تفاسير

الفَصلُ الحادِي عشَر عُنقُودُ الفضائِل

القسم: دراسة لرسالة كورنثوس الأولى الجزء الثاني.

(1كُورنثُوس 13: 4- 7)

في قَلبِ الإصحاحِ الثالِث عشر من كُورنثوس الأُولى، علينا أن نمتَحِنَ "عُنقُودَ الفَضائِلِ" هذا، الذي هُوَ جَوهَرُ المحبَّة التي هي جوهَرُ الله. ليسَ بإمكانِ بُولُس أن يُعَرِّفَ المحبَّة أكثَر ممَّا يستطيعُ أن يُعَرِّفَ الله. ولكنَّهُ يُخبِرُنا هُنا وفي أماكِنَ أُخرى في كتاباتِهِ، أنَّهُ إذا كانَ الرُّوحُ القُدُسُ حَيَّاً في قُلُوبنا، فإنَّ بُرهانَ تلكَ المُعجزة سيكُونُ هذه الفضائل الخمس عشرَة (غلاطية 5: 22، 23). هذا يعني أنَّهُ في هذه الأعداد، لا نجدُ فقط المحبَّةَ المُعنقَدة، بل وأيضاً المُتَحلِّلَة. فإذا أردنا أن نعرِفَ المَزيد عمَّن وعمَّا هُوَ الله، علينا أن نختَبِرَ هذه الفضائِل، واحِدَةً بعدَ الأُخرى، لأنَّها لا تُحَلِّلُ المحبَّةَ فقط؛ بل أيضاً تحليلٌ لجوهَرِ الله.

أوَّلاً، يُخبِرُنا بُولُس أنَّ "المحبَّةَ تَتَأنَّى." رُغمَ أنَّ الكلمةَ تُرجِمَت هُنا "صبر"، ولكنَّ اللغُةَ اليُونانِيَّةَ الأصليَّةَ تُشيرُ إلى أنَّ المحبَّةَ رَحِيمَةٌ، أي أنَّها غَيرُ مَشرُوطة، ولا تنتَقِمُ لنَفسِها، حتَّى ولو كانَ لها الحَقُّ والفُرصَةُ بالقِيامِ بِتَصفِيَةِ حساباتِها معَ الآخرين.

ثُمَّ، نقرَأُ أنَّ "المحبَّةَ تَرفُقُ." تعني هذه الكلمةُ اليونانِيَّةُ أنَّ المحبَّةَ سهلَةٌ للتَّعايُشِ معها، وللإقتِرابِ منها. المحبَّةٌ طَيِّبَةٌ، وصالِحَةٌ، وتعمَلُ خيراً. جميعُ هذه المفاهِيم مَوجُودَةٌ في الكلمة اليونانِيَّة المُتَرجَمَة "تَرفُقُ."

ثُمَّ يقُولُ بُولُسُ أنَّ "المحبَّةَ لا تحسُدُ." طَريقَةٌ أُخرى لفهمِ الكلمة التي إستَخدَمَها بُولُس تُشيرُ إلى إلتِزامٍ غَيرِ أنانِيٍّ لكائِنٍ آخَر. بِكَلِماتٍ أُخرى، الغَيريَّة المُقدَّسة. فأنتَ لا تهتَمُّ فحَسب بخيرِ الشخص الذي تُحبُّهُ؛ بل تتَّخِذُ إلتزاماً واعِياً بِخَيرِ من تُحِبُّ.

الميزَةُ التالِيَة هي: "المَحَبَّةُ لا تَتَفاخَرُ." هذا يعني أنَّها لا تتبجَّحُ. فالإنسانُ الذي لديهِ هذه المِيزة، لن تكُونَ لديهِ حاجَةٌ ليترُكَ إنطِباعاً رائِعاً على الآخرينَ وينالَ إعجابَهُم.

ثُمَّ، يكتُبُ بُولُس قائلاً، "المحبَّةُ لا تنتَفِخُ." المحبَّةُ ليسَت مُتَكَبِّرَةً ولا مُتَعالِيَة. بكلماتٍ أُخرى، "المحبَّةُ مُتَواضِعَةً."

ثُمَّ يقُولُ بُولُس، "المحبَّةُ لا تُقَبِّحُ." فالمحبَّةُ لها طُرُقٍ لطيفَةٌ ولائِقَةٌ في التعامُلِ معَ الآخرين بِسلاسَةٍ، لأنَّها لا تتمحوَرُ حولَ خَيرِ نفسِها، بل حولَ خيرِ الآخرين. ثُمَّ، "المحبَّةُ لا تَحتَدُّ." هذا يعني أنَّهُ من الصعبِ إغضابُها. أوضَحُ كلماتٍ للتَّعبيرِ عن هذا الميزة للمحبّة هي أنَّها لا يُمكِنُ إثارَةُ غيظها. بينَ هاتَينِ الميزَتَين، يُخبِرُنا بُولُس أنَّ "المحبَّة لا تطلبُ ما لِنَفسِها." إن كانَ لديكُم هذه النَّوعيَّة من المحبَّة في قَلبِكُم، لن تَكُونُوا تتمحوَرُونَ حولَ ذواتِكُم، ولن تطلُبُوا فقط مصلَحَتَكُم، أو طريقَتَكُم الخاصَّة. فالمحبَّةُ لا تحتدُّ، وتتصرَّفُ بشكلٍ لائِق، لأنَّها لا تطلُبُ أن تسيرَ الأُمورُ على طريقَتِها الخاصَّة.

الفضائِل الأربع التَّالِية هي أيضاً مَوضُوعَةً معاً: "المحَبَّةُ لا تَظُنُّ السُّوء." وتعني العبارَةُ باليونانِيّة، أنَّ الشخصَ الذي لَدَيهِ هذا النَّوع من المحبَّة، لن يحتَفِظَ بسِجِلٍّ لأخطاءِ وفشلِ الذين يُحِبُّهم. بل يكُونُ لديهِ ما يُسمَّى "الذاكِرَة المُقدَّسة." بالواقِع، كتبَ بُولُس يقُولُ عن هذه الميزة للمحبَّة أنَّ "المحبَّة لا تفرَحُ بالإثم، بل تفرَحُ بالحَقّ." هاتانِ الفَضيلتانِ تقُولانِ الشيءَ نفسَهُ: أنتَ لا تفرَحُ ولا ترضى برُؤيَةِ الذين تُحِبُّهم يفشَلُون. ولا تَرغَبُ برُؤيتِهم يفشَلُون، بل تتألَّمُ عندما يفشَلُون. فأن تفرَحَ بالحَقِّ يعني أن تشعُرَ بالرِّضَى والسرُور عندما يَسُودُ الحَقُّ في حياةِ الذين تُحِبُّهم.

عندما قالَ بُولُس، "المحبَّة تحتَمِلُ كُلَّ شَيء،" لا تُشكِّلُ هذه العِبارَةُ بالضرورَةِ أفضَلَ ترجَمَةٍ مُمكِنَة، لأنَّ الأصلَ اليُونانِيّ يَقُول، "المحبَّةُ تُغَطِِّي أو تستُرُ كُلَّ شَيء." فأنتَ تُريدُ أن ترى الذين تُحِبُّهم ينجَحُونَ رُوحِيَّاً، وعندما يفشَلُون، لا تُخبِرُ الآخَرينَ عن سُقوطِهم. وعندما يُخبِرُونَكَ عن سُقُوطِهم، تستيطعُ أن تحتَفِظَ لنَفسِكَ بِسِرِّهم.

"المحَبَّةُ تُصَدِّقُ كُلَّ شَيء،" يَعني أنَّ المحبَّةَ تُصَدِّقُ الأفضَل حيالَ الشخصِ الذي تُحِبُّهُ. المحبَّةُ لها الإيمانُ بأن ترى وتُؤمِنَ بقُدُراتِ الشخص الذي تُحِبُّهُ. "المحبَّةُ ترجُو كُلَّ شَيء." هذا يعني أنَّ المحبَّةَ تنتَظِرُ بفَرَحٍ تحقُّقَ ما تراهُ وتُؤمِنُ بهِ حيالَ من تُحِبُّ. عندما كتبَ بُولُس: "المحبَّةُ تَصبِرُ على كُلِّ شَيء،" كانَ يقصِدُ بذلكَ أنَّ المحبَّةَ تُثابِرُ بينما تنتَظِرُ تحقُّقَ ما تُؤمِنُ بهِ وترجُو أن تراهُ في حياةِ من تُحِبّ.

بعدَ تقديمِ هذه الفضائِل الخمس عشرَة، كتبَ بُولُس يقُول: "المحبَّةُ لا تسقُطُ أبداً" (8). تُشيرُ الكلمةُ اليونانِيّةُ هُنا إلى أنَّ الشخصَ الذي يُحِبُّ لهُ الثِّقَةُ بأن يرجُوَ، وأن يُؤمِنَ، وأن يتحمَّلَ لأنَّهُ يعرِفُ أنًَّ هذه المحبَّة لا تأتي مُباشَرَةً منهُ. بل تأتي هذه المحبَّةُ من الله، وعُنقُودُ الفَضائِلِ هذا هُوَ تَعبيرٌ عن المُعجِزة أنَّ اللهَ يحيا في هذا الشَّخص ويُعبِّرُ عن نفسِهِ من خلالِهِ. فبما أنَّ اللهَ محبَّة، وهذه الفضائِلُ تُعلِنُ أنَّ المحبَّة التي هي الله، هذه المحبَّة لن تسقُطَ أبداً، لأنَّ اللهَ  لن يسقُطَ أبداً. نحنُ نسقُطُ أو نفشَلُ في الوُصُولِ إلى الله، ونفشَلُ في أن نُحِبّ، والذين نُحِبُّهم لا يحصُلُونَ دائماً على هذا النَّوع من المحبَّة، ولكنَّ هذه المحبَّة التي يكُنُّها اللهُ تجاهَنا وتجاهَ الآخرينَ من خلالِنا، هذه المحبَّة لن تسقُطَ أبداً.

أضف تعليق


قرأت لك

راعوث الموآبية

إنها راعوث التي من أرض مؤاب حيث حزمت أمرها في الرحيل مع حماتها نعمي بعد موت زوجها. نظرت من بعيد إلى ارض يهوذا وكان هناك شوق كبير في قلبها لتتعرف على شعب زوجها الذي أحبته كثيرا ولكن القدر فرق بينهما.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة