الفَصلُ السابِع عشَر "نَصيحَةُ بُولُس المُوحاة للمُتَزوِّجين"

القسم: دراسة لرسالة كورنثوس الأولى الجزء الأول.

(1كُورنثُوس 7: 7- 16)

في وسطِ رِسالتِهِ عن الزَّواج، أوضَحَ بُولُس في العَدَدَين السابِع والثامِن من الإصحاحِ السابِع أنَّهُ كانَ عازِباً: "لأنِّي أُريدُ أن يكُونَ جَميعُ النَّاسِ كما أنا... إنَّهُ حَسَنٌ لهُم إذا لَبِثُوا كما أنا." يَعتَقِدُ بعضُ المُفسِّرينَ أنَّهُ بما أنَّ بُولُس كانَ عُضواً في السنهَدريم، فلا بُدَّ أنَّهُ كانَ مُتزوِّجاً في وقتٍ من الأوقات، فإستَنتَجُوا بأنَّهُ كانَ أرمَلاً عندما كتبَ رِسالَةَ كُورنثُوس الأُولى. فسواءٌ أكانَ عازِباً أصلاً، أم صارَ عازِباً بعدَ تَرَمُّلِهِ، فهُوَ يُقدِّمُ المبدَأَ نفسَهُ هُنا: إن كُنتَ عازِباً، إبقَ كذلك.

في نهايَةِ الإصحاح، يُعلِّمُ بُولُس مُجدَّداً أنَّ العازِبين الذين لم يسبِق أن تزوَّجوا، عليهم أن يبقُوا عازِبين. ينبغي أن يُنظَرَ إلى هذا التعليم على ضَوء العدد 26، الذي يُشيرُ إلى "الضيق الحاضِر،" أو إضطِّهادِ المُؤمنين. كانَ بُولُس يُفكِّرُ بِوُضُوح أنَّ الإضطِّهاد سيكُونُ أسهَلَ جِدَّاً على شَخصٍ عازِبٍ ممَّا سيكُونُهُ على شخصٍ مُتزوِّجٍ ولهُ أولاد.

آمنَ بُولُس أيضاً أنَّ رُجُوعَ الرَّبّ كانَ وَشيكاً – كانَ هذا سبباً آخر من أجلِهِ طلبَ بُولُس من العازِبينَ أن يبقُوا كذلكَ. وعلاوَةً على ذلكَ، كتبَ بُولُس أنَّ غير المُتزوِّجِين بإمكانِهم أن يُركِّزُوا إهتِمامَهُم بالكُلِّيَّة على إرضاءِ الرَّبّ. وفي عدَّةِ أماكِن من هذا الإصحاح، قدَّمَ بُولُس حُجَجاً للبَقاءِ في العُزُوبِيَّة، ولكنَّهُ قالَ أيضاً أنَّهُ إن لم يكُنْ بإمكانِكَ إحتِمال البَقاء في العُزُوبِيَّة، وإن كان دافِعُكَ الجِنسيُّ قويَّاً ممَّا يجعَلُكَ تتحرَّقُ بالشهوة، عندها عليكَ أن تتزوَّج. ولكنَّ بُولُس يُدافِعُ بِوُضُوحٍ عن العُزُوبيَّة في هذا الإصحاح. وهُوَ يدعُو العُزُوبيَّة موهِبَة. يبدو أنَّ موهِبَةَ العُزوبيَّة تعني أنَّهُ بإمكانِكَ أن تعرِفَ الشبعَ والرِّضى بدونِ الزواج، وذلكَ من خِلالِ "زواجِكَ" أي شَرِكَتِكَ معَ الرَّب.

في الأعداد 10 و11 يُخاطِبُ بُولُس المُتَزوِّجِين، الأزواج المُؤمنين، أي نفس الأزواج الذين كانَ يُخاطِبُهُم في الأعداد 3- 5. إنَّ تعليمَهُ لهُم ليسَ أن يَتَطلَّقُوا. وتعليمُهُ هذا مُنسَجِمٌ معَ تعليمِ يسُوع. لهذا كتبَ قائِلاً، "ليسَ أنا بَلِ الرَّب." فلقد أعطانا الرَّبُّ إستثناءً واحِداً على هذا، وهُوَ إستثناءُ الخِيانَةِ الزَّوجِيَّة. علَّمَ يسُوعُ أنَّ الزَّواجَ هُوَ عقدٌ مَبنِيٌّ على شَرطِ الحصريَّة وإستِقصاءِ كُلِّ دَخيلٍ آخر على العلاقَة بينَ الشَّرِيكَين الزَّوجِيِّيَّن. عندما يُنتَهَكُ شَرطُ الحَصرِيَّة، يُمكِنُ أن يُعلَنَ كَسْرُ العَقدِ الزَّوجِيّ. فاللهُ والمسيحُ لا يأمُرانِ المُؤمن بأن يعيشَ معَ شَريكٍ لا يلتَزِمُ بأن يعيشَ معَهُ حصرِيَّاً، ولا يستقصي الآخرين.

العدد 12 يبدَأُ بتقديمِ جواب بُولُس على سُؤالٍ آخر طرحَهُ الكُورنثُوسيُّونَ في رِسالتِهم لهُ، فيما يتعلَّقُ بالزواج. يبدو أنَّهُم سألُوهُ ماذا ينبَغي على الرجُل المُؤمن أو المرأة المُؤمِنَة أن يفعلاهُ، عندما يكُونُ أحدُهُما مُتزوِّجاً من شَريكٍ غَيرِ مُؤمن. كتبَ بُولُس يقُول: "إن كانَ أخٌ لهُ إمرأَةٌ غَيرُ مُؤمِنَة وهي ترتَضِي أن تسكُنَ معَهُ فلا يترُكْها. والمرأةُ التي لها رَجُلٌ غَيرُ مُؤمِنٍ وهُوَ يرتَضِي أن يسكُنَ معَها فلا تترُكْهُ." (12- 13)

إنَّ يسُوعَ لم يُعالِج موضُوعَ "الزيجات المُختَلَطة"، التي يكُونُ فيها أحدُ الزَّوجَين مُؤمناً، أما الآخرُ فلا. هذه الزِّيجات لرُبَّما كانت نتيجَةً لنوالِ أحدِ الزَّوجَين الخلاص بعدَ الزواج، وهو أمرٌ يكثُرُ حُدُوثُهُ في أيَّامِنا أيضاً. بالطبع، قد يكُونُ هذا نتيجَةً لزواجِ المُؤمن من شَريكٍ غَير مُؤمن، الأمرُ الذي يمنَعُنا الكتابُ المُقدَّسُ عن عملِه. (2كُورنثُوس 6: 14)


الطلاقُ في الكِتابِ المقدَّس

في زواجٍ مُختَلَط، لا يُعطي بُولُس خَيارَ الطلاق للمُؤمن، بل لِغَيرِ المُؤمن. وهذا عادِلٌ جداً على أكثَرِ من وجَهٍ. دَعُونا نفتَرِضُ مثلاً، أنَّ الرجُلَ غير المُؤمن هُوَ مُتَزوِّجٌ من إمرأَةٍ أصبَحَت مُؤمِنَةً بعدَ أن تزوَّجا. عندما تزوَّجا وكانا غير مُؤمِنَين، كانَا مُنسَجِمَينِ مُتلائِمَين؛ وكانَ لديهما نظامُ القِيَمِ نفسه. ثُمَّ أصبَحت الزَّوجَةُ مُؤمِنَةً. فالآن، ماذا عليها أن تفعَل؟ يُعلِّمُ بُولُس بأنَّهُ عليها أن تبقَى مُلتَزِمَةً بزَوجِها. ولكن إذ نظَرَ زوجُها إليها وقال، "أنتِ لم تعُودي نفس المرأة التي تزوَّجتُها. أُريدُكِ خارِجَ حياتِي." عندها، يقُولُ بُولُس، فليُفارِق. ليسَ الأخُ أو الأُختُ مُستَعبَدَينِ في مِثلِ هذه الأحوال." (15)

ولكن، إذ قالَ الزَّوجُ غَيرُ المُؤمن،"حسناً، أنتِ لم تَعُودي الشخص الذي تزوَّجتُهُ، ولكنِّي لا أزالُ أُحِبُّكِ. وأُريدُكِ أن تبقَي زوجَةً لي،" فإنَّ نصيحَةَ بُولُس المُوحاة التي يُقدِّمُها للشَّرِيكِ الزَّوجِيِّ المُؤمن هي البقاء في الزواج. لماذا؟ "لأنَّ الرَّجُلَ غير المُؤمن مُقدَّسٌ في المرأة." (14) والأملُ هُوَ بالطبع أن تتمكَّنَ الزوج‍ةُ من قِيادَةِ زوجِها لمعرِفَةِ المسيح. وعلينا أن نُعرِّفَ ماذا يعني كون الزوج يرغَبُ ببَقاءِ زوجتِهِ المُؤمنَة معَهُ. فهذا يعني أنَّهُ عليهِ أن يعيشَ معَها ودُونَ غيرِها حصريَّاً. عندما كتبَ بُولُس أنَّ الزَّوجَةَ المُؤمنِة ليسَت مُستَعبَدَةً عندما يترُكُها زوجُها، فهل هذا يعني أنَّها حُرَّةٌ لتَتَزوَّجَ من جَديد؟ أنا أعتَقِدُ بأنَّها تستطيع. فأنا أُفسِّرُ عدمَ كونِها مُستَعبَدة، بأنَّها حُرَّةٌ لتَتَزوَّجَ من جَديد.