الفصلُ الرابِع نُبُوَّةُ إرميا "مُسَلسَلُ النحيب"

القسم: الأنبياء الكبار.

النبيُّ التالي من بينِ الأنبياءِ الكِبار في العهدِ القديم، هو النبيُّ إرميا. فإرميا يُسمَّى "النبي الباكِي،" لأنَّهُ يبدو أنَّهُ كانَ يبكِي طِوالَ الوقت. في الحقيقة، إن سفرَ نُبُوَّة إرميا ما هُوَ إلا مُسلسلٌ من البُكاءِ والنحيب. لهذا السبب، من الصعبِ جداً أن نضعَ مُخطَّطاً لسفرِ إرميا. فالناسُ لا ينتحِبون بشكلٍ مُنظَّم. فبعدَ أن يبكِي إرميا طِوالَ إثني وخمسينَ إصحاحاً، كتبَ شعراً صغيراً، الذي يُعتَبَرُ بمثابةِ مُلحَقٍ لِنُبُوَّتِه، ويُسمَّى "المراثِي." فالمراثِي تعنِي "البُكاء." وهكذا فإن إرميا يُتابعُ البُكاءَ في هذه التُّحفة الأدبيَّة من الرثاءِ الشِّعري.


الخلفيَّةُ التاريخيَّة

لماذا يبكِي إرميا؟ لماذا هو حزينٌ إلى هذا الحدّ؟ وماذا كانت مُعاناةُ قلبِه؟ لكَي نُجيبَ على هذه الأسئِلة، عليكَ أن تَفهَمَ الإطارَ التاريخي الذي عاشَ فيهِ هذا النبيُّ حياتَهُ غير الإعتِياديَّة، وكرزَ وكتبَ نُبوَّتَهُ التي نُسمِّيها "سفر إرميا."

في الأعدادِ الإفتتاحِيَّة من سفرِ إرميا، نُخبَرُ أنَّ إرميا بدأَ خِدمتَهُ في السنةِ الثالثةِ عشر من مُلكِ يُوشِيَّا، وخدمَ إرميا حتَّى نِهايَة حُكمِ صدقِيَّا، أي حوالي إحدى وأربعينَ سنةً. بدأَ خدمتَهُ عندما كانَ يجلِسُ ملِكٌ صالِحٌ على عرش يهوذا، هو يُوشيَّا. وبينما كانَ بعضُ العُمَّال يُعيدونَ بناء الهيكل في زَمنِ يُوشيَّا، وجدوا أسفارَ كلمةِ الله. لقد إبتَعدَ شعبُ اللهِ روحيَّاً عن الله، لدرجةِ أنَّهُم نسُوا أنَّ كلمةَ اللهِ أو أن النامُوس كانَ موجُوداً. والمُلوك الآخَرون الذين ذُكِروا في الأعدادِ الإفتِتاحيَّة لسفرِ إرميا هم الذين لحِقُوا فترة حُكم يُوشيَّا، وفتراتُ حُكمِهم مُرتَبِطةٌ بسقوطِ أورشليم والسبي البابِلي.

فسقوطُ أورشليم كان كارثة امتدَّت على مدى حوالي عشرين سنةً. وأوّلُ مرَّةٍ سقطت فيها أورشليم كان يهوياقيم ملكاً. فاستسلمَ لجيوشِ نبوخذنصَّر وخدمَ نبوخذنصَّر في أورشليم مُدَّةَ ثلاث سنوات. وعندما احتلَّ نبوخذنصَّر أورشليم، دخلت إليها جُيوشُ بابِل. وأُرغِمَ اليهودُ على خِدمةِ البابِليين ودفعِ الجِزية لهم. ولكن، بعدَ ثلاثِ سنوات، تمرَّدَ يهوياقيم، فعادت جُيوشُ نبوخذنصَّر إلى أورشليم ثانيةً. وعندما سقطت أورشليم ثانيةً، كانَ يهوياكين إبنُ يهوياقِيم الذي كانَ لا يزالُ طِفلاً، كانَ ملكاً على يهوذا، فسلَّمَ المدينةَ بسهولة. في هذه المرَّة، أخذَ البابِليُّونَ الكثيرَ من شعبِ يهوذا إلى بابِل كأسرَى للسبي.

وعندما سلَّمَ يهوياكِين المدينة للمرَّةِ الثانية، نُصِّبَ أخوهُ صدقِيَّا ملِكاً دُميَةً على أورشليم. لقد حكمَ صدقِيَّا لمُدَّةِ 11 سنةً، ولكنَّهُ تمرَّدَ مُجدَّداً على البابِليين. وفي هذه المرَّة، جاءت جُيوشُ بابِل وسحقت مدينةَ أورشَليم، فلم يبقَ فيها حجرٌ على حجر. وهكذا عندما احتلَّ البابِليُّونَ أورشليم للمرَّةِ الثالثة، أخذوا الجميعَ أسرى إلى بابِل باستثناءِ الشيوخ العجائز، والمرضى، والضُّعفاء، والنبي الباكي إرميا.

في زمنِ حُكمِ يوشِيَّا، أعطَى اللهُ النبيَّ إرميا إعلاناً نبويَّاً عن هذه الكارثة بكامِلها. لقد بدأَ إرميا يعِظُ أنَّ الإجتياحَ البابِليَّ آتٍ، وأنَّ السبيَ والاحتلالَ الناتِجَين عنهُ كانا آتِيينِ أيضاً، وذلكَ بسببِ خطيَّةِ الشعب. وكانت خطيَّتُهُم بشكلٍ أساسيٍّ هي عِبادةُ الأوثان، بالإضافةِ إلى كُلِّ الخطايا التي نتجَت عن إرتدادِهم وإهمالِهم لكلمةِ الله.

أوّلاً، إنَّ رسالةَ نبي مثل إرميا وإشعياء وآخرونَ مثلهم، كانت بما معناه: "إذا تواضَعَ شعبي، الذي دُعِيَ إسمي عليهم وصلُّوا وطلبوا وجهي، ورجعوا عن طُرُقِهم الرديّة، فإنِّي أسمَعُ من السماء، وأغفِرُ خطيَّتَهم، وأُبرِيءُ أرضَهم." (أخبار الأيَّام الثاني 7: 14). ولكن، عندما لم يسمع الشعبُ إلى وعظِ الأنبياء، تغيَّرَت رسالةُ هؤلاء الأنبياء. عندها كرزَ أنبِياءٌ مثل إرميا قائِلين: "إن دينونةَ اللهِ آتيةٌ لا محالة، ولا مفرَّ منها."


رجُلٌ مَكرُوهٌ

عندما بدأَ حصارُ أورشليم، كرزَ إرميا برسالةٍ لم تكُنْ محبوبةً أبداً من الشعب، فأصبحَ مَكرُوهاً. كانَ لرسالةِ إرميا وجهان. الوجهُ الأوَّلُ كان أنَّ الإحتلالَ والسبيَ آتِيين. والوجهُ الثاني كانَ رسالةَ رجاء. فعلى خِلافِ سبي المملكة الشمالية، كانَ لدى الأنبياء الذين تنبَّأوا بالإجتِياحِ البابِلي وسبي المملكة الجنوبيَّة، كانَ لدى هُؤلاء الأنبياء رسالة رجاء ليكرزوا بها: "بعدَ سبعينَ سنةً من سبيِكُم إلى بابِل سوفَ ترجِعون إلى أرضِكُم."

ولقد آمنَ إرميا وكرزَ برسالةِ الرجاء هذه بإسهاب، لدرجةِ أنَّهُ عندما بدأت جُيوشُ بالبابِليين بحصارِ أورشليم، بدأَ إرميا بالوعظِ برسالةِ الرجاء: "إنَّها خطَّةُ الله التي لا تُنقَض. وليسَ بوسعِكُم أن تعمَلوا شيئاً حِيالَها، لهذا فالأفضلُ لكُم أن تخرُجوا وتستسلِموا لنبوخذنصَّر. إذهبوا إلى بابِل، لأنَّكُم بمقدارِ ما تُسرِعونَ بالذهابِ، ستُسرِعونَ بالرجوع."

ولأنَّ إرميا وعظَ أن شعبَ يهوذا ينبَغي أن يستسلِموا، لهذا كرِهَهُ شعبُ يهوذا. وقالوا أنَّ رسالةَ إرميا كانت خِيانةً، وبمعنىً ما كانتَ كذلك. فألقوا بهِ في زنـزانةٍ، ثُمَّ في بئرٍ فارِغ من المياه ولكن مليء بالأوحال. وتركوهُ هُناكَ يجوع ويعيش مع الجرذان.

