تفاسير

الفَصلُ السابِع "وعظُ بُولُس" - بُولُس في أفسُس

القسم: سفر الأعمال ورسالة رومية.

فهرس المقال

بُولُس في أفسُس

لقد كانت خدمَةُ بُولُس العظيمة في مدينَةِ أفسُس هي إتمامُهُ لِرغبَتِهِ بإيصالِ الإنجيل إلى آسيا. في أفسُس، دخلَ بُولُس في مجالِ خدمةِ مُثمِرَةٍ جداً في تأسيسِ الكنائِس. يعتَقِدُ المُفسِّرُون أنَّ الكنيسةَ التي تأسَّسَت في أفسُس أصبَحت الكَنيسة الأُمّ التي وُلِدَت منها ستَّةُ كنائِس أُخرى، التي نراها مذكُورَةً في سفرِ الرُّؤيا. فكنائِسُ برغامُس، ثِياتِيرا، سميرنا، فيلادِلفِيا، لاوُدكِيَّة، وساردِس، لرُبَّما كانت مراكز تبشيريَّة أسَّستها كنيسَةُ أفسُس. إنَّ رسالَةَ بُولُس إلى أهلِ كُولُوسي لَرُبَّما وُجِّهَت إلى كنيسةٍ كانت أيضاً إبنَة كنيسةَ أفسُس.

أحد أسباب كون الكنيسة التي تأسَّست في أفسُس مُثمِرَةً إلى هذا الحدّ، هُوَ أنَّ بُولُس أسَّسَ فيها مدرَسَة لاُهوت. نقرَأُ أنَّهُ علَّمَ "في مدرَسَة تيرانُّوس لمُدَّةِ سنتَين." (أعمال 19: 10). تُخبِرُنا إحدى المخطُوطات القديمة أنَّهُ كانَ بإمكانِ بُولُس أن يستَعيرَ مبنى هذه المدرسة ويُعلِّم فيها من الحادِيَة عشرة صباحاً وحتَّى الخامِسة مساءً من كُلِّ يَوم، أي في الوقت الذي لم تكُن المدرَسَةُ تُستَخدَمُ فيه. ففي هذا الجزء من العالم، يتوقَّفُ نهارُ العمَل لبِضعِ ساعاتٍ من قَيلُولَةِ العصرِ، عندما يكُونُ الطقسُ حارًّاً، ممَّا يُوقِفُ الصُّفُوف.

لرُبَّما درَّبَ بُولُس رُعاةَ هذه المراكِز التَّبشيريَّة في تلكَ المدرسة. إنَّ مدرسَةَ الله هذه تُفسِّرُ لماذا بَقِيَ بُولُس في أفسُس لأكثَرِ من ثلاثِ سنوات، هذه المُدَّة التي كانت أطوَل  من تِلكَ التي قضاها في أيٍّ من المُدنِ الأُخرى التي أسَّسَ فيها كنائِس. لقد كانت الكنيسةُ في أَفَسُس قد تعلَّمت الكَثير بِعُمق من خِلالِ هذا الراعي والمُعلِّم، لدرجةِ أنَّهُ يُذكِّرُهم في النِّصفِ الأوَّل من رسالتِهِ الرائِعة للأفسُسِيِّن بما سبقَ وعلَّمَهُم بهِ.

إحدى أكثر المُلاحظات تأثيراً حِيالَ بُولُس وخدمتِهِ في سفرِ الأعمال التاريخي هذا، نجدُها في الإصحاح العشرين. لقد كانَ بُولُس على طريقَهِ إلى أُورشليم، حيثُ أوضَحَ الرُّوحُ القُدُسُ أنَّهُ سيتمُّ توقِيفُهُ هُناك، وسوفَ يُقَيَّدُ ويُضرَب (أعمال 20: 22- 24). عندما وصلَ إلى مكانٍ يُسمَّى مِيليتُس، بالقُربِ من أفسُس، أَدرَكَ أنَّهُ لن يكُونَ مُجدَّداً قريباً من هؤلاء المُؤمنين، الذي وضعَ فيهم الكثير من الجُهد في خدمتهِ معهُم. لهذا أرسلَ بطلبِ شُيوخِ كنيسةِ أفسُس، وهُناك، على شاطِئِ ميليتُس، أعطاهُم خَطَابَهُ الوداعِي. لقد كان كلماتُ بُولُس الأخيرة لهؤلاء الشيُوخ هي: "والآن أستَودِعُكُم يا إخوَتي لله ولِكَلِمَة نعمتِهِ القادِرة أن تَبنِيَكُم وتُعطِيَكُم مِيراثاً معَ جميعِ المُقدَّسين. فِضَّةَ أو ذهَبَ أو لِباسَ أحدٍ لم أشتَهِ. أنتُم تعلمُونَ أنَّ حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتها هاتانِ اليَدان. في كُلِّ شيءٍ أريتُكُم أنَّهُ هكذا ينبَغي أنَّكُم تتعَبُونَ وتعضُدُونَ الضُّعَفاء مُتَذَكِّرينَ كَلِماتِ الرَّبّ يسوع أنَّهُ قالَ: مغبُوطٌ هُوَ العطاءُ أكثَر من الأخذ." (أعمال 20: 32- 35).

بما أنَّ بُولُس دعَمَ نفسَهُ في أفسُس، لم يستَطِعْ أحدٌ أن يتَّهِمَهُ بالوعظِ والتعليمِ لِقاءَ أُجرَةٍ أو عطايا أرادَ الحُصُولَ عليها منهُم. بالواقِع، لم يدعَمْ بُولُس نفسَهُ فحسب، بل ودعمَ كُلَّ فريقه الإرساليّ أيضاً، لأنَّهُ أرادَهُم أن يتعلَّمُوا حقيقَةَ كلمات يسوع، "مغبُوطٌ هُوَ العطاءُ أكثر من الأخذ." إنَّ تصريحَ يسُوع هذا ينبَغي أن يُمثِّلَ دافِعنا للعملِ الشاق. فإن كُنَّا نعمَلُ عملاً شاقَّاً ونَكسَبُ المال، سيكُونُ لدينا شيءٌ نُعطيه، ولهذا سيكُونُ بإمكانِنا أن نتعلَّمَ هذه "التطويبة التاسِعة" من يسُوع.

عندما أخبَرَ بُولُس هؤلاء الشُّيُوخ أنَّهُم لن يرَوا وجهَهُ ثانِيَةً، "كانَ بُكاءٌ عظيمٌ من الجَميع ووَقَعُوا على عُنُقِ بُولُس يُقَبِّلُونَهُ." (37) إنَّ هذه هي نظرَةٌ جميلة لعبارَة Koinonia, أو الشركة الحميمة التي نجدُها في الجيلِ الأوَّل من الكنيسة.

أضف تعليق


قرأت لك

زهرة صغيرة

جلس أحد المؤمنين وهو متعب تحت شجرة صنوبر ضخمة في غابة موحشة. وبعد قليل اشتم رائحة عطرية فتعجّب من وجود هذه الرائحة الذكية في غابة موحشة مثل هذه. ثم نظر حوله فوجد بجانبه زهرة مختفية وسط الطحالب. وشكر الرب لأجل هذه الزهرة التي لا يعتد بها أحد والتي أوصلت البهجة الى نفسه. وقد تعلم هذا المؤمن درسا بواسطة تلك الزهرة الصغيرة. وفكر ان كان لا يستطيع ان يكون شجرة صنوبر عظيمة، فيمكنه ان يكون زهرة صغيرة ينشر رائحة المسيح الذكية في هذا العالم الموحش.