الفصلُ السادِس نُبُوَّةُ ميخا

القسم: الأنبياء الصغار.

يذكُرُ سفرُ ميخا ثلاثَةَ مواعظ رائِعة للنبي ميخا. وُلِدَ ميخا وتربَّى في منطَقَةٍ ريفيَّةٍ زِراعيَّة، ولكنَّهُ دُعِيَ من الله ليعِظَ في العاصِمتَين، السامِرة وأورشليم، وأن ينطِقَ بكلمةِ اللهِ للقادَةِ السياسِيِّين والرُّوحِيِّين  في عاصِمتَي المملكتَين، مملكة إسرائيل الشماليَّة، ومملكة يهُوَّذا الجنُوبيَّة. ولقد ضمَّ صوتَهُ إلى أنبِياء آخرين في إلقائِهِ لائِمَةَ الفسادِ الأخلاقي والرُّوحي وسطَ شعبِ الله على القادة الروحيِّين والسياسيِّين في هاتَين المملكَتين.


عِظَةُ ميخا الأُولى (1: 3-5)

وجَّهَ ميخا عِظَتَهُ الأولى لكُلِّ شُعوبِ الأرض، داعِياً إيَّاهُم ليُشاهِدوا كيفَ سيُعاقِبُ اللهُ السامِرة، عاصمة المملكة الشمالية، وأورشليم، عاصمة مملكة يهُوَّذا الجنوبية. وبما أنَّ شعبَ الله إختارُوا أن لا يتبَعُوا طُرُقَهُ، كانَ اللهُ يُخطِّطُ لتأديبٍ في المُستَقبَل: "هأنذا أفتَكِرُ على هذه العَشِيرَة بِشَرٍّ لا تزِيلُونَ منهُ أعناقَكُم ولا تسلُكُونَ بالتَّشامُخ لأنَّهُ زمانٌ ردِيء" (2: 3). إن هذا العدد يُشيرُ صراحَةً إلى الإجتِياحَين والسبيَين الأشُوري والبابلي. فمن خِلالِ هذين السبيَين، سوفَ يُعاقِبُ اللهُ إسرائيلَ ويهُوَّذا، وسيكونُ هذا التأديبُ تعبيراً عن قداسَةِ الله بإظهارِ عدم تساهُلِهِ معَ الشرّ وتعبيراً عن محبَّةِ الله كأبٍ أمينَ لأولادِهِ المُتمرِّدين.

إنَّ تأديبَ الله لشعبِهِ المُختار على وثنيَّتِهم، ولاأخلاقِيَّتِهم وإنحطاطِهم الرُّوحي، سيُظهِرُ للعالَمِ أجمَع أنَّهُ يُطالِبُ بمُستَوىً رفيعٍ من النقاوَةِ في المسلَك. إنَّ مجدَ الله سوفَ يُعلنُ أيضاً من خِلالِ إرجاعِ الشعب في النِّهاية، الأمرُ الذي تكلَّمَ عنهُ ميخا في نهايَةِ هذه العظة: "إنِّي أجمَعُ جَميعَكَ يا يعقُوب. أضُمُّ بَقِيَّةَ إسرائيل." (2: 12)


عِظَةُ ميخا الثانِيَة (3: 1- 5: 15)

يُوجِّهُ ميخا عظتَهُ الثانِيَة إلى ثلاثَةِ أنواعٍ من قادةِ شعبِ الله: الكهنة، الأنبِياء، والقادة السياسيِّين. ومُهمَّةُ الكاهن الرئيسيَّة كانت أن يُعلِّم، ومُهمَّةُ النبيِّ الرئيسيَّة كانت أن يحُثَّ الشعبَ على الطاعة، ومُهِمَّةُ الحاكِم الرئيسيَّة كانت أن يضعَ قوانين الله الأخلاقيَّة موضِعَ التنفيذ. في أيَّامِ ميخا، المُشكِلَة العقَبَة التي كانت تُعيقُ عملَ الله كانت أنَّ المُستَويات الثلاثة لهذه الأنواع الثلاثة من القادة كانت مضروبَةً بالفساد.