كانَ إرميا وبعضُ الأنبياءِ نظيرَه سيفعلونَ أيَّ شيءٍ لكي يُعبِّروا عن رسالتِهم. ولقد كانَ الأنبياءُ يُعبِّرونَ أحياناً بطريقةٍ تمثيليَّة حياتيَّة بما يُسمُّونَهُ "عمل الوعظ الرمزي." فمثلاً، نجدُ عملَ وعظٍ رمزي عظيم في إرميا 18، حيثُ نجدُ عظةَ إرميا العظيمة عن "إعادةِ صُنعِ الوعاء الآخر." لقد وعظَ إرميا أنَّ اللهَ قالَ لهُ أن ينـزلَ إلى مصنعِ الفخَّار، فنـزل. وبينما كانَ هُناك راقبَ الفخَّاري يصنعُ إناءً. ولقد كان الفخَّاريُّ يُحاوِلُ أن يصنعَ إناءً جميلاً، ولكن إناءَ الفخَّارِ لم يكُن طائعاً بينَ يدي الفخَّاري كما ينبَغي، ولم يخرُج من يديهِ كما أرادَه. فاشمأزَّ الفخَّاريُّ من الإناء، وطرحَهُ أرضاً وكسَّرَهُ وصنعَ منهُ إناءً آخر.

عندما كرزَ إرميا برسالتهِ هذه، كانَ يحاوِلُ أن يقولَ للناس التالي: "أنتُم مثل ذلكَ الإناء الذي كانَ يُحاوِلُ صُنعَه الفخَّاريُّ السماويُّ، أي الله. ولكن لم تكونوا طائعين لتخرُجوا من بينَ يديهِ كما أرادكم. لهذا فاللهُ يُؤدِّبُكُم، ويدينُكُم، مما يعني أنَّهُ يأخُذَكُم إلى بابِل، وسوفَ يُعيدُ صناعتكُم، وسيُعيدُكم من بابِل كإناءٍ آخر جديد."

لا تكونُ حياتُكَ وحياتِي أحياناً كما خطَّطَ لها اللهُ. لهذا، فاللهُ يُعيدُ صناعةَ حياتِنا. هل تشعُرُ وكأنَّ إناءَ حياتِك طُرِحَ أرضاً وسُحِق فوقَ كُومةٍ من الفخَّارِ المُحطَّم؟ وكأنَّكَ طُرِحتَ على كُومةِ الفخَّار وأُعيدَ صناعتُكَ كإناءٍ جديد؟ قد يكونُ الإنتقالُ من الإناءِ القديمِ إلى الجديد نـزاعاً مريراً، ولكن بعدَ أن يُشكَّلَ هذا الإناءُ الجديد، يُصبِحُ مجيداً. كما كتبَ بُولُس يقول: "إن كانَ أحدٌ في المسيح فهو خليقةٌ جديدةٌ." (2كُورنثُوس 5: 17).

علينا أن نُفتِّشَ عن التطبيقات الشخصيَّة للمواعظِ العميقة التي ألقاها هذا النبيُّ العظيم. هناكَ أوقاتٌ يحتاجُ اللهُ فيها أن يُؤدِّبَنا ويُعيدَ صِناعتِنا إناءً جديداً. عندما تُصبِحُ عواقِبُ خطايانا لا مفرَّ منها، وعندما تُصبِحُ آثارُها في حياتِنا لا يُمكِن إصلاحُها، نحتاجُ أن تُعادَ صِناعتُنا كإناءٍ جديد، تماماً كما حدَثَ في قصَّةِ الإناءِ الفخَّاري التي وعظها إرميا. للأسف، مُعظَمُنا لا نطلُبُ من الله أن يُغيِّرَ حياتَنا، تماماً كما رفضَ الشعبُ كِرازَةَ إرميا.


الإناءُ المَسحُوق

ذاتَ يوم، قالَ اللهُ لإرميا أن يبتاعَ إناءً كبيراً وجميلاً، ويأخُذَ معَهُ بعضَ الشُّيُوخ والكَهَنة، ويذهَبَ إلى مدخَلِ بابِ الفخَّار. وعندما جذبَ انتباهَ الشعب، أخذَ هذا الإناء الجميل والثمين، وطرحَهُ أرضاً فتحطَّمَ كُلِّيَّاً. عندها ألقَى إرميا عظةً تطبيقيَّةً عن الإناء المُحطَّم فقال، "أنتُم الذين تُحارِبونَ نبوخذنصَّر، وتتمرَّدونَ على البابِليِّين وترفُضُونَ الخُضُوع، سوف تنسَحِقُونَ مثل هذا الإناء، ولكن بدونِ إعادةِ صناعةِ إناءٍ آخر منهُ، وبدونِ رجوع. بل سوف تكونُ نِهايتُكُم بذلك." (إرميا 19: 10، 11).


نُبُوَّاتٌ مَسياوِيَّة

عندما كان إرميا يتكلَّمُ برسائِلِهِ عن السبي والرجاء، مزجَ نُبوَّاتِهِ عن العودة من السبي معَ نُبوَّاتِه عن رُجوعِ المسيَّا، كما فعلَ إشعياء. لقد كانَ مجيءُ المسيَّا الرجاء النهائي، ليسَ فقط ليهوذا، بل أيضاً للعالمِ أجمَع.

نجدُ هكذا رِسالة في إرميا 29: 11-14. كان شعبُ يهوذا في بدايةِ ذهابِهم في السبي البابِلي. فقالَ لهُم اللهُ على لِسانِ إرميا، "لأنَّني عرفتُ الأفكارَ التي أنا مُفتَكِرٌ بها عنكم يقولُ الربُّ أفكارَ سلامٍ لا شرٍّ لأُعطِيَكُم آخِرةً ورجاءً. فتدعونَني [أي عندما تُصبِحونَ في بابِل]ٍ وتذهبون وتُصلُّونَ إليَّ فأسمعُ لكُم. وتطلبُونَني فتجدُونَني إذ تطلُبُونَنِي بكُلِّ قلبِكُم. فأُوجدُ لكُم يقولُ الربُّ وأردُّ سبيَكُم وأجمَعُكُم من كُلِّ الأُمَم ومن كُلِّ المواضِع التي طردتكُم إليها يقولُ الرب وأردُّكُم إلى الموضِع الذي سبيتُكُم منهُ"(11-14).

إن هذه لم تكُن إلا مُلخَّصاً لعظةٍ رائعة ألقاها إرميا على شعبِ يهوذا قُبيلَ ذهابِهم في السبي إلى بابل. قالَ لهُم إرميا في بدايةِ سبيِهم، "أباكُم المُحِب لديهِ خُطَّةٌ لتأديبِكُم. وهذه الخُطَّة ليست لضرَرِكُم. بل كأبٍ حنونٍ يُؤدِّبُكم الربُّ، وهذا لخَيرِكُم، وليسَ لضرَرِكُم. فاللهُ يُريدُ أن يُعطِيَكُم رجاءً ومُستقبَلاً. فعندما ستكونون في بابِل، سوفَ تطلُبُونَ الله من كُلِّ قُلوبِكُم. وهنا سيكونُ وعدُ اللهِ لكُم: إذا فعلتُم هذه الأمور، سوفَ يسمَعُ اللهُ صلاتَكم، وسوفَ يُوجَدُ منكُم. وسوفَ يُرجِعكُم اللهُ من سبيِكُم."

عندما تنبَّأ إرميا عن السبي، كان مُستعِدَّاً أن يتحمَّلَ شتَّى أنواعِ العذابِ والإضطهاد لأجلِ رسالتِه. لقد آمنَ برسالتِه لأنَّ اللهَ أخبَرَهُ أنَّها الحقيقة. ولقد كانَت كذلكَ بالفِعل. فالمُلاحظة الجديرة بالإعتِبار حيالَ نُبُوَّاتِ إرميا، هي أن كُلَّ نُبُوَّاتُ إرميا تحقَّقت بِحذافِيرِها.

عندما تقرأُ نُبوَّة إرميا، فتِّش عن رسالتِهِ عن التأديب والدينونة من قِبَلِ اللهِ على شعبِ يهوذا. ولكن لا تُغفِل رسالةَ الرجاء. بل طبِّق رسالةَ تأديبِ الله والرجاء اللاحِق عندما خضعَ شعبُ يهوذا للتأديب. وطبِّق هاتين الرسالتين على حياتِكَ الشخصيَّة، وتذكَّر التالي: عندما يُؤدِّبُكَ اللهُ، يعرِفُ خطَّتَهُ لكَ، التي ليست لضررِكَ بل لمنفعتِكَ الروحيَّة، خطة تمنحُكَ رجاءً ومُستقبَلاً. المُهم هو أن تتجاوبَ معَ تأديبِ اللهِ بطريقةٍ صحيحة، لكي يرُدَّكَ اللهُ من إختِبارِكَ الشخصي في ضلالةِ السبي ويُعيدُ صِناعَتَكَ إناءً جديداً.