تفاسير

الفصلُ الثالِث "رسائِل مسياويَّة"

القسم: الأنبياء الكبار.

فهرس المقال

نجدُ في وعظِ إشعياء من النبوَّاتِ المسياويَّة أكثرَ من أيِّ سفرٍ آخر من الأسفارِ النبويَّة. والعهدُ الجديدُ يقتَبِسُ إشعياء أكثرَ من أي سفرٍ آخر من العهدِ القديم. فعندما تقرأُ النبيَّ إشعياء، فتِّش عن النبوَّات المسياويَّة في وعظِه. في سفرِ إشعياء، سوفَ تجدُ تلكَ النُّبُوَّة المُختَصَّة بالأسماء التي ستُطلَقُ على المسيَّا في مجيئه: "ويُدعَى إسمُهُ عجيباً مُشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبديَّاً رئيسَ السلام" (إشعياء 9: 6). ولقد أشارَ إشعياءُ بوضُوح إلى أنَّ المسيَّا سيكون اللهُ في جسدٍ إنساني، أو "اللهُ معنا" (متى 1: 23).

يُخبِرُنا إشعياءُ أيضاً شيئاً عنِ جوهَرِ الروح الذي سيُعبَّرُ عنهُ من خِلالِ المسيَّا في مجيئه: "ويخرُجُ قضيبٌ من جِذعِ يسَّى وينبُتُ غُصنٌ من أُصُولِه. ويحُلُّ عليهِ رُوحُ الربِّ رُوحُ الحِكمةِ والفهم روحُ المشورةِ والقُوَّة روحُ المعرِفَةِ ومخافةِ الرب. ولذَّتُهُ تَكُونُ في مَخافَةِ الربّ." (إشعياء 11: 1-3). هذا ما يُشارُ إليهِ في سفرِ الرؤيا "كسبعةِ أرواحِ الله." (رؤيا 3: 1؛ 4: 5؛ 5: 6).

بما أنَّ العدد 7 يُشيرُ في الكتابِ المقدَّس إلى الكمال، فعندما يُخبِرُنا إشعياءُ عن المسيَّا الآتي، يُحاوِلُ القول، "إنَّ المسيَّا الآتي سوفَ يكونُ التعبيرَ الكامِلَ عن روحِ الله. وسوفَ يُعبِّرُ عن جوهر الله الروحِي بهذه الطُرُق السبع. فمن حياتِهِ سيخرُجُ روحُ المعرِفَة، وروحُ الفهم، وروحُ الحِكمة، وروحُ النُّصح، وروحُ القُوَّة، وروحُ العِبادة، وروحُ الرب."

عندما تقرأُ الأناجيل الأربعة، أية صُورةٍ فكريَّة تُكوِّنُ عن يسوع في ذهنِكَ؟ بِحَسَبِ إشعياء، هذا ما سيكُونُهُ المسيَّا: حياتُهُ سوفَ تكونُ تعبِيراً عن رُوحِ الحِكمَةِ والفهم. وسوفَ يعرِفُ ويفهَمُ كلمةَ الله بشكلٍ كامِل. فروحُ الحِكمةِ تعنِي تطبيق المعرِفة، ولِهذا فإنَّ يسوع سوفَ يُبَرهِنُ روحَ الحكمة عندما يُطبِّقُ كلمة اللهِ على حياتِهِ وعلى حياةِ الآخرين. فسوفَ يُظهِرُ بهذا رُوحَ النُّصح. وعندما يعمَلُ هذا، ستكونُ هُناكَ ديناميكيَّةٌ مُغيِّرَة للحياة في حياتِهِ وخدمته، مُبرهِنَةً بذلكَ روحَ القُدرةِ والقوَّة.

وفي النهايَةِ يتنبَّأُ إشعياءُ قائلاً أنَّ المسيَّا سيُعبِّرُ عن روحِ العِبادة أو مخافة الربّ. ويُضيفُ بالقول أنَّهُ سيُسَرُّ بهذا التعبيرِ النِّهائي عن روحِ العِبادة. عندما تقرأُ الأناجيل، سوفَ تجدُ أنَّهُ عندما لم يكُن يسوعُ يخدُمُ الناس، كانَ يُصلِّي ويعبُدُ في الخلاء. إقرأ الأناجيل الأربعة، وحاوِل إيجاد ذلكَ التعبير السُّباعي عن إكتِمالِ روحِ الله في حياةِ يسوع.

وفي النصِّفِ الأخير من القرنِ العِشرين، كانتَ هُناكَ نهضةٌ لمواهِبِ الروحِ القُدُس. وعندما نُفسِّرُ إختباراتِنا للروحِ القُدُس، نخلُقُ الكثيرَ من الإنقسامات والتشويش بسبب إقترافِنا لأخطاء في طريقةِ تعبِرينا عن إختِباراتِ الروحِ القدُس. فمثلاً، هل سبقَ وسمِعتَ أشخاصاً يُشيرونَ إلى مُؤمِنٍ مملووءٍ بالروح، أو راعي كنيسة مملووء بالروح، أو كنيسة مملووءة بالروح. إنَّ تطبيقَ هذا المفهوم المغلوط هو أنَّ هُناكَ نوعينِ من المُؤمِنين أو الرُّعاة أو الكنائِس: المُؤمنين والرُّعاة والكنائِس المملوئين من الروح، والمُؤمِنين والرُّعاة والكنائِس الذين لم يمتلؤا أبداً من الروح.

فهل هذا ما يعنيهِ الكتابُ المقدَّس عندما يُشيرُ إلى كونِ الإنسان يمتلِئُ بالروحِ القُدُس؟ فكُلُّ المُؤمِنين يُنصَحُونَ في كلمةِ الله أن يمتَلِئوا من الروحِ (أفسُس 5: 18). واللغةُ الأصليَّة تُشيرُ إلى ضرورة أن "نكونَ مملوئين بالروح." إن هذه الوصيَّة باللغةِ اليُونانية وُضِعت بطريقَةٍ تُشيرُ بوضوع إلى كونِها أمراً وليسَ خياراً، لكُلِّ تلميذٍ حقيقي للمسيح.

فماذا يعني أن نكونَ مملوئين بالروح؟ يُخبِرُنا سفرُ الأعمال أنَّ بُطرُس "إمتلأَ من الروحِ القُدُس،" ووعظَ تلكَ العِظَة يومَ الخمسين. ثُمَّ نقرأُ لاحِقاً، "فامتلأَ بُطرُس من الروحِ القُدُس،" ووعظَ مُجدَّداً وخلُصَ الآلافُ من الناس. ثُمَّ نقرأُ لاحِقاً، "وامتلأَ بطرُس من الروحِ القُدُس،" وفعلَ هذا أو ذاك. فما بينَ هذه الأوقات التي يُخبِرنا الكتابُ عنها أنَّ بُطرُس امتلأَ فيها من الروحِ القُدُس، هل كانَ مملوءاً بالروحِ أيضاً فيما بينَها؟

الروحُ ليسَ مياهاً، ولا سائلاً، بل هو شخص. فإما أن يكونَ لدينا شخصُ الروح القُدُس في حياتِنا، وإمَّا لا يكون. والسؤالُ الحَقِيقِيُّ ليسَ "كم لديكَ من الروحِ القُدُس؟" بل السؤالُ هو، "كم يملِكُ الروحُ القُدُسُ منك؟" ؟ فعندَما يملِكُكَ بكُلِّيَّتِكَ، تُصبِحُ مملوءاً من الروحِ القُدُس.

فالشخصُ المملوءُ من الروح هو المُقادُ من الروح كُلِّيَّاً. قبلَ أن يأمُرَنا بُولُس بأن نكونَ مملوئينَ من الروح القُدُس، كتبَ يقول، "ولا تسكَروا بالخمرِ الذي فيهِ الخلاعة، بل إمتَلئوا بالروح." (أفسُس 5: 18). فكما أن الشخص السكران يكونُ تحتَ تأثيرِ أو سيطَرَةِ الكُحُول، هكذا علينا أن نكونَ تحتَ تأثيرِ أو سيطرَةِ الروحِ القُدُس.

إن نُبوَّةَ إشعياء الجميلة تُعلِّمُنا أنَّهُ ليسَ على أحدٍ منَّا أن يخشَى الإمتلاء من الروح. لأنَّنا إن كُنَّا مملوئينَ بالروح، وإن كُنَّا تحتَ سيطَرَةِ روحِ الله، وإن كُنَّا نُعبِّرُ عن جوهَرِ الله في روحِهِ، سنكونُ مثلَ يسوع المسيح عندما عبَّرَ عن هذه الأبعاد السبعة لروحِ الله.

يُخبِرُنا إشعياءُ أن يسوع المسيح كانَ تعبِيراً كامِلاً عن روحِ اللهِ. لقد كانَ يسوعُ مئة بالمئة مملوءاً بالروح ومُقاداً بالروح. إن روحَ الله كانَ مُعبَّراً عنهُ بشكلٍ كامِل في حياةِ يسوع المسيح. فكيفَ كانَ يسوع؟ إقرأ الأناجيل الأربعة لتِعرِفَ. هل يستطيعُ أحدٌ أن يقرأَ الأناجيل الأربَعة بدونِ أن يرغَبَ أن يكونَ كَيَسوع؟ إنَّ حياتَهُ هي المِثالُ الذي على أساسِهِ علينا جميعاً أن نحيا حياتَنا، إذ نُعبِّرُ عن جَوهَرِ الله الروح، لأنَّ اللهَ روح.


شارِعُ الله

في إشعياء 40 نجدُ نُبُوَّةً مسياويَّةً جديدة. "صوتُ صارِخٍ في البرِّيَّة أعِدُّوا طريقَ الرب. قوِّموا في القفرِ سبيلاً لإلهنا. كُلُّ وطاءٍ يرتَفِع وكُلُّ جَبَلٍ وأكمةٍ ينخَفِضُ ويَصيرُ المُعوَجُّ مُستقيماً والعراقِيبُ سهلاً. فيُعلَنُ مجدُ الربِّ ويراهُ كُلُّ بشرٍ جميعاً لأنَّ فمَ الربِّ تكلَّم." (3-5).

عندما جاءَ يُوحنَّا المعمدان ليكرِزَ بمواعظِ إشعياء، كانت هذه العِظة الأساسيَّة التي كرزَ بها (لوقا 3: 4-6). هُنا نجِدُ واحِدةً من أعظمِ عِظاتِ إشعياء. فلقد قالَ إشعياءُ أنَّ اللهَ سيأتي إلى العالم في شخصِ إبنِه، المسيا. ويُشبِّهُ إشعياءُ هذا بملِكٍ يذهبُ في رِحلَةٍ. فإذا كانَ ملِكٌ سيذهبُ في رحلةٍ إلى قريةٍ بعيدة، كانوا يُعدِّونَ لهُ طريقاً خاصَّاً يسيرُ عليها في رحلتِهِ إلى هذه القرية أو البلدة البعيدة. وكانوا يُسمُّونَها "طريق الملِك،" عند بِنائها. وعندما تبنِي طريقاً أو شارِعاً واسِعاً، تعملُ أربعةَ أُمور: تجعلُ الجِبالَ مُستويةً، تملأُ الوِديانَ لتُصبِِحَ سهلاً، تُقوِّمُ المسالِكَ المُعوجَّة، وتُنعِّمُ الطريقَ الخشِنة لتجعلها سهلةً للسير.

يستخدِمُ إشعياءُ هذا الإيضاح المألُوف قائلاً، "اللهُ يُريدُ أن يأتيَ في رِحلَةٍ إلى هذا العالم، ولكنَّهُ يُريدُ طريقاً يمشي عليه. والطريقُ التي سيأتي عليها اللهُ إلى هذا العالم هي حياةُ إبنِه. إن حياةَ ابنِ الله سوفَ تكونُ حياةً يُمكِنُ أن يُقالَ عنها التالي: "كُلُّ وطاءٍ أو فراغٍ يرتَفِع وكُلُّ جَبَلٍ وأكمةٍ من الكِبرياء ينخَفِضُ ويَصيرُ المُعوَجُّ بسببِ الخطيَّةِ مُستقيماً والعراقِيبُ سهلاً بتأثيرِ عملِ إبن الله فيها. وسيكونُ هُناكَ طريقٌ يدخُلُ عليهِ اللهُ إلى العالم، ويُبصِرُ كُلُّ بشرٍ مجدَ اللهِ من خِلالِ هذا الطريق."

بما أن يسوع كانَ يُظهِر لنا كيفَ ينبَغي أن نحيا، فهذا يعني أنَّ حياتَنا يجب أن تكونَ شارِعاً لله. دعنِي أتحدَّاك أن تُصلِّي هذه الصلاة: "يا الله إجعلْ حياتِي طريقاً تأتي أنتَ عليها إلى العالم." عندما تُصلِّي هذه الصلاة، لا تتعجَّبْ عندما ترى جرَّافات الله الرُّوحيَّة تَأتي إلى حياتِكَ، وتبدأُ بتمهيدِ جبالِ الكِبرياء، وملءِ أودية الفراغ، وتقويم مُعوجَّاتِ خطاياك، وتنعِيمِ عراقيب شخصيَّتِكَ الفظَّة. فعندما نُصلِّي أنا وأنتَ هذه الصلاة، سوفَ يُعلِّقُ اللهُ على حياتِنا يافِطةً تقول، "إنتَبه: أشغال! الله يعمَل هُنا."


بَيانُ النَّاصِرة

عِظة أُخرَى عظيمة لإشعياء نجدُها في إشعياء 61، وهي نُبوَّةٌ مسياويَّة عن خِدمة يسوع العلنيَّة. فعندما بدأَ يسوعُ خدمتَهُ العَلَنِيَّة لمدَّةِ ثلاث سنوات، بدأها بِبَيان يُسمِّيهِ المُفسِّرون "بيان الناصِرة". فلقد ذهبَ يسوعُ إلى المجمع في قريتِهِ وطلبَ سفرَ إشعياء النبي. وفتحَ الدرجَ على نِهايتِهِ تقريباً، وقرأَ هذه الكلمات: "رُوحُ الربِّ عليَّ لأنَّهُ مسحَنِي لأُبشِّرَ المساكِين أرسَلَني لأشفِيَ المُنكَسِري القُلوب لأُنادِيَ للمأسُورينَ بالإطلاق وللعُميِ بالبصر واُرسِلَ المُنسَحِقِينَ في الحرِّية وأكرِزَ بِسنةِ الربِّ المقبُولَة." ثُمَّ أعلنَ قائلاً أنَّهُ اليوم قد تمَّ هذا المكتُوب في مسامِعكُم. (إشعياء 61: 1، 2؛ لوقا 4: 18).

لو قارنتَ نُبُوَّةَ إشعياء 61 مع إقتباسِ الربِّ يسوع في لوقا 4، سوفَ تُلاحِظُ أنَّهُ توقَّفَ في منتصفِ العدد الذي يقول فيهِ إشعياء، "وبِيومِ انتقامٍ لإلهنا." لم يقرأ يسوعُ هذا الجُزء من العدد لأنَّهُ يصِفُ مجيئهُ الثاني. فالمسيَّا سيأتي ثانِيةً وينتقِمُ من كُلِّ أعداءِ الله. لهذا توقَّفَ يسوعُ في مُنتَصَفِ هذا العدد وسلَّمَ السفرَ إلى الرابِّي، لأنَّهُ كانَ يُعلِنُ بَيانَهُ للسنواتِ الثلاث من خدمتِهِ التي بدأَت ذلكَ اليوم. فوقفَ يسوعُ في الوسطِ وقالَ، "اليوم تمَّ هذا المكتُوبُ في مسامِعِكُم." (إشعياء 61: 1، 2؛ لُوقا 4: 18-21).

ما كانَ يسوعُ بصددِ إعلانِهِ هو التالي، "روحُ الربِّ عليَّ. لأنَّهُ مسحَني لأُبشِّرَ المساكين." هؤلاء المساكِين الفُقراء الذين تكلَّمَ يسوعُ عنهُم، كانُوا فُقَراءَ بمَعنى أنَّهُم كانوا عُمياناً، ولم يعرِفُوا شمالهم من يمينِهم. وكانوا فُقراء بمعنى أنَّهم كانوا مُقيَّدِينَ وغير أحرار. وكانوا مُنكَسِري القُلوب ومجروحين.

فقالَ يسوعُ ذلكَ اليوم في قريتِهِ، "إنَّ خدمَتي مُوجَّهةٌ للعُميان، وللمأسورين، ولمُنكَسِري القُلُوب. فعندما أُعلِنُ إنجيلي لهؤلاء جميعاً، العميُ سوفَ يُبصِرون والمأسورون سوفَ يتحرَّرون والمُنكَسِرو القُلوب سوفَ يُشفَون." بعدَ إعلانِ يسوع لبيان الناصِرة العظيم هذا، بدأَ خدمتَهُ العَلَنِيَّة التي إستمرَّت ثلاثَ سنوات.

فبيانُ الناصِرة الذي أعلنَهُ يسوع يُظهِرُ لنا كيفَ ينبَغي أن ننظُرَ إلى خدمةِ يسوعَ في الأناجيل الأربعة ولا سيَّما في إنجيلِ لوقا. عندما أرادَ يسوعُ، الذي كانَ اللهُ معنا، أن يُعلِنَ بيانَهُ الذي يُخبِرنا عن هويَّتِهِ ومُهمَّتِه، وعظَ أيضاً مثل يُوحنَّا المعمدان من إشعياء.

عندما تقرأُ الأناجِيل الأربعة، لاحِظْ ما فعلَهُ يسوع لمُدَّةِ ثلاثِ سنواتٍ بعدَ أن أعلَنَ بيانَهُ. لقد أعطَى بصراً للأعمى جسدِيَّاً، وأعطى بصيرةً روحيَّةَ للعُميانِ روحياً. وأشفقَ على الجُموع لأنَّهُم كانوا كخِرافٍ لا راعي لها، لا يعرِفون شمالَهم من يمينِهم. إنَّ إعطاءَهُ البصر للعُميان رُوحيَّاً كانَ صُورَةً مجازِيَّةً عن خدمتِهِ التعليميَّة. وفي خدمتِهِ الإرشادية، أطلقَ المأسُورِينَ أحراراً. لقد وعدَ المأسورينَ بأنَّهُ سوفَ يقودُهم إلى الحق الذي يُحرِّرُهم إذا اتَّبَعوه. (يُوحنَّا 8: 30-35).

فإن كُنتَ أعمَى رُوحيَّاً، لا تعرِف ماذا ستفعل، ولا تعرِف يمينَكَ من شِمالِك، وإن كُنتَ مأسوراً، مكسورَ القلبِ، إفرَحْ، لأنَّ خدمة المسيَّا مُوجَّهةٌ لكَ خصٍِّيصاً. إنَّّ رسالتَهُ هي أن يُلبِّي حاجتَكَ، وأن يُخلِّصَكَ من العمى بمنحَِ البصر. فإن لم تَكُنْ حُرَّاً، إن كُنتَ مُدمِناً، خاضعاً لِسيطَرَةِ عاداتٍ سيئة وشهواتٍ ونـزوات، فإن خدمةَ المسيَّا مُوجَّهَةٌ لكَ. لقد جاءَ إلى العالم من أجلِ أشخاصٍ نظيرَك. وهُوَ يُريدُ أن يراكَ حُرَّاً. إن كُنتَ مَكسُورَ القَلبِ ومجروحاً لأنَّ حياتَكَ صعبة، تذكَّر أنَّ يسوع جاءَ لأشخاصٍ نظيرك. فهوَ يُريدُكَ أن تُشفى وأن تكونَ صحيحاً.

إن كُنتَ قدِ إختَبرتَ الخلاص العجيب الذي يتكلَّمُ عنهُ كُلٌّ من يسوع وإشعياء في بيانِ المسيَّا، فعندما تخرُجُ إلى العالَم وتتفاعَلُ معَ الناس، تذكَّرْ أنَّ خِدمة يسوع مُوجَّهَةٌ أيضاً لهؤلاء. إسألْ نفسَكَ باستمرار عمَّا إذا كانَ هؤلاء الناس عُمياناً، أو مأسورين، أو مُنكَسِري القُلوب؟ فالمسيحُ الذي فيكَ سيقومُ بالخِدمةِ في حياتِهم، كتِلكَ الخدمة التي قامَ بها عندما كانَ على الأرضِ، وهو يُريدُ أن يعملَ هذه الخِدمة من ِخِلالِكَ.

عندما قضى يسوعُ ساعاتِهِ الأخيرة معَ الرُّسُل قبلَ أن يموتَ على الصليب، أخبَرَهم أنَّهُ سيُرسِلُ لهُم المُعزِّي، الروح القُدُس، ليمكُثَ فيهم. هذا ما يقصُدُهُ العهدُ الجديد عندما يُخبِرنا أنَّنا نحنُ أتباعُ المسيح، الكنيسة، نحنُ "جسد المسيح." فهوَ يحيا فينا. نحنُ يداهُ وقدماهُ وجسدُهُ الذي من خِلالِهِ يُعبِّرُ عن نفسِهِ اليوم، مُعطِياً البصرَ للعُميان، الحُرِّيَّةَ للمأسُورين، الشفاءَ للمجروحينَ ولمكسُوري القُلوب في هذا العالم.


المُخلِّصُ المُتألِّم

بُعدٌ آخر لِوعظِ إشعياء المسياويّ يُركِّزُ على موتِ يسوع المسيح. أعظم إصحاحٍ في الكتاب المُقدَّس حولَ موتِ يسوع المسيح نجدُهُ في إشعياء الإصحاح الثالث والخمسين، إذ يبدأُ إشعياءُ بالسؤالِ التالي: "من صدَّقَ خَبَرنا؟ ولمن استُعلِنَت ذِراعُ الربّ؟" تذكَّر أنَّ إشعياء كُلِّفَ بالوعظِ لشعبٍ لم يكُنْ يسمع أو يؤمن. لقد كانَ إشعياءُ واعِياً تماماً لكونِ كَلمةِ الله عندما يُكرَزُ بها تحتاجُ إلى أن يُعلِنَ الروحُ القُدُسُ معناها للناس لكي يفهموها.

فما كانَ يسألُهُ إشعياء هو التالي: "من يفهمُ فعلاً معنى موت يسوع؟" فجوهرُ تعليمِ إشعياء في هذا الإصحاح نجدُهُ في العددِ السادِس، "كُلُّنا كغنمٍ ضللنا مِلنا كُلُّ واحِدٍ إلى طريقِهِ، والربُّ وضعَ عليهِ إثمَ جميعِنا." ولكن كيفَ وضعَ اللهُ آثامَنا على المسيَّا؟ "وهو مَجرُوحٌ لأجلِ معاصينا، مَسحُوقٌ لأجلِ آثامِنا، تأديبُ سلامِنا عليهِ وبِحُبُرِهِ شُفِينا." (5).

إنَّ العددَ السادِسَ من هذا الإصحاحِ العظيم يبدأُ وينتَهِي بالكلمةِ نفسِها، "كُلٌُّنا." فأوَّلُ مرَّةٍ يستخدِمُ فيها إشعياءُ كلمة "كُلُّنا،" يستخدِمُها ليقول، "كُلُّنا كَغَنَم." هل تُؤمِن أنَّ هذا يشمَلُكَ أنت شخصِيَّاً؟" تذكَّر أنَّهُ مَكتُوبٌ في المزمور 23، "الربُّ راعِيَّ... في مراعٍ خُضرٍ يُربِضُني." (1-2). عندما نعتَرِفُ أنَّ الربَّ راعينا، نكونُ نعتَرِفُ أيضاً أنَّنا مُجرَّدُ خراف. وهُنا في هذا العدد العميق من سفرِ إشعياء، نجِدُ مكاناً يُشجِّعُنا فيهِ الكِتابُ المقدَّسُ أن نعتَرِفَ أنَّنا خراف. كُلُّنا خِرافٌ ضالَّة، كُلُّنا خُطاةٌ، ضللنا عن طريقِنا.

المرَّةُ الثانِية التي يستخدِمُ فيها إشعياءُ كلِمَة "كُلُّنا" يُعطِينا فيها الخبرَ السار. "والربُّ وضعَ عليهِ إثمَ جميعِنا [أي كُلِّنا]." فهل تُؤمِن بأنَّكَ مشمولٌ بهذه الكلِمَة الثانِية "جميعنا" التي يستخدِمُها إشعياءُ في المرَّةِ الثانية؟ إذا اعترفتَ أنَّ "كُلّنا" الأولى تشملُكَ، وإذا اعترفتَ أنّ "جميعنا" الثانية التي يستخدِمُها إشعياءُ تشملُكَ أيضاً، عندها تكونُ فِعلاً تعتَرِفُ بما تحتاجُ أن تعتَرِفَ به لكي تُطبِّقَ معنى موت يسوع المسيح على الصليب في حياتِكَ. عندها بإمكانِكَ أن تختَبِرَ الخلاص الذي أُعلِنَ عندما إستَخدمَ اللهُ حياةَ إبنِهِ كشارِعٍ يأتي من خِلالِهِ إلى العالم.

أضف تعليق


قرأت لك

اللسان في حياة الإنسان

إن الكلام الذي يخرُج من اللسان هو عبارة عن صوَر موجودة في الفكر والقلب، ينفِّذها هذا العضو الصغير الذي يعبّر عن ما يدور في داخل الإنسان، فيساعد على التواصل مع الآخر.