فبدَلَ أن يُعلِّمَ الكهنَةُ ويُكمِّلونَ نامُوسَ الله الأدبي أمامَ الشعب، إختَارَ هؤلاء الكهنة أن يُعلِّمُوا لِكَسبِ المال، أي أنَّهُم كانُوا "يعِظونَ لأُجرَة" (3: 1). لقد جعَلُوا من دعوةِ الكهنوت مِهنَةً، وأصبَحَ إهتِمامُهم الأوَّل المال الذي يكسَبُونَهُ. فإنـزعَجَ ميخا من جعلِ الكهنُوت عالَميَّاً دُنيويَّاً، إذ كانَ تعليمُ الكهنة لأُجرَة قد جعلَ منهُم مِهَنِيِّينَ مُرتَدِّين.

ثُمَّ يُوبِّخُ ميخا القادَةَ الأخلاقِيِّين، أي الأنبياء، لأنَّهم يتنبَّأونَ من أجلِ المال؛ "أنبِياؤُها يعرِفُونَ بالفِضَّة" (3: 11). فهُم لم يُحوِّلوا دعوةَ النبُوَّةِ إلى مهنَةٍ فقط، بل إلى شَعوَذة. فكانُوا يكرِزونَ بأحلامِهم الخاصَّة، بدل الإعلانات النَّبَويَّة، وكانُوا يستَخدِمُونَ شُهرَتَهُم كأنبِياء ليُحصِّلوا رِبحاً مادِّيَّاً. فإذا دُفِعَ لهُم القليلُ من المال، كانُوا يتنبَّأونَ بالدينُونَةِ الرهيبة على الناس، وإذا دُفِعََ لهُم الكثيرُ، كانُوا يتنبَّأُونَ بأُمورٍ حسنةٍ للذين إستأجروهم.

ولقد كانَ القادَةُ المدَنيُّونَ فاسِدينَ أيضاً، "رُؤساؤُها يقضُونَ بالرَّشوَة" (3: 11). فبِحَسَبِ كميَّة الرشوَة التي كانت تُدفَعُ لهؤلاء القادة المدَنيِّين، كانُوا يُطلِقونَ أحكامُهُم القضائيَّة. إن فساد القادة  المدنيِّين كانَ ولا يزالُ ظاهِرَةً بارِزة في العالم، حتَّى في أيَّامِنا.

كانَ إهتِمامُ ميخا الرئيسيّ هو، بما أن الكهنة كانوا يُعلِّمونَ من أجلِ أُجرة، فإن شعبَ اللهِ بالنتيجة تشوَّشُوا لأنَّهُم لم يسمعُوا كلمةَ الله. وبما أنَّ الأنبِياء كانُوا يتنبَّأونَ من أجلِ المال، فإن شعبَ اللهِ لن يتسنَّى لهُ أن يسمَعَ كلمةَ الله. وبما أنَّ القادَةَ المدنيِّين كانُوا فاسِدين، فإنَّ الشعبَ خابَ أملُهُ وفقد ثقتَهُ بحُكُومتِهِ، قانُوناً ونِظاماً.

شدَّدَ ميخا على حقيقَةِ أنَّ اللهَ أوكَلَ مُهمَّةَ الحُكُمِ للشعب، ولكنَّ الحُكُومَةَ المُعيَّنَةَ من الله تستطيعُ أن تنجَحَ فقط إذا كانَ المسؤولونَ عن تسييرِها مُنسَجمينَ معَ خُطَّةِ الله للقادَةِ الرُّوحيِّين والسياسيِّين على هذه المُستويات الثلاثة. فإن كانَ القادَةُ على هذا المُستوياتِ الثلاثَة فاسِدين، فإنَّ مقاصِدَ الله للحُكمِ ستسقُطُ. وبما أنَّ القادَةَ الرُّوحِيِّينَ والسياسيِّين في أيَّامِ ميخا لم يكُونوا مُنسَجِمينَ معَ مقاصِدِ الله، ألقى عليهم ميخا ملامَةَ الإنحطاط الأخلاقي والرُّوحي في الشعب.


حَلُّ اللهِ النِّهائي

بعدَ أن تعامَلَ ميخا معَ فشلِ الحُكمِ في إسرائيل ويهُوَّذا، قدَّمَ رسالةَ رجاءٍ لِشعبِ الله، ولكُلِّ أُمَمِ العالم من خلالِ نُبُوَّةٍ مسياويَّة. فتنبَّأَ عن مجيءِ المسيح، الذي "سيقِفُ ويرعى بقُدرَةِ الرَّبِّ بِعَظَمَةِ إسمِ الرَّبِّ إلهِهِ ويثبُتُون. لأنَّهُ الآنَ يتعظَّمُ إلى أقاصِي الأرض. ويكونُ هذا سلاماً." (5: 4- 5).

حيثُ فَشِلَت الحُكومَةُ البَشَريَّة في أُورشَليم والسامِرة، فإنَّ سيادَةَ المسيح النِّهائيَّة لن تفشَل، وسوفَ يُحقِّقُ السلامَ الحقيقيَّ لِشعبِهِ. وسوفَ يكونُ مِثالاً كامِلاً للنبي، الكاهن، والملك. تُقدِّمُ خاتِمَةُ عظة ميخا الثانية المسيحَ كالحاكِمِ الكامِل. فهُوَ سيُدَشِّنُ ملكوتاً جديداً لن يزول ولن ينتَهي. لهذا، عندما جاءَ المسيحُ إلى الأرض، طرحَ التلاميذُ عليهِ السُّؤالَ تِكراراً عن متى سيُؤسِّسُ ملكوتَهُ الأبدي الكامِل (أعمال الرسُل 1: 6).


عِظَة ميخا الثالِثة (الإصحاحَين السادِس والسَّابِع)

هُنا يُقدِّمُ ميخا مُحاكَمَةً مجازِيَّة بينَ الله والإنسان. يعِظُ قائلاً: "إسمَعُوا ما قالَهُ الرَّب. قُمْ خاصِمْ لدى الجِبال ولِتَسمَعِ التِّلالُ صوتَكَ. إسمَعِي خُصُومَةَ الرَّبِّ أيَّتُها الجِبالُ ويا أُسُسَ الأرضِ الدائمة فإنَّ للرَّبِّ خُصُومَةً معَ شعبِهِ وهُوَ يُحاكِمُ إسرائيل" (6: 1-2).

   بينما يُقدِّمُ ميخا إتِّهامات الله ضِدَّ إسرائيل، يُذَكِّرُ اللهُ إسرائيلَ بلُطفِهِ نحوَهم عندما أخرَجَهُم من أرضِ مِصر، وأعطاهُم مُوسَى وهرُون ومريم ليُمثِّلوهم (4).

وبما أنَّ شعبَ إسرائيل رَدُّوا على إحسانِ اللهِ نحوَهُم بِعبادَتِهم آلِهَةً أُخرى، وبالإنصِياعِ وراءَ شهواتِهم، مثَّلَ ميخا حالَةَ الإنسانِ أمامَ الله في المُحاكَمة: "بِمَ أتقدَّمُ إلى الرَّبِّ وأنحني للإلهِ العَليّ. هل أتقدَّمُ بمُحرَقاتٍ بعُجُولٍ أبناءِ سنةٍ. هل يُسَرُّ الرَّبُّ بأُلوفِ الكِباش بِرَبَواتِ أنهارِ زيتٍ. هل أُعطي بِكري عن مَعصِيَتي ثمرَةَ جسدي عن خطيَّةِ نفسي؟" (6: 6، 7).

إنَّ إتِّهامَ ميخا ضِدَّ خطايا إسرائيل التي رَدُّوا بها على إحساناتِ اللهِ، جعلَ منهُم غير مُؤهَّلين للدفاعِ عن أنفُسِهم. فقالَ أنَّهُ لن تُوجدَ مُحرَقَةٌ كافِيَة للتكفيرِ عن خطاياهم.

إن الإتِّهامَ الذي يُلقيهِ ميخا في هذا المُحاكَمة العظيمة، حضَّرَ مُستَمِعيهِ إلى خُلاصَةِ رسالتِهِ حيثُ يقول، "قد أخبَرَكَ أيُّها الإنسان ما هو صالحٌ. وماذا يطلُبُهُ منكَ الربُّ إلا أن تصنَعَ الحَقَّ وتُحِبَّ الرحمةَ وتسلُكَ مُتواضِعاً معَ إلهك" (8).

بعدَ أن ألقَى ميخا هذه الإتِّهامات على شعبِهِ، وبعدَ تساؤُلِ ميخا عمَّا يُمكِنُهم أن يعمَلُوهُ لإرضاءِ الله، أظهَرَ اللهُ لميخا أنَّهُ ليسَ بمقدُورِ الإنسان أن يعمَلَ شيئاً للتكفيرِ عن خطاياه. فقط بالنعمة يمنَحُ اللهُ قلبَ الإنسانِ المُنسَحِق ندماً، يمنَحُهُ غُفراناً لخطاياه.

وتُختَتَمُ عظةُ ميخا الثالثة أيضاً بإعلانٍ نَبَويٍّ. إذ يتنبَّأُ ميخا عن آخرِ الأيَّامِ قائلاً: "ينظُرُ الأُمَمُ ويخجَلونَ من كُلِّ بطشِهم. يضعُونَ أيدِيَهُم على أفواهِهم وتَصُمُّ آذانُهُم. ...يأتُونَ بالرّعبِ إلى الرَّبِّ إلهِنا ويخافُونَ منكَ" (7: 16، 17).

هُنا أيضاً نرى مجيءَ المسيَّا الذي سيحكُمُ الأُمَم. وكما يقولُ ميخا في نُبُوَّتِه، فإنَّ هذا المَسِيَّا الحاكم سيكونُ رحوماً تجاهَ شعبِهِ المُختار: "لا يحفَظُ إلى الأبدِ غضَبَهُ فإنَّهُ يُسَرُّ بالرأفَةِ. يعودُ يرحمُنا يدوسُ آثامَنا وتُطرَحُ في أعماقِ البحرِ جميعُ خطاياهم. تصنَعُ الأمانَةَ لِيَعقُوب والرأفَةَ لإبراهيم اللتينَ حلفتَ لآبائنا منذُ القِدَم." (18 – 20).

إنَّ الإلهَ الذي يتكلَّمُ عنهُ ميخا هو إلهُ رحمةٍ ومحبَّةٍ وحنان. ويُشدِّدُ ميخا على كونِنا لا نُحصِّلُ أو نكتَسِبُ محبَّةَ الله بأعمالِنا الإيجابية الصالحة، لأنَّها محبَّةَ الله لا تُكتَسَب إلا بالنِّعمة. وكذلكَ لا نخسَرُ محبَّةَ الله بأعمالِنا السلبيَّة السيئة.

إذا أحسنَّا فهمها، فإنَّ رسالَةَ الأنبِياء هي رِسالةُ رجاء، لأنَّها مبنِيَّةٌ على أساسِ محبَّةِ ونِعمَةِ الله. ولكنَّ محبَّةَ ونِعمَةَ أبينا السماوي تتوازَنُ معَ عدلهِ – ذلكَ العدل الذي يُمكِنُ إرضاؤُهُ فقط بثمَنِ موتِ إبنِ الله البار، لكَي نتمتَّعَ نحنُ بمحبَّةِ ونعمةِ اللهِ الكامِلة للأبدية.