تفاسير

عَهدٌ جَديدٌ ومُجتَمَعٌ جَديد

القسم: إنجيل يوحنا آية آية الإصحاحات 11-13.

فهرس المقال

عندَما أعطَى الوَصِيَّةَ الجديدةَ في العُلِّيَّة، قالَ لتلاميذِهِ ما معناهُ: "لقد إلتَزَمتُم بي وأنا إلتَزَمتُ بكُم. أنتُم في عَهدٍ معِي وأنا في عَهدٍ معَكُم. لقد قَدَّمتُ هذا العهد لكُم عندما قدَّمتُ لكُم هذا التَّحدِّي: "هَلُمُّوا ورائِي فأجعَلَكُم." (متَّى 4: 19) لقدِ إلتَزمتُم بأن تَتبَعُونِي، وأنا إلتَزَمتُ بأن أجعَلَ منكُم واحِداً من حُلُولي وأجوِبَتي لثلاثِ سنواتٍ. ولكن الآن أنا أُوصيكُم أن تَقطَعُوا عهداً وأن تَلتَزِمُوا بَعضُكُم بِبَعضٍ. أحِبُّوا بعضُكُم بعضاً بالطَّريقَةِ نفسِها التي بها أحبَبتُكُم خلال الثلاث سنين التي قَضَيتُها معَكُم."

هذا هُوَ رُوحُ وجوهَرُ الطَّريقَة التي بها بدَأَ يسُوعُ عظَتَهُ في العُلِّيَّة، وكذلكَ فيما يختَصُّ بالوصيَّةِ الجديدة التي عَلَّمَتِ الرُّسُلَ بأن يُطَبِّقُوا الحقيقَةَ التي عَلَّمَها بحَرَكاتٍ دراماتِيكَّة بدأَ بها خُلوَتَهُ المسيحيَّة الأخيرة. الوَصِيَّةُ الجديدةُ عَرَّفَتِ الرُّسُلَ إلى فِكرَةِ العهدِ الجديد، وهذا العهدُ الجديدُ خلقَ مُجتَمَعاً جديداً. هذا المُجتَمَعُ الجديدُ هُو ما نُسمِّيهِ كنيسة اليوم. علينا جميعاً أن نُصَلِّيَ لِكَي تَكَونَ الكنيسَةُ التي نحنُ فيها أعضاء، لِكَي تَكُونَ مُجتَمَعَ محَبَّةٍ، كما خَطَّطَ لها يسُوعُ أن تَكُون عندما أعطَى وَصِيَّتَهُ الجديدة للرُّسُلِ في العُلِّيَّة.

ختَمَ يسُوعُ مُقَدِّمَتَهُ لهذه الخُلوة المسيحيَّة الأخيرة بوصفٍ جميلٍ للإيمان: "إن عَلِمتُم هذا، فطُوباكُم إن عَمِلتُمُوهُ." (أعمال 13: 17) تُؤمِنُ الكثيرُ منَ الحضاراتِ اليوم بأنَّ المعرِفَة هي فَضيلَة – بمقدارِ ما تعرِفُ، بمقدارِ ما تزدادُ فضيلَتُكَ أو تقواكَ. لا مكانَ لطريقَةِ التَّفكير هذه في الكنيسة، لأنَّها تتجاهَلُ القِيَمَ والحقيقَةَ التي علَّمَها يسُوعُ وأعطَى عنها مِثالاً في عظَةِ العُلِّيَة. لقد عَلَّمَ يسُوعُ أنَّ ما نعمَلُهُ حيالَ ما نعلَمُهُ هُوَ ما يجعَلُنا أتقِياء.

عبرَ الأناجيل الأربَعة، نقرَأُ أنَّ يسُوعَ أعطى قيمَةً أكبَر للأداءِ ممَّا أعطاهُ للمَنصِب (متَّى 21: 28- 31). ولقد عَلَّمَ أنَّنا نتأكَّدُ من أنَّ تعليمَهُ هُوَ منَ الله، عندما نقتَرِبُ من تعليمِهِ برَغبَةِ بأن نعمَلَ بهِ بدلَ الرَّغبَة بأن نعلمَهُ فقَط. بِكَلِماتٍ أُخرى، علَّمَ أنَّ العَمَلَ يَقُودُ إلى العِلم، بينَما مُعظَمُ العالم يُؤمِنُ أنَّ العِلمَ يَقُودُ إلى العَمَل (يُوحَنَّا 7: 17).

بِحَسَبِ يسُوع، ليسَت معرِفَةُ ما عَلَّمَ بهِ عندما غَسَلَ أرجُلَ التَّلاميذ هُوَ ما سيُبارِكُ حياةَ وعلاقاتِ الرُّسُل. بل سيتبارَكُونَ عندما سيَعمَلُونَ ما عَلَّمَهُم بمثالِهِ الذي أعطاهُ في الخُلوَةِ المسيحيَّةِ الأخيرة. لقدِ إختَتَمَ يسُوعُ خُلوَتَهُ المسيحيَّة الأُولى بإيضاحٍ عَميقٍ عنِ الفَرقِ بينَ أولئكَ منَ تلاميذِهِ الذين سَمِعُوا كَلِمتَهُ وطبَّقُوا ما سَمِعُوهُ، وأُولئكَ الذينَ إكتَفُوا بالسَّمعِ ولم يُطَبِّقُوا أبداً ما سَمِعُوهُ (متَّى 7: 24- 27).

العَمَلُ الرَّمزِيُّ العميقُ الذي بهِ بدَأَ يسُوعُ هذه العِظَة والوصيَّة الجديدة التي تُفَسِّرُ وتُطَبِّقُ محبَّتَهُ للرُّسُل، هي الأساسُ الذي ستُبنَى عليهِ كنيسةُ المسيح. فكُلُّ كَنيسَةٍ غير مَبنِيَّة على أساسِ محبَّةِ المسيح، وعلى أساسِ محبَّةِ المُؤمنينَ لبَعضِهم البَعض، ستَسقُطُ عندما ستَهُبُّ عواصِفُ المشاكِلِ منَ الدَّاخِلِ والخارِج على هذه الكنيسة. الكنيسةُ المَبنِيَّةُ على الوَصِيَّةِ الجديدة، وعلى الطَّريقَة التي بدأَ بها يسُوعُ أطوَلَ عظَةٍ من عظاتِهِ، هي التي سَتثبُتُ لأنَّهَا مُؤَسَّسَةٌ على صَخرَةِ المسيح الحَيِّ المُقام.

أضف تعليق


قرأت لك

أنا هو الخبز النازل من السماء

"هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت" (يوحنا 50:6). عندما يتحدث إنسان عن نفسه، يتعرض لعوامل الغرور والفخر والاعتداد بالذات، ذلك لأن الإنسان مجرب أن يصف نفسه بأكثر من حقيقته، وهذه هي طبيعتنا، أما عندما يتكلم المسيح فإن الوضع يكون معكوسا ذلك لأن أية تعبيرات في اللغة أقل من أن تصف حقيقة يسوع المسيح التي يحار الفكر في إدراكها، فيسوع طرح رسالته السماوية بثمانية أمور سأذكر منها ثلاثة: