تفاسير

الفَصلُ الثالِث "أربَعةُ مُلوك وأربَعةُ نوامِيس"

القسم: سفر الأعمال ورسالة رومية.

فهرس المقال

يُلَخِّصُ بُولُس حُجَّةَ إصحاحاتِهِ الأربَعة الأُولى في العددِ الأوَّل من الإصحاحِ الخامِس حيثُ يقُول: "فإذ قد تبرَّرنا بالإيمان، لنا سلامٌ معَ الله بِرَبِّنا يسُوع المسيح." إذ يُقدِّمُ بُولُس ثاني أربعة إصحاحات من القضيَّة التي يطرَحُها، يُتابِعُ القول في العددِ التالي: "الذي بهِ أيضاً قد صارَ لنا الدُّخُول بالإيمان إلى هذه النِّعمة التي نحنُ فيها مُقِيمُون ونَفتَخِرُ على رَجاءِ مَجدِ الله." (رومية 5: 1، 2) فإيمانُنا بِصَليبِ المسيح يُبَرِّرُنا ويُعطينا سلاماً معَ الله. والإيمانُ يُعطينا أيضاً وُصُولاً إلى النعمة التي تُمكِّنُنا من الوُقُوفِ من أجلِ المسيح في هذا العالم، وأن نحيَا حياةً تُرَفِّعُ يسُوع وتُمجِّدُ الله.


أربَعَةُ مُلُوك

الآن وقد تبرَّرنا بالإيمان، كيفَ نعيشُ كأُناسٍ أُعلِنوا أبراراً؟ يبدَأُ بُولُس جوابَهُ على هذا السؤال بتَعليمٍ يُمكِنُ تَسمِيتُهُ "المُلوك الأربَعة." (5: 12 – 21) بإمكانِنا أن نُسمِّي الملك الأوَّل "الملك خَطيَّة". نقرَأُ أنَّ الملك خَطِيَّة دخَلَ هذا العالم و"تكاثَرَ" أو "إنتَشَرَ إلى كُلِّ الناس." (12) لقد تجنَّبَ بُولُس الدخُول في جدَلٍ فلسَفي حولَ كيفَ أو لماذا دخلت الخطيَّةُ إلى العالم. بل كتبَ بِبَساطَة أنَّ الخَطِيَّةَ دخلت، تكاثَرت، وسادَت.

ثُمَّ جاءَ الملِكُ مَوت مُباشَرَةً بعدَ الملك خَطِيَّة. يُخبِرُنا بُولُس لاحِقاً أنَّ، "أُجرَةَ الخَطيَّة هي مَوت." (6: 23). الخَطِيَّةُ دائِماً لها عواقِبُها، وهذه العواقِبُ غيرُ حَميدَةٍ أبداً. إحدى هذه العواقِب هي حرفِيَّاً الموت. فالموتُ هوَ أيضاً صُورَةٌ مجازِيَّاً تعني أنَّ الخطيَّة تقتَضي دائماً أُجرَةً رهيبَة. عاجِلاً أم آجِلاً سوفَ نجلِسُ جميعاً على مائِدَةِ عواقِبِ خطايانا. فالمَلِكُ مُوت دائِماً يتبَعُ الملك خَطِيَّة.

المَلِكان الأوَّلان هُمَ الأخبارُ السيِّئة، أمَّا الملِكانِ التالِيَان فهُما الأخبارُ السارَّة. بحَسَبِ بُولُس، هُناكَ مَلِكٌ آخر دخلَ وتكاثَر وسادَ في الحياة، وإسمُهُ يسُوعُ المسيح. فالملك يسُوع غلبَ الملك خَطيَّة على الصليب، وغلبَ الملك مَوت عندما قامَ من الموت.

ثُمَّ لدى بُولُس المزيد من الأخبارِ السارَّة. فالمَلِكُ الرابِعُ هوَ الملك أنتَ. بالإيمان، تستَطيعُ أن تدخُلَ الحياةَ في المسيح. بإمكانِكَ أن تفيضَ في المسيح بالإيمان. وأولئكَ الذين يدخُلُونَ إلى الحياة في المسيح، ويقبَلونَ بالنعمَةِ والإيمان عطيَّةَ البِرّ، سوفَ "يملِكُونَ في الحياةِ بالواحِد، يسُوع المسيح." بِكلماتٍ أُخرى، من المُمكِن لكَ ولي أن ندخُلَ بالإيمانِ إلى المسيح، بطريقَةٍ تجعَلُنا نملِكُ في الحياة من خِلالِه (5: 17). قالَ يسُوعُ المسيح، "جئتُ لتكونَ لهُم حَياةٌ، وليَكُونَ لهُم أفضَل." (يُوحنَّا 10: 10). يُخبِرُنا بُولُس ببساطَة كيفَ ندخُلُ إلى هذه الحياة الفَيَّاضَة في المسيح.

إنَّ هؤُلاء المُلوك الأربَعة هُم غالِبُون. لا نستطيعُ أن نتعايَشَ معَ الخَطيَّة، تماماً كما لا نستطيعُ التعايُشَ معَ السرطانِ الخَبيث. فالخَطيَّةُ ستغلِبُنا بإرسالِها الملك مَوت. ولكن عندما ندخُلُ بالإيمانِ والنِّعمَةِ إلى حياةٍ فيَّاضَةٍ في المسيح، سوفَ نكُونُ غالِبينَ على الخطية وفيَّاضِينَ بالحياة. عندما يختُمُ بُولُس هذا الجزء من حُجَّتِهِ في الإصحاحِ الثامن، يُعلِنُ أنَّهُ بإمكانِنا أن نكُونَ أعظم من مُنتَصِرين على الخطيَّةِ وفي الحياة (8: 37).


أربَعةُ نَوامِيس

إنَّ الصورَةَ المجازِيَّةَ عن المُلوكِ الأربَعة تبدَأُ حُجّةَ المجمُوعَةِ الثانِيَة من الإصحاحاتِ الأربَعة من الرسالة. هؤُلاء المُلوك الأربعة يُحضِّرُونَنا لنسمَعَ عن النواميس الرُّوحيَّة الأربَعة التي يُبرِزُها بُولُس في آخِرِ إصحاحَين من هذ القِسم الثاني (5- 8). فإن كُنَّا سنتعلَّمُ كيفَ نكُونُ مُنتَصرينَ في المسيح، علينا بِبَساطَة أن نتعلَّمَ هذه النواميس الروحيَّة الأربعة.

النامُوسُ الأوَّلُ هُوَ "نامُوسُ الله." (7: 1- 6) إنَّ كَلِمَةَ الله هي مُعجِزَةٌ عظيمة. فالإيمانُ يأتي بسماعِ كلمةِ الله، وكلمةُ الله هي البذرةُ غير القابِلة للفَساد، والتي تُولِّدُ حياةً رُوحِيَّةً فينا (رُومية 10: 17؛ 1بطرُس 1: 22، 23).

إنَّ نامُوسَ الله يُظهِرُ بِوُضُوح النامُوسَ الرُّوحي الثاني، الذي هُوَ، "نامُوسُ الخَطيَّة والمَوت." إنَّ هذا النامُوس الروحي الثاني هو ذلكَ النامُوس الروحي المُطلَق والذي لا يُمكِن إنكارُهُ، أنَّ الخطيَّةَ دائِماً لها عواقِبُها (7: 7- 25). بحسب يعقُوب، إنَّ كَلِمَةَ الله هي مثلُ مِرآة (يعقُوب 1: 23). إنَّ عمَل المِرآةِ هو أن تُظهِرَ لنا الشوائِبَ في مظهَرِنا، لكي نُصَحِّحَها قبلَ أن نخرُجَ إلى الخارِج ونُقابِلَ الناس. بنفسِ الطريقة، فإنَّ كلمةَ الله تُظهِرُ لنا الخطيَّةَ في حياتِنا، لِكَي ننتَصِرَ عَليها قبلَ أن نتعامَلَ معَ الآخرين. فحتَّى ولو لم يكُن النظرُ إلى المِرآة يُرضينا، ولكن كم واحدٍ منَّا يتخلَّصُونَ من كلِّ مِرآةٍ في المنزِل؟

وكما معَ المُلوك الاربَعة، أوَّلُ نامُوسَين رُوحِيَّين يُعلِنانِ الأخبارَ السيِّئة، أمَّا النامُوسُ الثالِثُ والرابِع فيُعلِنانِ الأخبارَ السارَّة. يُسمِّي بُولُس نامُوسَهُ الروحي الثالِث "نامُوس رُوح الحياة في المسيح." (8: 1- 4) يُعلِنُ لنا الأخبارَ السارَّة أنَّ هذا النامُوس قادِرٌ أن يُحَرِّرَنا من "نامُوس الخَطيَّةِ والموت."

تماماً كما أنَّ قانُون الطيران النفَّاث Aerodynamics يَغلِبُ قانُونَ الجاذِبِيَّة، ويُمكِّنُ طائِرَة الرُّكَّاب الضخمة من أن تُقلِعَ من مدرَجِ الطيران وتُحلِّق، كذلكَ "نامُوس روح الحياة في المسيح" هُوَ نامُوس أو قانُون "الطيران النفَّاث الرُّوحي" الذي يُمكِّنُنا من التحليقِ والإرتِفاع فوقَ "نامُوس الخَطيَّة والمَوت."

إن كانَ هذا صحيحاً وهُوَ كذلكَ, فلماذا يقضِي الكثيرونَ منَّا رُوحيَّاً وقتاً طويلاً وكأنَّنا نقُودُ طائِراتٍ مزَوَّدَةً بمُحرِّكاتٍ جبَّارة، ولكنَّنا لا نُقلِعُ ولا نُحلِّقُ ولا نطير؟ فحتَّى ولو قَبِلنا الرُّوح القُدُس، فلماذا لا نرتَفِعُ ونتغلَّبُ على "نامُوس الخَطيَّة والمَوت؟"

إنَّ الجَوابَ على هذا السُّؤال يُقدِّمُنا إلى النامُوس الرُّوحي الرابِع، الذي هُوَ "نامُوس العَقليَّة الرُّوحيَّة." كتبَ بُولُس يقُول: "فإنَّ الذينَ هُم حسبَ الجسد فبِما للجسَدِ يهتَمُّون ولكنَّ الذين حسبَ الرُّوح فبِما للرُّوح. لأنَّ إهتِمامَ الجَسَد هُوَ مَوتٌ ولكنَّ إهتِمامَ الرُّوح هُوَ حياةٌ وسلامٌ." (8: 5- 8) إن كُنَّا لا نتخطَّى "نامُوس الخَطيَّة والمَوت" في حياتِنا، فهذا لأنَّنا جعَلنا عقليَّة "الإهتِمام بالجَسد" تتحكَّمُ بنا."

إحدى أعمَق تعاليم يسُوع يُمكِن تسمِيتُها "نامُوس العقليَّة الرُّوحيَّة." لقد علَّمَ يسُوعُ أنَّ الفَرقَ بينَ حياةٍ مملووءة بالسعادة وحياة مملووءَة بالحُزن هو الطريقة التي نرى بها الأُمور (متَّى 6: 22، 23). فالقادَةُ الرُّوحِيُّون والأبطالُ الرياضِيُّون والقادَةُ والدبلوماسِيُّون في أعمالِ العالم، يُعلِّقُونَ أولويَّةً كُبرى على أهمِّيَّةِ حِيازَةِ العقلِيَّةِ أو الذهنيَّة الصحيحة.

تأمَّل بِرُوحِ الصلاة بهذه النواميس أو المبادِئ الرُّوحِيَّة الأربَعة. ثُمَّ، إسأَل نفسَكَ هذا السؤال: ما هي ذهنيَّتي أو طريقَةُ تفكيري اليوم؟ "إنَّ نامُوسَ العقليَّةِ الروحيَّة" بإمكانِهِ أن يُحدِّدَ أيَّ مبدأٍ أو نامُوس سيسُودُ في حياتِكَ: "نامُوس روح الحياة في المسيح،" أو "نامُوس الخَطيَّة والموت."

أضف تعليق


قرأت لك

الإنطلاق نحو الهدف

"ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكنّ واحدا يأخذ الجعالة. هكذا اركضوا لكي تنالوا" (1 كورنثوس 9-24). العالم يركض ويتنازع ويتهافت والأشخاص تزاحم بعضها البعض تريد ان تتلمس بصيص من نور وتسأل أين الهدف وأين الطريق؟