تفاسير

الفصلُ الثاني "تصريحاتُ رِسالَة يسوع"

القسم: مسح لإنجيل متى.

رِسالَةُ يسوع

هدَفٌ آخر من أهدافِ رِسالَةِ يسوع مُشدَّدٌ عليهِ في الأناجيلِ الأربَعة، إلى جانِبِ موتِهِ وقيامَتِهِ ومُعجِزاتِهِ العديدة. أودُّ أن أختُمَ هذه اللمحة التمهيديَّة للأناجيل بالمُلاحظة التالِيَة، أنَّ ثُلثَ مُحتوى الأسفار الأربَعة الأولى من العهدِ الجديد على الأقَلّ، تُسجِّلُ كَلِمات يسوع التي نطَقَ بها.

قالَ يسوعُ أنَّهُ هُوَ الطريق والحَق والحَياة، وأنَّنا لا نستطيعُ أن نأتِيَ إلى اللهِ الآب إلا بِهِ (يُوحنَّا 14: 6). عندما يُخبِرُنا أنَّهُ هوَ الطريقُ إلى الله، يُشيرُ إلى عمَلِهِ على الصليب، الذي يُوفِّرُ الطريقَ الوحيد للمُصالَحة معَ الله بعدَ إنفِصالِنا أو طَلاقِنا عنهُ، ولترميمِ العلاقة معَ أبينا السماوي.

عندما يقُولُ لنا أنَّهُ هُوَ الحياة، يُشيرُ إلى مُعجِزاتِهِ، بما في ذلكَ إعطائِنا الحياة الأبديَّة، وتغيير حياة جَمِيعِ الرِّجال والنِّساء الذين يُؤمِنُونَ بهِ والذين يُصبِحونَ رُوحِيِّينَ تماماً من الناحِيَتَين العاطِفيَّة والجَسَديَّة.

وعندَما يقُولُ أنَّهُ هُوَ الحقيقة، يُشيرُ بدونِ أدنى شَكّ إلى خدمتِهِ في الوعظِ والتعليم.

كإبنِ الله، كان بإمكانِ يسوع المسيح أن يترُكَ السماءَ بعدَ ظُهرِ يومِ الجُمعة، تارِكاً وراءَهُ خدمتَهُ في المجالِ السَّمَاويّ، لكَي يُحقِّقَ خلاصَ العالم في بِضعَةِ أيَّام. ولكن، لماذا قضى ثلاثاً وثلاثِينَ سنةً في هذا العالم؟ لا بُدَّ أنَّهُ كانت لديهِ أعمالٌ أُخرى يُتمِّمُها من أجلِ الآب، بالإضافَةِ إلى كُلِّ ما حقَّقَهُ من خِلالِ موتِهِ على الصليب ومن خِلالِ قِيامتِه.

وعندَما قالَ يسوعُ أنَّهُ الحَقُّ، وعندما وصَفَهُ يُوحنَّا أنَّهُ الكلمة الذي صارَ جسداً (يُوحنَّا 1: 14)، نرى تركيزاً على خِدمَةِ يسوع التي لم يكُن مُمكِناً أن تتحقَّقَ في بعدِ ظُهرِ يَومٍ واحِد. لقد سبقَ وأعطَانا اللهُ كَلِمَةً مكتُوبَةً، ولكن بتدبيرِ العِنايَةِ الإلهيَّة، أعطانا يسوعُ ما هُوَ أكثر من الكلمات المكتُوبَة. يصِفُ يُوحنَّا ما أعطانا إيَّاهُ يسوعُ بالطريقَةِ التاليَِة: "لأنَّ النامُوس بمُوسى أُعطِيَ. أمَّا النِّعمَةُ والحَقُّ فبِيَسُوع المسيح صارا." (يُوحنَّا 1: 17). لقد سبقَ وأعطانا اللهُ الحقَّ من خِلالِ مُوسى والعهدِ القديم. ولكن من خِلالِ يسوع، أعطانا اللهُ الحقَّ والنِّعمَةَ أو "الكاريزما" لنعيشَ هذا الحَقَّ. ولم يُعطِنا يسوعُ فقط الحَقّ، بل كانَ هُوَ بِنَفسِهِ الحق الذي أعطانا إيَّاهُ. وهُوَ لم يخُبِرْنا فقط كيفَ نعيشُ الحياة، بل عاشَ هذه الحياة، لأنَّهُ كانَ هذه الحياة. فكُلُّ ما كانَهُ يسوع، وكُلُّ ما عمِلَهُ وكُلُّ ما قالَهُ كانَ الحقّ الذي أرادَ اللهُ أن يُعلِنَهُ لنا من خِلالِ إبنهِ. لِهذا يَصِفُ إنجيلُ يُوحنَّا يسوعَ ككَلِمَةِ الحياة (يُوحنَّا 1: 1، 14).

لقد سبقَ ورأينا أنَّ أعظَم رِسالة أعطاها اللهُ لِهذا العالم كانت يسوع المسيح. والجزءُ من تِلكَ الرِّسالَة التي علَّمَ بِها يُشكِّلُ ثُلثَ مُحتَوى الأناجيل الأربَعة. رِسالَةُ يسوع تظهَرُ بِعِدَّةِ أشكال. فهُناكَ عِظاتٌ مُطوَّلَة، كالموعظة على الجَبَل، وموعِظَةِ العُلِّيَّة، وموعِظة جبل الزَّيتُون (متى 5، 6، 7؛ يُوحنَّا 13- 16؛ متى 24، 25).

هُناكَ مواعِظُ أُخرى كثيرة، خاصَّةً في متى ولُوقا، التي ليست أقَلَّ أهمِّيَّة من عظاتِهِ المُطوَّلة بسبب قِصرِها، تماماً كالأنبِياء الصِّغار الذين لم يكُونُوا أقلَّ أهمِّيَّةً بسببِ قِصرِ أسفارِهم. كثيرٌ من هذه العِظات ظهَرَت بشكلِ أمثالٍ وصُوَرٍ مجازِيَّة، ومُعظَمُ رِسالَةِ يسوع ظهَرَ بِشكلِ حِوار. الحِوارُ هُوَ غالِباً حِوارٌ عَدائِيٌّ معَ القادَةِ الدينيِّين في زمان المسيح، وغالِباً ما كانَ يسوعُ هُوَ الذي يبدَأُ هذا الحوار بطرحِ أسئِلَةٍ عليهم. (طرحَ يسُوعُ ثلاثاً وثمانِينَ سُؤالاً في إنجيل متَّى وحدَهُ.)

يبدو أنَّهُ درَّبَ الرُّسُل على طرحِ أسئِلَةٍ عليه. فعِظَةُ جبل الزيتُون (متى 24، 25) وكذلكَ أطوَلُ عِظَةٍ مُدوَّنَة ألقاها المسيحُ، أي عظة العُلِّيَّة (يُوحنَّا 13- 16) أُعطِيَت جواباً على الأسئِلة التي طرحها الرُّسُل، وأجابَ عليها يسوع. مُعظَمُ هذا الحِوار هو حِوارٌ  عدائِيٌّ معَ رِجالِ الدِّين. سوفَ تجِدُ أيضاً الكثير من هذا الحوار في لِقاءاتِ يسوع المُتعدِّدة. بعضُ تصريحاتِهِ الأكثر عُمقاً هي جوابٌ على أسئِلةً طرحَها في إطارِ لقاءاتِهِ معَ النَّاس.

بينما تقرَأُ الأناجيل، في كُلِّ وَقتٍ قالَ فيهِ يسُوعُ شيئاً ما، سواءٌ أكانَ عظةً رئيسيَّة، مثلاً، صلاةً، أو أيَّ أمرٍ سألَهُ أو قالَهُ جواباً على سُؤالٍ سبقَ وطَرَحَهُ في مُقابَلَةٍ ما، أو في حِوارٍ عدائِيّ، تذكَّرْ أنَّهُ هو كلمة الله الأزَليّ الذي صارَ جسداً، وحلَّ بينَنا. وعندما يتكلَّمُ، فهُوَ يكشِفُ ويُفسِّرُ لنا الله ويُعطينا أكمَلَ إعلانٍ عنهُ عرفَهُ العالم (يُوحنَّا 1: 18).

طريقَةٌ جَيِّدَةٌ للإقتِرابِ من الحقيقَةِ التي علَّمَها يسوع هي أن نقتَرِبَ من تعليمِ يسوع طارِحينَ السؤالَ التالي: "ماذا كانَ نظامُ قِيَمِ يسوع المسيح؟ إستِناداً إلى كُلِّ تعليمِهِ، وبِغَضِّ النَّظَر عن الشكل الذي أعلنَ فيهِ هذا التعليم، ماذا كانت قِيَمُ يسوع المسيح؟"

بينما تقرَأُ الأناجيل، أُنظُرْ إلى الرِّسالة الأساسيَّة ليسوع المسيح، التي تحقَّقَت على صليبِهِ عندما نلتَقي معَ يسوع كالطريق الذي يُصالِحُ النَّاسَ معَ الله. أنظُرْ أيضاً إلى معجِزاتِ يسوع، خاصَّةً مُعجِزات الوِلادَةِ الجديدة والشِّفاء، والتي تُقدِّمُ يسوعَ على كونِهِ الحياة. إبحَثْ عن خدمةِ تعليمِ يسوع، عندما أصبَحَ كلمةُ اللهِ جسداً وحلَّ بينَنا، مملُوءاً نِعمَةً وحَقَّاً. إقرَأ الأناجيل لكَي ترى يسوع كالطريق والحَقّ والحَياة.

أضف تعليق


قرأت لك

الفصل الثالث: شهود ضد المسيح

عرّف المسيح نفسه وعرّفه الوحي كما وعرّفه أيضاً المسيحيّون بأنّه الله الذي ظهر في الجسد. وقد تمسّكت الكنيسة في كلّ جيل وقرن بهذا الحقّ وتعبّدت للمسيح فاديها معلنة ذلك في

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة