الفصلُ الخامِس "عنصَرةُ بُولُس الخاصَّة"

القسم: سفر الأعمال ورسالة رومية.

"أما شاوُل فكانَ لم يزَلْ ينفُثُ تهدُّداً وقتلاً على تلاميذِ الربِّ. فتقدَّمَ إلى رئيسِ الكهنة وطلبَ منهُ رسائِلَ إلى دِمشق إلى الجماعات حتَّى إذا وجدَ أُناساً من الطريق رجالاً أو نِساءً يسوقُهم مُوثَقِينَ إلى أورشليم.

"وفي ذهابِهِ حدث أنَّهُ اقتَرَبَ إلى دِمشق فبغتَةً أبرَقَ حولَهُ نُورٌ من السماء. فسقطَ على الأرضِ وسمِعَ صوتاً قائِلاً لهُ شاوُل شاوُل لماذا تضطَّهِدُني؟ فقالَ من أنتَ يا سيِّد؟ فقالَ الربُّ أنا يسوع الناصِري الذي أنتَ تضطهِدُهُ. صَعبٌ عليكَ أن ترفُسَ مناخِس.

"فقالَ وهُوَ مُرتَعِدٌ ومُتَحيِّر يا رَبُّ ماذا تُريدُ أن أفعَل؟ فقالَ لهُ الربُّ قُم وادخُل المدينَة فيُقالَ لكَ ماذا ينبَغي أن تفعَلَ." (أعمال 9: 1- 6).

إن هذه الكلمات المألُوفَة في الإصحاحِ التاسِع من سفرِ الأعمال تصِفُ لنا تجدُّدَ شاوُل الطرسوسي، أو إختِبارَهُ على طريقِ دمشق. ليسَ بالإمكان تفسير شخصيَّة هذا الرجُل بمَعزَلٍ عن عِبارَة "إختِبار." وكما رَأَينا سابِقاً، عندما نَلتَقي بهِ، نجِدُ فيهِ عدُوَّاً لَدُوداً للمسيح، ولكنَّ هذا الإختِبار على طريقِ دِمشق هوَ الأوَّل بينَ بِضعَةِ إختِبارات جعلَت منهُ أعظَمَ رَسُولٍ (أو مُرسَل) في تاريخِ كنيسةِ يسُوع المسيح.

هُناكَ عدَّةُ أماكِن في سفرِ الأعمال حيثُ سيُخبِرنا بُولُس عن إختِبارِهِ الأوَّل هذا. فأمامَ الجُموع الغاضِبة، وأمامَ الولاة الرُّومان، وأمامَ مَلِكٍ ومَلِكَة، وفي المحاكِمِ الدِّينيَّة، وفي رسائلِهِ المُوحاة، يُخبِرُنا بُولُس بإستِمرار عن الإختِبار الذي إجتازَهُ.

يُخبِرُنا بُولُس عن ثلاثَةِ إختِباراتٍ جعلتهُ الرسُول الأكثر إثماراً في تاريخِ الكنيسة. إختِبارُهُ الأوَّل كانَ تجدِيدُهُ على طريقِ دِمشق. ثُمَّ إجتازَ في إختِبارِ الصحراء العربيَّة، الأمرُ الذي يُفسِّرُهُ بحيويَّة في رسالتِهِ إلى أهلِ غلاطية (1: 11- 2: 10). ولقد إجتازَ أيضاً في إختِبارٍ سَمَاوِيّ أثَّرَ على حياتِهِ بعُمق. ولقد شارَكَ هذا الإختِبار معَ الكُورنثُوسيِّين ومعنا (2كُورنثُوس 12: 1-4). لرُبَّما حدَثَ هذا عندما رُجِمَ في لِسترة (14: 19- 20).

ولقد إقتَنَعَ بُولُس من إختِبارِهِ السماوِيّ أنَّهُ لا يتوجَّبُ علينا أن ننتَظِرَ حتَّى نَمُوت لكي نعيشَ في السماء. فمَوضُوعُ رسالتِهِ إلى أهلِ أفسُس هُوَ، "في السماوِيَّات"، أي أنَّهُ بإمكانِنا أن نعيشَ في المجالِ السماوِيّ بينَما نَعيشُ حياتَنا هُنا على الأرض (أفسُس 1: 3). ليسَ بِوُسعِنا أن نفهَمَ هذا الرسُول الغريب بمعزَلٍ عن إختِباراتِه.

