تفاسير

الفصلُ الثانِي عشَر "أعظَمُ أزَمَاتِ يسُوع المسيح" - مَوتُ يسُوع المسيح

القسم: مسح لإنجيل متى.

فهرس المقال

مَوتُ يسُوع المسيح (متَّى 27: 11 – 34)

عِندَما تَصِفُ الأناجِيلُ الثلاثَةُ الأُولى موتَ يسُوع المسيح، تتَكلَّمُ بِفصاحَةٍ في ما لم تُفصِحْ عنهُ. فهِيَ لم تُعطِنا تفاصيلَ الصلب المُؤلِمة والمُثيرة للإشمِئزاز. بل هِيَ تَصِفُ ذلكَ الحدَث الرَّهيب بِكَلِمَةٍ واحِدة: "صَلَبُوهُ." فلو نَظَرنا إلى هذه الكَلِمة بِإمعان لاكتَسَبنا مزيداً من الفهم لمعنى موت يسوع.

"صَلَبُوهُ"

لقد كانَ الصَّلبُ نَوعاً قاسِياً فَظَّاً من أنواعِ الإعدام الرُّومانيَّة. وكانَ مُمكِنا أن يأخُذَ الأمرُ خمسَةَ أيَّامٍ لكي يمُوتَ الشخصُ المُعلَّقُ على الصَّلِيب. وكانَ من غَيرِ المسمُوح أن يُنفَّذَ حُكمُ الإعدامِ صلباً بمُواطِنٍ رُوماني، لأنَّ الصلبَ هوَ ضَربٌ من التعذِيب. وكانَ يُعتَبَرُ قصاصاً لاإنسانيّ، وبِما أنَّ ضحاياهُ كانُوا يُصلَبُونَ عُراةً، إعتُبِرَ الصلبُ عاراً وذُلاً أيضاً (متَّى 27: 35؛ فيلبِّي 2: 8).

بالمعنى الكِتابِيّ، الأمرُ المُهِمُّ فيما يتعلَّقُ بطريقَةِ مَوتِ المسيح كانَ أنَّها تمَّمَت النُّبُوَّة. يتنبَّأُ الإصحاحُ 53 من سفرِ إشعياء والمَزمُورُ الثانِي والعِشرون عن بعضِ تفاصِيلِ موت يسوع المسيح، التي تحقَّقَت بحذافيرِها عندما صُلِبَ يسُوع. ولكن، بحَسَبِ المقاطِع التي ذُكِرَت أعلاه، ومقاطِع أُخرى غيرَها، كانَ الألَمُ الرُّوحِيُّ والنـزاعُ في نفسِ المسيح هُوَ الذي حقَّقَ خلاصَنا. عندما أصبَحَ خَطِيَّةً لأجلِنا، صرخَ قائلاً،"إلهي إلهي لماذا تَركَتني؟" بحَسَبِ الأنبِياءِ والرُّسُل، عندما حَدَثَ هذا الألَمُ الرُّوحِيُّ في نفسِ المُخَلِّص، وُضِعَ عليهِ تأديبُ سلامِنا. عندها وعندها فقط تحقَّقَ خلاصُنا. لهذا صَرخَ بعدَها، "قد أُكمِل،" و"أيُّها الآب، بينَ يَديكَ أستَودِعُ رُوحي،" وعندما إنتَهى ألمُهُ ختَمَ غُفرانَنا بدَمِهِ (إشعياء 53؛ 2كُورنثُوس 5: 21؛ 1بطرُس 2: 21- 25؛ يُوحنَّا 19: 30؛ لُوقا 23: 46). هذا هُو المعنى المُتَضمَّن في عِبارَة "صَلَبُوهُ."

"صَلَبُوهُ"

نقتَرِبُ أكثَر من معنى موت المسيح الحقيقيّ عندما نضَعُ التشديد على آخِِرِ حرفٍ من هذه العِبارَة. لقد صَلَبت رُوما الآلاف المُؤلَّفة من النَّاس، الذين عُلِّقُوا على صُلبانِهم لمُدَّةٍ أطوَل جداً من مُدَّةِ صَلبِ يسُوع، ولربَّما إجتازُوا في آلامٍ جَسَدِيَّةٍ مُبَرِّحَةٍ أكثَرَ من آلامِ يسُوع. ولكنَّ الآلامَ المأسَاوِيَّة لهؤلاء الآلاف، حتَّى أُولئكَ الذين ماتُوا من أجلِ المَسيح ومن أجلِ إيمانِهم بهِ، ما كانَ مُمكِناً أن تُساهِمَ في التكفيرِ عن خطايا العالم.

علينا أن نُشدِّدَ على أنَّ المُهِمَّ في مَوتِ يسُوع المسيح لم يكُن فقط آلامهِ الجسديَّة. المُهِمُّ كانَ ذلكَ الذي تألَّمَ على الصَّلِيب، هوَ الذي جعلَ صلبَ المسيح أساساً لِخلاصِنا.

فعندما ماتَ على الصليب، لو لم يكُنْ إبنَ الله عندما ماتَ هُناك، لما كانَ لمَوتِهِ أيُّ تأثيرٍ على خطايانا بعدَ ألفي سنة من صلبِهِ. هذا هُوَ المُهِمُّ في عِبارَة "صلبُوهُ!" (متَّى 27: 22، 23؛ 1كُورنثُوس 1: 23 – 2: 2).

"صَلَبُوهُ."

في النِّهايَة، إذا شدَّدنا على أوَّلِ جزءٍ من هذه الكَلمة، نُثيرُ سُؤالاً حولَ أعظَم أزَمة للمَسيح. فمَن هُوَ الذي قتلَ المسيح؟ الجَوابُ الأوَّلُ على هذا السُّؤال هو أنَّ الرُّومان هُمُ الذين قتَلُوا يسُوعَ المسيح. ولكن، حتَّى ولو أنَّ جُنديَّاً رُومانِيَّاً هوَ الذي غرسَ المساميرَ حرفِيَّاً في يدي يسوع وطعنَ جنبَهُ بحَربَة، ولكن إذا قرأنا النَّصَّ بِرَويَّة، نستنتِجُ أنَّ اليهُود هُمُ الذين صَلَبُوا يسُوع (متَّى 27: 25).

الجَوابُ الكِتابِيُّ على هذا السُّؤال هُوَ أنَّ اللهَ هُوَ الذي ضَحَّى بإبنِهِ من أجلِ خطايا العالم. دَعونا ننظُرُ إلى بعضِ الأمثِلة: ففي ذلكَ الإصحاحِ المَسياويّ النَّبَويّ العظيم، إشعياء 53، نقرَأُ، "فَسُرَّ الرَّبُّ بأن يسحَقَهُ بالحزن." (إشعياء 53: 10). ويُعبِّرُ العهدُ الجديدُ عن ذلكَ كالتالي: "لأنَّ اللهَ جعلَ الذي لم يعرِفْ خطِيَّةً، خَطِيَّةً لأجلِنا، لنَصيرَ نحنُ بِرَّ اللهِ فيه." (2كُورنثُوس 5: 21).

علينا أن نتذكَّرَ هذا عندما نتأمَّلُ بعِبارَة "صَلَبُوهُ." 

أضف تعليق


قرأت لك

كُتب عنه قبل ميلاده!

الوحيد بين البشر الذي كُتب عن كل تفاصيل حياته قبل ولادته بمئات السنين. يحتفل العالم المسيحي بميلاد االسيد المسيح. وولادته هي رسالة محبة وسلام الى العالم، وهي دعوة عامة الى التواضع والوداعة. وقد وُلد يسوع قبل حوالي 2000 عام في بيت لحم. والعجيب انه كُتب عن كل تفاصيل حياته حتى قبل ولادته بمئات السنين، وقد تمت عشرات النبوات عنه وبالتدقيق، واود ان اسرد هنا أهمّ ما ذُكر عنه قبل ولادته: