تفاسير

الإصحاحُ الثالِث المحَبَّةُ التي تُواجِهُ

القسم: رسالتا كورنثوس الأولى والثانية.

فهرس المقال

بينما كانَ بُولُس يُخبِرُ الكُورنثُوسيِّين أن لا ينقَسِموا بسببِ قادَتِهم، أعطاهُم تعليمَاً عن الحُكمِ أو الدينُونة: "وأمَّا أنا فأقَلُّ شَيءٍ عندي أن يُحكَمَ فيَّ مِنكُم أو من جِهَةِ بَشَرٍ. بَل لستُ أحُكُم في نفسي أيضاً. فإنِّي لَستُ أشعُرُ بِشَيءٍ في ذاتِي. لَكِنَّني لستُ بِذلكَ مُبرَّراً. ولكنَّ الذي يحكُمُ فيَّ هُوَ الرَّبُّ. إذاً لا تَحكُمُوا في شَيءٍ قبلَ الوَقت حتَّى يأتِيَ الرَّبُّ الذي سيُنيرُ خفايا الظَّلام ويُظهِرُ آراءَ القُلوب. وحينئذٍ يكُونُ المَدحُ لِكُلِّ واحِدٍ من الله." (1كُورنثُوس 4: 3- 5).


حولَ الحُكمِ على قَلبِ الإنسان...

كَثيرونَ من الكُورنثُوسيِّين كانُوا يتعاطَفونَ في حُكمِهم على بُولُس، واضِعينَ إيَّاهُ فوقَ القادَةِ الآخرينَ في كنيستِهم. ولكنَّ بُولُس أخبَرَهم أنَّ حُكمَهُم لا يعنِي لهُ إلى القَليل، لأنَّهُ لم يشعُرْ أنَّهُ ولا حتَّى هُوَ مُؤهَّلٌ ليحكُمَ على نفسِهِ، فكيفَ يقبَلُ حُكمَ الآخرينَ عليه. شعرَ أنَّهُ غيرُ قادِرٍ على الحُكمِ على الدوافِعِ الخفيَّة الكامِنة في قَلبِهِ، وطبَّقَ عدَمَ القُدرَةِ هذه على الآخرينَ جميعاً. وبما أنَّ قلبَ الإنسان هُوَ غالِباً أعمَق من معرِفَتِهِ هُوَ، علَّمَ بُولُس أنَّهُ علينا أن نترُكَ الحُكمَ على قُلوبِنا لله.


حولَ الحُكمِ على أعمالِ الإنسان...

بما أنَّنا لا نعرِفُ دوافِعَ قُلوبِنا، فكيفَ يُمكِنُنا إذاً أن نعرِفَ الدوافِعَ في قُلوبِ الآخرين؟ بَينَما علَّمَنا بُولُس أن لا نحكُمَ على الدوافِعِ القَلبِيَّة عندَ الآخرين، فإنَّ هذا التعليم لا يعني أنَّهُ لا يَحِقُّ لنا بتاتاً أن نحكُمَ على الآخرين. بل ينطَبِقُ فقط على حُكمِنا على الدوافِعِ الكامِنة في قَلبِ الآخر.

في الإصحاحِ الخامِس من هذه الرِّسالة، إنتَهَرَ بُولُس نفسَ الأشخاص لعدَمِ حُكمِهِم على الذين كانَ ينبَغي أن يحكُمُوا عليهم – أي الرجُل الذي كانَ يُساكِنُ زوجَةَ أبيهِ في علاقَةٍ غير أخلاقِيَّة. لقد إنتَهَرَ بُولُس هؤُلاء الكُورنثُوسيِّين لأنَّهُ لم يحكُمُوا على هذا الإنسان. عبَّرَ بُولُس عن هذا الموضُوع كالتالي: "كتبتُ إليكُم في الرِّسالَةِ أن لا تُخَالِطُوا الزُّناة. ولَيسَ مُطلَقاً زُناةَ هذا العالم أوِ الطمَّاعِينَ أوِ الخاطِفِين أو عبدة الأوثان وإلا فيلزَمُكُم أن تخرُجوا من العالم. وأمَّا الآن فكَتَبتُ إليكُم إن كانَ أحدٌ مَدعُوَّاً أخاً زانِياً أو طمَّاعاً أو عابِدَ وَثَن أو شتَّاماً أو سِكِّيراً أو خاطِفاً أن لا تُخالِطُوا ولا تُؤاكِلوا مثلَ هذا. لأنَّهُ ماذا لي أن أدينَ الذين من خارِج. ألستُم أنتُم تدينُونَ الذين من داخِل. أمَّا الذين من خارِج فاللهُ يدينُهم. فاعزِلُوا الخَبيثَ من بَينِكُم." (1كُورنثُوس 5: 9- 13)

في هذا المقطَع، نتعلَّمُ أنَّ الحُكمَ ينطَبِقُ على الذين هُم داخِل الكنيسة وخارِجها. فليسَ علينا أن نحكُمَ على الذين هُم من خارِج، أو أن ننفَصِلَ عنهُم بسببِ أعمالهم المُشينة. فإذا إنفصَلنا عنهُم نِهائِياً، لن نتمكَّنَ أبداً من مُشارَكَةِ الإنجيل معهُم. فبدلَ ذلكَ، علينا أن نترُكَ دَينُونَةَ غير المُؤمنين لله، وأن نُتابِعَ مُشارَكتَهُم النعمَة التي يُقدِّمُها المسيح. أمَّا فيما يتعلَّقُ بالذين هُم داخِل الكنيسة، الذين يعتَرِفُونَ بأنَّ الرُّوحَ القُدُس يحيا داخِلَهُم ليُعَلِّمَهُم ويُسدِّدَ خُطاهُم، فعَلَينا أن نُواجِهَهُم إن كانَت أعمالُهم لا تنسجِمُ معَ ما يدَّعُونَ بأنَّهُم يُؤمنونَ بهِ. ولكن، فيما يختَصُّ بالرَّجُلِ غير الأخلاقِي الذي كانَ داخِلَ الكنيسة، إعتَبَرَ بُولُس المُؤمنين الكُورنثُوسيِّين غيرَ مسؤُولِينَ بالصمتِ عن حُكمِهم على هذا الرجُل.


حولَ معرِفَةِ الوقتِ المُناسِب للمُواجَهة...

من الواضِح أنَّ الكتابَ المقدَّس لا يُعلِّمُ أنَّهُ من المُحظَّرِ علينا أن نحكُمَ على الآخرين. مُؤمنُونَ كثيرونَ يُحِبُّونَ أن يستشهِدوا بأقوالِ يسُوع عندما نُواجِهُهم بمحبَّة. فيقُولون، "قال يسُوع، لا تَدينُوا." هاتان الكلمتانِ كانتا الجزء الأوَّل من جُملَةٍ كامِلة قالَها يسُوعُ عنِ الحُكمِ على الآخرين. ولكن في الواقِع، قالَ يسُوعُ الكَثير عن الحُكمِ على الآخرين، بقدَ أن قالَ "لا تَدينُوا." لقد علَّمَ يسُوعُ أنَّهُ علينا أن لا نحكُمَ على أعمالِ الآخرين، قبلَ أن نحكُمَ على أعمالِنا. (متَّى 7: 1- 5) ولكن فوقَ ذلكَ، من مسؤوليَّتِنا كأعضاء في عائِلة الله، أن نُواجِهَ أولئكَ الذي يُؤذُونَ أنفُسَهُم أو الآخرينَ داخِلَ جسدِ المسيح. (متَّى 18: 15؛ غلاطِية 6: 1).

عندما حضَّ بُولُس المُؤمنينَ الكُورنثُوسيِّين أن يُواجِهُوا الرجُل الذي كانَ يعيشُ في الخَطِيَّة، وضعَ الحاجَةَ للمُواجَهة في إطارٍ مَحدُود. أوَّلاً، أنَّ الرجُل كانَ يُتابِعُ العَيش في الخَطيَّة. لم تكُنِ الحالُ أنَّهُ إقتَرَفَ خَطِيَّةً مرَّةً واحِدَةً ثُمَّ تابَ عنها مُباشَرةً. بل، كانَ يُتابِعُ إقتِرافَ الخَطيَّة ولم يُظهِر أيَّةَ علامَةٍ تُشيرُ إلى رغبتِهِ بإيقافِها. وعلى الرُّغمِ من أنَّهُ لا تُوجَدُ خطيَّةٌ أكبَر من غُفرانِ الله، فإنَّ اللهَ لن يغفِرَ لشخصٍ يرفُضُ أن يعتَرِفَ بِخَطِيَّتِهِ وأن يتوبَ عنها. وبما أنَّ هذا الرجُل لم يُظهِر أيَّةَ علامَةٍ للتوبَةِ ولا أيَّةَ رغبَةٍ بالتغيير، نصحَ بُولُس أن يُفرَزَ من الجَسَد، الأمرُ الذي كانَ نُقطَةَ بُولُس الثانِيَة في الإصحاحِ الخامِس من هذه الرِّسالة: إنَّ المُؤمِنَ الذي لا يرغَبُ بالتَّوبَةِ عن خطيَّتِهِ ينبَغي أن يُفرَزَ من جسدِ الكنيسة.


حولَ التحلِّي بالدافِعِ الصحيح...

إنَّ دافِعَ المُواجَهة ينبَعُ من المحبَّة. فنحنُ نُواجِهُ إخوتَنا وأخواتِنا الذين يعيشُونَ في الخطيَّة، لأنَّنا نُحِبُّهُم لدرجة أنَّنا لا نستطيعُ أن نقِفَ مكتُوفي الأيدي، ونتفرَّجَ عليهم وهُم يستَمرُّونَ في تَدمِيرِ علاقتِهم معَ المسيح، ومعَ أنفُسِهم، ومعَ الآخرين. وهدفُنا في المُواجَهة هُوَ أن نرى المُؤمِنَ يرجِعُ إلى جسدِ المَسيح، كما يُعلِّمُ إنجيلُ متى 18 ورسالة غلاطية 6. فنحنُ نُعيدُهم إلى الكنيسة "بِرُوحِ الوَداعَة" (غلاطية 6: 1)، واللهُ يُعيدُهم "بإهدائِهم في سُبُلِ البِرِّ من أجلِ إسمِه." (مزمُور 23: 3).

إنَّ مُواجَهة أخٍ أو أُختٍ في الرَّبّ بسبب أعمالِهم التي تُظهِرُ عيشَهم في الخَطيَّة، هُوَ أمرٌ صعبٌ ولكنَّهُ ضَروريٌّ وجوهَرِيّ. إنَّ ستراتيجيَّتَنا لإعادَتِهم إلى الشَّرِكة معَ الرَّبِّ ومعَ جسدِ المسيح، تكُونُ بمُساعَدَتِهم على فهمِ مقِدارِ الأذى الذي تُلحِقُهُ تصرُّفاتِهم بِحَياتِهم وعلاقتِهم. ويَصِحُّ هذا بِشكلٍ خاصّ عندما تتعلَّقُ الخطيَّةُ بالخَيانَةِ الزوجِيَّة.

إنَّ الخَطِيَّةَ في حَياةِ المُؤمِن تُؤثِّرُ أيضاً على شهادَتِهِ لِغَيرِ المُؤمِنين، وشهادَتِنا لهُم أيضاً. الكثيرُ من غيرِ المُؤمنين يعتَقِدُونَ أنَّ المسيحيِّينَ مُراؤُون. فعندما يرَونَ مُؤمِناً يعيشُ في الخطِيَّة، سوفَ يُصَنِّفُونَ هذا المُؤمن كمُرائِي، وسوفَ تكُونُ لديهِم حُجَّةٌ إضافِيَّةٌ لرفضِ الإنجيلِ والخَلاص. وإذا رأَونا نتعاطَى معَ هذا المُؤمن، وأدرَكُوا أنَّنا لا نُحرِّكُ ساكِناً حيالَ خطيَّته، سوفَ يُصنِّفُونَنا كمُرائِينَ أيضاً. فمن أجلِ الخَيرِ الرُّوحي لأخينا وأُختِنا في جسدِ المسيح، ومن أجلِ شهادَةِ كُلِّ مُؤمِنٍ في كنيستِنا، من الضرورِيّ لنا أن نُواجِهَ إخوتِنا وأخواتِنا بمحبَّةٍ ووَداعَة، واضِعينَ إعادَتَهم للمسيح وإلى الجسد في مُقدِّمَةِ رغبتِنا بالمُواجَهة.

أضف تعليق


قرأت لك

ويمكث يسوع في قلبك وفي بيتك!

فاجأ الرب يسوع زكا رئيس العشارين، بقراره ان يمكث في بيته وبإعلانه عن خلاص اهل بيته.... كان زكا رئيس للعشارين الذين يجبون الضرائب من الشعب اليهودي للسلطة الرومانية، فكان زكا