تفاسير

الفَصلُ الخامِس مواهِبُ وخدماتٌ

القسم: دراسة لرسالة كورنثوس الأولى الجزء الثاني.

(1كُورنثُوس 12: 1- 6)

الأعدادُ الأحد عشر الأُولى من 1كُورنثُوس 12 تقُودُنا إلى ما أعتَبِرُهُ قَلبَ أو جَوهَرَ هذه الرِّسالة. الآن أُريدُ أن أَتَأمَّلَ بهذه الأعداد، واحِداً بعدَ الآخر. في العدد 3، يُعالِجُ بُولُس بِوُضُوح مُشكِلَةَ النشاطِ الشيطاني الذي كانَ يترافَقُ معَ عبادَةِ الأصنام في كُورنثوس. فالناسُ الذي كانُوا يعبُدُونَ ويُقدِّمُونَ ذبائِحَ لهذه الأصنام، كانُوا يُقَدِّمُونَ ذبائِحَ للشَّياطين (10: 19- 21؛ 12: 2- 3).

عندما كانَ النَّاسُ يعبُدُونَ الأصنام، كانت الأرواحُ الشِّرِّيرَةُ تُحَرِّكُهم ليَلعَنُوا المَسيح. كتبَ بُولُس يقُول: "لذلكَ أُعَرِّفُكُم أن ليسَ أحدٌ وهُوَ يتكلَّمُ بِرُوحِ اللهِ يَقُولُ يسُوعُ أناثيما. وليس أحَدٌ يَقدِرُ أن يَقُولَ يسوعُ رَبٌّ إلا بالرُّوحِ القُدُس."

الأساسُ العقائِديُّ للشَّرِكَة في كنائِسِ العهدِ الجديد كانَ بِبَساطَةٍ ثلاث كَلِمات: "يسُوع رَبّ." قالَ يسُوع، "كُلُّ من لا يحمِلُ صَليبَهُ ويَتبَعني لا يقدِرُ أن يكُونَ لي تِلميذاً." وقالَ أيضاً، "فكذلِكَ كُلُّ واحِدٍ منكُم لا يترُكُ جَميعَ أموالِهِ لا يقدِرُ أن يكُونَ لي تِلميذاً." (لُوقا 14: 25- 35).

ماذا عنَى هذا للَّذِينَ سمِعُوا يسُوعَ ينطِقُ بهذه الكلمات. كانَ يعني هذا أن تكُونَ مُستَعِدَّاً أن تمُوتَ من أجلِ يسُوع، وإلا فلا تستطيعُ أن تكُونَ لهُ تِلميذاً؛ وأنَّ يسُوعَ المسيح ينبَغي أن يكُونَ أكثَرَ أهمِّيَّةً من أيِّ شيءٍ أو شخصٍ آخر في حياتِكَ، وإلا لا تقدِرُ أن تَكُونَ لهُ تلميذاً. يُعَلِّمُ يَسُوعُ الحقيقَةَ ذاتَها عندما يكتُبُ عن هذا الأساس العقائِدي للشَّرِكَة في كَنيسةِ العهدِ الجديد.

كيفَ ترَونَ هذا مُتَمَّماً في حياةِ المُؤمن؟ بالنسبَةِ ليسُوع، لكي يَصِلَ الناسُ إلى المكانِ الذي فيهِ يستطيعُونَ أن يَرَوا ملكوتَ الله، ويدخُلُوا في شَركَةٍ معَهُ حيثُ يكُونُ هُوَ ملكَهُم، عليهم أن يُولَدُوا من جديد. هذا ما قالَهُ يسُوعُ لنيقُوديمُوس في يُوحنَّا 3: 3، 5). يُوافِقُ بُولُس معَ يسُوع عندما يكتُب أنَّنا لكَي نَصِلَ إلى المرحلَة التي فيها نستطيعُ القَولَ بشفاهِنا وحياتِنا، "يسُوع رَبٌّ،" علينا أن نختَبِرَ الرُّوحَ القُدُسَ، أي أن نُولَدَ من جَديد.

الآن، وبعدَ هذه المُقدِّمة، يبدَأُ بُولُس في العدد 4 بإعطائِنا تعليمَهُ العَظيم في هذه الإصحاحاتِ الثلاثة عن عمَلِ الرُّوحِ القُدُس في الكنيسةِ المَحَلِّيَّة. يُشدِّدُ بُولُس على مَفهُومَين في هذا الإصحاح. بِالنِّسبَةِ لبُولُس، عندما يعمَلُ الرُّوحُ القُدُسُ بطريقَةٍ صحيحَةٍ في كَنيسةٍ ما، سوفَ تَتَميَّزُ هذه الكنيسةُ بالتنوُّعِ والوِحدَةِ في آنٍ. لاحِظُوا كم من المرَّاتِ كرَّرَ بُولُس هذين المَفهُومَين في هذا الإصحاح. فكيفَ يُمكِنُ لِهَذَينِ المبدأَينِ المُتناقِضَين أن يتواجَدا في كنيسةٍ واحدة؟ بوحيٍ من الرُّوحِ القُدُس، يجمَعُ بُولُس هذين المبدَأَين معاً، عندما يقُولُ لنا أنَّ هكذا كَنيسة تعمَلُ مثل الجسد الإنسانيّ. هُناكَ تنوُّعٌ أو إختِلافٌ عظيمٌ بينَ العَينِ والأُذُن، واليد والرِّجل. ولَكِنَّ هذا التنوُّع يعمَلُ بِتَشدِيدٍ على الوِحدة، لأنَّ كُلَّ الأعضاء المُتَنَوِّعَة في الجَسد هي تحتَ سَيطَرَةِ رأسٍ واحِد.

في النِّصفِ الثَّاني من القرنِ العِشرين، كانَت تُوجَدُ نهضَةٌ في الإهتِمامِ بالرُّوحِ القُدُس. فبينما نُفسِّرُ إختِباراتِنا للرُّوحِ القُدُس، علينا أن نكُونَ حَذِرينَ بأن لا نخلُقَ إنشقاقاتٍ وتشويشاتٍ كثيرة، لأنَّنا مُجَرَّبُونَ بأن نقتَرِفَ بعضَ الأخطاء في طريقةِ التعبيرِ عن إختباراتِنا للرُّوحِ القُدُس. مثلاً، هل سبقَ وَسَمِعتُم أشخاصاً يَصِفُونَ راعي كَنيسةٍ أو كنيسةً بحدِّ ذاتِها بكونِها مملوءَةً بالرُّوح؟ وكَأَنَّ المقصُودَ هوَ التالي: هُناكَ نوعانِ من المُؤمنين، أو الخُدَّام والكنائس. هُناكَ أُولئكَ المُؤمنين المَملُووئينَ بالرُّوحِ القُدُس، خُدَّاماً وكَنائِسَ، وهُناكَ أُولئكَ المُؤمنين، من خُدامٍ وكنائس، الذي لم يمتَلِئُوا بتاتاً بالرُّوحِ القدُس.

هل هذا ما يقصدُهُ الكتابُ المقدَّسُ عندما يَصِفُ مُؤمنين مملوئينَ من الرُّوحِ القُدُس؟ يُوصِي الكتابُ المُقدَّسُ جميعَ المُؤمنين بأن "يمتَلِئوا من الرُّوحِ القُدُس." (أفسُس 5: 18). يقُولُ النَّصُّ في اللُّغَةِ الأَصلِيَّةِ، "كُونُوا مُمتَلِئينَ من الرُّوحِ القُدُس." ففي اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ، هذا التَّعليم نُظِّمَ بطريقَةٍ تُعتَبَرُ بِوُضُوحٍ وَصِيَّةً وليسَت خَياراً لتِلميذٍ حَقيقيٍّ ليسُوع  المسيح.

ماذا يعني أن نَكُونَ مُمتَلِئينَ من الرُّوحِ القُدُس؟ نُخبَرُ في سفرِ الأعمال أنَّ بطرُس "إمتلأَ بالرُّوحِ القُدُس،" وألقى تلكَ العظة العظيمة يومَ الخَمسين. ثُمَّ نقرَأُ لاحِقاً، "فإمتَلأَ بطرُس من الرُّوحِ القُدُس،" ووعظَ فتجدَّدَ الآلافُ وخَلُصُوا. ثُمَّ نقرأُ لاحِقاً، "وإمتلأَ بطرُسُ من الرُّوحِ،" وعمِلَ هذا وذاك. فالآن، في هذه المراحِل التي لا يُخبِرُنا عنها الكتابُ عمَّا إذا كانَ بطرُس فيها مملووءاً من الرُّوحِ القُدُسِ أم لا، فهل كانَ مملووءاً من الرُّوح؟

الرُّوحُ القُدُسُ ليسَ سائِلاً. بل الرُّوحُ القُدُسُ هُوَ شَخصٌ. فإمَّا أن يكُونَ لنا الرُّوح القُدُس في حياتِنا أو لا. القَضِيَّةُ ليسَت، "كم لدينا من الرُّوحِ القُدُسِ في حَوزَتِنا؟" بل "إلى أيِّ مدى يَمتَلِكُنا الرُّوحُ القُدُس؟" فعندما يمتَلِكُنا بالتمام، عندها نكُونُ مملووئين بالرُّوح.

المُؤمنُ المملووءُ من الرُّوحِ القُدُس هُوَ الذي يُسيطِرُ عليهِ الرُّوحُ القُدُس. فقبلَ أن يُوصِيَنا بُولُس بأن نمتَليءَ من الرُّوحِ القُدُس، كتبَ يقُولُ: "ولا تَسكَرُوا بالخَمرِ الذي فيهِ الخلاعة، بَلِ إمتَلِئُوا بالرُّوح." (أفسُس 5: 18). تماماً كما يكُونُ الشخصُ السكرانُ تحتَ تأثيرِ أو سيطَرَةِ الكُحُول، هكذا علينا أن نَكُونَ تحتَ تأثيرِ أو سيطَرَةِ الرُّوحِ القدُس.

يُخبِرُنا بُولُس في هذا الإصحاح أنَّهُ، عندما نكُونُ نحنُ وأعضاءُ كنيستِنا مملووئينَ من الرُّوحِ القُدُس؛ ستمتازُ كنيستُنا بشكلٍ مُدهِشٍ من التنوُّعِ والوِحدَة. وكما يُعَبِّرُ بُولُس عن ذلكَ هُنا، "فأنواعُ مواهِب مَوجُودَة ولكنَّ الرُّوحَ واحد." (4) بما أنَّ المواهِبَ الرُّوحيّة تُؤهِّلُنا للخدماتِ الرُّوحيَّة، يقُولُ العددُ الخامِسُ، "وأنواعُ خِدَمٍ موجُودة،" الأمرُ الذي يعني طُرُقاً مُتعدِّدَةً في خدمَةِ الله. هُناكَ تَنَوُّعٌ في المواهِب، ومن ثَمَّ تنمُو من هذه النماذجِ المُتنوِّعة للمواهِب نماذِجُ مُتنوِّعة في الخدمة. ففي كنيسةٍ تعيشُ تحتَ سيطَرَةِ الرُّوحِ القُدُس، لن يكُونَ لأعضاءِ هذه الكنيسة المواهِب والخدمات الرُّوحيَّة نفسها، بَل بتَنَوُّع.

ثُمَّ يقُولُ بُولُس في العدد 6: "وأنواعُ أعمالٍ مَوجُودَة ولكنَّ اللهَ واحِدٌ الذي يعمَلُ الكُلَّ في الكُلِّ." إنَّ مواهِبَ وخدماتِ الرُّوح لا تُعطَى بِحَسَبِ مشيئتِنا نحنُ، بل بِحَسَبِ مَشيئَةِ الآب (11). لَرُبَّما هذا هُوَ المقصُود هُنا في الأعداد 4، 5، و6 عندما يكتُبُ بُولُس قائِلاً أنَّ نمُوذَجَ المَوهِبَةِ مُتَنَوِّعٌ، ونمُوذَجَ الخدمةِ مُتنوِّعٌ، والطريقة التي يعمَلُ بها اللهُ من خلالِ هذه النماذج للمواهِب والخدمةِ، هي ليست دائماً بنفسِ الوَتيرة. ولكنَّهُ يُشدِّدُ على أنَّ الرَّوحَ نفسُهُ هُوَ الذي يعمَلُ في كُلِّ هذه المواهِب والخدمات المُتَنَوِّعة ومن خلالِها. هذه الإستعلاناتُ للرُّوحِ تُعطى لمنفَعَةِ الكنيسةِ كَكُلٍّ.

أضف تعليق


قرأت لك

ضرورة العماد بالتغطيس

هل العماد بالرش أم بالتغطيس، ليس شك في أن العماد بالتغطيس وليس في الكتاب دليل واحد يؤيد العماد بالرش، فكل الحقائق التي سجلها الوحي عن المعمودية تؤكد لنا ضرورة العماد

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة