِ الجِنسيَّة. لَرُبَّما كانَ هذا في فِكرِ سُليمان عندَما قال، "الخيطُ المثلوث لا ينقَطِع سريعاً." إذا نُظِرَ بِوُجهَةِ النَّظَرِ هذه نحوَ الزَّواج، يَكُونُ الجِنسُ عندَها أقوَى شَكلٍ من أشكالِ التَّواصُل. فإذا لَم تَكُنِ العلاقَةُ الجَسَديَّةُ في الزَّواج تعبيراً عن أعمَقِ مُستَوياتِ الذِّهنِ والرُّوح، يكُونُ الجِنسُ في هذا الزَّواج على مُستَوى التَّواصُلِ الحَيوانِيّ.

يصفُ سُليمانُ أيضاً في الإصحاح التاسِع مدينةً أنقذتها نصيحةُ رجُلٍ حكيم: "مدينةٌ صغيرة فيها أُناسٌ قَلِيلُون. فَجاءَ عَليها ملكٌ عظيمٌ وحاصَرَها وبَنَى عليها أبراجاً عظيمة. ووُجدَ فيها رَجُلٌ مِسكِينٌ حَكِيمٌ فنجَّى هو المدينة بِحِكمَتِه. وما أحدٌ ذكرَ ذلكَ الرجُل المِسكِين." (جامِعَة 9: 14- 15) يظنُّ سُليمانُ أنَّ تجاهُلَ المدينة لهذا الرجُل الحَكيم وعدَم مُكافأتِه كانَ ظُلماً. ورُغمَ أنَّ جُهُودَ الرَّجُلِ الحَكيم لم تُكَافَأْ، ولكنَّ سُليمان إستَنتَجَ قائِلاً: "كلِماتُ الحُكَماءِ تُسمَعُ في الهُدُوءِ أكثَرَ من صُراخِ المُتَسَلِّطِ بَينَ الجُهَّال." فبالنِّسبَةِ لهُ، إنجازُ العَمَل كانَ أكثَرَ أهَمِّيَّةً من المدحِ الذي يُمكِنُ أن ينالَهُ على إنجازِ العمل.

وإذ يختَتَمُ سُليمانُ سفرَ الجامعة، ينصَحُ الشُّبَّانَ قائِلاً: "فاذكُرْ خالِقَك في أيَّامِ شَبَابِك." (12: 1) لقد عرفَ سُلَيمانُ أنَّ الشَّبابَ هُوَ مرحَلَةُ البَرَكَةِ و الإثمار، ولكنَّهُ عرفَ أيضاً أنَّ الشيخُوخَةَ تقتَرِبُ بِسُرعَة. "أُذكُرْ خالِقَكَ،" قالَ سُليمانُ مُترَجِّيَّاً الشَّابَ، "قبلَ ما ينفصِمُ حبلُ الفِضَّة أو ينسَحِقُ كُوزُ الذهب... فيرجِعُ التُّرابُ إلى الأرضِ كما كان وترجِعُ الروحُ إلى اللهِ الذي أعطاها." (6، 7) خَيراً يفعَلُ الشُّبَّانُ عندما يَذكُرُونَ اللهَ ويَعِيشُونَ حياتَهُم بِشَكلٍ مُستَقيم، لأنَّهُم سيَلتَقُونَ بِوجهِ اللهِ في النِّهاية. وبعدَ كُلِّ هذا، وَجَدَ سُليمانُ أنَّ معنَى الحياة يُوجَدُ في تصريحِهِ النِّهائِي: "إتَّقِ اللهَ واحفَظْ وصاياه، لأنّ هذا هو الإنسانُ كُلُّه." (جامِعَة 12: 13)