تفاسير

الفَصلُ الأوَّلُ رِسالَةُ بُولُس إلى أهلِ غلاطية

القسم: الرسائل من غلاطية و حتى فليمون.

فهرس المقال

إنَّ الرسالَةَ التي كتبَها بُولُس للغَلاطِيِّين تختَلِفُ في نَوعِها عنِ الرسائِل التي سبقَ ودرسناها. فالرسالَةُ إلى أهلِ غلاطِية هي الرسالَةُ العاطِفيَّةُ من بَينِ رسائِلِ بُولُس المُوحاة. فعندما كتبَ بُولُس رسالتَهُ إلى الغلاطِيِّين، كانَ غاضِباً. (وقد نكُونُ أكثَرَ دقَّةً إذا قُلنا أنَّ بُولُس كانَ مملوءاً بالإستنكارِ المُقدَّس عندما كتبَ هذه الرسالة.) رُغمَّ أنَّ بُولُس غالِباً ما يُخاطِبُ مشاكِلَ الكنائس في رسائِلِه، ولكن في هذه المُناسَبة، نرى بُولُس ثائِرَ الغَضَب. فبينما يكتُبُ للغَلاطِيِّين، يُواجِهُ مُشكِلَةً أكثَرَ جدِّيَّةً من مُشكِلَة خطايا الكُورنثِيِّينَ.


إنجيلُ الإرتِداد

بينَما تقرَأُ رسالَةَ غلاطية، تُكَوِّنُ فكرَةً عمَّا حصلَ لهَؤُلاء المُؤمنين. فبعدَ أن كرزَ بُولُس بإنجيلِ "الخلاص بالنِّعمة بالإيمان، زائِد لا شَيء، تَبِعَ القادَةُ المَسياوِيُّونَ اليهود في الكنيسة، تبِعُوا تعليم بُولُس هذا للغَلاطِيِّين، مُعَلِّمِينَ المُهتَدِينَ الجُدُد للمسيحيَّة "أنَّ ما أخبَرَكُم بهِ بُولُس صحيح، ولكن لا يُمكِنُكُم أن تخلُصُوا بدُونِ أن تختَتِنُوا، وبدونِ أن تحفَظوا نامُوسَ مُوسى." لقد حاوَلُوا أن يُهَوِّدوا تلاميذ يسُوع المسيح من أصلٍ أُمَمِيّ.


الإنجيلُ المُطلَق

عِندَما سَمِعَ بُولُس أنَّ هذا حدَثَ، وأنَّ الكَثيرَ من الغَلاطِيِّينَ الذين كانُوا مُؤمنينَ كانُوا يُختَتَنُون، كتبَ لهُم هذه الرِّسالة العاطِفيَّة الغاضِبة. فبعدَ تحِيَّةٍ قصيرَةٍ هادِئة، قالَ:

"إنِّي أتَعَجَّبُ أنَّكُم تَنتَقِلُونَ هكذا سَريعاً عنِ الذي دَعاكُم بِنِعمَةِ المسيح إلى إنجيلٍ آخر. ليسَ هُوَ آخر غيرَ أنَّهُ يُوجَدُ قَومٌ يُزعِجُونَكُم ويُريدُونَ أن يُحوِّلُوا إنجيلَ المسيح. ولكن إن بَشِّرناكُم نحنُ أو ملاكٌ من السماءِ بِغيرِ ما بَشِّرناكُم فليَكُن أناثيما. كما سبقنا فقُلنا أقُولُ الآن أيضاً إن كانَ أحدٌ يُبشِّرُكُم بِغيرِ ما قَبِلتُم فليَكُن أناثِيما." (غلا 1: 6- 9)

تعني الكلمةُ اليُونانِيَّةُ الأخيرة "أناثيما": مَلعُوناً. إنَّ هذه لَعِبارَةٌ قاسِيَةٌ جداً، لربَّما أقسى عِبارَة إستخدمها بُولُس في رسائِلِه. يقُولُ بُولُس، "هُناكَ فقط إنجيلٌ واحِدٌ، الإنجيلُ الذي كرزتُ لكُم بهِ. والنَّاسُ الذينَ لَحِقُوا بي وكرزوا بإنجيلٍ آخر، فإنَّ إنجيلَهُم هذا هُوَ تشويهٌ للإنجيل الذي كرزتُ أنا لكُم بهِ أصلاً."

ما يتكلَّمُ عنهُ بُولُس هُنا هُو الإرتِداد. وجدنا هذه الكلمة في أسفارِ النَّامُوس، وفي سِفرِ القُضاة (تثنِيَة 13). يعني الإرتِدادُ، "أن تَقِفَ بَعيداً أو تتراجَعَ عمَّا كُنتَ تُؤمِنُ بهِ أَصلاً." ينظُرُ بُولُس إلى الإرتِدادِ كسرطانٍ رُوحِيّ أَسوَأ من أيَّةِ مُشكِلَةٍ في كنيسةِ كُورنثُوس. لِهذا، بينما كانَ بُولُس يكتُبُ رسالتَهُ إلى الغَلاطِيِّين، واجَهَ إنجيلَ الإرتِداد الذي عُلِّمَ بهِ لِلغَلاطِيِّين، بالإنجيلِ المُطلَق الذي كرزَ لهُم بهِ. وهكذا تُصبِحُ هذه الرِّسالَة تصريحاً غير إعتِيادِيّ عن إنجيلِ النِّعمة الذي كرزَ بهِ بُولُس. إنَّ رسائِلَهُ لأهلِ كُورنثُوس ورُومية وغلاطية، تُوضحُ الإنجيل الذي كرزَ بهِ بُولُس وكلَّفَ بهِ يسُوعُ كنيستَهُ لتُعلِنَهُ لكُلِّ الخَلِيقَة.


رَسُولٌ مُطلَق

في الإصحاحَين الأوَّلَين من رِسالتِهِ، قدَّمَ بُولُس تصريحاتٍ غيرِ إعتِيادِيَّة عن حياتِهِ وخدمتِه. لقد صرَّحَ بأنَّهُ بعدَ توبتِهِ وتجديدِهِ على طريقِ دِمشق، قضى ثلاثَ سنين في العَرَبِيَّة يتعلَّمُ من يسُوع المسيح نفسه. ولقد أعلَنَ أيضاً أنَّهُ بعدَ أربَعَةَ عشرَ عاماً سافَرَ إلى أُورشَليم ونالَ تأيِيدَ يعقُوب، بُطرُس، وقادَة آخرين في الكنيسة، الذين اعتَرَفُوا بهِ كَواحِدٍ منَ الرُّسُل. لقد قرَّرَ الرسُلُ أنَّ بُولُسَ سيحمِلُ الإنجيلَ إلى الأُمَم، وباقي الرسُل سيحمِلُونَ الإنجيلَ إلى اليَهُود (أنظُر غلاطية 2: 7).

إنَّ رِسالَةَ بُولُس للغلاطِيِّين هي الرِّسالَةُ الوَحيدَةُ التي كتبَها بيَدِهِ شخصيَّاً. كَانَ لَدَيهِ كاتِبٌ يُدَوِّنُ ما يُملِيهِ عليهِ بُولُس في باقِي رسائلِهِ، لرُبَّما لأنَّهُ كانَ هُوَ ضَعيفَ النظَر. على الأقل جزءٌ من "شوكَتِهِ في الجسد" كانَ ضَعْفاً في النظَر إلى دَرَجَةٍ تُقَارِبُ العَمَى (2كُورنثُوس 12: 7). لَرُبَّما كانَ بُولُس مُستاءً جِدَّاً عندما كتبَ رسالتَهُ هذه، التي لم يستَطِعْ أن ينتَظِرَ ُوصُولَ كاتِبِهِ ليُملِيَها عليه. لقد كانَ بُولُس عاطِفيَّاً جِدَّاً عندما كتبَ هذه الرِّسالَة لأنَّ رِسالَةَ النِّعمَة التي كرزَ بها أوَّلاً للغَلاطِيِّين، بدَأتُ تُحرَّفُ وتُشوَّهُ.

بإمكانِنا أن نرى أنَّ بُولُس كانَ غاضِباً لأنَّهُ تمَّ تغييرُ رسالة الإنجيل من قِبَلِ البَعض. إقرَأُوا هذه الرسالَة إلى أهلِ غلاطية ثانِيَةً، وانظُرُوا إن كانَ بإمكانِكُم أن تُعرِّفُوا إنجيل الإرتِداد، ومن ثَمَّ الإنجيلَ المُطلَق الذي كرزَ بهِ بُولُس. وهذا سيُساعِدُكم على فهمِ رسالَةِ بُولُس وإنجيلِ المسيح. قارِنُوا الإصحاح الأوَّل من هذه الرِّسالَة معَ الإصحاحِ الأوَّل من رِسالَةِ فيلبِّي. فبما أنَّ بُولُس كانَ في السجن، كانَ الإخوَةُ المُؤمِنُونَ يكرِزُونَ بالإنجيل، لأنَّ بُولُس لم يكُنْ قادِراً أن يَعِظَ. ولقد فَرِحَ بُولُس بأنَّهُ كانَ يُكرَزُ بالإنجيلِ الحقيقِيّ. قارِنُوا هذا معَ الطريقَةِ التي شعرَ بها بُولُس حِيالَ إنجيل الإرتِداد المُشوَّه الذي كُرِزَ بهِ للغلاطِيِّين.


الإنجيلُ المعكُوس

في الإصحاحِ الأوَّل، تعلَّمنا أنَّ إنجيلَ يسُوع المَسيح هو موضُوعُ رسالَةِ بُولُس القَصيرَة إلى أهلِ غلاطِية. في الإصحاحِ الثانِي، نرى تَبيَاناً لما أُسمِّيهِ "الإنجيل المَعكُوس."

إنَّ تعليمَ بُولُس العظيم بالإنجيل يظهَرُ هُنا في إطارِ مُواجَهَةٍ حادَّة بينَهُ وبينَ بُولُس. القَضِيَّةُ هُنا لها علاقَةٌ أنَّ العديدَ من الأشخاص الذي كانُوا يهُوداً قبلَ أن يُصبِحُوا تلاميذَ لِيَسُوع، أرادُوا أن يحتَفِظُوا بيَهُودِيَّتِهِم قَدرَ المُستَطَاع بعدَ توبَتِهِم وتَجديدِهم.

لقد عُقِدَ المَجمَعُ الكَنَسِيُّ الأوَّلُ في أُورُشَليم، حيثُ تمَّ حَلُّ هذه المسأَلَة. تقرَّرَ أنَّهُ بما أنَّ هؤُلاء لم يكُونُوا يَعتَمِدُونَ على التقالِيدِ اليهُودِيَّةِ مِن أجلِ خلاصِهم، لم يكُنْ هُناكَ أيُّ خطأٍ في مُحافَظَةِ تلاميذ يسُوع اليهُود هؤُلاء على عاداتِهم اليَهُودِيَّة كتلامِيذ للمَسيَّا اليهُودِيّ خاصَّتهم. ولقد تقرَّرَ أيضاً أنَّ التلاميذ المُؤمنِين بالمسيح من أصلٍ أُمَمِيّ لم يكن مطلُوباً منهُم أن يُمارِسُوا هذه العادات اليَهُودِيَّة. ولقد أُعطِيَت التعليماتُ بِوُضُوح للمؤمنين من أصلٍ يهُودِيّ بأن لا يَضَعُوا هكذا ثِقلاً على المُؤمنينَ من أصلٍ أُمَمِيّ.

ولكن بعدَ مجمَع أُورشَليم هذا، بَقِيت القضيَّة موضِعَ جَدَل. فمثلاً، كان في كنيسةِ أنطاكيا الكثير من المُؤمنين من أصلٍ يهُودِي وأُمَميّ. ولقد عاشُوا حياةَ شركِةٍ وتناوَلُوا عدَّةَ ولائِمَ معاً. وبما أنَّ العديدَ من هذه القَضايا كانت تتعلَّقُ بالطعام، يبدُو أنَّهُ كانَ لدَيهم مائِدَتان في كُلِّ وَجبَةِ طعام. على واحِدَةٍ من هاتَين المائِدَتَين، كانُوا يُراعُونَ أنظِمَةَ الطعام اليهُودِيَّة، أمَّا على المائِدة الأُخرى فلا.

عندما زارَ الرسُول بُولُس أنطاكية، تساءَلَ الجميعُ على أيَّةِ مائِدَةٍ سوفَ يجلِسُ. فجلسَ على مائِدَةِ الأُمَم، وأكلَ من الطعام غير اليهودِيّ. ولقد أُعجِبَ بُطرُس بموقِفِ بُولُس، وجلسَ على مائِدَةِ الأُمَم. ويبدو أنَّ بُطرُس فعلَ هذا لفترَةٍ ما.

ولكن، ذاتَ يوم وصلَ من أُورشَليم بعضُ الإخوَةِ الذين كانُوا يحفَظُونَ النامُوسَ اليَهُودِيّ بتدقيق، ووقَفُوا على الباب. لرُبَّما كانَ بُولُس يُديرُ ظهرَهُ نحوَ الباب، بينما كانَ بُطرُس يجلِسُ مُواجِهاً الباب. فعندما رأى بطرُس أنَّ المؤمنين اليهود النامُوسيِّين الذين جاؤُوا من أُورشليم قد وقَفُوا على الباب، قامَ عن مائِدَةِ الأُمَم وتوجَّهَ نحوَ مائِدَِةِ اليهُود. ولرُبَّما إنساقَ برنابا، الذي كانَ يأكُلُ معَ بُولُس وبُطرُس على مائِدَةِ الأُمَم، لَرُبَّما إنساقَ إلى رِياءِ بُطرُس. في ذلكَ الوقت، إستدارَ بُولُس ورأى الذين وقفُوا على الباب.

عندها طارَ صَوابُ بُولُس. قالَ بُولُس في غلاطية 2: 11، "ولكن لمَّا أتى بُطرُس إلى أنطاكية قاومتُهُ مُواجَهَةً لأنَّهُ كانَ مَلُوماً." نفهَمُ من النصِّ اليُونانِيِّ الأصلِيّ أنَّ بُولُس وبُطرُس وقفا مُواجَهةً مُتوتِّرَينِ أمامَ بعضِهما البعض، وتكادُ ذَقنُ كُلٍّ منهُما أن تصطَدِمَ بالأُخرى. في هذا الإطار يُعطينا بُولُس ما أُسمِّيهِ "الإنجيل المَعكُوس."

ففي نِهايَةِ مُواجَهَتِهِ معَ بُطرُس، أعطانا بُولُس هذا التصريح العظيم: "معَ المسيحِ صُلِبتُ، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ. فما أحياهُ الآن في الجسد فإنَّما أحياهُ في الإيمان، إيمان إبنِ الله الذي أحبَّني وأسلَمَ نفسَهُ لأجلِي. لَستُ أُبطِلُ نِعمَةَ الله. لأنَّهُ إن كانَ بالنَّامُوسِ بِرٌّ، فالمسيحُ إذاً ماتَ بِلا سبب." (غلاطية 2: 20)

كانَ بُولُس يقُولُ ما معناهُ: "يقُولُ الإنجيلُ أنَّ المَسيحَ ماتَ لكي تحيا أنت. ولكن هُنا نَجِدُ الإنجيلَ معكُوساً: إذ عليكَ أنتَ أن تمُوتَ لكي يحيا المسيح." نحنُ نعلَمُ أنَّ بُولس لم يكُن يتكلَّم حرفِيَّاً عن المَوت في غلاطية 2: 20، لأنَّهُ يقُولُ ثلاثَ مرَّاتٍ في هذا العدد الواحِد، "أحيا." يتكلَّمُ بُولُس عن الحياة الحقَّة. في هذا العدد الوحيد يُعطينا بُولُس ثلاثَةَ أسبابٍ يعيشُ من أجلِها بِحَقّ.

أوَّلاً، يقُولُ بُولُس ما معناهُ، "أنا أحيا بِحَقّ لأنِّي أحيا بالإيمان." وأنا أعيشُ بفَيضٍ في هذا العالم الحاضِر، وسأعيشُ للأبد، لأنِّي أحيا بالإيمانِ بالمسيح – وليسَ بمُحاوَلةِ شَقِّ طَرِيقِي للسَّماء بحفظِ الكَثِير من النواميس.

ثانِياً، يُصَرِّحُ بُولُس قائِلاً، "أحيا لأنَّ المسيحَ يحيا فيَّ." يسألُ بُولُس تلاميذَ مُتجدِّدين مُؤمِنينَ بالمسيح، "ألا تُدرِكُونَ أنَّ المسيحَ يحيا فيكُم؟ أم لستُم تعلَمُونَ أنَّ جسدَكُم هُوَ هيكَلٌ القُدُس الذي فيكُم الذي لكُم من الله وأنَّكُم لستُم لأنفُسِكُم؟" (1كُورنثُوس 6: 19) وهذا تعليمٌ دينامِيكيٌّ: "المسيحُ فيكُم رجاءُ المجد." (كُولُوسي 1: 27)

وأخيراً، إنَّ جوهَرَ ما كانَ يقُولُهُ لبُطرُس هُوَ: "أنا أحيا لأنَّني صُلِبتُ معَ المسيح." كانَ يقُولُ لبُطرُس، ولمُؤمِني أنطاكية وغلاطية، ولي ولكَ، أنَّهُ بما أنَّ المسيحَ ماتَ لكي نحيا، الآن علينا نحنُ أن "نمُوت" لكي يحيا المسيحُ حياتَهُ فينا. إنَّ هذا شَبيهٌ بتعليمِ بُولُس في رُومية، حيثُ يقُولُ، "فأطلُبُ إليكُم أيَّها الإخوة برأفَةِ الله أن تُقدِّمُوا أجسادَكُم ذَبيحَةً حيَّة." (رومية 12: 1) فهل أنتَ فعلاً تحيا لأنَّكَ تحيا بالإيمان؟ وهل تحيا لأنَّ المسيحَ يحيا فيكَ؟ وهل تَحيا لأنَّكَ صُلِبتَ معَ المسيح؟ وهل تحيا لأنَّكَ تُؤمِنُ أنَّ المسيحَ ماتَ لكي تحيا أنت؟ وهل أنتَ تمُوتُ عن نفسِكَ لكي يحيا المسيح؟ وهل تختَبِرُ الإنجيلَ معكُوساً؟

الإنجيلُ المجازِي

في غلاطية الإصحاحين الثالِث والرابِع، يَصفُ بُولُس ما أُسمِّيهِ "الإنجيلِ المجازِيّ." في الإصحاحِ الثالِث، يسألُ ثمانِيَة أسئِلة. إن كُنتُم ستُصغُونَ إلى أسئِلة بُولُس هذه وستُجيبُونَ عليها، ستَرَونَ أنَّ بُولُس يُقدِّمُ حُجَّةً قَويَّةً جداً للتبريرِ بالإيمان وليسَ بالأعمال. يُعلِّمُ بُولُس أنَّنا لا نخلُصُ لأنَّنا نُطيعُ نامُوسَ مُوسى.

في هذا الإصحاحِ الثالِث، يُقدِّمُ بُولُس صُورَتين مجازِيَّتَين. المجازُ الأوَّلُ هُوَ عن إبراهِيم، الذي يُرينا من إختِبارِهِ أنَّ الإيمانَ ليسَ قضِيَّة ذكاء أو أعمال؛ بل هُوَ عَطيَّةٌ نأخُذُها من الله. ولقد نالَ إبراهِيمُ عطيَةَ الإيمانِ هذه. لم يكتَسِبْ إبراهيمُ الإيمان وكأنَّهُ أُجرَةٌ أدانَ لهُ اللهُ بها. لهذا إستطاعَ أن يُؤمِنَ باللهِ عندما كانَ في السابِعَةِ والسبعينَ من عمره، وأخبَرَهُ اللهُ بأنَّهُ ستكُونُ لهُ ذُرِّيَّةٌ كالرملِ الذي على شاطِئِ البَحرِ في الكثرة وكَنُجُومِ السماءِ التي لا تُعَدّ. ولأنَّ إبراهيم آمنَ بالله، حسِبَهُ اللهُ بارَّاً. في هذا المثل، يُخبِرُنا بُولُس  أنَّهُ إن كانَ لدينا إيمانٌ مُخَلِّص لأنَّنا نُؤمِنُ بإنجيلِ المسيح، فنحنُ أولادُ إبراهيم.

الإيضاحُ المجازِيُّ الثاني الذي قدَّمَهُ بُولُس يُعطينا وُجهَةَ نظَرٍ حولَ قصدِ النَّامُوس. كتبَ بُولُس يقُول، "إذاً قد كانَ النامُوسُ مُؤَدِّبَنا إلى المسيح." (غلاطية 3: 24). بكلماتٍ أُخرى، إنَّ عمَلَ النامُوس هُوَ أن يُحطِّمَكَ ويُظهِرَ لكَ أنَّكَ تحتاجُ إلى مُخَلِّص. كتبَ بُولُس يقُول: "لأنَّهُ إن كانَ بالنَّامُوسِ بِرٌّ فالمَسيحُ إذاً ماتَ بِلا سَبَب." (غلاطية 2: 21). الحقيقَةُ هي أنَّهُ لم يكُن بإمكانِكَ أن تُخلِّصَ نفسَكَ بتاتاً، لأنَّكَ لم تكُن قادِراً أبداً أن تحفظَ كُلَّ هذه النواميس. كانَ  النامُوسُ مُؤدِّباً حضَّرَكَ للخَلاصِ من خِلالِ المسيح.

يُقدِّمُ بُولُس صُورَةً مجازِيَّةً أُخرى في الإصحاحِ الرابِع. هُنا نَجِدُ مبدأً هامَّاً في التفسيرِ الكِتابِيّ. هُناكَ الكثيرُ من الحوادِث في كَلِمَةِ الله، تحتَوي على التاريخِ والمجازِ معاً. فالمجازُ هُوَ قِصَّةٌ يتَّخِذُ فيها الأشخاصُ، الأماكِنُ، والأشياءُ معنىً آخر يُعلِّمُنا دُرُوساً أخلاقِيَّةً ورُوحيَّة. فعندما أقُولُ أنَّ حدَثَاً أو شَخصاً ما في الكتابِ المقدَّس هُوَ مجازٌ، فأنا لا أقصُدُ أبداً أنَّ هذا الحدَث أو الشخص ليسَ تاريخيَّاً.

مثلاً، كتبَ بُولُس يقُول، "كانَ لإبراهِيمِ إبنان." إنَّ هذه هي حقيقَةٌ تاريخيَّة. ولكنَّ هذانِ الإبنان يُقدِّمانِ أيضاً مجازاً. الإبنُ الأوَّلُ، إسماعِيل (الذي أنجبَهُ إبراهيم من زوجتِهِ المِصريَّة الجارِية هاجَر)، كانَ رمزاً لأعمالِ الجسد، أي "الطبيعة البَشَريَّة بِدُونِ مُساعدَةِ الله." كانَ اللهُ يَقُولُ لإبراهِيم أنَّهُ سيُعطيهِ إبناً، وكانَ إبراهيمُ يُحاوِلُ المُساعَدَةَ في تحقيقِ هذه العمليَّة. وكانَ إنجابُ طفلٍ من خِلالِ جارِيتِهِ هاجَر أمراً مقبُولاً في حضارَةِ تِلكَ الأيَّام. ولكنَّ المُشكِلَة كانت أنَّ إنجابَ إسمَاعِيل إلى العالم كانَ من خُطَّةِ إبراهيم، وليسَ الله. وهكذا فإنَّ قصَّةَ هاجَر وإسماعيل هي رمزٌ للجَسد. فعندما تقُومُ بتنفيذِ مُخطَّطاتِكَ الشخصيَّة، ومن ثمَّ تطلُبُ بركَةَ اللهِ على مُخطَّطاتِكَ، يُسمِّي بُولُس ذلكَ بعمَلِ الجسد.

وعلى العَكس، فإنَّ قصَّةً إنجابِ إبراهيم لإسحَق من سارَة هي صُورَةٌ مجازِيَّةٌ عن الرُّوح، لأنَّ وحدَهُ اللهُ كانَ قادِراً على تحقيقِ ذلكَ. نقرَأُ: "وكانَ إبراهِيمُ وسارَةٌ شَيخَينِ مُتَقَدِّمَينِ في الأيَّام. وقدِ إنقَطَعَ أن يكُونَ لِسارَة عادَةٌ كالنِّساء." (تكوين 18: 11) لقد كانت وِلادَةُ إسحَق مُعجِزَةً.

كانَ بُولُس يقُولُ للغَلاطِيِّين ولي ولكَ أنَّنا لا نخلُصُ بالأعمال. فكانَ ينبَغي أن يُتمِّمَ اللهُ خلاصَنا من خِلالِ يسُوع المسيح. ولقد أعطانا الرُّوحُ القُدُسُ عَطِيَّةَ الإيمان والتوبَةِ، لكَي نقبَلَ خلاصَ الله. إنَّ هذا الخَلاص هُوَ عَطِيَّةُ الله. فنحنُ لا نخلُصُ لأنَّنا نُطيعُ نامُوسَ مُوسى. ولكنَّنا نُطيعُ نامُوسَ مُوسى لأنَّنا مُخَلَّصُون. هذا هُوَ جوهَرُ الإنجيلِ المُطلَق في رِسالَةِ بُولُس هذه إلى أهلِ غلاطية.

كُنْ صادِقاً معَ نفسِكَ. فهل سبقَ وخطرَ لكَ أنَّهُ بإمكانِكَ أن تكُونَ صالِحاً كِفايَةً، أو أنَّهُ عليكَ أن تقومَ بمجمُوعَةٍ من الأعمالِ والنواميس لِكَي تخلُصَ؟ بحَسَبِ بُولُس، يُعتَبَرُ هذا خلاصاً نابِعاً من الجسد. أمَّا الإنجيلُ المُطلَقُ الذي كرزَ بهِ بُولُس للغلاطِيِّين فهُوَ أنَّهُ علينا أن نُولَدَ عجائِبِيَّاً بالرُّوحِ من جَديد. هذا هُوَ الخلاصُ النابِعُ من الرُّوح.


الإنجيلُ مَحصُوداً

يختُمُ بُولُس رسالتَهُ إلى الغلاطِيِّين بمُقارَنَةِ ما يُسمِّيهِ "أعمال الجسد" معَ "ثمر الرُّوح." فالجسدُ والرُّوحُ هُما قُوَّتانِ تعمَلان – أو تتحارَبانِ – في حياةِ المُؤمنِ الحقيقيِّ.

هُنا يَصِفُ بُولُس ما يُمكِنُ أن نُسمِّيَهُ "الإنجيلُ محصُوداً." إنَّ صُورَةَ بُولُس المجازِيَّة هي عن الزرع والحصاد. وكأنَّ حياتَنا حقلٌ. يقُولُ بُولُس أنَّهُ في حقلِ حياتِنا لدينا إمكانِيَّتان. بإمكانِنا أن نزرَعَ ونُنَمِّي أعمالَ الجسد، أو بإمكانِنا أن نزرَعَ ونُنَمِّي ثِمارَ الرُّوح. وعندما تُزرَعُ "بُذُورُ" الرُّوحِ في حقلِ حياتِنا، تكُونُ النتيجَةُ ما يُسمِّيهِ ثمر الرُّوح.

كتبَ بُولُس يقُولُ: "وأعمالُ الجسد ظاهِرَة: التي هي زِنَىً عهارَةٌ نجاسَة دِعارَة. عِبادَةُ أوثان سِحرٌ عداوَةٌ خِصامٌ غَيرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقاقٌ بِدعَةٌ. حَسَدٌ قتلٌ سُكرٌ بَطَرٌ وأمثال هذهِ التي أسبُقُ فأقُولُ لكُم عنها كما سبقتُ فَقُلتُ أيضاً إنَّ الذين يفعَلُونَ مثلَ هذه لا يرثُونَ ملكوتَ الله. وأمَّا ثمر الرُّوح فهُوَ محبَّة فرح سلامٌ طُولُ أناةٍ لُطفٌ صَلاحٌ إيمانٌ وداعَةٌ تعفُّفٌ. ضِدَّ أمثالِ هذه ليسَ نامُوس." (غلاطية 5: 19- 23).

إنَّ هذا المقطَع واقِعِيٌّ جداً في وصفِهِ للسلُوكِ البَشَريّ. فهُوَ يُخبِرُنا أنَّنا عندما نقبَلُ الرُّوحَ القُدُسَ، فإنَّ طبيعتَنا البَشَريَّة لا تفنى تماماً. بل يبقَى الشرُّ حاضِراً عندنا. وهُنا في  غلاطية 5، يقُولُ بُولُس، "إنَّ هاتَين الطبيعَتَين هُما في حَربٍ في داخِلِكَ." فهُناكَ حربٌ تدُورُ رحَاها داخِلَ كُلِّ واحِدٍ منَّا يوميَّاً.


ثمرُ الرُّوح

عندما نَصِلُ إلى الإصحاحِ السادِس، نجِدُ الكلمات المألُوفَة التالِيَة: "لا تَضِلُّوا. اللهُ لا يُشمَخ عليهِ. فإنَّ الذي يزرَعُهُ الإنسانُ إيَّاهُ يحصُدُ أيضاً. لأنَّ من يزرَعُ لِجَسَدِهِ فمِنَ الجسدِ يحصُدُ فساداً. ومن يزرَعُ للرُّوحِ فمِنَ الرُّوحِ يحصُدُ حياةً أبدِيَّةً." يُخبِرُنا بُولُس أنَّنا نحنُ الرُّوحِيُّونَ علينا أن نعيشَ بالرُّوح، وأن نسلُكَ بالرُّوح، وأن نزرعَ بُذُورَ الأُمورِ الرُّوحِيَّةِ في حياتِنا، وأن نُؤتِيَ ثِمارَ الرُّوح.


نظرَةٌ إلى الداخِل

بِحَسَبِ بُولُس، هُناكَ على الأقَلّ تِسعة براهين عن الحقيقَةِ المجيدة أنَّ الرُّوحَ القُدُس يسكُنُ فينا. فإن كانَ الرُّوحُ القُدُسُ ساكِناً فينا، فعندما ننظُرُ إلى داخِلِ نُفُوسِنا، سنكتَشِفُ أوَّلَ ثلاثَةِ ثِمارٍ للرُّوح – المحبَّة، الفَرَح، والسلام.

إنَّ المحبَّةَ التي تكلَّمَ عنها بُولُس هي محبَّة آغابِّي التي يَصِفُها في الإصحاحِ الثالِث عشر من رسالتِهِ الأُولى إلى أهلِ كُورنثُوس. ففي إصحاحِ المحبَّةِ العظيم هذا من الكتابِ المقدَّس، أخبَرَنا أنَّ هذه النوع من المحبَّة لا تفنى ولا تسقُط، لأنَّها غيرُ مشرُوطة، وهي لا تُقاوَمُ لأنَّها مُلهِمَة لأُولئكَ الذينَ نُحِبُّهُم بهذه الطريقَة. فعندما تنتُجُ هذه المحبَّةُ من حياتِنا، تكُونُ تنبَعُ ليسَ منَّا، بَل منَ الله.

ولقد كتبَ بُولُس أيضاً أنَّ الفرَح هُوَ من ثِمارِ الرُّوح، إذ أنَّهُ ينبَعُ من الحقيقَةِ المجيدة أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ في قُلوبِنا. كانَ بإمكانِ بُولُس أن يكتُبَ "رِسالَةَ الفَرَح" (أي رسالتَهُ إلى أهلِ فيلبِّي)، من السجن لأنَّهُ كانَ مملووءاً من رُوحِ اللهِ. وبإمكانِنا أنا وأنتَ أن نمتَلِئَ من الفَرَح بِغَضِّ النَّظَر عن الظُّرُوف، لأنَّ الرُّوحَ القُدُس يحيا فينا. وبما أنَّ الرُّوحَ القُدُس يسكُنُ فينا، فالألمُ والمُعاناةُ قد يكُونانِ حَتمِيَّين، ولكنَّ البُؤسَ سيكُونُ إختِيارِيَّاً.

الثمرُ التالي للرُّوح هُوَ السلام. فإن كُنَّا قد قَبِلنا الرُّوحَ القُدُس، سيكُونُ لنا سلامٌ، حتَّى في الأوقاتِ التي يبدُو فيها من غَيرِ الطبيعيّ أن يكُونَ لنا سَلامٌ. يُسمِّي بُولُس هذا "بالسلام الذي يَفُوقُ كُلَّ عقل." (أنظُر فيلبِّي 4: 7)


نظرَةٌ إلى حَولِنا

لكَي نَصِلَ إلى المحبَّة، الفَرَح، والسلام، عَلَينا أن ننظُرَ إلى داخِلِنا. أمَّا بالنسبَةِ لثمارِ الرُّوح الثلاثة التالية – أي الصبر، اللُّطف، والصلاح- فعلينا أن ننظُرَ إلى حولِنا. وسوفَ نختَبِرُ ثِمارَ الرُّوحِ هذه بينما نتعاطَى معَ الآخرين.

إن لم تكُن شخصاً صَبُوراً بِطَبيعَتِكَ، وإن كانَ الرُّوحُ القُدُسُ حَيَّاً فيكَ، فسوفَ تُقدِّرُ المُعجِزَةَ أن هُناكَ نوعاً من الصَّبرِ يأتي من الرُّوحِ القُدُس. فعندما تَكُونُ صَبُوراً في علاقَتِكَ معَ الله، يكُونُ هذا الصبرُ "الإيمان المُنتَظِر." وعندما يُبَرهَنُ عن صبِركَ في علاقاتِكَ معَ الناس، يُسمَّى هذا الصبرُ "المحبَّة المُنتَظِرَة." مثلاً، أحياناً علينا أن ننتَظِرَ الرَّبَّ أن يعملَ في حياةِ أولادِنا. وهذا يتطلَّبُ صَبراً – ذلكَ النَّوع من الصبر الخارِق للطبيعة، الذي هُوَ محبَّة تنتَظِر، لأنَّها ثمرُ الرُّوح.

ثمرُ الرُّوح التالي هُوَ اللُّطف. إنَّ كلمة لُطف لها علاقَةٌ بالقُربى. فاللُّطفُ يعني أن تُعامِلَ الجميعَ وكأنَّهُم أقرِباؤُكَ وعائِلتُكَ.

الثمرُ الثالِثُ للرُّوح، الذي يعمَلُ في علاقاتِنا، هُوَ الصَّلاح. يقُولُ العهدُ الجديدُ عن المسيح، "كانَ يجُولُ يصنَعُ خَيراً." (أعمال 10: 38) فالأعمال ُالصالِحة لا تُخَلِّصُنا، ولكن ليسَ من الخطأ أن نكُونَ صالِحينَ أو أن نعمَلَ أعمَالاً صالِحةً. قالَ جُونَ وِسلي، "إفعَل كُلَّ ما بإمكَانِكَ أن تفعلَهُ من الخَير، في أيِّ مكانٍ تستطيع، ولأي شخصٍ تستطيع، وبِكُلِّ طريقَةٍ تستطيعُ، طالما أنتَ قادِرٌ على فعلِ ذلكَ الخير." إعمَل الأعمالَ الصالِحة. فهُناكَ من الخير واللطف والصبر الذي هُوَ ثمرُ الرُّوح الذي يظهَرُ عندما ننظُرُ حولَنا.


نَظرَةٌ إلى فَوق

آخِرُ ثلاثَةِ ثمارٍ من ثِمارِ الرُّوح – إيمان، وداعَةٌ، تعفُّف – تنطَبِقُ عندما ننظُرُ إلى فَوق، ونُركِّزُ علاقَتَنا معَ الله.

إحدَى الطُّرُق لتلخِيصِ معنى الإيمان أو الأمانَة هي أن يكُونَ الإنسانُ "مُمكِناً الإعتِماد عليه." فقبلَ أن نتجدَّدَ، كَثيرُونَ منَّا لم يكُنْ عندَهُم أيُّ نظامٍ بتاتاً. ولكن عندما سكنَ الرُّوحُ القُدُسُ في حياتِنا، عَرَفنا النِّظام، وأصبَحنا أشخاصاً يُمكِنُ الإعتِمادُ عليهم.

إنَّ الوداعَةَ (أو اللُّطف) هي ثمرٌ آخر من ثِمارِ الرُّوح. فالوداعَةُ ليسَت ضعفاً. عندما يُوضَعُ الرَّسَنُ بينَ فكَّي حِصانٍ جبَّار، لا يُصبِحُ هذا الحيوانُ ضعيفاً؛ بل يُصبِحُ وَديعاً. عندما إلتَقَى شاوُل الطرسُوسِيّ بالمسيحِ المُقام على طَريقِ دِمشق، أوردت إحدَى ترجمات الكتاب المقدَّس سُؤالَ يسُوع لِشاوُل كالتالي: "لِماذا ترفُسَ مناخِس." ويقُولُ العددُ ما معناهُ حَرفِيَّاً، "لماذا تُقاوِمُ الرَّسَن؟" أجابَ شاوُل، "يا رَبّ، ماذا تُريدُ منِّي أن أفعَلَ؟" وهكذا قَبِلَ شاوُل الرَّسَن، وصارَ وديعاً.

عندما يكُونُ حِصانٌ ما قَويَّاً، يُشارُ إليهِ بكونِهِ وديعاً. فالوداعَةُ هي القُوَّةُ المضبُوطة الخاضِعَة للسَّيطَرَة. هُناكَ نوعٌ من اللُّطفِ مُرادِفٌ للوداعة، كما نجِدُ ذلكَ في لائحةِ ثِمارِ الرُّوح. إنَّ الوداعَةَ هي ثمرُ الرُّوح في حياةٍ قَبِلَت سيطَرَةَ الرُّوحِ القُدُس والمسيح المُقام.

آخِرُ ثِمارِ الرُّوح التي أُدرِجَت في لائحَةِ بُولُس هي التعفُّف أو ضبط النفس. أحدُ مُدراءِ الشركاتِ الضخمة، والذي كانَ لديهِ آلافُ المُوظَّفِين، قالَ لي ذاتَ مرَّة: "بعضُ النَّاسِ هُم كالعجلات؛ لا يعمَلُونَ إلا إذا دُفِعُوا. وبعضُهم هُم كالعرَبات، لا يعملُونَ إلا إذا جُرُّوا أو سُحِبُوا؛ وبعضُهم مثلُ الطائِراتِ الورقيَّة، إذا لم تُمسِكَ بهم بِخيطٍ، يطيرُونَ بعيداً. ولكنَّ البعضَ هُم مثل ساعَةٍ جيِّدة من الذهبِ الخالِص، مفتوحَةَ الوجه، دقيقَةَ التوقيت، يُمكِنُ الإعتِمادُ عليها، تعمَلُ بِصمت، مملووءةً أعمالاً صالِحةً."

في الإصحاحِ الخامِس من غلاطية، قالَ الرسُول بُولُس أنَّهُ إن كانَ الرُّوحُ القُدُس ساكِناً فينا ويُسيطِرُ علينا، ليسَ علينا أن نُدفَعَ أو نُجَرَّ أو نُمسَكَ بِخَيط. بل سنعمَلُ كساعَةٍ جيِّدة، بتعفُّفٍ وضبطٍ للنفس، ويُمكِنُ الإعتِمادُ علينا، مملووئينَ بأعمالٍ صالِحة.

أضف تعليق


قرأت لك

هل يَنكسر ويُهزَم مـَن "معه الرب"؟!

لأول وهلة يجيب الكثيرون منّا على هذا السؤال بالنفي، ويجزم معظمنا على انه لا يمكن ان يواجه الهزيمة مَن "يتكل على الرب" وينادي باسمه. لكن افكار الله ليست افكارنا وكل شيء مكشوف امامه ولا يختبئ من وجهه انسان او شيء.