هُناكَ بعضُ الأُمور التي ينبَغي الإشارَة إليها عندما ننظُرُ إلى هذا الإختِبارِ الذي يتكلَّمُ عن تجديدِ هذا العَدُوّ اللَّدُود للمسيح. أولاً، سمِعَ بُولُس هذا الصوت يُنادِيهِ بإسمِهِ سائلاً إيَّاهُ، "لماذا تضطَّهِدُني؟" هُنا أيضاً نجدُ أنَّ المسيحَ المُقام هُوَ مُتَّحدٌ بشكلٍ لا يَنفَصِم عن كنيستِه. لقد كانَ شاوُل يضطَّهِدُ الكنيسة. أمَّا إتِّهامُ المسيح المُقام لهُ فكان، "لماذا تضطَّهِدُني؟" كانت الرسالَةُ المُوجَّهَةُ بِوُضُوح من يسُوع إلى شاُول هي التالية: "عندما تضطَّهِدُ هذه الكنيسة أنت تضطهِدُني أنا شخصيَّاً."

فأجابَ شاوُل الطرسوسي بالسؤال، "من أنت يا رَبّ؟" فهوَ لم يكُن يعرِف حتَّى معَ من يتكلَّم، ولكنَّهُ عرفَ أنَّ الذي يُكلِّمُهُ هو رَبُّهُ، فسألَ.

في حادِثةِ توبَةِ بُولُس الرسول العظيمة، نجدُ إيضاحاً رائعاً يُساعِدُنا على فهمِ مفهوم الوداعَة. فمن خِلالِ هذا القصَّة نفهَمُ أنَّ الوداعة تعني أن يكونَ الإنسانُ مُروَّضاً. فعندما يكونُ هُناكَ حصانٌ بَرِّيٌّ، لم يسبِق لأحدٍ  أن وضعَ رسغاً في فمِهِ، ولِجاماً على رأسِهِ، وسرجاً على ظهرِهِ، ينبَغي أن يتمَّ ترويضُ هذا الحصان. وعندما يتمُّ ترويضُهُ، وعندما يصِلُ إلى مرحَلَةٍ يكُفُّ معها عن مُقاومة الرسغِ واللجام، بل يمشي بموجَبِ توجيهاتِهما، لا يُصبِحُ هذا الحصانُ ضعيفاً، بل وديعاً. فالحَيوانُ المُرَوَّض هو حيوانٌ وَديع.

عندما قالَ المسيحُ المُقام لِشاوُل الطرسوسي: "صَعبٌ عليكَ أن ترفُس مناخِس،" قصدَ بِقَولِهِ هذا، "لماذا تُقاوِمُ الرسغ؟ فسوفَ يُمزِّقُ فمَكَ. إنَّ هذا قاسٍ جدَّاً عليكَ." تُشيرُ هذه الصورَةُ المجازيَّةُ إلى أنَّه قبلَ إختِبار طريقِ دمشق، كانَ الروحُ القُدُس يتعامَلُ معَ شاوُل الطرسوسي، مُتكلَّماً إليهِ من خِلالِ شهادَةِ إستفانُوس والمُؤمِنينَ الآخرينَ الذي إضطَّهَدَهُم شاوُل. ويُظهِرُ لنا شاوُل أنَّهُ قبِلَ وضعَ الرَّسغِ وَالرَّسن وأصبحَ وديعاً، بمُجرَّدِ سؤالِهِ، "يا رب، ماذا تُريد منِّي أن أفعَل؟" (العدد 6).

عندما كتبَ بُولُس هذه الرسائل، أخبَرَنا بُولُس أكثرَ من كُلِّ الآخرين ما عمِلَهُ اللهُ لمنحِنا الخلاص من خلالِ المسيح. ولكن، عندما إلتَقى بيسوع، لم يكُنْ سُؤالُهُ، "ماذا ستعمَلُ من أجلي يا رب؟" بل كانَ سُؤالُهُ، "يا رب، ماذا تُريدُ منِّي أن أفعَل من أجلِكَ؟"

عندما تجدَّدَ شاول الطرسُوسي على طريقِ دمشق، تغَيَّرَتْ نظرَةُ بُولُس للحَياة ب
ِشكلٍ دراماتِيكيّ. ومن بينِ التغييرات العديدة، غيَّرَ شاوُل إسمَهُ. كانَ إسمُ بُولُس العِبري هو شاوُل، الذي يعني "القادِر" أو "العظيم." عندما تجدَّدَ، قرَّرَ أن يستخدِمَ الإسمَ الروماني "بُولُس" الذي يعني "الصغير" أو "الحقير" أو الصِّفر أو اللاشَيء.

لرُبَّما كانَ الدافِعُ وراءَ هذا الأمر أنَّهُ كُلِّفَ بالوُصُولِ إلى المُؤمنين من غيرِ اليَهُود عبرَ الأمبراطُوريَّةِ الرُّومانية. وبما أنَّهُ وُلِدَ كمُواطِنٍ رُومانيّ وأرادَ أن يكُونَ للكُلِّ كُلَّ شَيءٍ، لَرُبَّما كانَ قرارُهُ بإستِخدامِ إسمهِ الرُّوماني ستراتيجيَّاً. ولكن ليسَ بإمكانِنا تَجَاهُلَ كون إسم شاوُل يعني الجَبَّار أو العظيم، وبُولُس يعني "الصغير أو اللاأحد." عندما تجدَّدَ شاوُل وأصبَحَ بُولُس، إختَبَرَ بِوُضُوح ما تعنيهِ عِبارَة "مِسكين بالرُّوح." (متَّى 5: 3).

فيما بعد، كتبَ بُولُس للفِيليبِّيين، "كانت لديَّ أُمورٌ أسعَى وراءَها، لأنَّها كانت تعني لي الكثير. ولكن عندما إلتَقيتُ بيَسُوع، أصبَحَتْ هذه الأُمُورُ لا تَعني شيئاً بالنسبَةِ لي. بالحقيقة، إعتَبَرتُ هذه الأُمور نِفايَةً بالمُقارَنة معَ الأُمُور التي لم تكُن تعني لي شيئاُ قبلَ أن ألتَقيَ بالمَسيح على طريقِ دِمشق – مثل أن أعرِفَهُ وأكتَشِفَ ماذا يُريدُ منِّي أن أفعَل – هذه الأُمور الجديدة أصبَحَت شُغلي الشَّاغِل." (فيلبِّي 3: 1- 11).

المُهمُّ فيما يتعلَّقُ بالإختِبار هو ليسَ تفاصيل إختِبارِنا، بَل نتائج إختبارنا. فالإختِبارُ ليسَ غايَةً بحدِّ ذاتِها، بل وَسيلَةٌ تُؤدِّي إلى غايَة. الإختِبارُ هُوَ بِبَساطَة بابٌ نجتازُهُ لنُصبِحَ خُدَّاماً أفضل للمسيح. في سفرِ الأعمال، يُخبِرُ بُولُس بتفاصيلِ إختبارِهِ على طريقِ دِمشق بضعَ مرَّاتٍ. وما يكتُبُهُ للفِيلبِّيِّين يُشدِّدُ على نتائج إختِبارِهِ على طريقِ دِمشق.

بعضُ المُؤمنين هُم كما أُسمِّيهم أنا، مُؤمنون نَّفعِيُّون. فالمنفَعة هي شيءُ نستَخدِمُه. والمُؤمنونَ قد يستَخدِمُونَ الله كما نستَخِدُم نحنُ أحياناً الماء، الشمعة، الكهرباء، الدرَّاجة، أو الباصّ في المدينة. فمن حَيثُ لا ندري، قد نُصبِحُ أتباعاً للمسيح لأنَّنا نعتَقِدُ أنَّهُ سوفَ يجِدُ حَلاً لمشاكِلنا. بالطبع، عندما نتبَعُ المسيح، سوفَ يجدُ حُلولاً لمشاكِلِنا الأكثَر صُعُوبَةً. ولكن دَعُوني أَسأَلَكُم سُؤالاً: إذ تَتبَعُونَ المسيح، هل أنتُم تسأَلُونَهُ ماذا سيفعَلُ من أجلِكُم، أم أنَّكُم مثل بُولُس تَسألُونَ ربَّكُم ومُخَلِّصَكُم ماذا بإمكانِكُم أن تعمَلُوا من أجلِه؟

بعدَ قِصَّةِ تجديد بُولُس، نقرَأُ عمَّا يُمكِن أن نُسمِّيَهُ "مُتابَعة" تجديده. ذهبَ الربُّ إلى تلميذٍ إسمُهُ حنانِيَّا، وطلبَ منهُ أن يُعمِّدَ شاوُل الطرسوسي. لقد دَبَّ الرُّعبُ في قَلبِ هذا الرجُلِ الشيخ عندما سمِعَ إسم شاوُل الطرسُوسي. فأجاب، "يا رَبّ، قَد سَمِعتُ من كَثيرين عن هذا الرَّجُل كم من الشُّرُور فعلَ بِقِدِّيسيك في أُورشَليم. وههُنا لهُ سُلطانٌ من قِبَلِ رُؤساء الكهنة أن يُوثِقَ جَميعَ الذي يَدعُونَ باسمِكَ. فقالَ لهُ الربُّ اذهَبْ. لأنَّ هذا لي إناءٌ مُختارٌ ليَحمِلَ إسمي أمامَ أُمَمٍ ومُلوكٍ وبَني إسرائيل." (أعمال 9: 13- 15).

إذا تكلَّمنا مَجازِيَّاً نقُول أنَّ اللهَ فتحَ دَرْجَاً وأظهَرَ لحَنانِيَّا خُطَّتَهُ لِحَياةِ شاوُل الطرسُوسيّ. لاحِظوا أنَّ اللهَ لم يفعَلْ هذا لشاوُل. بل كانَ كُلَّ ما قالَهُ لهُ، "قُم وإذهَب إلى دِمشق، وعندما تصِلُ إلى هُناك، أقولُ لكَ ماذا أُريدُ منكَ أن تفعَل." (العدد 6) إنَّ التطبيقَ التعبُّديّ لنا هُنا، هو أنَّ اللهَ يستطيعُ أن يُظهِرَ لنا كامِلَ خُطَّتِهِ لحياتِنا إذا شاء. ولكنَّهُ عادَةً لا يفعَلُ هذا. بل يُظهِرُ مشيئتَهُ لنا كما فعلَ لِشاوُل، يوماً بعدَ الآخر وخطَّةً بعدَ الأُخرى.

من أجمَلِ كلماتِ سفر أعمالِ الرُّسُل هي الكلمات التي قالَها حنانِيَّا عندما ذهبَ إلى المنزِل حيثُ كانَ شاوُل الطرسُوسِي ينتَظِرُهُ. فسُرعانَ ما فهِمَ حنانِيَّا أنَّ هذا العَدُو اللدُود للكنيسة قد تجدَّدَ، قالَ لَهُ، "أيُّها الأخُ شاوُل." ما نَراهُ هُنا هو ما تتمحوَرُ حولَهُ كنيسَةُ يسوع المسيح: نعمَة الله التي تُغيِّرُ حياةَ الناس!


إختِبار بُولُس في الصحراء

عندما نقرَأُ قصَّةَ إختِبارِ تجديد بُولُس، نُواجِهُ صُعُوبَةً في الترتيبِ الزَّمَنيّ. نأخُذُ إنطِباعاً أنَّهُ سُرعانَ ما تجدَّدَ بُولُس، حتَّى بدَأَ بالوعظِ بِشجاعَة بإسمِ يسُوع المَسيح في دمشق وأُورشَليم. ولكن، علينا أن نُدخِلَ فترَةً إنتِقالِيَّة كبيرة بينَ تجديد بُولُس وبينَ خدمتِهِ في الوعظ. علينا أن نأخُذَ بالحِسبان ما قالَهُ بُولُس للغلاطيِّين عن ذهابِهِ إلى العَرَبِيَّة، بعدَ أن تجدَّدَ (غلاطِية 1: 11- 21).

يختَلِفُ المُفسِّرُون حولَ طُول المُدَّة التي قضاها بُولُس في العَرَبِيَّة، ولكنَّ مُعظَمَهُم يتَّفِقُ أنَّهُ يقُولُ أنَّهُ كانَ هُناكَ على الأقَلّ لمُدَّةِ ثلاثِ سنوات. يقُولُ بُولُس أنَّ المسيحَ المُقام قضى معَهُ هُناكَ ثلاثَ سنوات، وعلَّمَهُ كُلَّ الأشياء التي دوَّنَها في رسائِلِهِ، والتي تُشكِّلُ نِصفَ العهدِ الجديد. وبعدَ ذلكَ يبدُو أنَّهُ رجعَ إلى دِمشق، والأرجح إلى مدينَتِهِ طرسُوس.

يُخبِرُنا بُولُس أنَّهُ بعدَ تجديدهِ بأربَعَة عشر عاماً، صَعِدَ إلى أُورشَليم وإلتَقَى بباقِي الرُّسُل للمرَّةِ الأُولى (غلاطِية 2: 1- 10). يبدو أنَّ بُولُس أقنَعَهُم أنَّهُ قضى معَ يسُوع مُدَّةَ ثلاث سنين في البَريَّة، تماماً كما كانت الحالُ معهُم سابِقاً. لا بُدَّ أنَّهُ أخبَرَ الرُّسُل أُمُوراً عن يسُوع، وحدَهُ الذي قضى وقتاً معَ يسُوع يستطيعُ أن يعرِفَها. عندها فقط قرَّرُوا أنَّهُ بإمكانِ بُولُس أن يكرِزَ بالإنجيل للعالمِ الأُمَمِيّ، وأما باقي الرُّسُل فكرزوا لليَهُود.

لو توقَّفَ الأمرُ عليَّ، لما كُنتُ تصرَّفتُ بهذه الطريقة. لكُنتُ أرسَلتُ بُولُس، مُعلِّم النامُوس والعلاَّمة اليهودي، إلى اليهود، ولكنتُ أرسلتُ صَيَّادي السماك أمثال بطرُس، يعقُوب، ويُوحنَّا، إلى الأمُم البَرابِرة. ولكنَّ اللهَ لا يعمَلُ الأُمور على طريقَتِنا. بل يبدو أنَّهُ يُسَرُّ بإستِخدامِ أشخاصٍ عادِيِّين ليعمَلَ أُموراً غير إعتِيادِيَّة. لقد أرسَلَ مُعلِّمَ النامُوس المُتجدِّد إلى الأُمَم البرابِرة، وأرسَلَ الرُّسُلَ الأُمِّيِّين إلى مُعلِّمي النامُوس وعُلماء الدين.

النصف الأَوَّل من سفرِ الأعمال تقريباً يُقدِّمُ بُطرُس كالرسُول القائد، وباقي السفر يُبرِزُ حياةَ وخدمة بُولُس الرسُول. وبينما تقرأُون قِصَّةَ تجديد بُولُس في هذا السفرِ التاريخيّ، لا تنسُوا أن تقفِزوا لتقرأُوا ما يقُولُهُ عن إختِبارِهِ في الصحراء، في الإصحاحَين الأَوَّلَين من رسالتِهِ إلى أهلِ غلاطية. عندما يُصرِّحُ بُولُس بهذه الأُمور في غلاطية، يقودُنا إلى إقتناعٍ راسِخٍ بِصحَّتِها عندما يقُول، "أمامَ الله أنا لا أكذِب."

عليكُم أن تتَّخِذُوا قراراً حِيالَ بُولُس. فإمَّا أن يكُونَ بُولُس كاذِباً، أو أن يكُونَ رَسُولاً. يقُولُ أنَّهُ تَعِبَ وأثمَرَ أكثَرَ من باقي الرُّسُل (1كُورنثُوس 15: 9، 10). إنَّ الحقيقَةَ التي لا تُنكَر هي أنَّهُ كانَ أكثَر إثماراً من باقِي الرُّسُل. فلقد قامَ بِكِتابَةِ نصف أسفار العهدِ الجدي تقريباً، والتي سنقُومُ بدَرسِها عندما ننتَهي من دراسَةِ سفرِ الأعمال. إحتَفِظوا بحُكمِكُم على بُولُس إلى أن تكُونُوا قد قرأتُم وتأمَّلتُم بمُحتَوى رسائلِهِ المُوحاة بعُمق.

لقد بدأتُ أقرأُ الكتابَ المقدَّس عام 1949، وذلكَ بِقراءَةِ النِّصف الثاني من سفرِ الأعمال، إستِعداداً لدراسَةِ رسائل بُولُس المُوحى بها من الله. ولقد أصبَحتُ مُقتَنِعاً بعُمق أن وحدَهُ المسيحُ المُقامُ كان قادِراً أن يُوحِيَ لرَجُلِ اللهِ المُمَيَّز هذا، الحقيقَةَ السامِيَة التي أخذتُ أكتَشِفُها عبرَ عشراتِ السنين في رسائِلِ بُولُس المُوحَى بها.


لِقاءُ بَرنابا

يُرَكِّزُ لُوقا قبلَ كُلِّ شَيء على خدمَةِ كُلٍّ من بطرُس وبُولُس، بينما يكتُبُ تاريخَهُ للجيل الأوَّل للكنيسة. ولكن، بالإضافَةِ إلى هذين القائدين العَظيمَين، هُناكَ عدَّةُ أشخاصٍ آخرين يعتَقِدُ أنَّهُ علينا أن نعرِفَ عنهُم، لِكي نُقدِّرَ بدايات كنيسة المسيح الحَيّ المُقام. أحدُهم هو رجُلٌ إسمُهُ برنابا، ويعني إسمُهُ "إبن التشجيع." (أعمال 4: 36).

وإقتداءً بما فعلَهُ يسُوع معَ الكثيرين، غيَّرَ الرُّسُلُ إسمَهُ من يُوسُف إلى برنابا، الأمرُ الذي يُعبِّرُ عن نمُوذج موهِبَتِهِ الرُّوحيَّة وخدمتِهِ. وسوفَ نجدُهُ دائماً يعيشُ على مُستَوى هذا الإسم الجديد الذي أُعطِيَ لهُ، داعِماً الآخرينَ بأمانَةٍ، ومُشجِّعاً إيَّاهُم ليعمَلُوا ما دعاهُم إليهِ الرَّبُّ يسُوعُ المَسيح.  لقد كانَ برنابا هُوَ الشخص الذي شجَّعَ بُولُس للإنطلاق إل خدمتِهِ الإرساليَّة العجيبة.

نقرَأُ أنَّهُ كانَ يعمَلُ في الكنيسة في أنطاكيا، مُتَلمِذاً الكثير من المُؤمنينَ الجُدُد. ولقد إختَبَرَت الكنيسةُ نُمُوَّاً كبيراً في عددِ المُؤمِنين لأنَّ الرُّوحَ القُدُس كانَ يعمَلُ هُناكَ بِقُوَّة. لقد كانَ هُناكَ عدَّةُ مُهتَدِينَ جُدُد، ممَّا جعلَ برنابا يُدرِكُ أنَّ الكنيسةَ هُناكَ كانت تحتاجُ إلى مواهِبَ التعليم الفريدة وغير الإعتِيادِيَّة التي كانت يتحلَّى بها مُعلِّمُ النامُوس المُتَجدِّد، شاوُل الطرسُوسي. لهذا ذهبَ برنابا إلى طرسُوس وفتَّشَ إلى أن وجدَ بُولُس، ومن ثمَّ أتَى بهِ إلى أنطاكيا وأقامَهُ على خدمةِ التعليمِ هُناكَ. نقرَأُ أنَّ برنابا توسَّطَ أمامَ باقِي المُؤمين، من أجلِ هذا الذي كانَ عدُوَّ الكنيسة سابِقاً، ولكنَّ المُؤمنينَ كانُوا شديدي الحذَر من مَجيءِ بُولُس إلى أنطاكِيا (أعمال 9: 26).

علينا أن نَتَذَكَّرَ أنَّهُ لما كانَ هُناكَ من يُسمَّى بالرسُول بُطرُس لو لم يكُن هُناكَ شخصٌ يُدعى أندراوُس. فأندراوُس هُوَ الذي أتى بأخيهِ سِمعان وعرَّفَهُ إلى يسُوع. ونرى أندراوُس مُجدَّداً وهُوَ يَعمَلُ عملاً فرديَّاً، آتِياً بأشخاصٍ إلى المسيح، خاصَّةً عندما إكتَشَفَ الصبيّ الصغير، الذي قدَّمَ زَادَهُ المُؤلَّفَ من خمسة أرغِفَة وسَمَكَتين، التي أطعمَت آلاف الجائِعين. بنفسِ الطريقة، بإمكانِنا القَول أنَّ بُولُس ما كانَ ليتمتَّعَ بخدمتِهِ العظيمة لولا إبن التشجيع هذا، الذي هُوَ برنابا.

لقد أُرسِلَ كُلٌّ من بُولُس وبرنابا من قِبَلِ كنيسةِ أنطاكيا ليشرَعا معاً برحلاتِهِما الإرساليَّة المُثمِرة (أعمال 13: 1-3). ولكن، بينما كانا على وَشَكِ الإبحارِ في رحلةٍ تبشيريَّةٍ ثانِيَة، وقعَ بينَهُما خِلافٌ حادّ، أدَّى إلى إنهاءِ عملِهِما معاً كَفَريق من تِلميذَين مَرتَبِطَينِ معاً تحتَ نيرِ المسيح. فلقد أرادَ برنابا أن يأخُذَ معَهُ إبنَ أُختِهِ يُوحنَّا مرقُس، إلى تِلكَ الرحلة الإرساليَّة الثانِيَة. لقد سبقَ ورافَقَهُما يُوحنَّا مرقُس في رحلتِهِما الإرساليَّة الأُولى، ولكنَّهُ تركَهُما عندما بدَأَ الإضطِّهاد. لهذا عارَضَ بُولُس أخذَ يُوحنَّا مرقُس ثانِيَةً.

لقد كانَ الخلافُ بينَ بُولُس وبرنابا حادَّاً لدَرجَة أنَّهُما إفترقا عن بعضِهما البعض. فأخذَ بُولُس سيلا وسافَرَ في إتِّجاهٍ مُعَيَّن؛ أمَّا برنابا فأخذَ يُوحنَّا مرقُس وسافَرَ في إتِّجاهٍ آخَر. نعرِفُ من تاريخِ الكَنيسة أنَّهُ بمعنَىً ما، كانت أصعَبُ المشاكِل التي واجَهَها المُرسَلُون، مُوجَّهَةً من مُرسَلينَ آخرين. فإبليس يعرِفُ أنَّنا لن نتمكَّنَ من ربحِ العالم إذا خَسِرنا بعضُنا بعضاً. لهذا وضعَ يسُوعُ هذا التشديد الكبير على العمل على تحسينِ علاقتنا معَ أخينا (متَّى 5: 23، 24؛ 18: 15- 17).

على أيَّةِ حال، من المُهِمِّ أن نقرَأَ بعض كَلِمات بُولُس الرسُول الأخيرة التي كتبَها من زنزانَةٍ في سجن  Mamertineالمُرعِب في رُوما. إنَّها مُوجَّهَةٌ إلى تيمُوثاوُس: "أحضِرَ معكَ يُوحنَّا مرقُس. أنَّهُ نافِعٌ للخِدمة." ما هي القِصَّة الكامِنة وراءَ هذا الشاب، ليُصبِحَ "نافِعاً للخدمة؟" يعتَقِدُ المُفسِّرُونَ أنَّ الجوابَ على هذا السُّؤال هُوَ أنَّ برنابا تابعَ بخدمَةِ التشجيع ليُوحنَّا مرقُس، أمَّا بُولُس ففقدَ الأملَ منهُ. وهكذا أصبَحَ يُوحنَّا مرقُس الشخص الذي كتبَ الإنجيلَ الثاني، لأنَّ برنابا كانَ "إبن التَّشجيع."

دائماً كانَ يُوجدُ في الكنيسةِ، ماضِياً وحاضِراً ومُستقبَلاً، أشخاصٌ كثيرون يحتاجُونَ من يُشجِّعُهُم ويخدُمُهم على صَعيدٍ فَردِيّ. هل أنتَ راغِبٌ بأن تكُونَ مُتوفِّراً لمُساعَدَةِ هكذا شخص؟ إن كُنتَ مُؤمِناً جديداً، فأنتَ تحتاجُ إلى برنابا. وإن كُنتَ مُؤمِناً ناضِجاً، عليكَ أن تُشجِّعَ وترعى شخصاً مثل يُوحنَّا مرقُس. فكما تتوفَّرُ لكَ الفُرصَة، وكما يُرشِدُكَ الرُّوحُ القُدُس، دائماً إتبَعْ مِثالَ برنابا، وشجِّع أولئكَ الذين يُحيطُونَ بكَ – خاصَّةً المُؤمنينَ الجُدُد – ليكُونُوا كما يُريدُهم رَبُّهُم ومُخَلِّصُهم أن يكُونُوا عليهِ.