تفاسير

الفَصلُ التاسِع رِسالَةُ بُولُس الثانِيَة إلى أهلِ كُورنثُوس

القسم: رسالتا كورنثوس الأولى والثانية.

فهرس المقال

أوراقُ إعتِمادِ الخادِم

(2كُورنثُوس 1-6)

كتبَ بُولُس رسالتَهُ الأُولى إلى أهلِ كُورنثُوس من أفسُس، وأرسَلَها لهُم بِيَدِ تيطُس. فأخذَ تيطُس الرِّسالَةَ إلى الكُورنثُوسيِّين وبقِيَ معَهُم ليشرَحَ لهُم مُحتَوى الرِّسالة ويُدافِعَ عنها أمامَ أُولئكَ الذين كانُوا مُتورِّطِينَ في المشاكل التي عالجتها الرسالة. في هذه الفترة، لَزِمَ على بُولس أن يختُمَ إقامتَهُ في أفسُس والتي إستَمرَّت ثلاث سنين ونِصف، بسبب قِيام ثَورَة ضدَّ خدمة بُولُس في تِلكَ المدينة (أعمال 19). فإنتَقَلَ بُولُس إلى ترواس، ومن ثَمَّ إلى فيلبِّي، حيثُ إنتظَرَ تيطُس ليرجِعَ حامِلاً معَهُ أخباراً من كُورنثُوس عن كيفيَّة تجاوُبِ الكُورنثِيِّينَ معَ رسالتِهِ الأُولى لهُم.

كانَ مُعظَمُ الأخبارِ جيِّداً. ولقد عامَلَ الكُورنثِيُّونَ تيطُس بمحبَّةٍ وعطف، وكُلّ ما حضَّهُم عليهِ بُولُس في رسالتِهِ الأُولى ليعمَلُوهُ، أطاعُوهُ. ولكنَّ بعضَ الأخبار لم تكُن سارَّة. فبعضُ الأشخاص في الكنيسة بدأُوا يُهاجِمُونَ رسُوليَّةَ بُولُس، وآخَرُونَ إنتَقَدُوا قُدُرَاتِهِ على الكلامِ والوعظ، وآخَرُونَ ظَنُّوا أنَّهُ كانَ غيرَ مُختَلِّ التوازُن عقليَّاً، أو أنَّهُ خارِج محورَ ذاتِهِ. (2كُورنثُوس 5: 13) وفوقَ ذلكَ، كثيرونَ منهُم شعَرُوا بالإهانَة أنَّهُ لم يأتِ هُوَ شخصيَّاً لزِيارتِهم. ولكنَّ هذه الإنتقادات لم تَنقُضْ أيَّةَ نُقطَةٍ من النُّقاط التي شدَّدَ عليها بُولُس في رسالتِهِ، لأنَّ منطِقَهُ كانَ غيرَ قابِلٍ للرَّفض. وبدَلَ ذلكَ هاجَمُوا بُولُس نفسَهُ. وعندما سَمِعَ بُولُس بهذه الأُمُور، كتبَ لهُم رسالتَهُ الثانِيَة.

الإصحاحاتُ الستَّةُ الأُولى من كُورنثُوس الثانِيَة تُعرِّفُ مُؤهِّلاتِ الخادِم أو أوراق إعتِمادِه، بما أنَّ هذا المَوضُوع كان الإتِّهام الرئيسيّ الذي تمسَّكَ بهِ أعداءُ بُولُس ضِدَّهُ. لقد ظَنُّوا أنَّهُ غَيرُ أَهلٍ لدَورِ الرسُول، ولهذا غيرُ أهلِ لتصحيحِ أخطائِهم. فكتبَ بُولُس هذه الرِّسالة لكَي يُدافِعَ عن رسُوليَّتِهِ ودَورِهِ كخادِمٍ للإنجيل. لِهذا يُمكِنُنا أن نجمَعَ مبادِئَ هامَّةً عن مُؤهِّلاتِ الخادِم من كَلِماتِ بُولُس الرسُول.

فأُولئكَ المدعُوُّونَ للخدمَةِ الرَّعَويَّةِ اليوم يُعتَبَرُونَ خُدَّاماً للإنجيل. ولكن، عندما إستخدَمَ بُولُس كلمة خادِم، لم يَكُنَ يُشيرُ إلى رَجُلِ الدين، بل إلى الخدمة التي إليها دُعِيَ كُلُّ تلميذٍ حقيقيٍّ ليَسُوع المسيح.

يُعلِّمُنا الإصحاحُ الرابِعُ من رسالَةِ بُولس الرسُول إلى أهلِ أفسُس أنَّ أُولئكَ المَدعُوِّينَ كمُبَشِّرينَ ورُعاةٍ ومُعلِّمين، أُعطُوا هذه المواهِب "لتكميلِ القدِّيسين لعَمَلِ الخدمة." (أفسُس 4: 12) (فعندما كانَ المُؤمِنُونَ يتقدَّسُونَ، أو يتخصَّصُونَ لإتِّباعِ المسيح، دعاهُم بُولُس بالقِدِّيسين.) بِكلماتٍ أُخرى، إنَّ وصفَ عملَ الرَّاعي/المُعلِّم هي لتأهيلِ من يُدعَونَ "بالعِلمانِيِّين" لعملِ الخدمة. إنَّ عملَ الخِدمَة ليسَ حصراً على المُحتَرفينَ فقط، مثل الخُدَّام الرَّعَويِّين، ولكنَّهُ لكُلِّ أعضاءِ الكنيسَةِ المحلِّيَّة. بمعنىً ما، كُلُّ أعضاءِ الكنيسة هُم خُدَّامٌ في كَنيستِهم.


تَدريبُ الخادِم

وَصَفَ بُولُس كيفَ يُدرِّبُنا اللهُ لنكُونَ خُدَّامَهُ. إحدَى الطُّرُق التي يستَخدِمُها لهذا الغرض، هِي من خِلالِ تعليمِنا كيفَ نُعزِّي الآخرين الذين يتألَّمُون. وهُوَ يفعَلُ هذا عندما يسمَحُ بأن نتألَّمَ نحنُ أوَّلاً: "مُبارَكٌ اللهُ أبُو رَبِّنا يسُوع المسيح أبُو الرَّأفَة وإلهُ كُلِّ تَعزِيَة. الذي يُعزِّينا في كُلِّ ضيقَتِنا حتَّى نستطيعَ أن نُعَزِّيَ الذين هُم في كُلِّ ضِيقَة بالتَّعزِيَة التي نتعزَّى نحنُ بها من الله." (2كُورنثُوس 1: 3- 4)

فعندما نتألَّمُ، نقتَرِبُ من الله ونكتَشِفُ أنَّهُ هُوَ بنفسِهِ مصدَرُ تعزِيَتنا التي نحتاجُها في أزمِنَةِ ضِيقاتِنا. وبأخذِنا التعزِيَة من المُعزِّي الحقيقيّ، نتأهَّلُ لنُعزِّيَ الآخرينَ في آلامِهم. وهكذا نُصبِحُ من خِلالِ ألَمِنا وإكتشافِنا خُدَّاماً مُؤهَّلِينَ للتعزِيَة، وشُهوداً مُوثُوقاً بنا للتعزِيَةِ التي إكتَشفناها عندما كُنَّا مُتألِّمين. فالمُبَشِّرُ هُوَ مُتَسوِّلٌ يُخبِرُ باقي المُتَسوِّلينَ عن مكانِ وُجُودِ الخُبز. فخادِمُ التعزِيَة، كما يُعرِّفُهُ بُولُس، هُوَ قَلبٌ مُتَألِّمٌ يُخبِرُ القُلوبَ الأُخرى المُتألِّمَة عن مكانِ وُجُودِ التعزِيَة.

بعدَ أن وصفَ بُولُس مُؤهِّلات الخادِم الذي يستخدِمُهُ الله، دافَعَ عن مِصداقِيَّةِ خدمتِهِ بإخبارِهِ الكُورنثِيِّينَ عن آلامِهِ في لِسترة، حيثُ رُجِمَ بقَسْوَةٍ حتَّى قارَبَ الموت:

"فإنَّنا لا نُريدُ أن تَجهَلُوا أيُّها الإخوة من جِهَةِ ضيقَتِنا التي أصابَتنا في أسيَّا أنَّنا تثقَّلنا جِدَّاً فوقَ الطاقَة حتَّى أيِسنا من الحياةِ أيضاً. لكن كانَ لنا في أنفُسِنا حُكمُ المَوت لِكَي لا نكُونَ مُتَّكِلينَ على أنفُسِنا، بَل على الله الذي يُقيمُ الأَموات. الذي نجَّانا من مَوتٍ مثل هذا وهُوَ يُنجِّي. الذي لنا رَجاءٌ فيهِ أنَّهُ سيُنَجِّي أيضاً فيما بَعدُ." (2كُور 1: 8-10)

كانَ بُولُس يُبرهِنُ مِصداقِيَّتَهُ كخادِمٍ للإيمان. إفتَتَحَ رسالتَهُ بِشرحِ كيفَ يَقُودُنا الألَمُ إلى الله ويُؤهِّلُنا لنكُونَ خُدَّامَ تعزِيَة، وأظهَرَ لنا كيفَ كانَ مُؤهَّلاً ليكُونَ خادِماً بهذهِ الطريقة. ففي لٍِسترة، سمحَ اللهُ لبُولُس بأن يتألَّمَ إلى ما بعدَ درجة الإحتِمال –حتَّى يئِسَ من الحياة- لكي يتعلَّمَ أن يثِقَ باللهِ وليسَ بنفسِهِ. وسُرعانَ ما تعلَّمَ أن لا يَثِقَ بنفسِهِ، حتَّى تعلَّمَ أيضاً أنَّ اللهَ وحدَهُ يستطيعُ أن يُقيمَ الأموات، وأن يُنقِذَهُ من هذا الإختِبار الذي لا بُدَّ أنَّهُ كانَ مَهُوباً. يعتَقِدُ البعضُ أنَّ بُولُس يُخبِرُنا هُنا أنَّهُ إختَبَرَ الموتَ والقِيامة عندما رُجِمَ في لِسترى. وآخَرُونَ يعتَقِدُونَ أنَّهُ يستَخدِمُ لُغَةً مجاِزيَّةً تصويريَّةً في هذه الأعداد.


عَمَلُ الخادِم

ما هُوَ عملَ الخادِم؟ أجابَ بُولُس على هذا السُّؤال قائِلاً: "ولكن شُكراً لله الذي يَقُودُنا في مَوكِبِ نُصرَتِهِ في المسيحِ كُلَّ حِينٍ ويُظهِرُ بِنا رائِحَةَ مَعرِفَتِهِ في كُلِّ مكانٍ. لأنَّنا رائِحَةُ المسيحِ الذَّكِيَّة للهِ في الذين يخلُصُونَ وفي الذين يهلِكُون. لِهَؤُلاء رائِحةُ موتٍ لِمَوت ولأولئكَ رائِحَةُ حياةٍ لِحَياة." (2كُورنثُوس 2: 14- 16)

بحَسَبِ بُولُس، كخُدَّامٍ للإنجيل، نحنُ نُشبِهُ الأزهار التي تنضَحُ برائِحَةِ المسيحِ الزَّكِيَّة حيثُما نذهَبُ. هذه الرائِحة، إمَّا تُقرِّبُ الآخرينَ للخلاص والحياةِ الأبديَّة، أو تُبعِدُهُم عنها بِإتِّجاهِ المَوت. إذ رَفَضُوا رائحتَنا، فإنَّهُم بذلكَ يرفُضُونَ المسيح، وسوفَ تقُودُهم طريقُهم إلى الموت. ولكن إذا جُذِبُوا للمسيحِ من خِلالِ رائِحَةِ المسيح التي هي نحنُ، سيجِدُونَ خلاصَ المسيح والحياة الأبديَّة.

إنَّ ثِقلَ هكذا مسؤولِيَّة دفعَ بُولُس ليسألَ، "ومن هُوَ كُفؤٌ لهذه الأُمور؟" (16) فنحن لسنا كُفؤاً لنصنعَ الفرقَ بينَ الحياةِ الأبديَّة والمَوتِ الأبديّ للناسِ الذين نلتَقي بهم في حياتِنا، ولكنَّ اللهَ هُوَ الكُفؤ: "ليسَ أنَّنا كُفاةٌ من أنفُسِنا أن نفتَكِرَ شيئاً كأنَّهُ من أنفُسِنا، بل كِفايتُنا من الله." (3: 5) فحياةُ الناسِ تتغَيَّرُ من خِلالِ الرُّوحِ القُدُس. ونحنُ لسنا سِوى قَنواتٍ يُمرِّرُ اللهُ من خِلالها الرائحَةَ التي تفَوحُ من المسيحِ الذي تغيَّرَ وغيَّرَ حياتَنا.


ما الذي يُحرِّكُ المُحَرِّك؟ (2كُورنثُوس 5: 13- 6: 1، 2)

عندما دافَعَ بُولُس عن نفسِهِ ضدَّ الإتِّهامِ بأنَّهُ كانَ مُختَلَّ العقل، أو أنَّ ذاتَهُ لم تعُد مِحوَرَ حياتِه، عندها علَّمَ بُولُس عن عملٍ آخر للخادم. في اللُّغَةِ اليُونانِيَّة، يعني الإتِّهامُ المُوجَّهُ ضِدَّ بُولُس أنَّهُ كانَ غَريبَ الأطوار. وكانُوا يتَّهِمُونَ بُولُس بأنَّهُ كانَ يتصرَّفُ من مُنطَلَقِ مِحوَرِ حياةٍ يختَلِفُ عن مِحوَرِ حياتهم. وبما أنَّ هؤُلاء الكُورنثِيِّينَ كانُوا يتمحوَرُونَ حولَ ذواتِهم، وافَقَ بُولُس معَهُم على إتِّهامِهم لهُ بأنَّ ذاتَهُ لم تَعُد مِحوَرَ حياتِه. بل كانَ يعمَلُ من مُنطَلَقِ مِحوَرٍ يختَلِفُ تماماً عن مِحوَرِهم. لقد أصبَحَ المسيحُ هُوَ المِحوَر الذي تتمحوَرُ حولَهُ حياةُ بُولُس الرسُول. هذا ما قصدَهُ عندما كتبَ قائِلاً: "لأنَّنا إن صِرنا مُختَلِّين (لا نتمحوَرُ حولَ ذواتِنا) فَلِلَّهِ." (2كُورنثُوس 5: 13)

إنَّ دِفاعَ بُولُس عن "إختِلالِهِ" كانَ أنَّ محبَّةَ المسيح ودعوتَهُ لخدمتِهِ هُما المحوَر الذي تتمحوَرُ حياتُهُ حولَهُ: "لأنَّ محبَّةَ المسيح تحصُرُنا. إذ نحنُ نَحسِبُ هذا أنَّهُ إن كانَ واحِدٌ قد ماتَ لأجلِ الجميع فالجَميعُ إذاً ماتُوا. وهُوَ ماتَ لأجلِ الجميع كَيْ يعيشَ الأحياءُ فيما بعد لا لأنفُسِهم بَل للَّذِي ماتَ لأجلِهم وقام... إذاً نسعى كسُفراء عنِ المَسيح كأنَّ اللهَ يَعِظُ بنا. نطلُبُ عنِ المسيح تصالَحُوا معَ الله." (5: 14- 15، 20أ)


مُطَلَقاتُ بُولُس الثلاث

بنى بُولُس أعمالَهُ على ثلاثَةِ مُطلَقَاتٍ: أنَّ المسيحَ ماتَ عنِ الجَميع، أنَّ الجميعَ هالِكُون، وأنَّهُ على الجميع أن يسمَعُوا رسالةَ الإنجيل. وإذ أصبَحَ المسيحُ وهذه المُطلَقاتُ الثلاث مِحوَرَ حياةِ بُولُس، عاشَ كرَجُلٍ مُختَلّ التوازُنِ والمِحوَرِ بِحَقّ. (5: 18)


مُستَوياتُ العلاقات

في هذا المقطَع، بالإضافَةِ إلى نافِذَةٍ إلى قَلبِ دافِعِ بُولُس الرَّسُول، لدينا وصفٌ لثلاثَةِ مُستَوياتٍ للنُّضجِ الرُّوحِيّ. هذه المُستَوياتُ الثلاث تَصِفُ علاقتَنا معَ المسيح بثلاثِ طُرُقٍ: بالمسيح، في المسيح، وللمسيح. بالمسيح: تُشيرُ إلى كُلِّ ما لدينا في طريقِ الخلاص والبركاتِ الرُّوحِيَّةِ بالمسيح. في المسيح: تُشيرُ إلى إتِّحادِنا فيهِ، كمنبَعِ كُلِّ ما نحتاجُهُ لنتبَعَ المسيح. هاتَان الكَلِمتان تُشيرَانِ أيضاً إلى إستِسلامِنا المُطلَق لكُلِّ ما هُوَ على قَلبِ المسيح، مثل جميع الهالِكين والذين ينبَغي أن يسمَعُوا رِسالَةَ إنجيلِ الخلاص. لِلمسيح: تُشيرُ إلى دافِعِنا لنحيا حياتَنا بالمسيح وفي المسيح.

أضف تعليق


قرأت لك

خدمة الألسنة

(γλῶσσα)

[1] بالأصل اليوناني تحمل هذه الكلمة معنى:

1-لسان بشكل حرفي, (وتفل ولمس لسانه) مرقس7: 33 + (اللسان..عضو صغير) يعقوب3: 5.

2-لسان بشكل مجازي, (ألسنة منقسمة كأنها من نار) اعمال2: 3.