تفاسير

الفَصلُ العاشِر أمثالُ يسُوع في إنجيلِ متَّى

القسم: مسح لإنجيل متى.

يبدَأُ يسُوعُ بمَثَلِ الزَّارِع. يخرُجُ الزَّارِعُ ويزرَعُ البُذُورَ في حقلِهِ. يأخُذُ الزَّارِعُ البُذُورَ من جُعبتِهِ ويبذُرُها في الحقل. فتسقُطُ بعضُ البُذُورِ على أرضٍ يابِسة كونَها طريقاً داستَها أرجُلُ المارَّة. فتبقى هذه البُذُورُ على سطحِ الأرض، غيرَ قادِرَةٍ على إختِراقِ التُّربَة، فتأتي الطُيُورُ وتأكُلُها.

وبعضُ بُذُورِ الزارِع سقطَت على أرضٍ طريَّة، فمدَّتِ البُذُورُ جُذُورَها في التُّراب، ولكن تحتَ سطحِ التُّربَة كانَ هُناكَ صخرٌ. فاصطدَمَتِ الجُذُورُ بالصخرِ وإرتدَّت إلى فوق. وعندما أشرَقَتِ الشمسُ، إحتَرَقتِ النبتاتُ التي أنتَجتها تِلكَ البُذُور، فلم تأتِ بِثَمَر.

وسقطَ بعضُ البُذُورِ على أرضٍ جيِّدَةٍ عميقة، رطبة، فمدَّتِ البُذُورُ جُذُورَها. ولكن عندما أفرخت النبتاتُ ونمَت، إلتَفَّ حولها الشوكُ فخنقَها فلم تأتِ بِثمرٍ أيضاً.

وآخِرُ بُذُورِ الزَّارِع سقطَت على أرضٍ جيِّدَةٍ لم يكُن فيها أيَّة مشاكِل تحتَ السطح. فأنتَجَت هذه البُذُورَ الثِّمارَ؛ بعضُ ثلاثين، وبعضٌ ستِّين؛ وبعضٌ مئة ضعف من كمِّيَّةِ البُذُورِ التي زُرِعَت؟

عندما نقرَأُ هذا المَثَل لأوَّلِ مرَّةٍ، نتَّفِقُ على أن نُسمِّيَهُ "مَثَل الزَّارِع." ولَكِن عندما ندرُسُ هذا المثلَ بعِنايَة، قد نظُنُّ أنَّهُ ينبَغي أن يُسمَّى "مثل البُذُور." لأنَّ "البذُورَ هي الكلمة،" لِهذا فإنَّ هذا المثل هو تعليمٌ عميقٌ عن كلمةِ الله وعنِ القضايا التي تحدُثُ عندما يُكرَزُ ويُعلَّمُ بِكَلِمَةِ الله. "فانظُرُوا كيفَ تسمَعُون" كَلِمَةَ الله: هكذا يُطبِّقُ لُوقا معنى هذا المَثل (لُوقا 8: 18).

بعدَ أن علَّمَ يسُوعُ هذا المَثَل، عندما كانَ وَحيداً معَ الرُّسُل، سألُوهُ عن المَثَل ففَسَّرَهُ لهُم. قالَ لهُم أنَّ بِذارَ الزارِع هي كلمة الله، وأربَعة أنواع التُّربَة تُشيرُ إلى أربعةِ طُرُقٍ يتجاوَبُ بها الناسُ معَ كَلِمَةِ الله.

عندَما نقرَأُ تفسيرَ الرَّبّ للمَثَل، نُدرِكُ أنَّ عُنواناً أفضَل يُمكِن أن يُعطَى لهذا المثل هو، "مثل أنواع التُّربَة." وبينما نتأمَّلُ في كَونِ المثل يُركِّزُ على كيفيَّةِ تجاوُبِ الناس معَ كلمةِ الله، نُدرِكُ أنَّ أفضَلَ عُنوانٍ مُمكِن أن يُعطى لهذا المثل هو، "أربَعُ طُرُقٍ لِسَماعِ كَلِمَةِ الله،" لأنَّ هذا المَثَل يُبرِزُ أربَعَ طُرُقٍ يتجاوَبُ بها الناسُ معَ كلمةِ الله التي يسمَعُونَها.

فعِندَما تُقدَّمُ الكَلِمة، النَّوعُ الأوَّلُ من الناس هو الذي لا يفهَمُ حتَّى الكلمة؛ لأنَّ ذهنَهُ وفهمَهُ قاسٍ لا يُختَرَق، ولِهذا لا يأتي بِثَمَر.

النَّوعُ الثاني هو الذي يفهَمُ الكلمة التي تختَرِقُ ذهنَهُ، ولكنَّ التُّربَةَ المُحجِرَة الصخريَّة التي تمنَعُ البُذُورَ من مدِّ جُذُورِها إلى عُمقِ الأرض تُشيرُ إلى ما يُسمِّيهِ يسُوعُ في مكانٍ آخر "القَلب المُتَقَسِّي." هذا يُشيرُ إلى إرادة هذا النوع من الناس، التي لا تُختَرَقُ، وإلى إلتزامِهم السَّطحِيّ. إنَّهُم يُؤمِنُونَ بالكَلِمة، وعندما تأتي الضيقاتُ والإضطِّهادات، يسقُطُونَ بسُرعَةٍ ويتدهوَرُونَ، فلا يأتُونَ بِثَمَر.

النَّوعُ الثالِثُ من الأشخاص هو أولئكَ الذين لا يُزعِجُهُم شيءٌ تحتَ الأرض، أي في حياتِهم، مثل قُدرتِهم الذهنيَّة على الفهم أو إلتِزامِهم الإرادِيّ. ولكن تهزمُهُم قُوىً أُخرى فوقَ التُّراب، أي خارِج حياتِهم، مثل غُرور الغِنى، وما يتبَعُهُ من مَلَذَّات. وقد تهزِمُهم أيضاً هُمُومُ هذا العالم، أو السعي وراءَ الثَّروة التي يملِكُونَها أو يسعُونَ لإمتِلاكِها. في هذا المثَل، تبدُو هذه العقباتُ بشكلِ الأشواك التي تخنُقُ النبتة التي تُريدُ الكلمة غرسَها في تُربَةِ حياتِهم. هذا النَّوعُ الثالِثُ هُوَ أيضاً لا يأتِي بِثَمَر.

قد نستطيعُ القَول أنَّ الشخصَ الأوَّل هو من يرتَدي "قُبَّعَةً قاسِية." والثاني هو من لديهِ "قلبٌ قاسٍ." والثالِثُ هو الذي تُلهيهِ "الإختِيارات القاسِيَة."

النَّوعُ الرابِعُ يُشيرُ إلى الطريقة التي يُريدُنا يسُوعُ أن نتجاوَبَ بِها عند سماعِنا لكلمةِ الله. فليسَ هُناكَ تحتَ الأرضِ ولا فوقَها ما يُعيقُ النُّمُوَّ والإتيان بالثمَر. وهذا يُشيرُ إلى الشخص الذي يُقرِّرُ أن لا يسمَحَ لأيِّ شيءٍ في حياتِهِ، مثل عقلِهِ أو إرادتِهِ العنيدة، أن يمنَعَهُ عن الإتيانِ بالثمر. وهُوَ يُقرِّرُ أيضاً أن لا شيءَ في هذا العالم، ولا قُوَّة خارِج حياتِهِ ستَقِفُ عائِقاً بينَهُ وبينَ إتمامِ مقاصدِ الله بإعطائهِ كلمة الله.

يَصِفُ لُوقا هذا النَّوع من الناس كالتالي: "والذي في الأرضِ الجَيِّدَة هُوَ الذين يسمَعُونَ الكَلِمة فَيَحفَظُونَها في قَلبٍ جَيِّدٍ صالِح ويُثمِرُونَ بالصَّبر." (لُوقا 8: 15) ويَصِفُ لُوقا جوهَرَ المثل بالكلماتِ التالِيَة: "فانظُرُوا كيفَ تسمَعُونَ كَلمةَ الله" (8: 18).

إنَّ حقيقَةَ هذا المَثل العَميق هي واضِحَةٌ جداً لِكُلِّ من يُعلِّمُ أو يَعِظُ بِكَلِمَةِ الله. عندما تُعلَّمُ كَلِمَةُ اللهِ أو يُكرَزُ بِها، نجدُ أمامَنا دائماً هذه الأنواع الأربَعة من النَّاس، ويستطيعُ الواعِظُ أو المُعلِّمُ أن يُشيرَ إليهِم ويُميَّزَهم بِوُضُوح.

جميعُ أُولئكَ الذين يسمَعُونَ ويُعلِّمُونَ بكلمةِ الله عليهم أن يُفكِّرُوا مَلِيَّاً بهذا المَثَل، عندما يسمَعُونَ أو يُعلِّمُونَ كلمةَ الله. أوَّلاً، علينا أن ننظُرَ إلى تُربتِنا. أيّ نوع من التُّربَة تستقبِلُ كلمةَ اللهِ في قُلوبِنا؟ وهل نسمَحُ لكلمةِ اللهِ أن تحمِلَ ثمراً؟ وهل نحنُ مُثمِرُونَ جداً (100 %) أم أنَّنا لا نُؤتي إلا القليلَ من الثِّمار (30 %)؟ ثانِياً، أولئكَ الذين يُعلِّمُونَ الكلمة ينبَغي أن يكُونُوا واعِينَ للحقيقَةِ القاسِيَة، أنَّ التعليمَ أو الوعظ بكلمةِ الله لن يكُونَ مُثمِراً إلا إذا فَهِمَ أُولئكَ الذي يتعلَّمونَ الكلمة معنى هذه الكلمة التي يسمَعُونَها.

علينا أن نُدرِكَ أنَّ تعليمَنا ووعظَنا سيكُونانِ بِلا ثَمَر، إلا إذا إختَرَقَ تعليمُنا ووعظُنا إرادَةَ السامِعين. لِذلكَ عندما نُعلِّم، عَلينا أن نُعلِّمَ بِبَساطَةٍ بشكلٍ كافٍ ليختَرِقَ تعليمُنا فهمَ السامِعين. وعلينا أن نقودَ تعليمنا ووعظَنا بِروحِ الصلاة ليَصِلَ بالسامِعينَ إلى قرارٍ، عندما يختَرِقُ الرُّوحُ القُدُس إرادَتَهُم.

فالتحدِّي الذي يُوضَعُ أمامَنا هُنا في هذا المَثَلِ العظيم ليسَ أن نُنتِجَ "خُبراءَ في الكتابِ المقدَّس" يعرِفُونَ الكتابَ بشكلٍ مُعمَّق، بل بأن نُنتِجَ تلاميذَ مُلتَزِمينَ بالرَّبّ، يُطبِّقُونَ الكلمة التي إختَرَقت عُقولَهُم وإراداتِهم. لِهذا، علينا بكُلِّ بساطَةٍ أن نسمَعَ، نُعلِّمَ، ونعِظَ بالكلمة، مُصلِّينَ لِكَي يفتَحَ الرُّوحُ القُدُسُ الأعيُنَ الرُّوحيَّة عند الذين يسمَعُونَنا، لكَي يفهَمُوا ويُطيعُوا كلمةَ الله. علينا أن نُصَلِّي لِكَي يُعطيَ الرَّبُّ لنا ولأُولئكَ الذين يسمَعُونَنا عَطِيَّةَ الإيمان، والإرادَةَ للعمَلِ بالكلمة، لكَي تُثمِرَ هذه الكَلمةُ فينا (يُوحنَّا 7: 17؛ فيلبِّي 2: 13).

علينا أيضاً أن نعتَمِدَ على الله لكَي يُعطِيَنا نحنُ والذين يسمَعُونَنا القُوَّةَ للتغلُّبِ على تِلكَ القُوى في هذا العالم، التي تهدِفُ بِشتَّى الوسائِل إلى جعلِِ سماعِنا وتعليمِنا ووعظِنا للكلمة غير مُثمِر. وحدَهُ اللهُ يستطيعُ أن يعمَلَ هذه الأُمُور. لهذا عندما ندرُسُ ونُعلِّمُ ونخدمُ الكلمة، ينبَغي أن تترافَقَ "الصلاةُ وخدمة الكلمة؛" الإثنانِ معاً (أعمال 6: 4).

أضف تعليق


قرأت لك

الرب وحده وليس سواه

هو كل ثروتي كل عدتي وعتادي، كل مشتهاي الرب هو طعام للجوع وشراب للعطش وضوء للظلمة وفرح للحزن وراحة للتعب وصحة للمرض وتعزية للشدة وثروة للفقر وصحبة للوحشة، وعون للأثقال وأمان للخطر، ومأمن من الريح وارشاد للحياة، وحرية من القيود، ونصرة في الحرب وقوة للجهاد وغفران للمذنوبية، ومحبة للبغضة، وقدرة للضعف ودواء لكل مريض، وحياة في الموت هو هدفٌ ومورد لا يجف ومعين لا ينضب لكل مَن يلجأ اليه في كل الظروف

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة