تفاسير

خاتِمَة "صناعَةُ شخصِيَّةٍ هامَّة من شَخصِيَّةٍ نَكِرَة"

القسم: إنجيل يوحنا آية آية الإصحاحات 17-21.

مَشيئَةُ اللهِ لِحَياتِكَ (21: 18- 23)

في هذا الإطار، علَّمَ يسُوعُ أيضاً دَرساً حَيويَّاً قَيِّماً عن مشيئَةِ اللهِ لِحَياةِ التلميذِ الحقيقي. كتبَ يُوحَنَّا أنَّ الرَّبَّ قالَ لِبُطرُس: "الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لكَ لمَّا كُنتَ أكثَرَ حداثَةً كُنتَ تُمنطِقُ ذاتَكَ وتَمشِي حَيثُ تَشاءُ. ولكن متى شِختَ فإنَّكَ تَمُدُّ يَدَكَ وآخَرُ يُمنطِقُكَ ويَحمِلُكَ حيثُ لا تشاء." (يُوحَنَّا 21: 18)

 لَرُبَّما كانَ يُشيرُ الرَّبُّ إلى زَمَنِ الشَّيخُوخةِ، وإلى حاجَةِ الإنسان لمَن يعتَني بهِ في شَيخُوخَتِهِ. ولكن لئلا نفهَمُ هذه الأعداد بهذه الطريقة، يُتابِعُ يُوحَنَّا بالقَول، "قالَ هذا مُشيراً إلى أيَّةِ مِيتَةٍ كانَ مُزمِعاً أن يُمَجِّدَ اللهَ بها." (يُوحَنَّا 21: 19)

الأرجَح أنَّهُ كانَ يتكلَّمُ هُنا عن الصَّلبِ عندما قال، "فإنَّكَ تَمُدُّ يدَكَ." كانَ هذا تَعبيراً شائِعاً في تلكَ الأيَّامِ، تماماً مثل عبارَة "يُرفَع"  التي إستَخدَمها يسُوعُ في الإصحاحِ الثَّالِث من هذا الإنجيل، الذي يعني بِوُضُوحٍ الصَّلب. (3: 14)

ثُمَّ نقرَأُ ما يَقُولُهُ الكتابُ، "فإلتَفَتَ بُطرُسُ ونظَرَ التِّلميذَ الذي كانَ يسُوعُ يُحِبُّهُ [أي يُوحَنَّا] يَتبَعُهُ وهُوَ أيضاً الذي إتَّكَأَ على صَدرِهِ وقتَ العَشاء وقالَ يا سَيِّد مَن هُوَ الذي يُسَلِّمُكَ. فَلَّما رَأَى بُطرُس هذا قالَ لِيَسُوعَ يا رَبُّ وهذا ما لَهُ. [أيَّةُ مِيتَةٍ سيَمُوتُ؟]" (يُوحَنَّا 21: 20- 21)

كانَ بطرُس دائماً يتفاخَرُ بأنَّهُ كانَ مُستَعِدَّاً أن يمُوتَ من أجلِ الرَّبِّ. فيُمكِنُ أن يكُونَ الرَّبُّ في هذا الإصحاحِ الختامِيّ قد قَرَّرَ أن يُخبِرَ بُطرُس أيَّةَ مِيتَةٍ سيَمُوت. وإن كانَ التقليدُ دقيقاً في ما يَقُولُهُ عن مَوتِ بُطرُس، فهذا يعني أنَّ يسُوعَ قالَ لبُطرُس أنَّهُ كانَ سيتمتَّعُ بإمتِيازٍ، أي يُصلَبَ رأساً على عَقِب، من أجلِ رَبِّهِ يسُوع.

عندما سَمِعَ بُطرُس هذا، تحرَّكَت طبيعَتُهُ البَشَرِيَّة عندما أشارَ بإصبَعِهِ إلى شَريكِهِ في شَرِكَة زَبَدِي للصَّيدِ البَحرِيّ، أي يُوحنَّا، فقالَ للرَّب، "أنا أعلَمُ أنَّكَ ستمنَحُني النِّعمَةَ والسَّلامَ اللازِمَين لأتحمَّلَ هذه الميتَة الشَّنيعَة، ولكن ماذا عنهُ هُوَ؟ ما هي إرادَتُكَ لحياتِهِ ومَماتِهِ؟" بالطَّبعِ كانَ يُمكِنُ أن يَكُونَ بُطرُس قد سألَ هذا السُّؤال لأنَّهُ أحَبَّ يُوحَنَّا، ولأنَّ يُوحَنَّا أظهَرَ لهُ محبَّةً جمَّةً بينَ نُكرانِهِ للرَّب، وبينَ إعادَةِ إعتِبارِهِ وتثبيتِهِ من قِبَلِ الرَّبِّ يسُوع المُقام.

أجابَ يسُوعُ قائِلاً لِبُطرُس أنَّ لا دَخلَ لِبُطرُس في ما يتعلَّقُ بمَشيئَةِ الرَّبِّ لِحياةِ يُوحَنَّا ومَوتِهِ. أجابَ يسُوع، "قالَ لهُ يسُوعُ إن كُنتُ أشاءُ أنَّهُ يبقَى حتَّى أجيءَ فماذا لكَ. إتَبَعنِي أنتَ."(23) بِكَلماتٍ أُخرى، كانَ الرَّبُّ يَقُولُ لِبُطرُس، "هذا ليسَ من شَأنِكَ يا بُطرُس. فخُطَّتي ليُوحَنَّا هيَ هِيَ. وخُطَّتِي لكَ هِيَ هيَ لا تتغيَّر. فلا تُزعِجْ نفسَكَ بمُحاوَلَةِ معرِفَةِ ما هِيَ خُطَّتي لهُ. بل ينبَغي أن يَكُونَ إهتِمامُكَ وأولَويَّتُكَ بأن تكتَشِفَ ِخُطَّتي لكَ، ومسؤُوليَّتُكَ هي بأن تنظُرَ كيفَ تتبَعني بأفضَلِ طريقَة."

ثُمَّ نقرَأُ: "فذاعَ هذا القَولُ بَينَ الإخوَة إنَّ ذَلِكَ التِّلميذ لا يَمُوتُ. ولَكِنْ لم يَقُلْ لهُ يسُوعُ إنَّهُ لا يمُوتُ. بَلْ إنْ كُنتُ أشاءُ أنَّهُ يَبقَى حتَّى أَجِيءَ فماذا لكَ؟"(يُوحَنَّا 21: 23)

فبعدَ أن يخلُقَ اللهُ أيَّ واحِدٍ منَّا كخَليقَةٍ جديدَةٍ من خلالِ التَّجديد، فإنَّهُ يكسِرُ القالِبَ الذي خلقَنا فيهِ. فنحنُ عملُهُ عندما نختَبِرُ الخلاص (2كُورنثُوس 5: 17 و18؛ أفسُس 2: 10). وفي العنايَةِ الإلهيَّة نحنُ جميعاً مُصَمَّمُونَ لنَكُونَ فريدِينَ ومُمَيَّزِينَ عن كُلِّ شخصٍ آخر على الأرض (المَزمُور 139: 16). فنحنُ نستَعيدُ تلكَ الفرادة المُمَيَّزَة من خلال خلاصِنا (2تيمُوثاوُس 2: 23- 26؛ فيلمُون 19؛ 1تيمُوثاوُس 4: 16). فلِماذا نتوقَّعُ إذاً أن نكتَشِفَ مشيئَةَ اللهِ لِحياتِنا – التي ستَجعَلُنا مُمَيَّزِينَ عن كُلِّ شَخصٍ آخر على الأرض – بمُقارَنَةِ مَشيئَتِهِ لحياتِنا معَ مشيئَتِهِ لحياةِ المُؤمنينَ الآخرين؟

هذهِ حَقيقَةٌ رائِعة، لأنَّنا نقضِي الكَثيرَ من وقتِنا في التفكِيرِ بما يفعَلُهُ الرَّبُّ في حَياةِ الآخرينَ. ولكنَّ الشخصَ الذي سَنُقدِّمُ عنهُ حِساباً، والشَّخصُ الذي نتحمَّلُ مَسؤُوليَّتَهُ، هُوَ نحنُ أنفُسُنا. وينبَغي أن نصرِفَ الوقتَ والطَّاقَةَ على أنفُسِنا، لنَرى إن كُنَّا نعمَلُ ما يُريدُنا الرَّبُّ أن نعمَلَ، وأن نترُكَ الشَّخصَ الآخَرَ لِلرَّبّ.

تُوجَدُ إستِعارَةٌ مجازِيَّةٌ مُستَخدَمَةٌ في كَلِمَةِ الله، التي لا تُفهَمُ بِسُهُولَةٍ في المُجتَمَعاتِ الدِّيمقراطِيَّة. فالمُدُنُ القَديمَةُ مثل رُوما، كانَت تحتَوي على الملايين منَ العبيد بينَ سُكَّانِها. وأنبياءُ العهدِ القَديم عرَّفُوا عن أنفُسِهم بأنَّهُم عبيدُ الله. والرَّسُول بُولُس، في رسائِلِهِ العظيمة، لمَّحَ إلى كَونِنا جميعاً عبيدَ الرَّبِّ يسُوع المسيح، عندما يبدأُ رسائِلَهُ بتقديمِ نفسِهِ كعبدِ يسُوع المسيح. ففي الحضارَةِ التي كتبَ فيها بُولُس رسائلَهُ، لم يَكُنْ للعَبدِ أولَويَّةٌ أكثَر من أن يُرضِي ويُطيعَ سَيِّدَهُ. في هذا الإطار، كتبَ بُولُس يَقُولُ: "كُلُّ عَبدٍ هُوَ لِمَولاهُ يَثبُتُ أو يسقُطُ." (رُومية 14: 4) بِحَسَبِ بُولُس، ليسَ علينا أن نُعطِيَ حِساباً أمامَ بعضِنا البَعض كعَبيدٍ، ولكن علينا أن نُعطِيَ حِساباً أمامَ سَيِّدنا الرَّب يسُوع المسيح.

وبما أنَّ يسُوعَ لم يَكُنْ فقط مُخَلِّصَ بُطرُس، بل وكانَ رَبَّهُ أيضاً، فمِثل بُولُس، كان بُطرُس عبدَ مُعَلِّمِهِ يسُوع. وكعَبدٍ ليسُوع، لم يَكُنْ لبُطرُس حَقٌ بأن يسأَلَ مُعَلِّمَهُ عمَّا هِي خطَّتُهُ لعَبدٍ آخر هُوَ الرَّسُول يُوحَنَّا.

أضف تعليق


قرأت لك

النعمة المغيّرة

"فتقّو أنت بالنعمة التي في المسيح يسوع" (2 تيموثاوس 2-1). هي نعمة خاصة وشاملة هي هدية تفوق العقل وهي نازلة من فوق من السماء إلى أرض الخطية لكي تحدث تغيّر جذري في قلب الإنسان الحجري لتجعله قلبا لحميا يدرك ويحس. هي نعمة تعطى دون مقابل ولا تقاس بأي ثمن في العالم. والذي يستقبلها عبر الإيمان بالمسيح بتوبة حقيقية يصبح:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة