تفاسير

الفَصلُ الثَّانِي "لِقاءٌ معَ الرَّسُول بُولُس"

القسم: رسالة رومية آية آية الجزء الأول.

بُولُس يُخبِرُ المُؤمِنينَ في رُوما عمَّن هُو

الكلمةُ الأُولى في هذه الرِّسالة هي "بُولُس." في القَرنِ الأوَّل، كانت تُكتَبُ الرَّسائِلُ على أدراجٍ مُلتَفَّة. وعندما كانَ أحدُهُم يكتُبُ رِسالَةً في تلكَ الأيَّام، كانَ يضعُ إسمَهُ أوَّلاً، لكي لا يُضطرَّ القارِئُ أن يَفُكَّ الدرجَ حتَّى نهايَتِهِ لكي يتحقَّقَ من هُوِيَّةِ الكاتِب. فهُوَ يُريدُ الآن أن يَقُولَ لهؤلاء النَّاس في تَحِيَّتِهِ، القَليلَ عن نفسِه. فيُخبِرُهُم من هُوَ، وما هُوَ، وأينَ هُوَ. ويُخبِرُهم لماذا هُوَ ومن هُوَ، وما هُوَ وأين هُو.

ولكنَّهُ بِِشَكلٍ أساسِيٍّ يُخبِرُهُم من هُوَ يسُوع، وما هُوَ يسُوع، وأينَ هُوَ يسُوع اليوم، ويُخبِرُهم لماذا يسُوعُ هُوَ من هُوَ، وما هُوَ، وأينَ هُوَ. ومن ثَمَّ يُخبِرُهم عمَّن هُم، وعمَّا هُم، وعن أينَ يُفتَرَضُ بهم أن يكُونُوا في المَسيح. فإن كُنَّا نُطَبِّقُ هذه التَّحيَّة على نُفُوسِنا، وإن كُنَّا نبحَثُ عن التطبيق، ستُخبِرُنا هذه التَّحيَّةُ عمَّن، وعمَّا، وعن حيثُ يُفتَرَضُ بنا أن نَكُون في المسيح. كُلُّ هذه الحقائِق العميقة نَجِدُها في هذه الأعدادِ السبعةِ الأُولى التي تُشكِّلُ هذه التَّحيَّة التي وجَّهَها يسُوعُ إلى أتباعِ المسيح في رُوما.

لِكَي نُرَكِّزَ على الهُوِيَّةِ الرُوحِيَّة الشَّخصِيَّة لبُولُس، سواءٌ بالنِّسبَةِ للمُؤمنينَ الرُّومان، بالإضافَةِ إلى هُوِيَّتِنا الرُّوحيَّة الشخصيَّة، فَكِّرُوا معي بينَما ننظُرُ إلى هذا المقطَع، كَلِمَةً بعدَ الأُخرى. يقُولُ، "بُولُس عبدٌ لِيسُوع المسيح." إنَّ كَلِمَة عبد باليُونانيَّة التي يستَخدِمُها بُولُس للإشارَةِ إلى "خادِم" هي doulos وتعني عبداً بمعنى الرَّقيق. فأكثَرُ من نِصف سُكَّان مدينَة رُوما كانُوا عبيداً، عندما كتبَ بُولُس رِسالَتَهُ إلى أهلِ رُومية، وكثيرُونَ من المُؤمنين بالمسيح في رُوما وفي مُختَلَفِ المناطِق التي أسَّسَ فيها بُولُس كنائِس، كانُوا عبيداً.

في مُعظَمِ حضاراتِ اليوم، ليسَ لدينا عَبيد، ولا نُدرِكُ كيفَ كانت حياةُ العَبدِ تماماً. عندما كتبَ بُولُس رسالَتَهُ هذه للمُؤمنينَ في عاصِمَةِ الأمبراطُوريَّةِ الرُّومانِيَّة، كان كلُّ شَخصٍ في تلكَ المدينة يعرِفُ ماذا كانَ يعني أن تَكُونَ عبداً. فلقد كانَ العبدُ كَقِطعَةِ أثاثٍ في المَنزِل. وكانَ العبدُ مُلكاً لشخصٍ آخر. ولم تَكُنْ لديهِ أيَّة حُقُوق. ولم يَكُنْ يَهمُّ ماذا يُفَكِّرُ بهِ العَبدُ، أو ماذا يرغَبُ بهِ العَبدُ، أو ما هِيَ آراؤُهُ أو رغباتِهِ، بل كانَ كَمُجرَّدِ حيوانٍ، ولم يَكُنْ لدَيهِ حُقُوقٌ أكثَر من أيِّ حَيوانٍ.

فإن كُنتَ تملِكُ حصاناً، فذلكَ الحصانُ لا حُقُوقَ لديهِ. فأنتَ لا تُفَكِّرُ بما يَرغَبُ بهِ هذا الحِصان، أو بما يُريدُ أن يعمَلَهُ يوماً ما. بل عندما تَملِكُ حصاناً، فإنَّ هذا الحَيوان يَقُومُ بِمُجرَّدِ خدمَتِكَ. فعندما يُقدِّمُ بُولُس نفسَهُ لأهلِ رُومية ولنا قائِلاً، "أنا عبدٌ ليسُوع المسيح،" فالذي جاءَ أعلاهُ هُو ما تعنيهِ بالتَّحديد كلمة "عبد."

كتبَ بُولُس للكُورنثُوسيِّين أنَّهُ رُغمَ كَونِهِ قد وُلِدَ حُرَّاً، ولكنَّهُ إختارَ طَوعاً أن يُصبِحَ عبداً لكُلِّ إنسانٍ يَلتَقيه. وأنَّهُ سوفَ يخدِمُ هذا الإنسان وكأنَّهُ عبدٌ لهُ، لعلَّهُ يحظَى بِفُرصَةِ لجعلِه يُؤمِنُ بإنجيلِ يسُوع المسيح فيختَبِرَ الخلاص. (رومية 1: 14؛ 1كُور 9:19)

ولكنَّ بُولُس بالحقيقَةِ، قد وُلِدَ حُرَّاً، ولم يكُنْ عبداً. بل كانَ مُواطِناً رُومانيَّاً، الأمرُ الذي كانَ نادِراً بينَ اليهُود الذين كانُوا يَعيشُونَ تحتَ الحُكمِ الرُّومانِيّ. لقد وُلِدَ حُرَّاً، وكانَ يَحِقُّ لهُ أن يفتَخِرَ بهذا، ولكنَّهُ يُخبِرُ المُؤمنينَ في رُوما وكُورنثُوس، ويُخبِرُنا نحنُ اليوم، أنَّهُ إختارَ طَوعيَّاً أن يُصبِحَ عبداً ومُلكاً، لَيسَ لِيَسُوع المسيح فَحَسب، بل لكُلِّ أُولئكَ الذين سيلتَقيهِم في حياتِه.

ويُخبِرُنا أيضاً أنَّهُ رَسُولٌ. يَقُولُ حرفِيَّاً،"المَدعُوّ رَسُولاً." فَهُوَ يُخبِرُنا بِبساطَةٍ أنَّهُ رَسُولٌ مَدعُوٌّ. عندما عَيَّنَ الرُّسُلُ بَديلاً ليَهُوَّذا الإسخَريُوطِيّ، الذي خانَ يسُوع، إختَارُواdأيضاعندم مَتِيَّاس. (أعمال 1: 16- 26) ولكن يبدُو بِوُضُوحٍ بالنِّسبَةِ لي أنَّ البَديلَ الذي إختَارَهُ الرَّبُّ بدَلَ يَهُوَّذا كانَ الرَّسُول بُولُس. أمَّا البَديلُ الذي إختَارَهُ الرُّسُل، أي متِّياس، فلا يظهَرُ مُجدَّداً في العهدِ الجديد، أمَّا بُولُس فنَجِدُ أنَّهُ كَتَبَ نِصفَ العهدِ الجديد، وحملَ الإنجيلَ إلى أصقاعِ العالَمِ المَعرُوفِ آنذاك.

الكلمة "مَدعُوٌّ،" هي واحِدَةٌ من كَلِماتِ بُولُس الهامَّة. فهُوَ يستَخدِمُ هذه الكلمة ليُشيرَ إلى إختبِارِ الخلاص. كتبَ يَقُولُ لِلكُورنثِيِّينَ أنَّنا عندما نخلُصُ، نُصبِحُ مَدعُوِّينَ للشَّرِكَة مع يسُوع المسيح (1كُورنثُوس 1: 9). وأشارَ مراراً في رسالَتِهِ إلى الكُورنثِيِّين إلى أنَّهُ إعتَبَرَ إختِبارَ الخلاص مُرادِفاً لِكَونِ الإنسانِ مَدعُوَّاً (1كُو 1: 24- 31).

لماذا دُعِيَ بُولُس ليَكُونَ رَسُولاً؟ كتبَ يَقُول: "لأجلِ إطاعَةِ الإيمان، ولأجلِ إسمِهِ." قالَ في العددِ الخامِس من رُومية 1، "الذي بِهِ لأجلِ إسمِهِ قَبِلنا نِعمَةً ورِسالَةً لإطاعَةِ الإيمان في جَميعِ الأُمَم." قالَ بُولُس حرفِيَّاً، "لإطاعَةِ الإيمان." لدينا فكرَة سَطحيَّة عمَّا هُوَ الإيمانُ اليوم. إذا فتَّشتُم في اللُّغَةِ اليُونانِيَّة على الكلمة التي إستَخدَمَها كُتَّابُ العهدِ الجديد للإشارَةِ إلى مفهُوم "إيمان" بالطريقَةِ التي رَكَّزنا فيها على كلمة "مُبَرَّر،" ستَجِدُونَ أنَّ الإيمانَ يعني الإلتِزام بالإتِّباع والطَّاعَة.

في بدايَاتِ الحَربِ العالَمِيَّةِ الثانِيَة، عندما إجتاحَ اليابانِيُّونَ جُزُرَ الفِيلبِّين، كان مُديرُ مدرَسَةٍ مسيحيَّة يَقُودُ خدمَةَ عبادَةٍ وصلاة، عندما دخَل الجُنُودُ اليابانِيُّونَ إلى مدرَسَتِهِ. فأمرَ قائِدُ الفرقَةِ العسكَريَّةِ اليابانِيَّة مُديرَ المدرسَةِ بأن يُمَزِّقَ الأعلامَ الفيليبِّينيَّة والمسيحيَّة، وأن يبصُقَ عليها ويدُوسَها تحتَ أقدامِهِ. ولكنَّ مُديرَ المَدرَسَةِ الودِيع لم يَسَعْهُ أن ينطُقَ بكلمَةٍ واحِدة، ولكنَّهُ هَزَّ رأسَهُ يميناً ويساراً رافِضاً ما أمرَهُ بهِ القائِدُ العَسكَريُّ اليابانِيّ. فوضعَ القائِدُ اليابانيُّ مُسَدَّسَهُ في بطنِ مديرِ المدرسَة وأمرَهُ بتنفيذِ أوامِرِهِ تحتَ تهديدِ القَتل. ولمَّا رَفَضَ مُديرُ المَدرَسَةِ ثانِيَةً تنفيذَ أوامِرِ القائد، أطلقَ الأخيرُ النَّارَ على بطنِهِ.

ولكنَّ مُديرَ المدرَسَةِ نجا بأُعجُوبَةٍ، وبعدَ الحَرب، عندما تمَّ فكُّ أسرِهِ من أحدِ السُّجُون، طرحَ عليهِ صحفيٌّ السُّؤال، "ما هي الأفكارُ التي خَطَرَت بِبالِكَ والتي جعَلتكَ تُفَضِّلُ أن تتلقَّى رصاصَةً في بَطنِكَ على أن تُمَزِّقَ تلكَ الأعلام؟" فأجابَ، "أدركتُ أنَّهُ هُناكَ وقتٌ لكُلِّ إنسانٍ ليُقَرِّرُ متى ينبَغي أن يُظهِرَ بأعمالِهِ إيمانَهُ. وكانَ وقتي قد حان."

بِحَسَبِ العَهدِ الجَديد، لا يُوجَدُ وقتٌ واحِدٌ فقط في حياتِنا حيثُ نستطيعُ أن نُظهِرَ ما نُؤمِنُ بهِ. بل لِكَي نَكُونَ مُنسَجِمينَ معَ جوهَرِ معنَى كلمة الإيمان في العهدِ الجديد، علينا دائماً أن نُرِيَ إيمانَنا بأعمالِنا. هذا ما تعنيهِ كلمة إيمان حرفِيَّاً.

تَصَوَّرْ أنَّكَ عاجِزٌ جسديَّاً، وأنَّ النِّيران قد شَبَّتْ بِمَنزِلِك. فعندما يأتي رجالُ الإطفاءِ ليُنقِذُوك، الطريقة الوحيدة التي سَتُساهِم بها في إنقاذِكَ هي بأن تُلقِي بِكامِلِ ثقلِكَ على كَتِفَي أحدِ رجالِ الإطفاء الذي سيُخرِجُكَ منَ منزِلكَ المُشتَعلِ. هذا هُوَ أحدُ المعاني المُتَضمَّنة في كلمة "يُؤمن" باليُونانِيَّة. عندما نقرأُ: "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالم حتَّى بَذَلَ إبنَهُ الوحيد لكَي لا يهلِكَ كُلُّ من يُؤمِنُ بهِ بل تَكُونُ لهُ الحياةُ الأبديَّة،" الكلمةُ اليُونانِيَّةُ المُستَخدَمَةُ للإشارَةِ إلى "يُؤمِن" تعني أن تُلقِيَ بكامِلِ ثقلِكَ كشخصٍ عاجِزٍ يُحمَلُ من داخِلِ منزِلٍ تستَعِرُ فيهِ النِّيران (يُوحَنَّا 3: 16). لم يَكُنِ الرَّسُولُ يُوحَنَّا يُفَكِّرُ بالتّوافُقِ الفكريّ عندَما إستَخدَمَ كلمة "يُؤمن."

لدَيَّ لوحَةٌ مُعلَّقَةٌ على جِدَارِ مكتَبِي، وهي تقُول: "ما نُؤمِنُ بهِ فذلكَ نعمَلُهُ. وكُلُّ ما تبقَّى فهُوَ مُجرَّدُ كلامٍ دِينيّ." عندما صارَ الكلمةُ جسداً لكَي يتسنَّى لنا أن نرى حقَّ اللهِ في جسدٍ بَشَريّ، كانَ يسُوعُ يُظهِرُ لنا أيضاً أنَّ كَلِمَةَ اللهِ ينبَغي أن تَتَجَسَّدَ في حياتِكُم وحياتِي. أحدُ الرِّجالِ العِظام قالَ أنَّهُ عندما تمكُثُ كَلِمَةُ اللهِ في جسدِنا اليوم، للأسَف غالِباً ما تُصبِحُ مُجرَّدَ كلامٍ إضافِيّ.

طرحَ يسُوعُ السُّؤال، "عندما سيرجِعُ إبنُ الإنسانِ ثانِيَةً، هل سيجدُ الإيمانَ على الأرض؟" (لُوقا 18: 8) هُناكَ القَليلُ منَ الإيمانِ الحَقيقيّ اليَوم، لأنَّنا لا نُدرِكُ أنَّ كَلِمَة إيمان  تعني حرفِيَّاً "إلتِزامٌ كاِمِلٌ بالثِّقَة يُعَبِّرُ عن نفسِهِ بالطَّاعة."

فلماذا بُولُس هُوَ من هُوَ وما هُوَ عليهِ؟ دافِعُهُ لكُلِّ هذا يُوجَدُ في هذه الكلمات: "لأجلِ إسمِهِ." إسمُ اللهِ يُشيرُ إلى جَوهَرِ من وما هُوَ الله. عندما نعمَلُ شَيئاً "لأجلِ إسمِهِ،" يعني هذا أنَّنا نعمَلُهُ بإنسجامٍ معَ كُلِّ ما هُوَ الله ومعَ ما يُريدُهُ الله. ونعمَلُهُ أيضاً كتعبيرٍ عن العبادَة الشَّاكِرَة على كُلِّ ما هُوَ الله، وكُلِّ ما عمِلَهُ، وما يعمَلُهُ في حياتِنا وفي العالم من خلالِنا خلالَ سَيرِنا معَهُ.

فأينَ نَجِدُهُ كالرَّسُولِ المَدعُوّ؟ جوابُهُ هُوَ "في سائِرِ الأُمَم." في هذه الرِّسالَة، سوفَ نَجِدُ قَلبَ المُرسَل عندَ أعظَمِ مُرسَلٍ عرفَتْهُ كنيسَةُ المسيحِ على الإطلاق. وسوفَ يَصحُّ هذا بالأكثر في الإصحاح الخامِس عشَر، حيثُ يُخبِرُ بُولُس أولئكَ المُؤمنينَ في رُومية أنَّهُ رَغِبَ بِشِدَّة أن يزُورَ رُومية، لأنَّهُ أرادَ أن يحظَى بِدَعمِهِم ليُتابِعَ رحلَتَهُ إلى إسبانيا، حامِلاً لها إنجيلَ رَبِّنا يسُوع المسيح.

في هذه التَّحِيَّة، يُخبِرُنا بُولُس أيضاً من، ماذا، لماذا وأينَ هُوَ يسُوع. في سَبعَةِ أعدادٍ قصيرة، يذكُرُ بُولُس يسُوعَ سبعَ مرَّاتٍ.

فمن هُوَ يسُوع؟ أوَّلاً، يُخبِرُنا أنَّ يسُوعَ هُوَ المَوعُودُ بهِ منَ الأنبياء بالكُتُبِ المُقدَّسة. يُريدُ بُولُس منَ أهلِ رُومية، ومنِّي ومنكَ، أن نعرِفَ أنَّ ما هُوَ على وشكِ تقديمِهِ بإسهابٍ بوحيِ الرُّوحِ القُدُس، ليسَ صَرعَةً جديدة. فالأخبارُ السَّارَّةُ المُعَبَّرُ عنها بكلمة "مُبَرَّر،" ليسَت شَيئاً من وَليدِ تفكيرِهِ الخاصّ.

كانَ بإمكانِهِ أن يكتُبَ لأهلِ رومية، كما فعلَ معَ الغلاطِيِّين، أنَّهُ تعلَّمَ الكثيرَ عنِ الحقِّ الذي هُوَ على وشكِ تقديمِهِ، مُباشَرَةً منَ المسيحِ المُقام الذي إلتَقاهُ في صحراءِ العَرَبِيَّة (غلاطية 1- 2: 13). وبما أنَّهُ كانَ يُخاطِبُ اليَهُودَ أوَّلاً، ثُمَّ العقلَ الرُّومانِيَّ الأُمَمِيّ، كتبَ أنَّ إنجيلَ الخلاصِ هذا هُوَ شَيءٌ أُظهِرَ نَبَويَّاً في العهدِ القَديم منذُ آلافِ السِّنين. يُخاطِبُ بُولُس القارئَ اليَهُودِيّ بمُشارَكَةِ وُجهَةِ نظَرِ العهدِ القَديم، ويُريدُ أن يعرِفَ قُرَّاؤُهُ الأُممَ أنَّ هذا ما خَطَّطَ لهُ اللهُ منذُ الأزَل.

إذا دَرَستَ أسفارَ العهدِ القَديم، ستكتَشِفُ أنَّها كُلَّها تتكلَّمُ عن يسُوع المسيح. وإذا كُنتَ قد دَرستَ معي إنجيلَ لُوقا، سوفَ تَتَذَكَّرُ أنَّهُ في الإصحاحِ الأخير من إنجيلِ لُوقا، نُخبَرُ أنَّ يسُوعَ فتحَ الأسفارَ المُقدَّسَةَ أمامَ الرُّسُل، عندما أخبَرَهُم شيئاً عن هذه الأسفار. لقد أخبَرَ يسُوعُ تلاميذَهُ أنَّ مُوسى، وكُتَّابَ المزامير والأنبياء جميعهُم كتبُوا عنهُ.

عندما أعطَى يسُوعُ الرُّسُلَ هذه النَّظرة عنِ العهدِ القَديم، نقرأُ أنَّهُ "فتحَ ذهنَهُم ليَفهَمُوا الكُتُب." (لُوقا 24: 25 – 27، 44، 45). ولقد فَهِمَ الرُّسُلُ الكُتُبَ المُقدَّسَة لأوَّلِ مرَّةٍ في حياتِهم عندما فَهِمُوا ما قالَهُ بُولُس لمُؤمنين كنيسة رُومية في تحيَّتِهِ لهُم: العهدُ القَديمُ هُوَ بالحقيقَةِ الأساس والإطار التَّاريخيّ الذي منهُ يُفهَمُ الإنجيلُ ويُبَرهَن. فهُوَ سيشرَحُ هذا الإنجيل بِطَريقَةٍ عميقَةٍ ولكنَّها بَسيطَة، في هذه التُّحفَة الفَريدة من بينِ كُلِّ رسائِلهِ المُوحَى بها منَ الرُّوحِ القُدُس. ولكن، قبلَ أن يفعَلَ ذلكَ، يُؤكِّدُ أنَّ الإنجيلَ مُرسَّخٌ في العهدِ القَديم.

كتبَ بُولُس أيضاً عن يسُوع "...الذي صارَ منَ نَسلِ داوُد من جِهَةِ الجَسَد. وتَعَيَّنَ إبنَ اللهِ بِقُوَّةٍ..." (رومية 1: 3- 4) يُعلِنُ بُولُس في هذه الكلمات أنَّ يسُوعَ كانَ كائناً بَشَريَّاً. عندما يُخبِرُنا بُولُس أنَّ يسُوعَ تَعَيَّنَ إبنَ اللهِ بِقُوَّةٍ، كانَ يُشيرُ إلى قيامَةِ يسُوع المسيح، وكانَ يُعلِنُ أنَّ يسُوعَ كانَ أكثَرَ من مُجَرَّدِ كائنٍ بَشَرِيّ.

ثُمَّ يُخبِرُ بُولُس مُؤمني رُومية – ويُخبِرنا نحنُ اليومَ أيضاً – من هُوَ المُؤمنُ، عندما يَكتُبُ قائِلاً: "الذين بينَهُم أنتُم أيضاً مَدعُوُّو يسُوع المسيح. إلى جَميعِ المَوجُودِينَ في رُومية أحبَّاء الله مَدعُوِّينَ قِدِّيسين." (رومية 1: 6- 7) لقد سبقَ ووصفَ هذا الرَّسُولُ العَظيمُ نفسَهُ بأنَّهُ رَسُولٌ مَدعُوٌّ. ولقد سَبَقَ ورأَينا أنَّ هذه الكلمة "مَدعُوّ" هي مفهُومٌ هامٌّ بالنِّسبَةِ لبُولُس. والآن ها هُوَ يُخبِرُ أُولئكَ الذينَ يكتُبُ لهُم أنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ هُوَ مَدعُوٌّ. ونحنُ مَدعُوُّونَ "قدِّيسين". هذه الكَلِمة تُشيرُ إلى واحِدَةٍ من طُرُقِ بُولُس بالإشارَةِ إلى أتباعِ المسيح. فالكلمَةُ هي بِبَساطَةٍ الطريقَةُ المُختَصَرَة للقَولِ بأنَّ شخصاً ما مُقدَّس.

يُوجَدُ تعريفٌ تقليديٌّ وكتابِيٌّ للقِدِّيس. التَّعريفُ التَّقليديُّ الطَّقسيّ هُوَ أنَّهُ عندما يُطابِقُ أحدُ خُدَّامِ الرَّبّ غير الإعتِيادِيِّين بعضَ المَعايير، يَتِمُّ تطويبَهُ وإعلانُهُ قدِّيساً قانُونيَّاً. ولكن ليسَ هذا هُوَ التَّعريفُ الكتابِيُّ للكلمة. فبِحَسَبِ العهدِ الجديد، كُلُّ مُؤمِنٍ هُوَ قدِّيسٌ، لأنَّهُ مُقدَّسٌ أو مَفرُوزٌ للمسيح منَ العالم.

تَشديدُ كلمةِ اللهِ ليسَ أنَّهُ مفصُولٌ عنِ الخطيَّة، رُغمَ أنَّهُ عندما يُفرَزٌ أحدٌ لإتِّباعِ المسيح، فهذا يعني أنَّهُ عليهِ أن ينفَصِلَ عنِ الخطيَّة. التَّشديدُ الرَّئيسُ هو أنَّ القدِّيسين أو المُقدَّسِين هُم مفرُوزُونَ لأجلِ المسيح. عندما يكُونُ التَّشديدُ الأساسيُّ هُوَ على الإنفصالِ عنِ الخطيَّة، غالِباً ما يَقُودُ هذا التَّعليمُ عنِ التَّقديس إلى شكلٍ من أشكالِ النَّامُوسيَّةِ القاسِيَة، أو القوانين التي تَقُولُ بما يُسمَحُ أو يُمنَعُ على المُؤمن المُقدَّس أن يعمَلَهُ.

عندما يأتي تقديسُنا منَ الخارِج إلى الدَّاخِل، بدلَ أن ينبعَ منَ الدَّاخِلِ إلى الخارِج، نُسَمِّي هذا "بالنَّامُوسيَّة". فالتَّقديسُ الحقيقيُّ ينبعُ منَ الحقيقَةِ المجيدة أنَّ المُؤمِنَ مُنفَصِلُ ومفرُوزٌ لأجلِ المسيحِ الحَيِّ المُقام، الذي يحيا فينا، والذي تُحزِنُهُ الخَطيَّة – أي الأشياء التي تتَعارضُ معَ مَشيئَتِهِ، والتي قد يقعُونَ فيها. عندَما ينفَصِلُ أتباعُ المَسيح الحَقيقيُّونَ عنِ الخَطيَّة، لأنَّهُم مَفرُوزُونَ ليسُوع المسيح، يُسمَّى هذا بالتَّقديس. فالتَّقديسُ الكتابِيُّ الحقيقيُّ مَبنِيٌّ على علاقَتِنا الشَّخصِيَّة معَ المسيح، بدَل أن يُبنَى على أساسِ قوانين وضَعها النَّاسُ لتنظيمِ إنفصالِنا عنِ الخطيَّة.

إنَّ كَلِمَة "مُقَدَّس" لا يُقصَدُ منها أنَّ المُقدَّسِينَ مُنَزَّهُونَ عنِ الخطيَّة. فبُولُس يُشيرُ إلى المُؤمنينَ الكُورنثِيِّينَ بأنَّهُم مُقَدَّسُون، ثُمَّ يُواجِهُهُم بلائِحَةٍ طويلَةٍ منَ الخطايا التي كانت مَوجُودَةً في كنيسةِ كُورنثُوس. يُرينا هذا أنَّ المُقدَّسينَ ليسُوا أُناساً بلا خَطيَّة، بل هُم أُناسٌ مَفرُوزُونَ ليسُوع المسيح، ولإتِّباعِ يسُوع المسيح. عندما يَتِمُّ فرزُهُم تماماً للمسيح، ينفَصِلُونَ كُلَّيَّاً عنِ الخطيَّة. هذا هُوَ الهَدَفُ الصَّريحُ لهذا التَّعليم في العهدِ الجديد. ولكنَّنا طالَما لا نزالُ في هذا الجسدِ الإنسانِيِّ، علينا أن نُصارِعَ لنحيا الحياة المُنفَصِلَة عنِ الخَطيَّة ولأجلِ المسيح. (رُومية 7: 14- 8: 2).

ثُمَّ يُتابِعُ بُولُس تحيَّتَهُ معَ بَرَكَةٍ نَجِدُها بشكلٍ أو بآخر في كُلِّ رسائِلِ بُولُس: "نعمَةٌ لكُم وسلامٌ منَ اللهِ أبينا والرَّبِّ يسُوع المسيح." (رُومية 1: 7)

تستَمِرُّ التَّحِيَّةُ عبرَ الأعدادِ السِّتَّة عَشَر، إذ يُخبِرُ بُولُس هؤُلاء القِدِّيسينَ في رُوما أنَّهُ سَمِعَ بإيمانِهِم في كُلِّ العالم. وكما أشَرتُ سابِقاً، رُغمَ أنَّهُ لم يَكُنْ قد ذَهَبَ بعد إلى رُوما، ولكنَّهُ إلتَقى بمُؤمنينَ من تلكَ المدينَة مُنتَشرينَ في مُدُنٍ أُخرى منَ الأمبراطُوريَّةِ الرُّومانِيَّة.

كتبَ يَقُولُ في العددِ التَّاسِع: "فإنَّ اللهَ الذي أعبُدُهُ بِرُوحي في إنجيلِ إبنِهِ شاهِدٌ لي كيفَ بلا إنقطاعٍ أَذكُرُكُم مُتَضَرِّعاً دائماً في صَلواتِي..." مُؤمِنُو اليَوم يَقُولُونَ لبَعضِهِم البَعض، "أنا أُصَلِّي لأجلِكَ كُلَّ يَومٍ،" ولكن السُّؤال هُو هل يتذَكَّرُونَ أن يُصَلُّوا بأمانَة؟ عندما كتبَ بُولُس هذه الكلمات، لم يَكُن يُقدِّمُ وُعُوداً سطحيَّةً. لاحِظُوا أنَّهُ يكتُبُ قائِلاً: "اللهُ شاهِدٌ لي (أي اللهُ يعرِفُ) أنَّني بِلا إنقطاعٍ (أي بإستِمرار) أتَذَكَّرُكُم في صَلواتِي."

بَينما تقرَأُونَ هذه الرَّسائِل المُوحَى بها لبُولُس الرَّسُول، لاحِظُوا كُلَّ مكانٍ يُشيرُ فيهِ إلى هذا الإلتِزام أو الوعد الصَّادِق بالصَّلاةِ من أجلِ فَردٍ أو مجمُوعَةٍ منَ المُؤمنين. وسوفَ ترونَ عندَها أنَّ بُولُس كانَ لدَيهِ لائِحَةُ صلاةٍ طويلَةً جدَّاً، وأنَّهُ كانَ يقضى ساعاتٍ طَويلَةً في الصَّلاة. فإذا فَهِمنا قُوَّةَ الصَّلاة، سوفَ تَكُونُ لدينا أيضاً لائحَةُ صلاةٍ طويلَة، وسوفَ نقضى أوقاتاً طويلَةً في الصَّلاة، ليلاً ونهاراً، وسنختَبِرُ إستجاباتٍ لصلواتنا، تماماً كما إختَبَرَ هذا الرسُول المَحبُوب إستجاباتٍ رائِعة لصلواتِهِ.

كتبَ بُولُس أنَّهُ صَلَّى بأمانَةٍ لأجلِهِم، وأنَّهُ كانَ يتشوَّقُ للِّقاءِ بهِم، وأنَّهُ حاوَلَ زيارَتَهُم في عدَّةِ مُناسباتٍ. ولكن في كُلِّ مرَّة كانَ يُعاقُ من زيارَتِهم. كانَ هَدَفُهُ من زيارتِهم أن يحمِلَ إليهِم موهِبَةً رُوحيَّةً، وأن يمنَحَهُم الفُرصة بأن يُساهِمُوا بِبَركاتٍ عظيمَةٍ في حياتِهِ الرُّوحيَّة (11- 12). لقد عَرَفَ بُولُس أنَّ المسيحَ المُقامَ يحيا في تلاميذِهِ المُتَجدِّدين وأنَّ بركةً عظيمَةً تنتَقِلُ بينَهُم عندَما يلتَقُونَ بِبَعضِهم البَعض.

أضف تعليق


قرأت لك

هل نحتاج الى رسالة بعد المسيح؟

"له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا" (أعمال الرسل 43:10). إن وعد الله لخلاص البشرية إبتدأ مع آدم وحواء بعد السقوط حيث كان الوعد عن المسيح صادقا

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة