تفاسير

الفَصلُ الخامِس "مُبَرَّرُونَ بالإيمان"

القسم: رسالة رومية آية آية الجزء الأول.

كُلُّ النَّاسِ تحتَ النَّامُوس

بِحَسَبِ بُولُس الرَّسُول، رُغمَ أنَّ اليَهُودَ لم يُطِيعُوا كَلِمَةَ اللهِ، فإنَّ عدمَ طاعَتِهِم تُبَرهِنُ بِبَساطَةٍ الحقيقَةَ التي يُعلِنُها نامُوسُ الله – أنَّنا جميعاً خُطاة. وهُوَ يُعبِّرُ عن هذه الحقيقَةَ بقَولِه: "ليَكُنِ اللهُ صادِقاً وكُلُّ إنسانٍ كاذِباً." (رُومية 3: 4) وكما أشارَ في الإصحاحِ الثَّانِي، يُظهِرُ ضَميرُ الأُمَمِيِّ أنَّ اللهَ وضعَ نامُوسَهُ حتَّى في قُلُوبِ غَيرِ اليَهُود. (2: 15). ثُمَّ يُتابِعُ بالقَولِ أنَّ الجميع، يَهُوداً أو أُمَمِيِّين، هُم تحتَ نامُوسِ الله.

إحدَى مُهِمَّات نامُوسِ اللهِ هي الكَشف عنِ الحقيقَةِ الصَّعبَة أنَّنا جميعاً خُطاة. يستخدِمُ يعقُوبُ الصُّورَةَ المجازِيَّةَ البليغة التي تَقُولُ أنَّ كَلِمَةَ اللهِ هي مثل مرآةٍ ينبَغي أن ننظُرَ إليها يَومِيَّاً، لأنَّها ستَكشِفُ نقصاتِنا (يعقُوب 1: 23، 24). وكونُ اليهُود الذي أُعطُوا كَلِمَةَ اللهِ لم يُطيعُوا كلمَتَهُ، لا يُبطِلُ أبداً مفعُولَ كَلِمَةِ اللهِ، بل يُؤَكِّدُ بِبَساطَةٍ القَصدَ منَ الكلمة، والذي هُوَ تبكيت العالَم على حقيَقَةِ كَونِنا جَميعاً خُطاة.

ثُمَّ يُعلِنُ بُولُس أنَّ كُلَّ النَّاسِ هُم تحتَ ما سيُسمِّيهِ لاحِقاً نامُوس الخَطيَّة (7: 23). وهُوَ يقتَبِسُ منَ العهدِ القَديم، ليدعَمَ تصريحَهُ بأنَّنا جميعاً خُطاة (مزمُور 14: 1- 3؛ 53: 1- 3). بما أنَّ خَطِيَّةَ الإنسانِ تُظهِرُ وتُفَعِّلُ حقيقَةَ كلمةِ الله، يُوبِّخُ بُولُس أُولئكَ الذي يَقُولُونَ أنَّهُ يُعَلِّمُ أنَّنا علينا أن نُخطِئَ لكَي تأتي الخَيرات، أي أنَّنا نُصادِقُ على صِحَّةِ كلمَةِ اللهِ عندما نُخطِئُ. ولكنَّ بُولُس يُنكِرُ صراحَةً هذا الإتِّهام الخاطِئ.

بِحَسَبِ بُولُس، القصدُ من نامُوسِ اللهِ لم يَكُنْ يوماً أن يُخَلِّصَنا. بل كانَ القَصدُ منَ نامُوسِ اللهِ أن يُعلِنَ الخَطيَّةَ، وأن يُظهِرَ لنا حاجَتَنا للخَلاصِ ولمُخَلِّص. لا أحدَ منَّا يستَطيعُ أن يعيشَ على مُستَوى الكمال الذي يطلُبُهُ الله. بهذا المعنى، ليسَ أنَّنا نحنُ نكسِرُ نامُوسَ اللهِ، بل نامُوسُ اللهِ هُوَ الذي يَكسِرُنا.

سُمِحَ لواعِظٍ في سجنٍ كَبير أن يُخاطِبَ المُجرِمينَ المحكُوم عليهِم، والذين كانُوا على وشكِ دُخُولِ السِّجن. وكانت تُوجدُ بالقُربِ من مداخِلِ السِّجنِ لوحتانِ صَخرِيَّتانِ كبيرتانِ منقُوشٌ عليها الوصايا العَشر، وبعض قوانين الولاية التي كانَ هؤُلاء المُجرِمُون قد إنتَهَكُوها. وقبلَ أن يُخاطِبَ الواعِظُ المَساجين، إقتَرَبَ من واحِدٍ منهُم، الذي كانَ قد قرأَ بعضَ قوانين ولايَتِهِ وكانَ يُتابِعُ بقراءَةِ الوصايا العَشر بِعِنايَة. وسألَ الواعِظُ هذا السَّجين قائلاً، "أيٌّ من هذه الوصايا كسَرتَ يا إبنِي؟" فأجابَ السَّجينُ، "أنا لم أكسِر هذه الوَصايا يا سَيِّد. بل هي التي كَسَرَتني!"

في هذا الإصحاحِ الثَّالِث، يكتُبُ بُولُس قائِلاً أنَّنا لن نتبرَّرَ أبداً أمامَ عَينَي اللهِ بعَدَمِ إقتِرافِ الخطأ، ولا بالأعمالِ الصَّالِحَة التي نعمَلُها خلالَ طاعَتِنا لنامُوسِ الله. فاللهُ لم يُعطِنا نامُوسَهُ لهذا الهَدَف. بل أعطانا اللهُ نامُوسَهُ لإعلانِ الخطيَّة. بِحَسَبِ بُولُس، قصدُ نامُوسِ اللهِ هُوَ "لكَي يَستَدَّ كُلُّ فَمٍ ويَصِيرَ كُلُّ العالَمِ تحتَ قِصاصٍ منَ الله." (رُومية 3: 19). هل سبقَ وسَدَّتْ كَلِمَةُ اللهِ فَمَكَ، أم أنَّكَ لا تزالُ تتكلَّمُ، واثِقاً بِبِرِّكَ الذَّاتِيّ، واجداً الأعذارَ لِسقطاتِكَ الرُّوحِيَّة والأخلاقِيَّة؟

كُلُّ الأفكارِ الرُّوحِيَّةِ التي دوَّنها بُولُس في هذهِ التُّحفَة اللاهُوتِيَّة العميقة، حتى هذه النُّقطة، هي بمثابَةِ أرضِيَّةٍ صالِحَة لوضعِ هذه الجَوهَرَة، التي هي واحدَةٌ من أهمِّ المقاطِعِ في كِتاباتِ بُولُس: "وأمَّا الآن فقد ظَهَرَ بِرُّ الله بِدُونِ النَّامُوسِ مَشهُوداً لهُ منَ النَّامُوسِ والأنبِياء. بِرُّ اللهِ بالإيمانِ بِيَسُوع المسيح إلى كُلِّ وعلى كُلِّ الذين يُؤمِنُون. لأنَّهُ لا فَرق. إذِ الجَميعُ أخطَأُوا وأعوَزَهُم مجدُ الله. مُتَبَرِّرينَ مجَّاناً بِنِعمَتِهِ بالفِداءِ الذي بِيَسُوع المسيح. إذِ الجَميعُ أخطَأُوا وأَعوَزَهُم مَجدُ الله. مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعمَتِهِ بالفِداءِ الذي بِيَسُوع المسيح. الذي قَدَّمَهُ اللهُ كفَّارَةً بالإيمانِ بِدَمِهِ لإظهارِ بِرِّهِ من أجلِ الصَّفحِ عنِ الخطايا السَّالِفَة بإمهالِ الله. لإظهارِ بِرِّهِ في الزَّمانِ الحاضِر، لِيَكُونَ بارَّاً ويُبَرِّرَ مَن هُوَ من الإيمانِ بِيَسُوع."

في هذا المقطع، الذي يُشَكِّلُ قلبَ ورُوحَ هذا التَّصريح اللاهُوتيّ الذي يُقدِّمُهُ بُولُس عن مَوضُوعِ التَّبرير، يُعطينا الأخبارَ السَّارَّة قبلَ أن يَخُوضَ في الأخبارِ المُحزِنَة. الأخبارُ السَّارَّةُ المُعلَنَةُ في هذهِ الرِّسالَة هي عن بِرٍّ أُعلِنَ من قِبَلِ الله، والذي لا يقتَصِرُ على مُجَرَّدِ طاعَةِ نامُوسِ اللهِ بِبَساطَة. فهذا البِرُّ هُوَ بِرٌّ يُكتَسَبُ بالإيمانِ بيسُوع المسيح، وليسَ بأعمالِ البِرِّ من جِهَةِ الإنسان. هذا البِرُّ يُمكِنُ أن يُنالَ من قِبَلِ جميعِ الذينَ يُؤمِنُونَ بعَمَلِ يسُوع المسيح على صَليبِ الخلاص.

وها هُوَ الآن يُكَرِّرُ بِهَدَفِ التَّشديد الحقيقَةَ نفسَها التي أعلَنَها في العددِ السَّابِع عشَر منَ الإصحاحِ الأوَّل، حيثُ أخبَرَنا أنَّهُ يُوجَدُ ذلكَ النَّوع منَ البِرِّ المُعلَنِ في الإنجيل، الذي هُوَ مُلزَمٌ ومُتَشَوِّقٌ وغيرُ خَجُولٍ بالكِرازَة بهِ في رُوما (1: 16، 17). تَذَكَّرُوا أنَّهُ كتبَ في تلكَ الأعداد أنَّ هذا البِرّ يُكتَسَبُ بالإيمانِ وحدَهُ وليسَ بالأعمالِ من جِهَةِ الذي يُؤمِنُ بأنَّ اللهَ قادِرٌ أن يُعلِنَهُ بارَّاً.

أضف تعليق


قرأت لك

لا يؤمن الملحد احياناً حتى ولو اقتنع

صنع العالِم الفلكي كيرشنر نموذجاً للقبّة السماوية بدقّة واتقان. وفي يوم زاره صديق له كان يعتقد ان العالم قد تكوّن بفعل الصدفة، فسأله صديقه عمّن صنع التحفة العجيبة التي عنده. فأجاب الفلكي: " تكوّنت بالصدفة!" فغضب الصديق وقال له "انك تسخر مني!" فحينئذ أجابه كيرشنر:" أنك ترى أنه من السخافة ان أقول لك ان هذه الكرة تكوّنت هكذا بالصدفة، بينما تعتقد انت ان السموات نفسها جاءت نتيجة الصدفة!" .

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة