تفاسير

الفصلُ الرَّابِعُ رِسالَةُ بُولُس الرسُول إلى أهلِ كُولُوسي

القسم: الرسائل من غلاطية و حتى فليمون.

تقعُ مدينَةُ كُولُوسي على بُعدِ مائة وستِّينَ كِيلُومتراً من أفسُس. ومن المُمكِنِ أنَّ كنيسةَ كُولُوسي كانت جُزءاً من مجمُوعَةِ الكنائِس الصغيرة الجديدة، المذكُورَة في سفرِ الرُّؤيا، والتي إنطَلَقَت من الكنيسةِ التي أسَّسَها بُولُس في أفسُس (رُؤيا 2 و3).

عانَت كنيسةُ كُولُوسي من ثلاثَةِ مشاكِل على الأقَلّ. أوَّلاً، كانَ هُناكَ هُجُومٌ فَلسَفِيٌّ عقلانِي على إيمانِ الكُولوسيِّين. ثُمَّ كانَ هُناكَ نامُوسيَّة. فاليَهُودُ المَسياوِيُّونَ المُتعصِّبُونَ في كُولُوسي كانُوا يُحاوِلُونَ فَرضَ النواميس اليهوديَّة على تلاميذ المسيح الأُمناء في كُولُوسي. وأخيراً، كانَ هُناكَ أشخاصٌ في كنيسةِ كُولُوسي، كانُوا يتعاطُونَ بقضايا مَشكُوكٌ بأمرِها مثل الرُّؤى، عبادَة الملائِكة، وظواهِر تصوُّفِيَّة أُخرى. عندما ظَهَرَت هذه المشاكِل في كنيسةِ كُولُوسي، ذهبَ أبَفراس الذي كانَ راعِياً من كنيسةِ كُولُوسي، لِرُؤيَةِ بُولُس في رُوما ليطلُبَ نصيحتَهُ. وقد تكُونُ هذه الزِّيارَة قد عجَّلَت كتابَةَ هذه الرسالة إلى أهلِ كُولُوسي.

إنَّ رسالَةَ أفسُس هي تُحفَةُ بُولُس حولَ موضُوع الكنيسة. أمَّا رسالَةُ كُولُسي فهي تُحفَةُ بُولُس حولَ موضُوع "المسيح والكنيسة." كانَ جزءٌ من الهُجُومِ الفَلسَفِيّ على إيمانِ الكُولوسيِّين يتعلَّقُ بشخصِ يسُوع المسيح. كانَ بعضُ الناسِ يُحاوِلُونَ أن يجعَلُوا المسيح على رُتبَةٍ أقَلّ ممَّا كانت تُؤكِّدُهُ العقيدَةُ المسيحيَّة: "إلهٌ حَقٌّ من إلهٍ حَقّ." لقد هاجَمت هذه الفلسَفَة لاهُوتَ المسيح، وكون يسُوع المسيح عمَّانُوئيل، "اللهُ معنا." لِهذا يُعتَبَرُ تفوُّقُ يسوع المسيح هُو موضُوعُ رسالةِ بُولُس إلى أهلِ كُولُوسي. في هذه الرسالة، يقولُ بُولُس، "إن كانَ لديكَ المسيح، فلديكَ كُلّ شَيء. وإن لم يكُن لديكَ المسيح، فليسَ لديكَ شَيء. إن كانَ المسيحُ يعني لكَ أيَّ شَيء، فسيكُونُ المسيحُ كُلَّ شَيءٍ بالنسبَةِ لكَ. لأنَّهُ، إن لم يكُنِ المسيحُ كُلَّ شَيءٍ لكَ، فلن يعنِيَ المسيحُ لكَ أيَّ شَيءٍ."

في كنائِسنا اليوم، أعتَقِدُ أنَّهُ لدينا مشاكِلَ مُوازِيَة للمشاكِل التي وُجِدَت في كُولُوسي. لدينا أشخاصٌ يُحاوِلُونَ أن يضَعُوا قُيُوداً نامُوسيَّة على المُؤمنين، الأمرُ الذي يُناقِضُ تعليمَ خلاصِنا بالنعمَةِ، بالإيمانِ وليسَ بالأعمال. هُناكَ أيضاً أشخاصٌ في كنائِسِنا يعتَقِدُونَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ رُوحِيّ هُوَ من الرُّوحِ القُدُس، ممَّا يجعَلُهُم مُعرَّضينَ بسُرعَةٍ للعَطبِ من الناحِيَة المظلِمة من عالَمِ الرُّوح. هُناكَ مُؤمنونَ إسمِيُّونَ يجعلُونَ من الإيمانِ بارِداً وشَكلِيَّاً كالجليد. وهُناكَ أشخاصٌ في كنائِسِنا اليوم، يُحاوِلُونَ أن يُحَوِّلوا المسيح إلى كائِنٍ هُيُولِي غير ملمُوس كالبُخار. يجعَلُونَ من يسُوع المسيح ومن تَعلِيمِهِ أمراً مُعَقَّداً، فلا يعُودُ بوُسعِكَ أن تفهَمَ عمَّا يتكلَّمُونَ.

هذه هي أنواعُ المشاكِل التي عالَجَها بُولُس عندما كتبَ رسالتَهُ إلى أهلِ كوُلُوسي. في تعليمِ بُولُس التصحيحيّ في هذه الرِّسالَة إلى أهلِ كُولُوسي، علينا أن نَجِدَ تطبيقاتٍ يُمكِنُ إستخدامُها لمُواجَهَةِ نفس هذا النوع من المشاكِل في كنائِسِنا اليوم.

في الإصحاحِ الأوَّل، يُعطينا بُولُس بعضَ أجمَلِ تصريحاتِ العهدِ الجديد عمَّن هُوَ المسيح. يقُولُ بُولُس أنَّ المسيحَ هُوَ: "...صُورَةُ الله غير المَنظُور بِكرُ كُلِّ خَليقَة. فإنَّهُ فيهِ خُلِقَ الكُلُّ ما في السَّماواتِ وما عَلى الأرض ما يُرى وما لا يُرى سواءٌ كانَ عُرُوشاً أم سِيادات أم رِياسات أم سَلاطين. الكُلُّ بهِ ولَهُ قد خُلِقَ. الذي هُوَ قبلَ كُلِّ شَيءٍ وفيهِ يقُومُ الكُلُّ. وهُوَ رأسُ الجسد الكنيسة. الذي هُوَ البَداءَة بِكرٌ من الأموات لِكَي يكُونَ هُوَ مُتَقَدِّماً في كُلِّ شَيءٍ." (كُولُوسِي1: 15- 18) هل تَرَونَ أنَّ بُولُس يُقدِّمُ المسيحَ بطريقَةٍ يرفُضُ فيها التهجُّمات الفَلسَفِيَّة على شَخصِ المسيح ولاهُوتِهِ؟

بالإضافَةِ إلى إخبارِنا عمَّن هُوَ المسيح، يُخبِرُنا بُولُس أيضاً عن عَمِلِ المسيح. "الذي أنقَذَنا من سُلطانِ الظُّلمة ونَقَلَنا إلى مَلكُوتِ إبنِ محبَّتِهِ. الذي لنا فيهِ الفِداء بِدَمِهِ غُفرانُ الخطايا." (1: 13- 14). أليسَ هذا تصريحٌ رائِعٌ عن إنجيلِ وعملِ يسُوع المسيح؟

في الإصحاحِ الأوَّل، يقولُ بُولُس أيضاً للكُولُوسيِّين كيفَ يفهَمُونَ ما عمِلَهُ المسيح، وذلكَ بِقَولِهِ ما معناهُ: "الشرطُ الوحيدُ هو أن تُؤمِنوا بالحقّ، ثابِتينَ فيه بدُونِ تزعزُع، مُقتَنِعينَ بالخبرِ السارِّ أنَّ المسيحَ ماتَ عنكُم، وغير مُنتَقِلينَ عن الثِّقَةِ بهِ ليُخلِّصَكُم." (1: 22 – 23)

فهل تفهَمُ من هُوَ المسيحُ وماذا عَمِلَ لأجلِكَ؟ هل تستَوعِبُ ما عمِلَهُ المسيحُ لكَ؟

ثُمَّ، لاحِظُوا أنَّ بُولُس يُخبِرُنا كيفَ نعيشُ في المسيح. فهُوَ يقُول: "فكما قَبِلتُمُ المسيحَ يسُوع الرَّبّ أسلُكُوا فيهِ. مُتأصِّلينَ ومَبنِيِّينَ فيهِ ومُوطَّدِينَ في الإيمانِ كما عُلِّمتُم مُتَفاضِلينَ فيهِ بالشُّكر." (2: 6- 7). إنَّ هذا لَتَصريحٌ جميلٌ في عباراتٍ عمَليَّةٍ عن كيفَ نحيا في المسيح، وما هي نتائجُ العيشِ في المسيح.

في الإصحاحِ الثاني، يُخبِرُنا بُولُس ماذا لدينا في المسيح، عندما يكتُبُ قائِلاً:

"فإنَّهُ فيهِ يَحُلُّ كُلُّ ملء اللاهُوت جسديَّاً. وأنتُم مَملُوؤونَ فيهِ الذي هُوَ رأسُ كُلِّ رِياسَةٍ وسُلطانٍ. وبهِ أيضاً خُتِنتُم خِتاناً غَيرَ مَصنُوعٍ بِيَدٍ بِخَلعِ جِسمِ خَطايا البَشَريَّة بِخِتانِ المسيح. مَدفُونينَ معَهُ في المعمُوديَّة التي فيها أُقِمتُم أيضاً معَهُ بإيمانِ عَمَلِ الله الذي أقامَهُ من الأموات." (2: 9- 12) يُوجِّهُ بُولُس هذه الكلمات إلى النامُوسيِّين الذي كانُوا يُخبِرُونَ الكُولوسيِّينَ أنَّهُ عليهِم أن يُختَتَنُوا ليخلُصُوا.

تُبَرهِنُ رِسالَةُ بُولُس إلى أهلِ كُولُوسي بَصيرتَهُ الرُّوحيَّة العميقة. أحدُ مفاتِيحِ حياة بُولُس الرُّوحِيَّة كانت الصَّلاة. فهُوَ يُرينا بالمِثال أهَمِّيَّةَ الصلاة، تماماً كما فعلَ يسُوع. أنظُرُوا إلى صلاةِ بُولُس للمُؤمنين في كنيسةِ كُولوسي، وقارِنُوها معَ صلواتِكُم الخاصَّة اليوم. ثُمَّ حاوِلُوا أن تتعلَّمُوا أن تُصَلُّوا كما صَلَّى بُولُس، مُؤمِنينَ أنَّ اللهَ يسمَعُ ويستَجيبُ الصلاة، وسوفَ يُساعِدُكُم هذا على فهمِ وإتِّباعِ طُرُقِهِ.

أضف تعليق


قرأت لك

تغيّر انت فيتغيّر الآخرون!

ارادت الزوجة الصينية التخلّص من حماتها بسبب العراك والشجار الدائمَين، فذهبت الى الحكيم تطلب منه نصيحة في كيف تتخلّص منها. فأعطاها الحكيم دواء ليميت، لكن بشكل بطيء ولئلا تكون الزوجة متهمة امام القانون بقتل حماتها، نصحها الحكيم بتحسين معاملتها مع حماتها. وصلت الزوجة مسرورة الى البيت وبعد ان القت الدواء في كوب الشاي، توقعت في كل يوم ان تموت حماتها فتتخلص منها نهائياً. وبدأت الزوجة تعامل حماتها معاملة جيدة جداً، تكلّمها بلطافة وتدعوها لتأكل معها وتحتملها. عندما رأت الحماة المعاملة الحسنة، بدأت هي ايضاً تعامل كنتها زوجة ابنها معاملة حسنة. وهكذا عاشتا كلتاهما بسلام وتفاهم. وبعد عدة اسابيع اسرعت الزوجة الى الحكيم تصرخ ارجوك لا اريد حماتي ان تموت فنحن نعيش في سلام ولا توجد اية مشاكل بيننا. وترجّته ان يبطل مفعول الدواء السابق باية طريقة. ابتسم الحكيم وقال انه لم يعطها دواءً بل ماءً، وقد توقّع هو هذه النتيجة!. هكذا ايضاً فان كثيراً ما نعاني ونصلي ولكن الحاجة الى تغيير اسلوب تعاملنا وتفكيرنا فتتغيّر الاحوال، كثيراً ما تكون حاجتنا الى التواضع وليس الى معجزة من الله لنتفاهم مع الآخرين!.