الفصلُ السابِع سفر مراثي إرميا "اللهُ يُحبِّكَ مهما كانت حالتُك"

القسم: الأنبياء الكبار.

إن سفرَ إرميا هو مُلحَقٌ لسفرِ إرميا. ولقد بكى إرميا على مدى إثنين وخمسينَ إصحاحاً، بسببِ الإعلانات النبويَّة التي أعطاهُ إيَّاها اللهُ عن الإحتلالِ البابِلي الآتي. ينتَهي سفرُ إرميا حيثُ نجِدُ إرميا باقِياً في أرضِ يهوذا، بعدَ أن أُخِذَ كُلُّ الشعبِ إلى السبي. ويبدو أنَّ إرميا نـزحَ إلى مِصر فيما بعد، وبِحَسبِ التقليد، يقولُ البعضُ أنَّهُ قُتِلَ في مِصر، والبعضُ الآخر يقولُ أنَّ إرميا ذهبَ إلى بابِل ليَعِظَ لِشعبِ يهوذا الذي أحبَّهُ. ويقولُ آخَرونَ أنَّ إرميا قضى أيَّامَهُ الأخيرة في يهوذا.

لقد أُحسِنَ اختيارُ إسمِ سفر المراثي. إنَّ هذا النبي الباكِي كانَ لا يزالُ يبكي لأنَّ الأرضَ التي احتُلَّت والشعبَ الذي أحبَّهُ إرميا كثيراً، أولئكَ الذين لم يُذبَحوا عندَ سُقُوطِ أورشَليم، أُخِذُوا عبيداً وسبايا إلى أرضٍ بعيدة.

أحدُ المشاكِل التي عبَّرَ عنها إرميا في سفرِ المراثِي، والتي يُشارِكُهُ فيها أنبياءُ آخرونَ مثل حزقِيال ودانيال، هو أنَّهُم لم يستطيعوا أن يكونوا حيثُ كانَ الهيكَلُ موجوداً. لقد آمنَ اليهودُ أنَّ هيكلَ الله كانَ مَسكِن الله. وهكذا فإنَّ سحابَة الحُضَورِ الإلهي كانت حرفِيَّاً وفِعليَّاً في قُدسِ الأقداس في هيكلِ سُليمان في أُورشَليم. فبِمعنَىً ما أصبَحَ الهكيَلُ عُنوان سكنِ الله بالنسبةِ لهؤلاء الأنبياء الأتقِياء. لهذا صلَّى دانِيال نحوَ أورشَليم لأنَّهُ آمنَ أنَّ اللهَ كانَ يمكثُ هُناك. فأينَ أصبَحَ اللهُ بالنسبةِ لِشعبِ اللهِ الذي كانوا يعيشونَ في بابِل؟ ذلكَ الإله الذي كانوا يعبُدونَهُ في أورشليم؟ لقد كانَت أورشَليمُ مدينةَ الله بالنسبةِ لهُم، فشعَروا بأنَّهُم مُنفَصِلونَ عن مدينتِهم المُقدَّسة وإلهِهِم القُدُّوس.


مَغارَة إرميا

عندما كتبَ إرميا سفرَ المراثِي، كانَ يجلِسُ في مغارَةٍ على تلًَّة. وهُناكَ مكانٌ الآن يُدعَى "مغارة إرميا،" يقعُ على تلَّةٍ تُدعَى الجُلجُثَة. فبِترتيبِ العنايةِ الإلهيَّة، كانت مغارةُ إرميا هُناكَ على تلَّةِ الجُلجُثَة حيثُ ماتَ يسوعُ المسيحُ عن خطايا العالم. وسوفَ نرى معنى هذه العِنايَة الإلهيَّة عندما نَصِلُ إلى رسالةِ المراثي.


أسلوب المراثي الأدبي

من وُجهَةِ نظر أدبيَّة، يُعتَبَرُ سفرُ المراثِي تُحفةً فنِّيَّةً في الشِّعر، وهو يحتَوي على خمسةِ أشعار أو قصائد، في إصحاحاتِهِ الخمسة. فكُلُّ إصحاحٍ مُؤلَّفٌ من قصيدةِ رِثاءٍ مُستقِلَّة، وأربعةٌ من هذه القصائد هي أشعارٌ بحَسبِ التسلسُلِ الأبجدي، أي يبدأُ كُلُّ سطرٍ أو عددٍ منها بحرفِ أبجدي بالتتالي من الألِفِ إلى الياء.   ومهما كان شكلُ سفرِ المراثِي جميلاً أدبيَّاً، إلا أنَّ رسالتَهُ الروحيَّة كانت هي السببُ في وضعِهِ ضمنَ أسفارِ الوحي.

فرسالةُ السفرِ المُوحَى بها من الله تتركَّزُ حولَ المأساة الرديئة التي نتَجَت عن السبيِ البابِلي. هذه الرِّسالة مُعبَّرٌ عنها بعاطفة جيَّاشَة: "بِماذا أُنذِرُكِ بماذا أُحذِّرُكِ؟ بماذا أُشبِّهُكِ يا ابنةَ أورشليم؟ بماذا أُقايِسُكِ فأُعزِّيكِ أيَّتُها العذراءُ بِنتُ صِهيون. لأنَّ سحقَكِ عظيمٌ كالبحرِ. من يشفيكِ؟" (مراثي 2: 13). إن وصفَ إرميا الحيويّ لأُورشليم بعدَ الإجتياح البابِلي، يُظهِرُ هولَ حالةِ المدينة المهزُومة من قِبَلِ أمبراطُوريَّةٍ مثل الأمبراطُوريَّةِ البابِلية.

عندما نظُنُّ أنَّ هذا السفر مملووءٌ بالحُزنِ واليأس، يُفاجِئُنا إرميا برسالةٍ نبويَّةٍ مسياويَّةٍ جميلة مُفعَمة بالرجاء. لربَّما تتذكَّرونَ أنَّ أيُّوب عمِلَ الشيءَ نفسَهُ في قمَّةِ ألمهِ (أيوب 19: 25، 26). في الإصحاحِ الثالِث من سفرِ المراثي، وفي عُمقِ يأسِهِ، أخذَ إرميا إعلاناً نبويَّاً مُدهِشاً: "إنَّهُ من إحساناتِ الربِّ أنَّنا لم نفنَ. لأنَّ مَرَاحِمَهُ لا تَزُول. هي جديدةٌ في كُلِّ صَباح. كَثِيرةٌ أمانتُكَ. نَصيبي هو الربُّ قالت نفسي. من أجلِ ذلكَ أرجُوه. طَيِّبٌ هو الربُّ للَّذينَ يترجُّونَهُ للنَّفسِ التي تطلُبُهُ. جيِّدٌ أن ينتَظِرَ الإنسانُ ويتوقَّعَ بِسُكُوتٍ خلاصَ الربّ." (مراثي 3: 22-26).

إن رسالةَ الرَّجاء التي أُعلِنَت لإرميا كانت التالية: اللهُ لا يَكِفُّ عن مَحبَّتِنا! عندما نُخطِئ، يُحبِّنا اللهُ مهما كانت حالُنا. فرجاؤُنا هو في محبَّةِ الله. فعندما كانَ أولئكَ المَسبِيين على وشكِ أن يُقادُوا بالأغلالِ، قالَ لهُم إرميا، "لا تفتَخِروا بِغناكُم ولا بقوَّتِكُم ولا بِحِكمَتِكُم ولا بِثقافَتِكُم. بل افتَخِروا بالله. عليكُم أن تأتُوا لمَعرِفَة الله لكي تجدُوا مِلئكُم فيه. يُمكِنُكُم أن تعرِفُوا اللهَ من خِلالِ محبَّتِهِ غير المشروطة والتي لا تسقُطُ أبداً." وهكذا جعلَ اللهُ إرميا يعرِف أنَّهُ ليسَ بإمكانِنا أن نربحَ محبَّتَهُ بإنجازاتِنا الإيجابِيَّة، ولا يُمكِنُنا أن نخسَرَ محبَّتَهُ بإنجازاتِنا السلبيَّة. فاللهُ لن يكُفَّ عن محبَّتنا أبداً بتاتاً.


بُرهانُ محبَّةِ الله

في مراثِي إرميا الإصحاحُ الثالِث، نقرأُ الكلمات التالية: "من ذا الذي يقولُ فيكون والربُّ لم يأمُرْ. من فمِ العَليِّ ألا تخرُجُ الشُّرورُ والخَير. لماذا يشتَكِي الإنسانُ الحيُّ الرجُلُ من قصاصِ خطاياه. لنَفحَصْ طُرُقَنا ونمتَحِنْها ونَرجِعْ إلى الرَّب" (37- 40).

إذ يُعبِّرُ إرميا عن هذا الرجاء العظيم، يُعطِينا الحقيقةَ ذاتَها التي اكتشفناها في سفرِ أيُّوب، أنَ الأيَّامَ الجيِّدة والأيَّام الرديئة من عندِ الربِّ تأتي (أيُّوب 2: 10).هذه الحقيقة نراها أيضاً معَ سُليمان، الذي علَّمَ قائلاً أنَّهُ علينا أن نفرحَ عندما نعيشُ في زمنِ الخير. ولكن حتى في زمنِ الشرّ، علينا أن نُدرِكَ أنَّ اللهَ جَعَلَ هذا معَ ذاك. وهو يسبُقُ هذا التعليم بإخبارِنا أنَّ الذهابَ إلى بيتِ النَّوْحِ خيرٌ من الذهابِ إلى بيتِ الوليمة، لأنَّ الحُزنَ يجعَلُنا نُفكِّرُ بالقِيَمِ الأبديَّة. فكِّرُوا بكونِكُم ستمُوتُون. فكِّروا باللهِ، بالحياة، وبغايتِها ومعناها. (جامِعة 7: 2، 14). 

تذكَّروا أنَّ شعبَ اللهِ كانوا قد أصبَحوا عبدةَ أوثانٍ لا يُرجَى شِفاؤُهم. فخطيَّتُهُم لم يعُدْ لها حُدُود، بمن فيهِم كهنتُهُم وأنبِياؤُهم الفاسِدون. ولكن كانت رسالةُ إرميا وباقي أنبياء السَّبِي هي التالية: إنَّ اللهَ يُحبُّكُم كثيراً لدرجةِ أنَّهُ لا يُطيقُ أن يراكُم تُتلَفونَ يوماً بعدَ الآخر بِدونِ أيِّ وعيٍ روحي، وأنتُم تعيشُونَ في الخطيَّة. إنَّ اللهَ لن يسمَحَ لهذا أن يحدُثَ لكُم لأنَّكُم شعبُهُ.

إن التطبيقَ التعبُّديَّ هو أنَّهُ عندما يُؤدِّبُكُم اللهُ على خطاياكُم وذلكَ بسماحِهِ بالألم في حياتِكم، فإن هذا الألم هو بُرهانٌ وتأكيدٌ على كونِكم أبناءَ الله. فأنتُم كأهل، سوفَ تُؤدِّبُونَ أولادَكُم عندما ترونَهم يُسيئون التصرُّف، فتُؤدِّبُونَهم لأنَّهم أولادُكُم، ولا تُؤدِّبُونَ أولادَ الجِيران مثلاً، لأنَّهم ليسوا أولادكم. يقولُ كاتِبُ الرسالة إلى العِبرانيين أنَّ هذا النوع من التأديب هو بُرهانُ كونِ الربِّ أبانا وأنَّهُ يُحبُّنا (عبرانيِّين 12).