تفاسير

الفَصلُ الرَّابِع "النَّعمَةُ والحَقُّ"

القسم: إنجيل يوحنا آية آية الإصحاحات 1-3.

تَعَالَيا وانظُرا

عندما قدَّمَ يُوحنَّا المعمدان يسُوع بأنَّهُ "حملُ الله" نقرأُ أنَّهُ كانَ هُناكَ أشخاصٌ معَ يُوحنَّا المعمدان كانُوا تلاميذَهُ. وكانَ أندراوُس واحِداً منهُم. ولكن لا يُخبِرُنا الكتابُ المُقدَّس من كانَ التَّلميذ الآخر. يعتَقِدُ المُفَسِّرُونَ أنَّ التِّلميذَ الآخر كانَ يُوحَنَّا، كاتِب هذا الإنجيل. ويعتَقِدُ المُفَسِّرُونَ بها لِسَبَبَين.

عندَما نقرَأُ أنَّ، "أندراوُس وجدَ أوَّلاً أخاهُ سِمعان،" يَقُولُ الأصلُ اليُونانِيُّ أنَّ أندراوُس كانَ أوَّلَ من وجدَ أخاهُ. وكانَ لِيُوحَنَّا أيضاً أخاً، وكانت مجمُوعتا هؤُلاء الإخوة شُركاءَ في صَيدِ السَّمَك. "كانَ أندراوُس أوَّل من وحدَ أخاهُ سِمعان (الذي أصبَحَ يُعرَفُ لاحِقاً بِإسم بُطرُس)، وقدَّمَهُ ليَسُوع." هذا هُوَ جوهَرُ معنى هذه الكلمات اليُونانِيَّة.

السَّبَبُ الثَّانِي الذي لأجلهِ يعتَبِرُ المُفَسِّرُونَ أنَّ التِّلميذَ الآخر كانَ يُوحَنَّا، هُوَ أنَّ كاتِب هذا الإنجيل حَرِصَ دائماً على أن يختَفِيَ قدرَ الإمكانِ من نَصِّ الإنجيل الذي كتبَهُ، مُشِيراً إلى نَفسِهِ بالقَول، "التلميذ الذي كانَ يسُوع يُحِبُّهُ." ويتميَّزُ أُسلُوبُ كتابَةِ يُوحَنَّا بإخفاءِ المَعلُوماتِ التي تُوضِحُ أنَّهُ كانَ هُوَ ذلكَ التِّلميذ الآخر ليُوحنَّا المعمدان، والذي أصبَحَ لاحِقاً واحِداً من رُسُلِ يسُوع المسيح.

وعندَما أمَرَ يُوحنَّا المعمدان هذينِ التِّلميذَين بإتِّباعِ يسُوع:"إلتَفَتَ يسُوعُ ونَظَرَهُما يَتبَعانِ فقالَ لهُما ماذا تطلُبان. فقالا رَبِّي الذي تَفسيرُهُ يا مُعَلِّم أينَ تمكُث؟ فقالَ لهُما تعالَيا وانظُرا. فأَتَيا ونَظَرا أينَ كانَ يمكُثُ ومَكَثا عِندَهُ ذلكَ اليوم." يوحنَّا1: 35 -39.

وقُلتُ في مُقَدِّمَتِنا أن ننظُرَ دائماً إلى المعنى الأعمَق في إنجيلِ يُوحَنَّا. فَهُناكَ دائماً معنىً أعمَق في إنجيلِ يُوحنَّا. فما هو الذي كانَ يحدُثُ هنا، عندما قِيلَ لِتِلمِيذَي يُوحنَّا المعمدان أن يتبَعا يسُوع؟ بينما تَبِعا يسُوع، إلتَفَتَ يسُوعُ إليهِما ودارتَ بينَهما وبينَهُ هذه المُحادَثة. فكانَ سُؤالُهُ لهُما، "ماذا تُريدان؟" كانَ هذا سُؤالاً عميقاً. فلقد خَلَقنا اللهُ كصاحِبي خيار. وهذا أمرٌ مُقدَّسٌ بالنِّسبَةِ لله. فاللهُ لن ينتَهِكَ حُرِّيَّةَ الإرادَةِ والإختِيار التي أعطاها للإنسان. نحنُ مخلوقات ذات خيار، وبإمكانِنا أن نجعلَ الأُمُور تسيرُ على ذوقِنا.

يُعطينا سفرُ المزامير الوعدَ العَظيمَ بأنَّ اللهَ سيُعطينا رَغَباتِ قُلُوبِنا (مَزمُور 37: 4). مُؤمِنُونَ كَثيرون يُطالِبُونَ بهذا الوعدِ العظيم، وهُوَ بالفعلِ كذلكَ. وهُوَ أيضاً تَحَدٍّ عظيم، لأنَّهُ يطرَحُ السُّؤال، ما هي رغباتُ قَلبِكُم؟ هل تُريدُونَ أن تستَرخُوا وتستسلِموا للكَسَلِ والنَّوم؟ هل تُريدُونَ أن تكُونُوا ذَوي أخلاقٍ مُنحَلِّة؟ إن كانَ هذا ما ترغَبُونَ بِه، فالمُشكِلة بينَ أيدِيكُم، والحياةُ هي حياتُكُم. فيتوجَّبُ علينا أن ندفعَ ثمنَ عواقِب خياراتِنا، ولكن بإمكانِنا أن نَعيشَ حياتَنا بالطريقَةِ التي نُريدُ.

قالَ الشاعِرُ، "عاجِلاً أم آجِلاً، سيجلِسُ كُلُّ إنسانٍ ليتناوَلَ الطعامَ على مائِدَةِ عواقِب خياراتِهِ." إنَّ هذه الكلمات صحيحَةٌ لِلغَاية. وكثيراً ما إستَخدَمَ يسُوعُ حُجَّةَ العواقِب في تعليمِهِ (متَّى 7: 13- 27). فالحَياةُ هي مائِدَةُ عواقِب. وجميعُنا علينا أن نأكُلَ مائِدَةَ عواقِب خياراتِنا، عاجِلاً أم آجِلاً. هذا الواقِع يجعَلُ من السُّؤالِ التَّالي سُؤالاً بالِغَ الأهمِّيَّة: "ماذا تُريدُ؟ وما هِيَ رَغَباتُ قَلبِكَ؟"

ولكنَّ هذين الرَّجُلَين طرَحا ِسُؤالاً عمَلِيَّاً للغايَة. كانَ هذا السُّؤال، "يا مُعَلِّم، أينَ تمكُثُ؟" كانَ السؤالُ يقُول بالحقيقة، "أينَ تعيشُ أيُّها المُعلِّم؟ أقصُدُ، عندما تكُونُ في مُعتَرَكِ الحياة، هل تعمَلُ مبادِئُكَ هُناك؟ لطالَما إعتَقَدتُ أنَّ كُلَّ راعِي كَنيسة ينبَغي أن تَكُونَ هذه الكلماتُ منقُوشَةً على جُدرانِ مكتَبِهِ: "أيُّها الرَّاعِي، أينَ تَمكُثُ؟" فأهمُّ عِظَةٍ نُلقِيها في الحياةِ هي الحياةُ التي نحياها في هذا العالم يَومِيَّاً.

هذا السُّؤالُ الذي طرحَهُ يسُوعُ على هذينِ التِّلميذَين، هُوَ سُؤالٌ نحتاجُ أن نُرَكِّزَ عليهِ، بينَما نَصِلُ إلى كلمةِ اللهِ وتَصِلُ كلمةُ اللهُ إلينا: ماذا تُريدُ؟ كانَ هذا سؤالاً إستِفزازِيَّاً عميقاً. الأجوِبَةُ الصَّحيحَةُ على هذا السُّؤال، ستُؤثِّرُ بطريقَةٍ ديناميكيَّةٍ حيويَّة على نَوعِيَّةِ الحياة التي نعيشُها في إتِّباعِنا لمُخَلِّصِنا ورَبِّنا يسُوع المسيح.

لقد كانَ هؤلاء الرِّجال عمَلِيِّينَ لِلغَاية. كانُوا رِجالَ أعمال. وكانُوا مُهتَمِّينَ بالتَّطبيقاتِ العمليَّة لتعليمِ يسُوع. كانُوا يقُولونَ ليَسُوع عندما إلتَقُوا بهِ وسألوهُ سُؤالَهُم، "أنظُرْ يا مُعلِّم، نحنُ لا نرغَبُ بتَعَلُّمِ لاهُوتٍ على اللَّوح. ولا نُريدُ شيئاً يبدُو جميلاً على صفحاتِ كتابٍ لاهُوتِيّ. بل نُريدُ أن نعلَمَ، أينَ تعيشُ أنتَ هذا التعليم؟ ونُريدُ أن نعلَمَ ما إذا كانَ هذا التَّعليمُ يعمَلُ حيثُ نعيشُ حياتَنا اليوميَّة؟"

 ولقد كانَ يسُوعُ عمليَّاً كما كانُوا هُم أيضاً، لأنَّهُ مثلَ أيِّ مُعلِّمٍ صالِحٍ آخر، أجابَ على سُؤالِهم بدَعوَتِهِ لهُم في العدد 39 قائِلاً: "تعالَيا وانظُرا." ثُمَّ نقرَأُ بعضَ الكلماتِ الجميلة: "فأتيا ونظرَا أينَ كانَ يمكُثُ ومَكَثا عندَهُ ذلكَ اليوم." كما قُلتُ في المُقدِّمَة، تُتابِعُ القِصَّةُ لِتُخبِرَنا أنَّ هؤلاء التلاميذ جميعاً عاشُوا من أجلِ يسُوع. بالواقِع، بِحَسَبِ كلمةِ اللهِ المُقدَّسة وبحسبِ التقليدِ الكَنَسِيّ، كُلُّ واحِدٍ من تلاميذِ يسُوع ماتَ من أجلِهِ، بسبب ما رأَوهُ عندما إلتَزموا بأن ينظُرُوا أينَ كانَ يمكُثُ.

وكما أشَرتُ سابِقاً، لا يُخبِرُنا يُوحنَّا بأنَّهُ علينا أن نُؤمِنَ فحَسب، بل ويشرَحُ لنا ماذا يعني أن نُؤمِنَ. لَدَينا مِثالٌ عظيمٌ على هذا هُنا. فالإيمانُ هُوَ أن نلتَزِمَ بأن نأتِيَ وننظُرَ. أن نأتِيَ ونمشِيَ مع يسُوع، لنَسأَلَهُ أن يُريَنا كيفَ نعيش، وأن نطلُبَ مِنهُ أن يمنَحَنا نعمَةَ العَيش بهذه الطريقة.

هل سبقَ لكَ وفعلتَ هذا؟ هل سبقَ لكَ وأتَيتَ إلى المسيح المُقام الحَي وقُلتَ لهُ، "أُريدُكَ أن تَكُونَ رَبِّي وأُريدُ أن أتبَعَكَ. أُريدُ أن أقبَلَ منكَ نعمَةَ إتِّباعِكَ. أُريدُ أن آتِيَ وأن أنظُرَ كيفَ أنَّ كُلَّ الحقّ الذي أتيتَ بهِ إلى هذا العالم، والنِّعمَة لِتَطبيقِهِ، كيفَ يعمَلُ هذا في واقِعِ الحياة حيثُ أحيا كُلَّ يوم. أُريدُ أن أتَأكَّدَ من كَونِ هذا سينجَحُ حقَّاً."

علينا أن نسأَلَ وأن نجِدَ الأجوِبَةَ على هذينِ السُّؤالَين عبرَ إنجيلِ يُوحَنَّا: من هُوَ يسُوع، وما هي الحياة؟ هذه هي الحياةُ: الحياةُ هي تلكَ النَّوعِيَّة منَ العَيش التي تنتُجُ عن إتِّخاذِ النَّاس الإلتِزام بالإعتِرافِ بحقيقَةِ كونِ يسُوع حملَ الله، ومن ثَمَّ أن نأتِيَ ونلتَزِمَ بإتِّباعِهِ، لكي يُظهِرَ لنا في أوضاعِ الحياةِ الواقِعيَّة مدى حقيقيَّةِ أنَّ النِّعمَةَ والحقَّ قد صارا في يسُوع المسيح.

أُشَجِّعُكَ أن تُتابِعَ معنا هذه الدِّراسَة لإنجيلِ يُوحنَّا. وبينما نتجوَّلُ عبرَ هذا الإنجيل الرَّائع، إصحاحاً بعدَ الآخر، وعدداً بعدَ الآخر، سوفَ نكتَشِفُ من هُوَ يسُوع، ما هُوَ الإيمانُ، وما هي الحياةُ.

أضف تعليق


قرأت لك

قلب فارغ

كان يسكن في احدى المدن ضابط يحظى باحترام جميع مَن حوله، وكان مرحاً ويجعل جميع مَن حوله يضحكون من نكاته. وفي احدى الليالي كان مرحاً اكثر من المعتاد وفي الصباح وُجد ميتاً بطلقة من مسدّسه. كان قلبه ملآن بالحزن ويفتقر الى سلام مع الله، كان في حالة يأس وأراد ان يغطّي بؤسه بهذه النكات التي كان يُضحك بها الناس. هل تشعر بالفراغ والجوع والعطش. تعال بالايمان الى المسيح فتجد الراحة والشبع والارتواء.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة