تفاسير

الفَصلُ الأوَّل "ثلاثُ حقائِق عنِ الخَطيَّة والخَلاص"

القسم: إنجيل يوحنا آية آية الإصحاحات 8-10.

(يُوحَنَّا 8: 1- 36)

في الإصحاحِ السَّابِع من إنجيلِ يُوحَنَّا، نقرَأُ أنَّهُ عندما علَّمَ يسُوع، كانَ أعظَمَ مُعَلِّمٍ في العالم، وعندما وعظَ، كانَ أعظَمَ واعِظٍ في العالَمِ قاطِبَةً. كم كُنتُ أتَمَنَّى لو كانَ بإمكانِي أن أُصغِيَ إلى تلكَ العِظَة العَظيمة التي ألقاها يسُوع، والتي نَجِدُها مُدَوَّنَةً بشكلٍ مُلَخَّص في يُوحَنَّا 7: 37- 39. وكما نتوقَّعُ، ظهَرَ تجاوُبٌ مُزدَوِجٌ لهذه العِظَة العظيمة.

فبعدَ الأحداث التي تمَّ وصفُها في الإصحاحِ السَّابِع، نقرَأُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ ذهبَ إلى بيتِهِ، أمَّا يسُوعُ فصَعِدَ إلى جَبَلِ الزَّيتُون. كانت هذه عادَتُهُ. وعِندَما ذهَبَ الآخرُونَ إلى منازِلِهِم، وجدَ يسُوعُ مكانَاً مُنفَرِداً ليُصَلِّيَ فيهِ. ثُمَّ نقرَأُ أنَّهُ عندَ الفَجر، كانَ في أَروِقَةِ الهَيكَل، معَ كَثيرينَ تجمَّعُوا حولَهُ، وكانَ هُوَ جالِساً في الوَسَطِ يُعَلِّمُهُم. عندما كانَ مُعَلِّمُوا النَّامُوس يُعَلِّمُونَ وهُم جالِسين، كانَت هذه إشارَةٌ إلى سُلطَتِهِم.

فأتى إليهِ مُعَلِّمُو النَّامُوس والفَرّيسيُّون بإمرأَةٍ أُمسِكَت بِفِعلِ الزِّنَى. فجعَلُوها تَقِفُ بِخَجَلٍ أمامَ الجمُوعِ، وقالُوا لِيَسُوع: "أيُّها المُعَلِّمُ، إنَّ هذه المرأَة أُمسِكَت في فِعلِ الزِّنَى. وبِحَسَبِ النَّامُوس، أمَرَنا مُوسى بأن نرجُمَ هكذا إمرأَة. فماذا تَقُولُ أنتَ؟"

لقد كانَ سُؤالُهُم فخَّاً. إعتَقَدُوا أنَّهُ سيُخالِفُ قولَ مُوسى، ولهذا أرادُوا فضحَ مَوقِفَهِ هذا الذي كانُوا يتوقَّعُونَهُ. أعتَقِدُ أنَّهُ منَ المُثيرِ للإهتِمامِ أنَّهُم كانُوا يعتقِدُونَ أنَّهُ سيُخالِفُ نامُوسَ مُوسى. كانَ ينبَغي أن يفهَمُوا بِوُضُوحٍ من تعليمِهِ، ومنَ الطريقة التي تعامَلَ بها معَ النَّاس، أنَّهُ كانَ رَحيماً وأنَّهُ كانَ يُحِبُّ بِدُونِ شُرُوط. لم يَرَ هَؤُلاء كيفَ كانَ يسُوعُ سيُمَرِّرُ نامُوسَ اللهِ عبرَ عَدَسَةِ محبَّةِ اللهِ، قبلَ أن يُطَبِّقَ هذا النَّامُوس على حياةِ النَّاس، حتَّى ولو كانُوا خُطاةً، وأن يبقَى أميناً لكُلِّ حرفٍ من نامُوسِ مُوسى.

فإنحَنَى يسُوعُ وأخذَ يكتُبُ بإصبَعِهِ على الأرض. وعندما أصَرُّوا على الإستِمرارِ بطَرحِ سُؤالِهِم، وقفَ يسُوعُ وقالَ لهم، "من كانَ منكُم بِلا خَطِيَّة، فليَرمِها أوَّلاً بِحَجَر." ثُمَّ إنحَنَى مُجدَّداً وتابَعَ الكتابَةَ على الأرض.

وجواباً على هذا السُّؤال، أُولئِكَ الذينَ أرادُوا إدانَةَ هذه المرأة ورجمَها، بدأُوا يُغادِرُونَ، واحِداً بعدَ الآخر، مُبتَدِئِينَ منَ الشُّيُوخ، إلى أن بَقِيَ يسُوعُ وحدَهُ والمرأة واقِفَةً أمامَهُ. فوقفَ يسُوعُ وسألَها قائِلاً، "يا إمرَأَة، أينَ هُم المُشتَكُونَ عليكِ؟ أما دانَكِ أحَدٌ؟" فأجابَتْهُ، "لا أحَد يَا سَيِّد."

المَعنَى العميق والمُباشَر هُنا هُوَ أنَّهُ لَم يَدِنْها ولا أيُّ إنسان، ولكنَّ يَسُوع هُوَ أكثَر من مُجَرَّدِ إنسان. فبِحَسَبِ السُّؤال الذي أجابَ بهِ يسُوعُ سُؤالَ رِجالِ الدِّين، الإنسانُ الوحيدُ الذي كانَ مَوجُوداً هُناك، وكانَ يَحِقُّ لهُ أن يرمِيَها بِحَجَرٍ في ذلكَ اليوم، كانَ يسُوع. وهذا يجعَلُ من كَلِماتِهِ لهذه المرأة، أجمَلَ كَلِماتٍ يُمكِنُ أن يسمَعَها الخاطِئُ:" ولا أنا أدينُكِ. إذهَبِي ولا تُخطِئي أيضاً."

لاحِظُوا أنَّهُ في إنجيلِ يُوحَنَّا، إحدَى الطُّرُق التي يُعَلِّمُ بها يسُوعُ، هي ما نُسَمِّيهِ "العمَل الرَّمزِيّ." لقد أحَبَّ الأنبياءُ أن يُعَلِّمُوا مُستَخدِمينَ أعمالاً رمزِيَّة. كانَ إرميا بطلَ هذا الأُسلُوبِ الرَّمزِي منَ التَّعليم، ودُعِيَ حزقِيالُ "بالنَّبِيِّ التَّمثِيليّ" لأنَّهُ مثَّلَ عظاتِهِ.

فإرميا مثلاً أخذَ وِعاءً كبيراً إلى الهَيكَلِ، عندما كانَ الهيكَلُ مُكتَظَّاً بالنَّاس. ثُمَّ ألقَى بالوعاءِ الخَزَفِيِّ إلى الأرض، مُحطِّماً إيَّاهُ إلى قطَعٍ صَغيرة، وبعدَ ذلكَ ألقَى عِظَةً جبَّارَةً، أعلنَ فيها التَّالِي: "هذا ما سيَعمَلهُ اللهُ بهذه الأُمَّة، إن لم تَتُوبُوا عن خطاياكُم، وسوفَ يستَخدِمُ اللهُ البابِليِّينَ ليعمَلُوا ذلكَ!" بإمكانِنا أن نتأكَّدَ أن إرميا لفتَ إنتِباهَ أُولئِكَ الذين سَمِعُوا تلكَ العِظَة، قبلَ أن يُلقِيَها! كَثيرُونَ منَ الأنبياء أمثال إرميا وحزقِيال وعظوا وهُم يستخدِمُونَ الأعمال الرَّمزِيَّة.

في رُوحِ الأنبياء، لاحِظُوا كَم من عِظاتِ يسُوع العَظيمة قد سُجِّلَت في هذا الإنجيل، كم منها تبدأُ بعملٍ رَمزِيٍّ عَمِلَهُ يسُوع. فالإصحاحُ الثَّانِي بِأَكمَلِهِ يُمكِنُ أن نُصَنِّفَهُ ضِمنَ هذا المجال. في الإصحاحِ الثَّالِث، نَجِدُ أكثَرَ تصريحاتِ المسيح عقائِديَّةً، نَجِدُها تُستَبَقُ باللِّقاءِ معَ نيقُوديمُوس. في الإصحاحِ الرَّابِع، يستَبِقُ يسُوعُ تصريحَهُ الذي قالَ فيهِ أنَّهُ ماءُ الحياة الذي يُروِي عطَشَنا، والذي يُصبِحُ نبعاً يشرَبُ منهُ الآخرُونَ مياهً حيَّةً. في الإصحاحِ نفسِهِ، نَجِدُ أنَّ تعليمَهُ العَظيم عنِ الزَّرع والحِصادِ الرُّوحِيّ قد إستَبَقَهُ يسُوعُ بمُقابَلَةٍ معَ امرأةٍ عطشَى، إكتَشَفَت ماءَ الحياة وأَصبَحَت نبعَاً حقَّقَ منهُ الآخرُونَ الإكتشافَ نفسَهُ، أي أنَّهُم أصبَحُوا يشرَبُونَ ماءَ الحياةِ ويرتَوُونَ إلى الأبد.

ثُمَّ يستَبِقُ يسُوعُ هذا الحوارَ العظيم معَ رجالِ الدِّين، الذي من خلالِهِ يُعَلِّمُ عدَّةَ أُمُورٍ، إستَبَقَ ذلكَ بِشِفاءِ الرَّجُلِ عندَ بِركَةِ بيتِ حسدا. في الإصحاحِ السَّادِس، أطعَمَ يسُوعُ خمسَةَ آلافِ عائِلَةٍ جائعة، ثُمَّ ألقَى عِظَتَهُ عن كَونِهِ خُبز الحياة.

يبدَأُ الإصحاحُ الثَّامِنُ بِعمَلٍ رَمزِيٍّ آخر، الذي هُوَ كَلِماتُ يسُوع المُحِبَّة لهذه المرأة الخاطِئة. لا شَكَّ في أنَّهَا كانت خاطِئَةً، أو في كونِها قد أُمسِكَت في فعلِ الزِّنَى. وهكذا أتبعَ يسُوعُ هذا العملَ الرَّمزِيَّ بعِظَةٍ ديناميكيَّةٍ فصيحة عن الخطيَّة.

عندما أجابَ يسُوعُ على سُؤالِ الكَتَبَة والفَرِّيسيِّين، بِسُؤالِهِ العميق، منَ المُثيرِ للإهتِمامِ أنَّهُم، بدأُوا مُبتَدَأً منَ الشُّيُوخِ إلى الأصغَرِ سِنَّاً، كما تَقُولُ إحدَى التَّرجماتُ، "مُبَكَّتِينَ بِضَميرِهِم على خطاياهُم، بِمُغادَرَةِ المكانِ واحداً بعدَ الآخر بِدُونِ أن يَرمُوها بِحَجَرٍ، إلى أن بَقِيَ يسُوعُ والمرأَةُ وحدَهُما."

جَرَتْ الكثيرُ منَ الإفتِراضاتِ لمُحاوَلَةِ معرِفَةِ ماذا كتبَ يٍسُوعُ على الأرض، بينَما كانَ يتجاهَلُ هؤُلاء المُتَّهِمِين. قرأتُ ما كتَبَهُ أحدُ المُفَسِّرينَ التَّقَوِيِّين، الذي لمَّحَ أنَّهُ لرُبَّما كانَ يسُوعُ يكتُبُ أسماءَ الرِّجالِ الواقِفينَ حولَ المرأَةِ الزَّانِيَة ليَرجُمُوها، والذين مارَسُوا معَها خَطِيَّةَ الزِّنى في الماضِي. رُغمَ أنَّ هذا التَّفسير هُو مُجرَّدَ إفتِراضٍ وتحامُلٍ على النَّصّ بإقحامِ ما ليسَ مَوجُوداً فيهِ، ولكنَّهُ يجعَلُنا نتساءَلُ عمَّا كتبَهُ يسُوع على الأرض.

يقتَرِحُ البَعضُ أنَّهُ كانَ يكتُبُ وصايا، أدركَ هؤُلاء النّاس المُتجمهِرينَ حولَهُ أنَّهُم كَسَرُوها. فكَونُهُ هُوَ الله، وكونُهُ يعرِفُ ما كانَ في الإنسان، يفسحُ المجالَ أمامَ إفتِراضاتٍ لا نهايَةَ لها. فلَرُبَّما كانَ يكتُبُ على الأرضِ أُمُوراً لا شأنَ لهُم بها، ليُظهِرَ لهُم أنَّهُ كانَ يتجاهَلُهُم. ولكنَّ قَلبَ هذه الحادِثَة كانَ مَوقِفُهُ تجاهَ الخَطيَّة، والطَّريقَة التي بها تعاطَى بها معَ خاطِئٍ مُذنِب.

إحدَى الطُّرُق لإعلانِ رأيٍ عن نُفُوسِنا، هي الطريقة التي بها نُقارِنُ أنفُسَنا بالآخرين. فعندما إتَّهَمَ رِجالُ الدِّينِ هؤُلاء المرأةَ بإرتِكابِ خَطِيَّةِ الزِّنَى، سألَهُم يسُوعُ بِحِكمَة، "هل أنتُم بِدُونِ خَطيَّة؟ من كانَ منكُم بِلا خَطِيَّة، فليَرْمِهَا أوَّلاً بِحَجَر." فأدرَكَ الشُّيُوخُ قبلَ الشُّبَّان أنَّهُم خُطاةٌ. فإن كُنتَ تَظُنُّ أنَّكَ لَستَ خاطِئاً، قد نتساءَلُ، "كم عُمرُكَ؟" أُولئِكَ الذين كانُوا قد أصبَحُوا في الخَمسينَ من عُمرِهِم، كانَ لديهِم جوابٌ أكثَرُ صِدقاً على هذا السُّؤال من أُولئكَ الذين كانُوا لا يزالُونَ في العِشرين.

في الإصحاحِ الثَّالِث من هذا الإنجيل، نقرأُ أنَّ يسُوعَ لم يأتِ إلى العالم لِيَدِينَ العالم، بَل لِيَخلُصَ بهِ العالَمُ (يُوحَنَّا 3: 16- 18). فهُوَ لم يكتَفِ بِمُجَرَّدِ الوَعظِ بالحقيقَة. ولقد أظهَرَ هذا البُعدَ من رسالَةِ إنجيلِهِ. أعتَقِدُ أنَّ الخُطاةَ بإمكانِهِم أن يقرَأُوا هذا الأمرَ في عَينَيهِ وفي تعابِيرِ وجهِهِ عندما نظرَ إليهِم.

فَلِماذا بدا الخُطاةُ وكأنَّهُم أحبُّوا يسُوعَ وأحبُّوا رِفقَتَهُ؟ عندما ذهبَ ليأكُلَ معَ العَشَّارِينَ والخُطاة، لم يَشعُرُوا فقط بالرَّاحَةِ لكَونِهِم مَعَهُ؛ بل بدَوا أنَّهُم أحَبُّوا وُجُودَهُ معَهُم. هل كانَ ذلكَ لأنَّهُ ضَحِكَ على نُكاتِهِم المَشبُوهَة، أم لأنَّهُ وافَقَ على ما كانُوا يقُولُونَهُ ويفعَلُونَهُ؟ كلا بتاتاً!

أنا مُقتَنِعٌ أنَّ السَّبَبَ هُوَ لأنَّهُ أحبَّهُم، وهُم عرفُوا أنَّهُ أحبَّهُم. لقدِ إستطاعُوا أن يَرَوا ذلكَ في عَينَيهِ. وإستطاعُوا قراءَةَ ذلكَ في وجهِهِ. وشعرُوا من خلالِ نبراتِ صَوتِهِ أنَّهُ لم يأتِ لِيَدِينَهُم. بل أظهَرَ لهُم وأخبَرَهُم بأنَّهُ لم يَدِنْهُم.

ولقد عبَّرَ أيضاً عن محبَّتِهِ لهذه المرأة عندما قالَ لها، "إذهَبِي ولا تُخطِئي أيضاً." أحدُ الكُتَّابِ المُفضَّلينَ عندي، كتبَ مرَّةً أنَّهُ تُوجَدُ ثلاثُ حقائِق عنِ الخَطيَّة. أوَّلاً: الخطيَّة لها عِقابٌ. ثانِيَاً: الخطيَّة لها سُلطة. ثالِثاً: الخطيَّة لها ثَمَنٌ. هذه هي الحقائِقُ الثَّلاث عنِ الخطيَّة.

ولقد كتبَ يقُولُ أيضاً أنَّهُ تُوجَدُ ثلاثُ حقائِق عنِ الخلاص. أوَّلاً: عقابُ الخطيَّةِ أُلغِيَ بسببِ موتِ يسُوع المسيح. فأوَّلُ حقيقَةٍ عنِ الخطيَّة تمَّ التغلُّبُ عليها بالحقيقةِ الأُولى عنِ الخلاص – أي بما فعلَهُ يسُوعُ عندما ماتَ على الصَّليب.

ثانِياً: الحقيقَةُ الثَّانِيَة عنِ الخلاص هي أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هو سُلطَةٌ قويَّةٌ بِشكلٍ كافٍ لتُسيطِرَ على الخطيَّة. "لأنَّ الذي فيكُم أقوَى منَ الذي في العالم." (1يُوحَنَّا 4: 4). بهذه الطريقة عبَّرَ هذا الرَّسُول عن الحقيقَةِ الثَّانِيَة عنِ الخلاص في رسالَتِهِ التَّأكيديَّة التي جاءَت في نهايَةِ العهدِ الجديد. فإذا آمنتَ، وإذا شَرِبتَ من ماءِ الحياة، وإن كانَ الرُّوحُ القُدُسُ يتدفَّقُ منكَ مثلَ نبعٍ أو نهرٍ، عليكَ أن تُدرِكَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ أيضاً سُلطَةٌ قادِرَةٌ بأن تتغلَّبَ على الخَطيَّةِ في حياتِكَ. هذه هي الحقيقَةُ الثَّانِيَة عنِ الخلاص: الخطيَّةُ هي سُلطة، ولكنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ سُلطةٌ أكبَر وأعظم من سُلطَةِ الخطيَّة.

الحقيقَةُ الثَّالِثَة عنِ الخطيَّة هي الأكثَرُ صُعُوبَةً للتَّغلُّبِ عليها من خلالِ مُعجِزَةِ الخلاص. فالذي نُسَمِّيهِ "لَطخَة" الخطيَّة أو ثَمَن الخطيَّة، يترُكُ سِماتٍ لا تُمَّحَى. كتبَ بُولُس يَقُولُ أنَّ الخَطِيَّةَ تستَحِقُّ أُجرَتَها، ويَصِفُ أُجرَتَها بكَونِها "المَوت." (رُومية 6: 23). إستِعارَةُ المَوت المجازِيَّة في هذا الإطار تعني أسوأَ العواقِب.

فيُمكِنُ أن تَكُونَ عواقِبُ الخطيَّةِ رهيبَةً، وغالِباً ما تَكُونُ لا يُمكِنُ تحاشِيها. فلا يُمكِنُنا أن نُعيدَ البيضَ المخفُوق ليرجِعَ على شكلِهِ الأساسِي كما خرجَ منَ الدَّجاجة، وهكذا أيضاً عواقِبُ الخطيَّةِ لا يُمكِنُ درؤُها أو إرجاعُها. أسوأُ عواقِبِ الخطيَّة يُمكِنُ وَصفُها بِكَونِها "سِماتٍ لا تُمَّحَى." مثلاً، إذا إقتَرَفنا خَطِيَّةَ القَتلِ، وجئنا إلى يسُوع طالبينَ الغُفران، فإنَّ العقابَ الذي نستَحِقُّهُ على خَطيَّتِنا في الأبديَّة يُمَّحى بالِصليبِ. ولكنَّ هذا لا يُعيدُ الضَّحِيَّةَ إلى الحياة، ولا يُحَرِّرُنا من السِّجنِ والعِقابِ الذي يرى المُجتَمَع أنَّنا نَستَحِقُّهُ.

تُوجَدُ كَلِمَةٌ جَميلَةٌ في الكتابِ المُقدَّس، التي تَصِفُ الطريقة التي بها يتغلَّبُ اللهُ على الحقيقَةِ الثَّالِثَة عنِ الخطيَّة، بواسِطَةِ الحقيقَةِ الثَّالِثَة عنِ الخلاص. إنَّها كَلِمَة "مُبَرَّرِين." فعندما نُؤمِنُ بالمسيح للخلاصِ والغُفران، لا يتوقَّفُ الأمرُ عندَ الغُفرانِ لنا ومُسامَحَتِنا. بل نُصبِحُ وكأنَّ خطيَّتَنا لم تحدُثْ أصلاً.

تصوَّرُوا أنَّ حياتَكُم هي شَريطٌ مُسجَّل. وتصوَّرُوا أنَّ المسيحَ سوفَ يجعَلُكُم تُشاهِدُونَ شَّريطَ حياتِكُم أمامَ كُرسِيِّ دينُونَتِهِ. ولكن قبلَ أن يُشَغِّلَ شريطَ حياتِكُم، يقطَعُ الشَّريط من حيثُ تبدأُ خطيَّتُكُم وإلى حَيثُ تنتَهِي. ويرمي بَعيداً بهذه القطعة منَ الشَّريط التي تَصِفُ خطاياكُم. وعندَما يُشَغِّلُ الشَّريط، تبدُو حياتُكُم وكأنَّكُم لم تُخطِئوا أصلاً.

وإلى جانِبِ عبارَةِ الإنجيل الجميلة التي هي "مُبَرَّرِين،" تُوجَدُ أيضاً عبارة "أمامَ عينيهِ" التي نَجِدُها أكثَر من مائة وخمسينَ مرَّةً في العهدِ الجديد. أمامَ عينيهِ، لا تُوجَدُ خَطيَّة. ورُغمَ أنَّهُ تُوجَدُ سماتٌ لا تزالُ تُلطِّخُ المُستَوى الأُفُقِي في العلاقاتِ البَشَريَّة، ولكن أمامَ اللهِ لا تُوجَدُ سماتٌ ولا لَطخاتٌ. قد تُقدِّرُونَ قيمَةَ كون هذه الحقيقة أخباراً سارَّة، إذا قدَّمتُ لكُم إيضاحاً عنها.

تصَوَّرُوا أنَّكُم تُحاكَمُونَ على جَريمَةٍ أنتُم منها بَرَاء. ومُحاكَمَتُكُم تَتِمُّ أمامَ قاضٍ في قاعَةِ محكَمَةٍ تعُجُّ بالمُتَفَرِّجِين. وقد تحتاجُونَ إلى مُحامٍ ليُقنِعَ القاضِي بِبراءَتِكُم، وليسَ أن يُقنِعَ القاعَةَ المليئةَ بالمتُفَرِّجِين. قد يستَطيعُ المُحامِي أن يُقنِعَ الجُمهُورَ الذي يحضُرُ محاكَمتَكُم بأنَّكُم أبرياء، ولكن إن لم يقتَنِع القاضِي، سوفَ تُوجَدُونَ مُذنِبين. ولكن، حتَّى ولو ظَنَّ جميعُ المُتَفَرِّجينَ أنَّكُم مُذنِبُونَ، ولكنْ إذا ظَنَّ القاضِي أنَّكُم أبرِياء، فسوفَ يُطلَقُ سراحُكُم. القَضَيَّةُ الهامَّةُ هي ما يعتَقِدُهُ القاضِي صحيحاً حيالَ ذَنبِكُم أو براءَتِكُم.

تعلَّمنا في الإصحاحِ الخامِس أنَّ الآبَ لن يَدينَ النَّاس، بل قد أعطَى كُلَّ الدَّينُونَةِ للإبن (5: 22). عندما نظهَرُ أمامَ دَيَّان كُلِّ الأرض، هذا البُعد الأُفُقِيّ للدَّينُونَة والتَّبرير من قِبَلِ النَّاس سوفَ يُصبِحُ بِدُونِ معنىً. البُعدُ الوَحيدُ للدَّينُونَةِ والتَّبرير، الذي سوفَ يكُونُ مُهِمَّاً عندَها، سيَكُونُ ما يَظُنُّهُ المسيحُ عن ذَنبِكُم وبراءَتِكُم. هذا يجعَلُ من الكلماتِ الثَّلاث التي تظهَرُ عدَةَ مرَّاتٍ في العهدِ الجديد، يجعَلُ منها أخباراً سارَّةً جداً. إنجيلُ التَّبرير هو أنَّهُ "أمامَ عينَيِ اللهِ" سوفَ نَكُونُ أبراراً وكأنَّنا لم نُخطِءْ أصلاً.

ولكن تُوجَدُ وَصَماتٌ لِلخَطِيَّةِ لا تُمَّحَى في حَياتِنا، وخاصَّةً على المُستَوى الأُفُقِيّ في علاقَاتِنا. فعندما نُخطِئُ، نحنُ لا نَتَسَبَّبُ فقط بِوَصمَةٍ لِنُفُوسِنا، بل وَلِلآخرين حولَنا أيضاً. هذا ما قَصَدَهُ مارتن لُوثر عندَما قالَ أنَّ "الخطايا هي عادَةً توائِم." فبِما أنَّنا نُخطِئُ معَ شَخصٍ آخر، نترُكُ وصَماتٍ على حياتِه كما نترُكُ على حياتِنا.

وبِكَلِماتِ يَعقُوب، عندما نخرُجُ إلى العالَم، وكأنَّنا نرتَدي ثَوباً أبيَضَ نقِيَّاً لا عَيبَ فيهِ. وعندما نُخطِئُ، نضَعُ لطخَةً أو وصمَةً على هذا الثَّوب، ولَرُبَّما نضَعُ أيضاً وصمةً على ثَوبِ الشَّخصِ الآخر. وهكذا نستَمِرُّ بتلطيخِ هذا الثَّوب بالخَطيَّة، حتَّى أنَّنا عندما نقتَرِبُ منَ المسيح، يبدُو ذلكَ الثَّوبُ وكأنَّهُ ثوبُ رَسَّامٍ، مُلطَّخٌ بالألوانِ في كُلِّ مكانٍ.

ولكنَّنا الآن، عندما نقتَرِبُ منَ المسيح، يَكُونُ هذا الثَّوبُ في عَينَيهِ خالِياً من كُلِّ وصمة. ولكن على المُستَوى الأُفُقِيّ، أي في علاقَتِنا معَ الآخرين، سيكُونُ منَ الصَّعبِ جدَّاً، وأحياناً سيَكُونُ منَ المُستَحيلِ أن نمحِيَ هذه الوصماتِ. فعلى المُستَوى الأُفُقِيّ، حتَّى اللهَ لا يستَطيعُ أحياناً أن يمحِيَ مُشكِلَةَ الوَصَماتِ، السِّماتِ، أو العواقِب الحتميَّة لِلخَطيَّة. لهذا أشَرتُ إلى أنَّ يسُوعَ أظهَرَ محبَّةً عظيمَةً لهذه المَرأَة عندما قالَ، "إذهَبِي الآن ولا تُخطِئِي أيضاً."

بما أنَّهُ تُوجَدُ وَصَماتٌ لِلخَطيَّة لا تُمَّحَى على المُستَوى الأُفُقِيّ، عندما يَكُونُ ولَدُكَ خارِجاً في العالم، وأنتَ عالِمٌ بأنَّهُ لا يَسيرُ معَ الرَّبّ، ما ينبَغي أن تُصَلِّيَ لأجلِهِ هُوَ، "يا الله، إحفَظْهُ [أو إحفَظْها] منَ الوَصَماتِ التي لا تُمَّحَى. لهذا يُعَلِّمُنا الكتابُ المُقدَّسُ بأن لا نُخطِئَ. فاللهُ يُحِبُّنا ويُريدُنا أن نحمِيَ أنفُسَنا منَ عواقِبِ الخطيَّة الرَّهيبة. فلا يُوجَدُ أيُّ شَيءٍ صالِحٍ في الخطيَّة. أكُرِّرُ هذا. لا يُوجَدُ أيُّ أمرٍ صالِحٍ في الخطيَّة. فلا تُخطِئُوا. "إذهَبوا ولا تُخطِئُوا أيضاً."

الأخبارُ السَّارَّةُ عن أوَّلِ حقيقَتَينِ للخلاص، هي أنَّ عِقابَ الخطيَّةِ قد أُزيلَ، وأن سُلطَتَها يُمكِنُ أن تُغلَبَ. ولكن أُفُقِيَّاً ، يُمكِنُ أن تبقَى تسعيرَةُ الخَطيَّةِ باهِظَةً جدَّاً. "أُجرَةُ الخَطيَّةِ هي مَوتٌ." ما يعنيهِ هذا هُوَ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءٌ صالِحٌ في عواقِبِ الخطيَّة.

الحقيقَةُ الدِّيناميكيَّةُ التي ينبَغي إكتِشافُها في العَمَلِ الرَّمزِيِّ الذي يبدَأُ بهِ هذا الإصحاح، هُوَ مَوقِفُ يسُوع تجاهَ الخاطِئ، وموقِفُ ذلكَ الخاطِئ تجاهَ يسُوع، وموقِفُ يسُوع تجاهَ الخَطيَّة. ما يُعَلِّمُنا إيَّاهُ هذا العَمَلُ الرَّمزِيُّ هُوَ إيضاحٌ جميلٌ عنِ الإنجيل الذي جاءَ يسُوعُ ليُؤسِّسَهُ وينشُرَهُ في هذا العالم.

لدينا أيضاً موقِفُ يسُوع تِجاهَ المُتَّهِمِينَ النَّامُوسيِّين. فقِصَّةُ لِقاءِ يسُوع معَ هذا الخاطِئ تضعُ أساساً مَتيناً لِعِظَةٍ رائِعَةٍ ألقاها يسُوعُ عنِ الخطيَّةِ وعواقِبِها. في تعليقي على الإصحاحِ السَّابِع (كما وردَ في الكُتَيِّب رقم 24)، أشَرتُ إلى أنَّ يسُوع كانَ واعِظاً عظيماً. فنحنُ سوفَ نُشاهِدُ هذا يتكرَّرُ هُنا في الإصحاحِ الثَّامِن. يُقالُ أنَّكَ عندما تقرَأُ الكتابَ المُقدَّسَ، إذا فتَّشتَ عن لا شَيء، سوفَ تَجِدُ ضالَّتكَ المَنشُودَة. لهذا أوَدُّ أن أُعطِيَكَ فرضاً منزِليَّاً تقُومُ بهِ. أوَدُّ أن ألفُتَ إنتباهَكَ إلى الأُمُورِ التي عليكَ أن تبحَثَ عنها في هذا الإصحاحِ الثَّامِن من إنجيلِ يُوحَنَّا.

تَذَكَّرْ أنَّ هذا لا يزالُ جزءاً من مُحادَثَة يسُوع العدائِيَّة معَ رِجالِ الدِّين. هذا الحِوار سوفَ يَصِلُ الآنَ إلى ذُروَتِهِ. وعندما يَصِلُ إلى الذُّروَة، سوفَ نقرَأُ الأخبارَ السَّارَّةَ عن أنَّ بعضَ رِجالِ الدِّين اليَهُود قد تجَدَّدُوا. نَجِدُ مقطعاً عظيماً منَ الإنجيل عندَما نقرَأُ هُنا: "وبَينما هُوَ يتكلَّمُ بِهذا، آمنَ بِهِ كَثيرُون. فقالَ يسُوعُ لِليَهُودِ الذين آمنُوا بهِ، إنَّكُم إن ثَبَتُّم في كلامِي فبالحَقيقَةِ تَكُونُونَ تلاميذِي. وتَعرِفُونَ الحَقَّ، والحَقُّ يُحَرِّرُكُم."

"أجابُوهُ [أي الذين لم يُؤمِنُوا بهِ] إنَّنا ذُرِّيَّةُ إبراهِيم ولم نُستَعبَدْ لأحَدٍ قَطّ. كيفَ تَقُولُ أنتَ إنَّكُم تَصيرُونَ أحراراً. أجابَهُم يسُوعُ الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لكُم إنَّ كُلَّ من يعمَلُ الخَطيَّة هُوَ عبدٌ لِلخَطيَّة. والعَبدُ لا يَبقَى في البَيتِ إلى الأبد، أمَّا الإبنُ فيَبقَى إلى الأبد. فإن حَرَّرَكُم الإبنُ فبالحَقيقَةِ تَكُونُونَ أحراراً." (يُوحَنَّا 8: 30- 36)

وعلى مِثالِ عظَتِهِ المُؤَثِّرَة التي ألقَاها في اليَومِ الأخير منَ العِيد، كانت رِسالَةُ يسُوع الدِّينامِيكيَّة هذهِ قد لاقَت تجاوُباً مُتناقِضاً. آمنَ البَعضُ من السَّامِعين، ولكنَّنا نقرَأُ في نهايَةِ الإصحاح: "فرَفَعُوا حجارَةً لِيَرجُمُوهُ، أمَّا يسُوعُ فاختَفَى وخَرَجَ منَ الهَيكَلِ مُجتازاً في وَسَطِهِم ومضَى هكذا." رُغمَ أنَّ يسُوعَ ألقَى عِظَتَهُ في إطارِ حِوارٍ، بينما تقرأُ هذا الإصحاح، حاوِلْ أن تُلَخِّصَ جوهَرَ ما وعظَ بهِ. وبينما تَقُومُ بالتَّلخيص، لاحِظ أنَّهُ بالنَّتيجَة، قالَ يسُوعُ لهؤُلاء الكتبَة والفَرِّيسيِّين ما معناهُ: "لأنِّي أعلَمُ من أينَ أتَيتُ وإلى أينَ أذهَبُ. وأمَّا أنتُم فلا تعلَمُونَ من أينَ آتي ولا إلى أينَ أذهَبُ، لأنَّكُم تحتَ سيطَرَةِ الجَهل. أنتُم تأتُونَ منَ الجَهل. وأنتُم مُقادُونَ بالجَهل، وسوفَ تَمُوتُونَ في جهلِكُم، إن لم تُؤمِنُوا بي." (يُوحَنَّا 8: 14، 19).

ثُمَّ وعظَ قائِلاً ما معناهُ، "أنتُم تأتُونَ منَ الخَطيَّة، وأنتُم عبيدٌ لِلخَطيَّة، وسوفَ تَمُوتُونَ في خطاياكُم إن لَمْ تُؤمِنُوا بِي." (21- 24) ثُمَّ يُتابِعُ القَول: "أبُوكُم هُوَ إبليس. أنتُم من أبٍ هُوَ إبليس، وأنتُم تحتَ سَيطَرَةِ إبليس، وسوفَ تذَهبُونَ إلى إبليس إن لم تُؤمِنُوا بي." (37- 44) ثُمَّ تابَعَ قائِلاً في وعظِهِ: "أنا من فَوق، أمَّا أنتُم فمِن أسفَل." بِكَلماتٍ أُخرى، "أنتُم تأتُونَ منَ الجحيم، وأنتُم تحتَ سَيطَرَةِ قُوَّةِ الجحيم، وسوفَ تذهَبُونَ إلى الجحيم إن لم تُؤمِنُوا بِي." (يُوحَنَّا 8: 23- 24).

هذا تفسيرٌ وتلخيصٌ للطَّريقَةِ التي بها يُلَخِّصُ يُوحَنَّا عِظَتَهُ. أنظُرُوا إن كانَ بإمكانِكُم أن تستَخلِصُوا هذه الرِّسالَة من الحِوارِ المَذكُورِ في هذه الأعداد التي تتبَعُ قِصَّةَ المرأة التي أُمسِكَت في زِنىً. تَتَبَّعُوا هذا الحِوارَ من حيثُ بدأَ في الإصحاحِ الخامِس، وُصُولاً إلى نهايَةِ الإصحاح الثَّامِن، حيثُ حملَ البعضُ منهُم حجارَةً لِيَرجُمُوهُ. عندما تُفَسِّرُونَ وتُلَخِّصُونَ ما قالَهُ بالفِعل للفَرِّيسيِّين ولِمُعَلِّمِي النَّامُوس، سوفَ تفهَمُونَ لماذا قامَ الذين لم يُؤمِنُوا بهِ بحملِ حجارَةٍ ليَرجُمُوه. فما قالَهُ لهُم لم يَكُن وقعُهُ طَيِّباً على أسماعِهم، ولكنَّهُ كانَ تعليماً عقائِديَّاً ديناميكيَّاً قَوِيَّاً.

كيفَ تَظُنُّونَ كانَ الإصغاءُ إلى يسُوع وهُوَ يَعِظُ؟ لا أتعجَّبُ من كَونِ رِجالِ الدِّين قد إمتلأُوا غَيظاً عندما سَمِعُوهُ يَعِظ، لدَرَجَةِ أنَّهُم حمَلُوا حجارَةً لِيَرجُمُوه. ولا أتعجَّبُ أيضاً أنَّ الكَثيرَ منَ اليَهُودِ آمنُوا نتيجَةً لِعظتِهِ. فلقد أوصاهُم يسُوعُ أن يثبتُوا في كَلامِهِ ليُصبِحُوا تلاميذَهُ بِحَقٍّ (يُوحَنَّا 8: 30- 36)

خلالَ دَرسِكَ أيُّها القارِئُ العَزيز هذا الحِوارَ العَدائِيّ هُنا في الإصحاحِ الثَّامِن، هل سبقَ وإتَّخَذتَ قرارَكَ حيالَ يسُوع؟ إن كُنتَ تُفَكِّرُ مَعي من خلالِ هذه الإصحاحاتِ الثَّمانِيَة من إنجيلَ يُوحَنَّا، دَعني أتَحدَّاكَ بالسُّؤالِ التَّالي. ماذا تُؤمِنُ أنتَ شَخصِيَّاً بالمسيح؟ إن كُنتَ قد تفحَّصتَ كُلَّ تصريحاتِ يسُوع هذه، خاصَّةً في الإصحاحاتِ الخامِس، السَّادِس، السَّابع والثَّامِن، أتساءَلُ هل أصبحتَ تُؤمِنُ بالمسيحِ وهُوَ يُقَدِّمُ هذه التَّصريحات؟

قالَ يسُوعُ للَّذِينَ آمنُوا به، بأن يثبُتُوا بكلامِهِ ليُصبِحُوا تلاميذَهُ بِحَقٍّ (30- 36). فهل أنتَ مُستَعِدٌّ لِتَسمَعَ هذه الكلمات التي قالَها يسُوع، "إن ثَبَتُّم في كلامِي فبالحَقيقَةِ تَكُونُونَ تلاميذٍِي"؟ أم أنَّهُ يتوجَّبُ عليكَ أن تَكُونَ صادقاً فكريَّاً معَ نفسِكَ، وأن تَرجُمَهُ من حياتِكَ إلى الأبد؟  تَذَكَّرْ أنَّهُ يترُكُ أمامَكَ فقط هذه الخَيارات: بإمكانِكَ أن تُقَرِّرَ أنَّهُ كانَ كاذِباً؛ أو بإمكانِكَ أن تَكُونَ لطيفاً فتُقَرِّرُ أنَّهُ كانَ مجنُوناً؛ أو سيتوجَّبُ عليكَ أن تُقَرِّرَ أن تَدعُوهَ رَبَّكَ ومُخَلِّصَكَ الشَّخصِيّ.

هذا من هُوَ يسُوع، وهذا ما هُوَ الإيمانُ، وهذا ما هِي الحياةُ في الإصحاحِ الثَّامِن من إنجيلِ يُوحَنَّا.

أضف تعليق


قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.