تفاسير

الفَصلُ الثَّانِي "هَلِ إنقَسَمَ المسيحُ؟"

القسم: دراسة لرسالة كورنثوس الأولى الجزء الأول.

(1كُورنثُوس 1: 10- 17)

هذهِ الأعداد في الإصحاحِ الأوَّل تَكشِفُ عن قصد هذه الرسالة. وكما هُوَ مذكُورٌ، إنَّ رِسالة كُورنثُوس الأُولى كُتِبَت لكَنيسةٍ عانَت من عِدَّةِ مشاكِل. في الإصحاحاتِ الأربَعة الأُولى، عالَجَ بُولُس مُشكِلَةَ الإنشقاقات في الكنيسة. وكانَ قد أُخبِرَ عن هذه الإنشقاقات في الكنيسة "من أهلِ خُلُوي." (1: 11) كانت كنيسةُ كُورنثُوس تلتَقي في كافَّةِ أرجاءِ مدينَةِ كُورنثُوس في كنائِس المنزِل. وكُلُّ الكنائِس التي أسَّسَها بُولُس كانت تلتَقي بهذه الطريقة. وعندما خاطَبَ بُولُس شُيُوخَ كنيسةِ أفسُس، قالَ لهُم، "كما علَّمتُكُم جَهراً وفي كُلِّ بَيت." فعِندَما تحدَّاهُم بأن يرعُوا رَعيَّةَ الله التي إئتَمَنَهُم عليها الرُّوحُ القُدُس، بإمكانِنا أن نتصوَّرَ أنَّ الشُّيُوخ قادُوا كنائِس منزِليَّة في أفسُس، وكانُوا مسؤولينَ عن الإشرافِ على النُّمُوِّ الرُّوحِيّ للذين إلتَقوهم في الكنائِسِ المنزِليَّة. (أعمال 20: 28) كانت الكنيسةُ الأُولى تلتَقي في الكنائسِ المنزِليَّة في القُرونِ الثلاثَةِ الأُولى.

لقد تمحوَرَت كنائِسُ كُورنثُوس المَنزِليَّة حولَ قادَتِها. وبما أنَّ بُولُس كان الشخص الذي جاءَ إلى كُورنثُوس وكرزَ بالإنجيل عندما خَلُصَ هؤلاء، قالَ بعضُهم بالنتيجة، "أنا سأتبَع بُولُس. فبُولُس هُوَ الذي قادَني للمسيح، ولهذا سأتبَعُهُ." وقبلَ أن تجدَّدَ بُولُس، كانَ دارساً عظيماً للنامُوس، أو رابِّيَّاً، وكان فرِّيسيَّاً درسَ عندَ أقدامِ غملائيل، المُعلِّم الشهير. (أعمال 22: 3) أن تتمكَّنَ من القول في تِلكَ الأيَّام أنَّكَ جلستَ عندَ أقدامِ مُعَلِّمٍ عَظيم، يُشبِهُ القولَ في أيَّامِنا الحاضِرة أنَّكَ تحمِلُ شهادَةً من إحدَى الجامِعات الشهيرة. بكلماتٍ أُخرى، كانَ لدى بُولُس كُلّ الأهليَّة الفكريَّة. فالحضارَةُ اليونانيَّة في أيَّامِ بُولُس أولَت الكثير من القيمة للتعلُّم. وكانَ المُؤمنُونَ الكُورنثُوسِيُّون الذي كانُوا يحتَرِمُونَ التحصيلَ الفِكري بشكلٍ كبير، كانُوا يُصغُونَ بإهتِمامٍ كَبير لبُولُس، ولكن ليسَ لبُطرُس.

ولكن لم يكُن الجميعُ في كُورنثُوس مُثقَّفين؛ وهكذا أحَبَّ الكَثيرونَ منهُم الوعظَ المُتواضِعَ والمُنسَحِق الذي قدَّمَهُ إليهِم بطرُس. بعضُهم لم يفهَمُ تعليمَ بُولُس كما فهِمُوا وعظَ بُطرُس التأمُّلِيّ. فرُغمَ أنَّ بُطرُس لم يكُنْ مُتَعلِّماً، ترونَ عندما تقرَأُونَ رسائِلَهُ أنَّهُ كانَ يُشدِّدُ على التطبيقِ التعبُّدي والعَمَلي للأُمُورِ الرُّوحيَّة.

ثُمَّ كانَ هُناكَ شخصٌ إسمُهُ أبُولُّوس، الذي يبدو أنَّهُ كانَ يُونانيَّاً فصيحاً قبلَ أن يتجدَّدَ. وبما أنَّ الكُورنثُوسيِّين كانُوا يُعطُونَ قيمةً كُبرى للفَصاحة، قالَ بعضُهُم، "أنا سأتبَعُ أبُولُّوس. فهُوَ وحدُهُ الذي يُؤثِّرُ فيَّ بِكلامِهِ."

وأخيراً، كانَت تُوجَدُ مجمُوعَةٌ في كنيسةِ كُورنثُوس كانت تقيَّةً جدَّاً. هؤلاء هُم الذين دعاهُم بُولُس بأنَّهُم كانُوا "للمسيح." يعني بُولُس أنَّ هؤُلاء كانُوا يقُولُون، "أنا لا أتبعُ إنساناً، بل أتبَعُ المسيح." (1: 12)

بعدَ أن وصفَ بُولُس هذه الإنشقاقات في الكنيسة، عالَجَ تمحوُرَ المُؤمنينَ هُناك حولَ قادَتِهم بِسُؤالهم: "هل إنقَسَمَ المسيح؟"

في عددٍ واحد، أعطى بُولُس لمحَةً خاطِفَة عمَّا هُوَ الخلاص. كتبَ يقُول، "أَمينٌ هُوَ اللهُ الذي بِهِ دُعِيتُم إلى شَرِكَةِ إبنِهِ يسُوع المسيح رَبِّنا." (1: 9) فإن كانَ الخلاصُ بمعناهِ الحقيقي دعوَةً للعلاقَةِ معَ المسيح، فإن كانَ مُمكِناً لنا أن نتمتَّعَ بِعلاقَةٍ معَ المَسيحِ الحَيِّ المُقام، عندها يطرَحُ بُولُس علينا سُؤالاً وجيهاً: "هل إنقَسَمَ المسيحُ؟"

في رِسالَتِهِ إلى الكُولوسِيِّين، كتبَ بُولُس ما معناهُ أنَّ المسيحَ في قُلوبِنا هُوَ رجاؤُنا الوَحيد. (كُولُوسي 1: 27) فسُؤالُهُ بالواقِع هُوَ التَّالِي، "كيفَ يشعُرُ المَسيحُ الذي يحيا فينا وهُوَ على علاقَةٍ معنا، كيفَ يشعُرُ حِيالَ العِرق، الطبقيَّة الإجتماعِيَّة، الإجهاض، إستِنساخ الجنس البَشَريّ، أشكال العِبادة، العقيدة، أو أيَّةِ قضيَّةٍ أُخرى تُقَسِّمُنا؟

هل إنقَسَمَ المَسيحُ؟ فكِّرْ بهذا. الجوابُ الصَّريح ينبَغي أن يكُونَ بِوُضُوح "كلا!" ولكنَّ هذا الإستنتاج الواضِح ينبَغي أن يكُونَ على أساس أنَّهُ إن كانَ المسيحُ حيَّاً فينا بالفِعل، عندها علينا أن لا نكُونَ مُنقَسِمين. وإن كُنَّا مُنقَسِمينَ لكونِنا نتمحوَرُ حولَ قادَتِنا، فهُناكَ خَلَلٌ ما في علاقَتِنا معَ المسيح، وهُناكَ خلَلٌ في طريقَةِ نظرَتِنا إلى قادَتِنا.

في العدد 13 يستَخدِمُ بُولُس نفسَهُ كَمِثالٍ عن كيفَ ينبَغي أن يُنظَرَ لِلقادة. "ألَعَلَّ بُولُس صُلِبَ لأجلِكُم؟ أم بإسمِ بُولس إعتَمَدتُم؟" فهو يقُولُ مُتسائِلاً، "أنا لم أمُتْ على الصليبِ من أجلِكُم، أليسَ كذلكَ؟ فلِماذا يقُولُ البعضُ منكُم: أنا لِبُولُس؟" لم يُخاطِب بُولُس أولئكَ المتَحزِّبينَ لِقادَةٍ آخرين. بل خاطبَ بدِبلُوماسِيَّةٍ أُولئكَ الذين يتبَعُونَهُ هُناك، في "الكنيسةِ الأُولى في كُورنثُوس."

ولقد أشارَ بُولُس إلى كونِهِ قد عمَّدَ القَليلينَ فقط من المُؤمنين في كُورنثُوس، ثُمَّ قدَّمَ هذا التصريح العَميق الذي يُقارِنُ بينَ المعمُوديَّةِ والإنجيل: "لأنَّ المَسيحَ لم يُرسِلْني لأُعمِّدَ بَل لأُبشِّرَ. لا بِحكمَةِ كلامٍ لِئلا يتعطَّلَ صَليبُ المسيح." (1: 17) أن نفصِلَ بينَ المعمُوديَّةِ والإنجيل، يعني أنَّنا لا نعتَمِدُ لكَي نخلُصَ. بل نعتَمِدُ لأنَّنا خَلُصنا. فالمعمُودِيَّةُ هي بمثابَةِ إحتِفالِ عُرسٍ، حيثُ نقُومُ بتصريحٍ عَلَنِيٍّ عن قرارٍ سبقَ وتمَّ إتَّخاذُهُ على إنفِراد.

لِكَي يُوضِحَ بُولُس هذه النُّقطة، إستَخدَمَ بُولُس ما تبقَّى من الإصحاحِ الأوَّل، والإصحاحات الثاني والثالِث والرَّابِع، ليشرَحَ ما يحصَلُ فِعلاً عندَما يُكرَزُ بالإنجيل، ويُؤمِنُ الناسُ ويتجدَّدُون. من الواضِح أنَّهُ يُخاطِبُ أُولئكَ الذينَ سيَتبَعُونَ قائدَهم فقط لأنَّهُ كانَ الشخص الذي كرزَ لهُم بالإنجيل في كُورنثُوس عندما تجدَّدُوا.

كَثيرونَ يقعُونَ في خطأِ مُحاوَلة جعل إنجيل المَسيح مُشَوِّقاً من الناحية الفِكريَّة. هؤلاء كانُوا يُحِبُّونَ أن يجعَلُوا من الإنجيلِ عميقاً ومَنطِقيَّاً، وكأنَّهُم كانُوا يُفكِّرُونَ كالتالي: "لو إستطعتُ أن أُجيبَكَ على كُلِّ أسئِلتِكَ الفكريَّة، فأنا مَتَيَقِّنٌ أنَّكَ ستخلُص."

يُخبِرُنا بُولُس هُنا أن ليسَ هذا ما حدَثَ عندما كرزَ بالإنجيل في كُورنثُوس. فهُوَ لم يكرِزْ بالإنجيل مُستَخدِماً كلامَ الحكمَةِ الإنسانِيَّةِ المُقنِع. بل أعلَنَ أنَّهُ لم يُرسَل ليكرِزَ بالإنجيل بكلامِ الحكمةِ الإنسانيَّةِ المُقنع. ولو فعلَ ذلكَ، لفرَّغَ صليبَ المسيح من قُوَّتِهِ، ولكانَ إيمانُ الذين آمنُوا مُرسَّخاً في الحكمَةِ الإنسانيَّة. بل كتبَ بُولُس يقُولُ أنَّهُ كانَ بينَهم في ضعفٍ ورِعدَة. وقرَّرَ عن سابِقِ تصَوُّرٍ وتَصمِيم أن لا يعرِفَ شيئاً بينَ الكُورنثُوسيِّين إلا المسيح وإيَّاهُ مَصلُوباً. وعندما أعلَنَ الإنجيل في مدينتِهِم، شَهِدُوا بُرهاناً لقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس.

أضف تعليق


قرأت لك

يدان مشوّهتان وجميلتان

سألت البنت الصغيرة أمها: " لماذا يداك مشوّهتان؟، فأنا أحب كل شيء فيك، يا أمي، ما عدا هاتين اليدين المحروقتين!" أجابت الأم: " عندما كنتِ طفلة، يا صغيرتي، شبّت النيران في المنزل ، وهممت لأطفيء بيدي اللهيب الذي اشتعل في ثيابك. وان هذه الحروقات هي أثر ذلك الحادث ". اندهشت البنت الصغيرة وضمّت اليدين المشوّهتين الى صدرها وأخذت تقبّلهما بحرارة والدموع في عينيها وقالت: " ماما، ما أجمل يديك!، أكثر شيء أحبّه فيك هو يداك اللتَان أنقدتاني" .

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة