الفصلُ الثاني نُبُوَّةُ يُوئيل

القسم: الأنبياء الصغار.

إنَّ يُوئيل هو الثاني بينَ الأنبِياءِ الصغار. ورسالةُ النبي يُوئيل تُركِّزُ على عِبارَةٍ إستَخدَمها هُوَ وغيرُهُ من الأنبِياءِ الصغار، وهي عبارة "يوم الرب." لقد دعا يُوئيل ضربةَ الجراد الرهيبة التي إجتاحَت المملكة الجنُوبيَّة، دَعاها "يوم الرب." وبينما كانَ يُسمِّي ضربَةَ الجراد الحرفيَّة هذه "بيوم الرب،" ربطَ هذه الضربة أيضاً بالسبي البابِلي الوشيك. وكما فعلَ الأنبِياءُ الكِبار مزجَ يُوئيلُ نُبوَّاتِهِ عن السبي البابِليّ معَ نُبُوَّاتِهِ عن المجيء الثاني للمسيح.

إنَّ النبي يُوئيل هو مألُوفٌ بالنسبَةِ للكثيرين، بسبب نُبوَّتِهِ المُمَيَّزَة عن يومِ الخمسين. فأولئكَ الذينَ كانُوا حاضِرينَ عندَ وِلادَةِ الكنيسة تساءَلوا، "ماذا يعني هذا؟" فبدأَ بطرُس عظتَهُ يومَ الخمسين بالقَول، "هذا ما جاءَ في يُوئيل النبي" (أعمال 2: 12، 16). لقد وعظَ يُوئيلُ أن يومَ الربِّ بالنسبَةِ لنا هو في أيَّامنا الماضية والحاضِرة والمُستقبَلة في حياتِنا.


ضَربَةُ الجراد

إفتَتَحَ يُوئيلُ سفرَهُ بوصفِ ضربةِ الجراد الساحِقة التي إجتاحت المملكة الجنُوبيَّة. وعظَ يُوئيلُ قائلاً: "فضلَةُ القَمَص أكَلَها الزحَّافُ وفضلةُ الزحَّاف أكَلَها الغَوغَاءُ وفضلةُ الغوغاء أكلَهَا الطيَّارُ." (1: 4). وهكذا جالَت موجَةُ الجرادِ في الأرضِ، مُجرِّدَةً إيَّاها من النبات الأخضر، غيرَ تاركةٍ وراءَها إلا الخراب والدمار.

عندما أشارَ يُوئيلُ إلى ضربَةِ الجراد هذه "كيوم الربّ" (1: 15)، كانَ يجعَلُ من يومِ الربّ حدَثاً راهِناً. فما الذي قصدَهُ يُوئيلُ عندما أشارَ إلى يومِ الربّ بهذه الطريقة؟ عندما رأى الضربةَ الرهيبَة، وردَّ مصدَرَ هذه الضربة إلى الربّ، كانَ يُخبِرُنا أنَّ اللهَ يسودُ في حياتِنا، حتى في وسطِ مصائِبِنا. ثُمَّ وافَقَ يُوئيلُ معَ باقي كُتَّاب الوَحِي الذين أخبَرونا أنَّ اللهَ مُمكِن أن يكونَ القُوَّة الكامِنة خلفَ ضيقاتِنا، كما خلفَ إزدِهارِنا. وبما أنَّ إجِتياحَ الجراد الرهيب هذا جعلَ الشعبَ يظُنُّونَ أنَّ اللهَ تركَهُم، أعلنَ يُوئيلُ أنَّ اللهَ حاضِرٌ حتَّى في ذلكَ اليوم، ممَّا يعني أنَّهُ حتَّى زمنَ المصائِب مُمكِن أن يكونَ أحياناً "يوم الرب" بالنسبةِ للذين يُحبُّونَ الله، المَدعُوُّونَ حسبَ مقاصِده" (رُومية 8: 28).


السبي البابِلي

إن زحفَ الجراد يتحرَّكُ كجَيشٍ، راصَّاً صُفُوفَهُ ليقضِيَ على كُلّ ما يجدُهُ في طريقِه. لقد إستخدَمَ يُوئيلُ الخراب الذي أحدَثَهُ "جيشُ" الجراد، لكَي يلفُتَ إنتِباهَ شعبِ يهُوَّذا ويُحضِّرَهُم لنُبُوَّتِهِ عن الخراب الذي سيشهَدونَهُ نتيجَةً لإجتِياحِ الجيشِ البابِلي لبلادهم. كتبَ يُوئيل يقول، "يجرونَ كأبطالٍ. يصعَدُونَ السُّورَ كَرِجالِ الحربِ ويمشُونَ كُلُّ واحِدٍ في طَريقِهِ ولا يُغيِّرونَ سُبُلَهُم. ولا يُزاحِمُ بعضُهُم بعضاً يمشُونَ كُلُّ واحِدٍ في سَبيلِهِ وبينَ الأسلِحَةِ يقعونَ ولا يَنكَسِرون. يتراكَضُونَ في المدينةِ يجرُونَ على السورِ يصعَدونَ إلى البُيوتِ يدخُلونَ من الكُوَى كاللصِّ." (2: 7، 9).


يومُ الخَمسين

بعدَ أن أعلَنَ يُوئيل أن زحفَ الجراد هو يومُ الربِّ الراهِن، وأعلن أن السبي البابِلي سيكونُ يومَ الرَّبِّ في المُستَقبَل، بدأَ يتكلَّمُ أيضاً عن يومٍ آخر للرَّب، الذي هُوَ يومُ الخمسين. كتبَ يُوئيلُ كلماتِ نُبُوَّة الله قائِلاً: "ويكونُ بعدَ ذلكَ أنِّي أسكُبُ رُوحِي على كُلِّ بَشَرٍ فيتَنبَّأُ بَنُوكُم وبناتُكُم ويحلَمُ شُيُوخُكُم أحلاماً ويرى شبابُكُم رُؤىً." (2: 28)

لقد تحقَّقَت هذه جزئِيَّاً يومَ الخَمسين (أعمال 2: 1-4). نقرَأُ أنَّ الرُّوحَ القُدُس حلَّ على أولئكَ الذين كانُوا مُجتَمِعينَ معاً يومَ الخمسين. عندما رأى الشعبُ الألسِنة المُنقَسِمة التي كأنَّها من نار تستَقرُّ على رُؤوسِ الرُّسُل، وسمِعُوهُم يتكلَّمُونَ بِلُغةٍ مفهومَةٍ لدى كُلِّ الشعب الذي كانَ يتكلًَّمُ لُغاتٍ مُختَلِفة، وعندما سمِعوا "صوتاً كما من هُبُوبِ ريحٍ عاصِفة،" سألُوا بطرُس، "ماذا يعني هذا؟" فأجابَهم بطرُس، "هذا ما قيلَ بيوئيل النبي." (أعمال الرُّسُل 2: 16).


مجيء يسوع المسيح ثانِيَةً

لاحِظُوا أنَّهُ من خِلالِ نُبُوَّةِ يومِ الخمسين، يُخبِرُنا اللهُ عن أُمُورٍ تتعلَّقُ بيومِ الربِّ في آخِرِ الأيَّام، والتي لم تتحقَّقْ يومَ الخمسين:

"وأُعطِي عجائِبَ في السماءِ والأرضِ دماً وناراً وأعمِدَةَ دُخان. تتحوَّلُ الشمسُ إلى ظُلمَةٍ والقَمَرُ إلى دَمٍ قبلَ أن يجيءَ يومُ الربِّ العظيم المَخُوف. ويكونُ أنَّ كُلَّ من يدعو باسمِ الربِّ ينجُو." (2: 30-32).

لقد تنبَّأَ يُوئيل بِوُضُوح عن يومِ الخمسين، وإذا درستَ نُبُوَّتَهُ عن يوم الخمسين عن كثب، سوفَ ترى أنَّهُ كانَ يتنبَّأُ أيضاً بأحداثٍ لم تتحقَّق يومَ الخمسين. كتبَ أحدُ المُفسِّرينَ للأنبِياء الصِّغار يقولُ أنَّ نُبُوَّة يُوئيل هذه قد سبقَ وتحقَّقت جُزئيَّاً يومَ الخمسين، ولكنَّها ستَتَحقَّقُ كُلِّيَّاً عندَ مجيء يسوع المسيح ثانيةً.

وكما فعلَ سائِرُ الأنبِياء، عندما تحقَّقَت نُبُوَّاتُ يُوئيلُ حرفِيَّاً عن أحداثٍ مثل الإجتِياح البابِلي أو يوم الخمسين، فبإمكانِنا أن نشعُرَ بالبهجةِ لتحقُّقِ هذه النُّبُوَّات حرفِيَّاً في المُستَقبَل، حيالَ مجيء المسيح ثانِيَةً.

دعا بُطرُس يومَ الربِّ المُستَقبَليّ هذا "بيوم الربّ العظيم والمَخوف." عندما كتبَ بُطرُس عن هذا اليوم، كانَ يُركِّزُ على واحِدٍ فقط من عدَّةِ أحداثٍ ستكُونُ جُزءاً من سِلسِلةِ أحداث مجيء المسيح ثانِيَةً. فبالنِّسبَةِ لبطرُس، عندما سيأتي هذا اليوم، "ستنحلُّ العناصِرُ مُحتَرِقَةً، وتحتَرِقُ الأرضُ والمَصنُوعاتُ التي فيها" (2بطرُس 3).


التطبيقُ الشخصيّ

لم يكرِزْ يُوئيلُ فقط عن يوم الرب الحاضِر والمُستَقبَل، بل حضَّنا كشعبِ الله أن نكرِزَ لجيلِنا، من خِلالِ إخبارِ أولادِنا والأجيالَ الآتِيَة عن يوم الرب (1: 2-3). يحثُّنا يُوئيلَ لنُدرِكَ أنَّ كُلَّ يومٍ في الماضي والحاضِر والمُستَقبَل ينبَغي أن يُعتَبَرَ كيَومِ الرَّب. وعندما نتذكَّرُ كيفَ حَوَّلَ اللهُ ظُرُوفَ حياتِنا الماضِية لخَيرِنا، علينا أن نتمسَّكَ بهذه الثِّقة في ظُروفِنا الحاضِرة (رومية 8: 28).

ولكن لماذا يُريدُنا اللهُ أن نعرِفَ عن يوم الربّ العظيم والمخوف المُستَقبَلي؟ لِكَي نُفكِّرَ بأي نوع من النَّاس ينبَغي أن نكون. أَصغُوا لِتطبيق بطرُس الشخصي عندما يُخبِرُنا عن يوم الرَّب الآتي: "لهذا، أيُّها الأحبَّاء إذ أنتُم مُنتظِرُونَ هذه، إجتَهِدوا لتُوجَدُوا عندَهُ بِلا دَنَس ولا عَيبٍ في سلام. واحسِبُوا أناةَ ربِّنا خلاصاً." (2بطرُس 3: 14- 15). إذ نتطلَّعُ إلى يومِ الربّ الآتي، يُقدِّمُ يُوئيلُ والأنبِياء تطبيقاتٍ كالتي قدَّمَها بطرُس لأتباعِ المسيح.