تفاسير

الفَصلُ الرَّابِع دَليلُ الزَّواج - لا تحرُمُوا بعضُكُم البعضَ الآخر

القسم: رسالتا كورنثوس الأولى والثانية.

فهرس المقال

"لا تحرُمُوا بعضُكُم البعضَ الآخر..."

إنَّ العلاقَةَ الجَسَديَّةَ بينَ الرَّجُلِ والمرأَةِ مقصُودٌ منها التكاثُر، ولكن أيضاً منحَ اللذَّةِ للشريكَين. ولقد أيَّدَ بُولُس هذه الفكرة بالقَول: "لِيُوفِ الرجُلُ المرأَةَ حقَّها الواجِب وكذلكَ المرأَةُ أيضاً الرَّجُلَ. ليسَ للمرأةِ تسلُّطٌ على جَسَدِها بَلْ للرَّجُل. وكذلكَ الرَّجُلُ أيضاً ليسَ لهُ تسَلُّطٌ على جَسَدِهِ بل للمرأة. لا يسلُبْ أحدُكُم  الآخر إلا أن يكُونَ على مُوافَقة إلى حِينٍ لِكَي تتفرَّغُوا للصَّومِ والصلاة ثمَّ تجتَمِعُوا أيضاً معاً لكي لا يُجرِّبَكُم الشيطانُ لسببِ عدَمِ نزاهَتِكُم." (3- 5)

قبلَ هذا المقطَع ببِضعَةِ أعدادٍ، خاطَبَ بُولُس الأشخاصَ العازِبينَ قائِلاً، "حسَنٌ للرَّجُلِ أن لا يَمَسَّ إمرأَة" (1)، ولكنَّ هذا لا ينطَبِقُ بالطبع على المُتزوِّجِين. فبِحَسَبِ هذا المقطع، ينبَغي أن يُركِّزَ الجِنسُ على الشريكِ الآخر وأن يسعى ليُرضِيَ الآخَر. فعلى الزَّوج أن يسعى ليُرضِيَ زوجَتَهُ، وعلى الزَّوجة أن تسعى لتُرضِيَ زوجها، وينبغي أن لا يحرِما بعضُهُما البَعضَ من العلاقَةِ الجسَدِيَّةِ الحَميمَة.

إنَّ حُدُودَ العلاقَةِ الجِنسيَّةِ في الزواج ليسَت حولَ ما هُوَ صوابٌ أو خطأ، طَبيعيٌّ أَو غير طَبيعِيّ. إن الكَلِمة المِفتاحِيَّة هُنا هي "التَّبادُل." فأَيُّ شيءٍ يفعَلُهُ الشريكانِ الزَّوجِيَّان ليُرضِيَ كُلٌّ مِنهُما الشريكَ الآخر، لا يُقاسُ بمعايير الصوابِ والخَطأ. الأمرُ المُهِمُّ هُنا هُو المُبادَلة. قالَ بُولُس أنَّ السببَ الوحيد الذي من أجلِهِ يحِقُّ للزَّوجِ أو للزَّوجَةِ أن يتوقَّفا عن العلاقَةِ الجِنسيَّةِ، هو إذا قرَّرا الإنصِرافَ إلى الصومِ والصلاةِ لِفَترَةٍ ما، وهذا القَرار ينبَغي أن يكُونَ بإتِّفاقٍ مُتبادَل من الطرَفَين.

إنَّ هذا لا يُظهِرُ لنا فقط حُدُودَ الإمتِناع عن العلاقَةِ الجسديَِّةِ الحميمة، بل ويُظهِرُ أيضاً نوعَ العلاقَةِ الرُّوحِيَّة التي يشتَرِكُ بها الزوجُ والزوجَةُ. فعلى الرُّغمِ من كَونِهِما مُتَزوِّجَينِ ويشتَرِكانِ بِوحدَةٍ جسديَّةٍ أمامَ الله، ولكنَّهُما لا يزالانِ يتمتَّعان، كُلُّ منهُما بمُفرَدِهِ، بِعلاقَةٍ مُستَقِلَّةٍ معَ الله. إنَّ العلاقَةَ الأكثر حميميَّةً في هذه الحياة ليسَت العلاقةُ الزوجِيَّة، بَل هي علاقتُنا معَ الله. إنَّ النَّاس سوفَ يُناقِشُونَ علاقاتِهم الزَّوجِيَّة بحُرِّيَّةٍ أكثر ممَّا يُناقِشُونَ علاقاتِهم معَ الله.

يُعلِّمُنا هذا المَقطَعُ أيضاً أنَّ أفضَلَ طريقَةٍ للحِمايَةِ ضدَّ الخطيَّةِ الجنسيَّة اللاأخلاقيَّة، هو أن يتمتَّعَ الشريكانِ بالإرضاءِ المُتبادَل من علاقتِهما الجنسيَّة في زواجِهما. لقد كانت مدينَةُ كُورنثُوس غارِقَةً في اللاأخلاقِيَّة، ولِهذا رَغِبَ بُولُس أن يُعلِّمَ المُتزوِّجين أن يُرضُوا كُلٌّ منهُما الرغبَةَ الجِنسيَّةَ عندَ الشريكِ الآخر داخِلَ المنزِل، لكي يُحصِّنا أنفُسَهما من التجارِب. إنَّ العلاقَةَ الجسديَّة المُشبِعة والقَويَّة هي أفضَلُ دفاعٍ ضدَّ التجارِب اللاأخلاقيَّة.

أضف تعليق


قرأت لك

الفصل الخامس: عقيدة الثالوث الأقدس

يُقرّ المسيحيون بأنّ للذّات الإلهية أسرارها، كما يسلّمون بعجز عقولهم عن إدراك إعلانات الله عن ذاته وثالوثه إدراكا كاملاً، لأنه إن جاز لهم ذلك يكون الخالق الغير محدود قد حدّ بالعقل المحدود. لذا فهم يحنون تلك العقول خضوعاً "لسرّ الله الآب والمسيح المذّخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كولوسي 2: 2و3).