تفاسير

الفصلُ الثالِث رسالَةُ بُولُس الرسُول إلى أهلِ فيلبِّي

القسم: الرسائل من غلاطية و حتى فليمون.

تَوصِيَةٌ للسَّلام

كتبَ بُولُس عن السلام في الإصحاحِ الرَّابِع من رسالتِهِ إلى أهلِ فيلبِّي. فهُوَ لم يكُن يُفكِّرُ بِسلامِ هذا العالم، ولا حتَّى بِالسلام معَ الله الذي حقَّقَهُ لنا يسُوع من خِلالِ ذبيحتِهِ على الصليب. يُشارِكُ معنا بُولُس الأخبارَ السَّارَّة أنَّ هُناكَ حقيقَةً جميلَةً تُعرَفُ بِسلامِ الله. فسلامُ اللهِ هُوَ حالَةٌ من السلامِ المُستَمِرّ الذي فيهِ يحفَظُنا اللهُ إن كُنَّا نُحقِّقُ شُروطَهُ. في فِيلبِّي 4، يُعطينا بُولُس إثني عشرَ شرطاً يتوجَّبُ علينا تَلبِيتُها، إن كُنَّا نُريدُ أن نحصَلَ على هذا السلام ونحتَفِظَ بهِ.

شرطُهُ الأوَّلُ هُوَ، "لا تَهتَمُّوا بِشَيء." (6) يقُولُ لنا بُولُس أن لا نهتَمَّ ولا نقلَقَ، لأنَّ القَلَقَ ليسَ فقط غير مُجدِي، بل هُوَ أيضاً مُدَمِّرٌ. فالقَلَقُ يتلُفُ الطاقَةَ التي نحتاجُها لمُواجَهَةِ مشاكِلِنا.

شرطُهُ الثاني للسلام هُوَ، "صَلُّوا لأجلِ كُلِّ شَيء." (6) فمهما كانت ظُروفُنا، ومهما كانت مشاكِلُنا كَبيرَةً، فلدينا إمتِيازُ الصلاةِ لله. فسواءٌ كانت صلاتُنا ستُؤدِّي إلى إنقاذِنا من وضعنا الصعب، أم إلى نِعمَةِ إحتِمالِ هذه المشاكِل، فالصلاةُ نافِعَةٌ ومُثمِرَةٌ في كُلِّ حال. لهذا، لنُصَلِّ لأجلِ كُلِّ شَيء.

الشرطُ الثالِثُ الذي يضعُهُ بُولُس للسَّلام، لهُ علاقَةٌ بالتفكير. يقُول، "إفتَكِرُوا في كُلِّ ما هُوَ صالِحٌ." (8) يُشجِّعُنا بُولُس لنُفكِّرَ بكُلِّ ما هُوَ حَقٌّ، كُلّ ما هُوَ جليل، كُلّ ما هُوَ عادِل، كُلّ ما هُوَ طاهِر، كُلّ ما هُوَ مُسِرّ. فلنُحَدِّدْ كيفَ سنُفكِّرُ بهذه الأُمور. فأفكارُنا هي مثل الخراف، ونحنُ بمثابَةِ الرَّاعي لنقُودَ أفكارَنا، وليسَ لندعَ أفكارَنا تَقُودُنا.

بِصراحَة، أعتَقِدُ أنَّهُ عندما كتبَ بُولُس هذا، كانَ أيضاً يُخبِرُنا عن مفتاح سلامتِهِ وإستِقامَتِهِ الشخصيَّة. فعندما كانَ في السجن، تعرَّضَ بُولُس لكُلِّ ما هُوَ ليسَ حَقٌّ، ولا جَليلٌ، ولا عادِلٌ، ولا طاهِرٌ، لا بَل تعرَّضَ لِكُلِّ ما كانَ بَشِعاً وسَيِّئَ الأخبار. لهذا كانَ عليهِ أن يُركِّزَ فكرَهُ على هذه الأُمُور الصالِحة والإيجابِيَّة، لكي يتحمَّلَ ضغطَ السجن.

السببُ الرَّابِعُ للسَّلامِ الشخصيّ هوَ أمرٌ عمَلِيٌّ للغَايَة. يقُول، "وما تعلَّمتُمُوهُ وتَسَلَّمتُمُوهُ وسَمِعتُمُوهُ ورأيتُمُوهُ فيَّ فهذا افعَلُوا، وإلهُ السَّلامِ يكُونُ معَكُم." (فيلبِّي 4: 9) أحياناً نفقُدُ سلامَنا لأنَّنا ليسَ لدينا الشجاعَة لنعمَلَ ما نعرِفُ أنَّهُ الصواب. فالذي نعمَلُهُ حيالَ ما نعلَمُهُ يستطيعُ أن يقُودَنا إلى السلام. إنَّ نصيحَةَ بُولُس هي أن نعمَلَ ما نعرِفُ ونعتَقِدُ أنَّهُ صواب. (مزمُور 4)

نجِدُ الشرطَ الخامِسَ للسَّلام في الكَلِمات، "إن كانَ فَضِيلَةٌ" أو "إن كُنتُم تُؤمِنُونَ بالصلاح،" الأمرُ الذي يَعني ضِمناً أنَّهُ من المُمكِن أن نخسَرَ الإيمانَ بالصَّلاح (8). هذا يعني أنَّنا نتساءَلُ حولَ قيمَةِ الصلاح الذي نعمَلُهُ في رِحلةِ إيمانِنا. فماذا إنتَفَع بُولُس من خدمةِ المسيح كما خدَمَهُ – بدُخُولِهِ لِسجنٍ بعدَ الآخر؟ هذا ما يقصدُ بُولُس قولَهُ عندما نتساءَلَ عن الفَضِيلة. إنَّ تَشكِيكَنا بِقيمَةِ أعمالِنا الصالِحة قد يكُونُ "سارِقَ السلام."

إنَّ الشرطَ السادِسَ للسلامِ الشخصِي هُوَ بِبَساطَة، "كُونُوا شكُورين." فالسلامُ الشخصِيّ قد يكُونُ نتيجَةَ موقِفٍ إيجابِيّ بالعُرفانِ بالجميل. فعندما نعبُدُ بِشُكرٍ وعُرفانِ جَميل، فنحنُ نرعى أفكارَنا تِلقائِيَّاً بعيداً عن السَّلبِيَّة وبإتِّجاه المراعي الخضراء الإيجابِيَّة. فأن نكُونَ شَكُورينَ هو وسيلَةٌ بنَّاءَةٌ تُساعِدُنا على المُحافَظَةِ على سلامِنا الشَّخصِيّ.

الشرطُ السابِعُ في هذه التوصِيَة للسلام هُوَ الصَّبر. فالصبرُ هُوَ الإيمانُ المُنتَظِر، عندما ننتظِرُ الرَّبّ. والصبرُ هُوَ المحبَّةُ المُنتَظِرَة عندما نحتاجُ إلى الصبرِ معَ النَّاس. أمَّا نفاذُ الصَّبرِ فهُوَ "سارِقُ السَّلام." الصَّبرُ هُوَ ثَمَرُ الرُّوحِ القُدُس التي يُؤتي السلام. (11)

ثُمَّ يذكُرُ بُولُس شرطَهُ الثامِن للسلام: "لِيَكُنْ حِلمُكُم مَعرُوفاً عندَ جَميعِ النَّاس." (5) هذا هُوَ حِلمُ القُبُول. فإذا قَبِلتُم ظُروفاً في حياتِكُم التي ليسَ بإمكانِكُم تغييرَها، سوفَ ينتُجُ عن موقِفكُم هذا السلام. فالحِلمُ والصبرُ هُما ثمرُ الرُّوح (غلاطية 5: 22، 23).

وفي شُرُوطِهِ الأربَعة الأخيرة للسلام، عالَجَ بُولُس علاقَتَنا معَ المسيح المُقام. قدَّم لنا بُولُس شرطاً تاسِعاً للسَّلام عندما كتبَ يقُول: "الرَّبُّ قَريب،" والذي يقصُدُ بهِ، "لا تنسُوا قُربَ الرَّبّ." (5) لَم يكُنِ بُولُس أبداً وَحيداً، على الرُّغمِ من تَركِ الجميع لهُ وتخلِّيهِم عنهُ في سجنِهِ الأخير. فخِلالَ أيَّامِهِ الأخيرة في هذا العالم، كتبَ يقُول: "الجَميعُ تركُوني. لا يُحسَبُ عليهم. ولكنَّ الرَّبَّ وقفَ معي وقوَّاني." (2تيمُوثاوُس 4: 16- 17) ففي الظروفِ الصعبة، بإمكانِنا أن نتمتَّعَ بالسلام، إذا تذكَّرنا أنَّ الرَّبَّ دائماً قريبٌ منَّا ويُقوِّينا.

في نَفسِ الإطار، قدَّمَ بُولُس شرطَهُ العاشِر للسلام: "إفرَحُوا في الرِّبِّ." (4) وفي تشجيعِهِ الفيلبِّيِّينَ على الفرحِ في الرَّبّ، كانَ يُشجِّعُنا أن نستَمِدَّ فرحَنا من معرِفَةِ المسيح.

لقد قدَّمَ أيضاً شَرطَهُ الحادِي عشر للسلام: "وإن كانَ مَدحٌ،" الذي يعني، "تعلَّمُوا قيمة مُوافَقة الله." فإذا توجَّبَ عليكَ الإعتِماد على مُوافَقة الناس لتُحافِظَ على سلامِكَ، فإنَّ سلامَكَ الشخصي سيكُونُ سريعَ العَطَب. ستكُونُ هُناكَ أوقاتٌ لن يكُونَ بإمكانِكَ أن تحصَلَ على مُوافقة الله ومُوافَقة الناس في آنٍ معاً. هُناكَ كَلِمتانِ مُسجَّلَتان في الكتاب المُقدَّس قيلَتا من قِبَلِ اللهِ لإبراهيم. كانت هاتانِ الكَلِمتان، "سِرْ أمامِي." (تكوين 17: 1)

إنَّ الشرطَ النِّهائِيَّ للسَّلام بالنسبَةِ لبُولُس هُوَ، "وسلامُ الله الذي يَفُوقُ كُلَّ عقلٍ يحفَظُ قُلُوبَكُم وأفكارَكُم في المسيحِ يسُوع." (فيلبِّي 4: 7) هذه طَريقَةٌ أُخرى للقَول، "يا اللهُ، أنا لا أستطيعُ، ولكن أنتَ تستطيعُ. ليسَ المُهِمُّ من وماذا أنا؛ بل المُهِمُّ هُوَ من وماذا أنت. ليسَ المُهِمُّ ماذا أستطيعُ أن أفعَلَ؛ بل المُهِمُّ هُوَ ماذا تستطيعُ أنت أنت تفعَلَ. ليسَ المُهِمُّ ما أُريدُ أنا؛ بل ما تُريدُهُ أنتَ هُوَ المُهِمّ. وبالتحليلِ النِّهائِيّ، لن يكُونَ الأمرُ المُهِمُّ ما فعلتُهُ أنا، بل ما فعلتُهُ أنت." إنَّ هذا المَوقِف، الذي أُسمِّيهِ أنا "الأسرار الرُّوحِيَّة الأربَعة،" يقُودُنا إلى "سلام الله الذي يَفُوقُ كُلَّ عقل." هذه الأسرارُ تُبَرهِنُ ما يعنيهِ القَولُ، "يحفَظ قُلُوبَكُم وأفكارَكُم في المَسيحِ يسُوع."

هل لديكَ حالة السلام الدائِم التي يُسمِّيها الكتابُ المُقدَّسُ بِسلامِ الله؟ أطلُبْ من الله أن يُعطِيَكَ ذلكَ المِقدار من النِّعمة الذي تحتاجُهُ لتُلبِّي هذه الشُّرُوط. فاللهُ قادِرٌ أن يحفَظَنا في حالَةِ السلامِ الشخصيّ، ولكنَّ حالَةَ السلامِ تِلك هي مشرُوطَةٌ جِدَّاً. فعِندَما نُلَبِّي الشُّرُوطَ التي يضعُها بُولُس وباقي كُتَّاب الأسفار المُقدَّسة، يحفَظُنا اللهُ في حالَةِ السلامِ الشخصيّ المُستَمِرّ.

أضف تعليق


قرأت لك

في وقت حزني

في الأوقات الصعبة، وفي الظروف القاسية، في خضم الإحباط والتحيّر من كل ما يجري من حولي، هناك أجدك يا إلهي تترفق عليّ فأشعر بدفىء محبتك وبعطفك الذي لا حدود له.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة