تفاسير

الفَصلُ الأوَّل "مُقَدِّمَة لِلعيشِ الصَّحيح"

القسم: رسالة رومية آية آية الجزء الثاني.

فهرس المقال

هذا هُوَ الكُتَيِّبُ الثَّانِي في سِلسِلَةٍ من أربَعةِ كُتَيِّباتٍ تُقدِّمُ تعليقاتٍ لأُولئكَ الذين سَمِعُوا برامِجَنا الإذاعيَّة التي تُعَلِّمُ رِسالَةَ بُولُس الرَّسُول إلى أهلِ رُومية، عدداً بعدَ الآخر. فإن لم يَكُنِ الكُتَيِّبُ الأوَّلُ بِحَوزَتِكَ، أُشَجِّعُكَ أن تتَّصِلَ بنا، وسوفَ نُرسِلُ لكَ نُسخَةً عنهُ. إذا أردتَ أن تَتَعَلَّمَ على نَفسِكَ، أو أن تُعَلِّمَ هذه الدِّراسَة لرسالَةِ رُومية لآخرِين، سوفَ تحتاجُ إلى الكُتَيِّبِ الأوَّل بهدفِ توفيرِ الإستِمراريَّة والخَلفِيَّة. رُغمَ أنَّني قُمتُ في سلسِلَةِ البرامِجِ الإذاعِيَّة بِتَعليمِ رسالَةِ بُولُس الرَّسُول إلى أهلِ رُومية عدداً بعدَ الآخر، ولكنَّني في الكُتَيِّبِ الأوَّل لخَّصتُ أوَّلَ أربَعِ إصحاحاتٍ من هذه الرِّسالَة، وفي هذا الكُتَيِّب أُلَخِّصُ الإصحاحاتِ الأربَعة التَّالِيَة (5- 8) من تُحفَةِ بُولُس الرَّسُول اللاهُوتيَّة هذه.

في الإصحاحاتِ الأربَعة الأُولى من هذه الرِّسالَة، يربِطُ بُولُس التَّبرير بالخاطِئ. ويستَنتِجُ أنَّنا جَميعاً خُطاة، ولكنَّهُ يُتبِعُ هذه الأخبارَ السَّيِّئَة بأخبارٍ سارَّة، أنَّ اللهَ بَرَّرَ أو أعلنَ بارَّاً كُلَّ من يُؤمِنُ بهِ، عندما أعلنَ ما عَمِلَهُ من أجلِنا من خلالِ يسُوع المسيح. خُلاصَةُ هذه الإصحاحاتِ الأربَعة ستُوجَدُ بالحقيقَةِ في العددِ الإفتِتاحِيِّ من الإصحاحِ الخامِس: "فإذ قد تبَرَّرنا بالإيمان، لنا سلامٌ معَ اللهِ بِرَبِّنا يسُوع المسيح."

في الإصحاحاتِ الأربَعة التَّالِيَة، أي من 5 إلى 8، يَربِطُ بُولُس التَّبريرَ بأُولئكَ الذين أُعلِنُوا أبراراً بإيمانِهِم بما عمِلَهُ يسوعُ المسيحُ لأجلِهم على الصَّليب. فالخُطاةُ الذين أُعلِنُوا أبراراً من قِبَلِ الله، لا يعيشُونَ بعدُ كَخُطاةٍ، بل ينبَغي أن يَعيشُوا حياةً صحيحَةً مُستَقيمَة. ولكن كيفَ نعمَلُ ذلك؟ فهل إنتُزِعَت طبيعَتُنا الخاطِئة عندما آمنَّا بيسُوع المسيح مُخَلِّصاً لنا؟ وأينَ نستَطيعُ أن نَجِدَ القُوَّةَ الدِّينامِيكيَّةَ لنَحيا حياةَ البِرّ، أو لنعيشَ بإستِقامَة؟

يُجيبُ بُولُس على هذه الأسئِلة في الإصحاحاتِ الأربَعة التَّالِيَة، ويبدَأُ جوابَهُ بالعَدَدِ الثَّانِي منَ الإصحاحِ الخامِس من رِسالَةِ رُومية، حيثُ يكتُبُ قائِلاً، "الذي بِهِ أيضاً قد صارَ لنا الدُّخُولُ إلى هذه النِّعمَة التي نحنُ فيها مُقيمُون، ونَفتَخِرُ على رَجاءِ مَجدِ الله." فنحنُ نتبرَّرُ بالإيمانِ من خلالِ يسُوع المسيح. وبالإيمانِ يَصيرُ لنا وُصُولٌ إلى النِّعمة التي تُمَكِّنُنا منَ الوُقُوفِ في يسُوع المسيح، ولأجلِهِ ومعَهُ. عندما نتعلَّمُ كيفَ نعمَلُ ذلكَ، عندَها في هذا العالمِ الخاطِئ، وبِدُونِ أن نَكُونَ عبيداً للخَطيَّة، بإمكانِنا أن نعيشَ حياةً تُمَجِّدُ الله.

في دِراسَتِنا الأُولى، إذ كُنتُ أُلَخِّصُ كُِتَيِّبَنا الأوَّل، تعلَّمْنا أنَّ الإنجيلَ هُوَ ذُو وجهَين حِيَالَ يسُوع المسيح: مَوتُهُ وقيامَتُهُ. فبالإيمانِ بالحقيقَةِ الأُولى عنِ الإنجيل نتبَرَّرُ ونتصالَحُ لنَصِلَ إلىحالَةِ سلامٍ معَ الله. عندما كتبَ بُولُس أنَّنا لَدَينَا وُصُولٌ بالإيمانِ إلى النِّعمة، كانَ يُوجِّهُنا لنَضَعَ إيمانَنا في الحقيقَةِ الثَّانِيَة للإنجيل، والتي هي قيامَةُ يسُوع المسيح.

الكَلِمَةُ التي إستَخدَمها بُولُس هُنا والمُستَخدَمَة للإشارَةِ إلى "نعمَة" هي كلمة "خارِيس" في اللُّغَةِ اليُونانِيَّة. فنِعمَةُ اللهِ ليست فقط بَرَكَة ورحمة الله التي لا نَستَحِقُّها ولا نكسَبُها ولا نُحَقِّقُها بجُهُودِنا الذَّاتِيَّة. بَل نِعمَةُ اللهِ هي حَياةُ وقُوَّةُ اللهِ العامِلَة فينا ومن خلالِنا. عندما تَعمَلُ النِّعمَةُ فينا ومن خلالِنا، تُستَخدَمُ الكلمة اليُونانِيَّة "خاريسما." 


النِّعمَةُ المُدهِشَة

في عددٍ آخر عن النِّعمَة، خَطَّهُ قَلَمُ الرَّسُول بُولُس، نقرأُ: "واللهُ قادِرٌ أن يَزيدَكُم كُلَّ نِعمَةٍ، لِكَي تَكُونُوا ولَكُم كُلُّ إكتِفاءٍ كُلَّ حِينٍ في كُلِّ شَيءٍ، تزدادُونَ في كُلِّ عَمَلٍ صالِح." هذا أكثَرُ عَدَدٍ في الكتابِ المُقدَّس يتكلَّمُ بإسهابٍ عن نعمةِ اللهِ المُتَوفِّرَة لِشعبِهِ. (2كُورنثُوس 9: 8).

بِحَسَبِ بُولُس الرَّسُول، اللهُ قادِرٌ أن يُغدِقَ عليكُم كُلَّ نِعمَة (وليسَ شَيئاً منَ النِّعمَةِ فحَسب)، بِفَيضٍ (وليسَ بِتَعيير)، نحوَكُم (وليسَ فقط مشاهير الوُعَّاظ والقُسُوس والمُرسَلين، بل لكُم شَخصِيَّاً)، لِكَي تَكُونُوا (يُكَرِّرُ بُولُس هذا الضَّميرَ المُخاطَب للتَّشديد)، دائماً (وليسَ أحياناً)، ولكُم كُلُّ إكتِفاءٍ (وليسَ بعضَ الإكتِفاء)، في كُلِّ شَيءٍ (وليسَ في بعضِ الأشياء)، تزداودُونَ (وليسَ بالكادِ تَتَدَبَّرُون)، في كُلِّ  عَمَلٍ صالِحٍ (وليسَ بعضُها).

بالإختِصار: كُلّ نعمَة، كُلّ فَيض، كُلّ حين، كل وقت، كُلُّكم، أي كُلّ واحدٍ منكُم، كُلّ إكتِفاء، كُلّ شَيء، كُلّ حين، كُلّ زيادة في كُلِّ عمَلٍ صالِحٍ يُريدُ اللهُ أن يعمَلَهُ من خلالِكُم! كَنيسَةُ العهدِ الجديد قلَبَت العالَمَ رأساً على عَقِب، لأنَّ المُؤمنينَ فيها آمنُوا وإختَبَرُوا الحقَّ الذي أعلَنَهُ بُولُس في هذا العدد غير الإعتِيادِيّ عن نعمَةِ اللهِ المُدهِشَة.


هل تتوفَّرُ هذه النِّعمة للمُؤمِنينَ اليَوم؟

سَمِعتُ مرَّةً المُفَسِّرَ الشَّهير للكتابِ المُقدَّس Dr. A. W. Tozer   يَقُولُ، "عندما تقرَأُ العهدَ الجديد وتَنظُرُ إلى كَنائِسِنا اليَوم، لا يَسَعُكَ إلا أن تُفَكِّرَ بأنَّ اللهَ لم يُحسِن حملَتَهُ الدِّعائِيَّة في العهدِ الجديد." فبما أنَّ أَفْعَلِ التَّفضِيلِ التي إستَخدَمها بُولُس في العددِ الذي أشَرتُ إليهِ أَعلاه صحيحَة، كيفَ نُفَسِّرُ نقصُ الكاريزما الدِّيناميكيَّة في كنائِسنا اليوم؟

سَمِعتُ مرَّةً راعي كنيسة يَقُولُ، "عندما سَيرجِعُ الرَّبُّ، سوفَ يَكُونُ أعضاءُ كَنيستِي أوَّلَ القائِمينَ منَ الأموات، لأنَّ العَهدَ الجديدَ يُعَلِّمُ أنَّ الأمواتَ في المسيح سيقُومُونَ أوَّلاً." راعي كنيسة آخر كانَ يُعانِي من هذا النَّقصِ ذاتِهِ في الدِّيناميكيَّةِ الرُّوحيَّة في كنيستِهِ، وصفَ عجزَ أعضاء كنيستِهِ رُوحيَّاً كالتَّالي: "كُنْ مُستَعِدَّاً، قِفْ، ولا تنطَلِقْ."

قالَ اللهُ للرَّسُول بُولُس، "تَكفيكَ نِعمَتِي." يبدُو مُناسِباً، على ضَوءِ فقرِ الدَّم الرُّوحِيّ في العديدِ من كنائِسِنا اليَوم، أن نُتبِعَ هذا التَّصريحَ أعلاهُ بالسُّؤال: "صَح أم خطأ؟"  علينا أن نستَنتِجَ أنَّ النِّعمَةَ مُتَوفِّرَةٌ لنا اليَوم، ولكن ليسَ لنا وُصُولٌ إلى هذه النِّعمة. لَرُبَّما نحنُ لا نَعرِفُ كيفَ نصِلُ إلى نعمَةِ اللهِ اليَوم. أو لَرُبَّما لم نَعُدْ نُؤمِنُ بِنِعمَةِ الله.

يبدَأُ بُولُس مجمُوعَةَ الإصحاحات 5 إلى 8 من هذه الرِّسالَة، بالقَولِ أنَّ الذينَ أُعلِنُوا أبراراً يُمكِنُهُم أن يَعيشُوا حياةً صحيحَةً مُستَقيمَةً، إن كانَ لدَيهِم الإيمانُ للوُصُولِ إلى نعمَةِ الله. ولقد كتبَ يَقولُ أنَّهُ إن كانَ لدَيهِم الإيمانُ، وإن كَانُوا يَعرِفُونَ كيفَ يَصِلُونَ إلى نعمَةِ الله، فسَيَكُونُ بإمكانِهِم أن يَقِفوا في المسيحِ في وسطِ عالَمٍ خاطِئ. وسيَكُونُ بإمكانهم أن يفرَحُوا بِرجاءِ عيشِ حياةٍ تُمَجِّدُ الله. يُقدِّمُ هذا لمَوضُوعِ الإصحاحاتِ الأربَعة التَّالِيَة (5- 8)، والذي يَتمحوَرُ بشكلٍ أساسيٍّ حولَ كيفَ يستَطيعُ الخُطاةُ الذين أُعلِنُوا أبراراً من اللهِ أن يَصِلُوا إلى نِعمَةِ اللهِ، لكَي يعيشُوا حياةً مُستَقيمَةً ويُمَجِّدُوا الله. 


إفرَحُوا في ضيقاتِكُم

يُعطينا بُولُس نظرتَهُ الثَّانِيَة عن كيفَ نَصِلُ إلى نِعمَةِ اللهِ، عندما يُشَجِّعُ المُؤمنينَ في رُوما، وأنتَ وأنا بالطَّبع، على أن نفرَحَ في ضيقاتِنا. ولكن لماذا يُشَجِّعُنا بُولُس على الفَرَحِ في ضيقاتِنا وآلامنا؟ وما هي علاقَةُ الفَرَحِ في ألَمِنا معَ وُصُولِنا إلى النِّعمَة؟

كتبَ بُولُس يَقُولُ أنَّنا علَينا أن نفرَحَ في آلامِنا، لأنَّ اللهَ أحياناً يستَخدِمُ ألَمَنا ليَدفَعَنا إلى الوُصُولِ إلى النِّعمَة المَوصُوفَة والمَنصُوح بهِا في ذلكَ العدد الشَّهير الذي قرأناهُ من رسالَتِهِ الثَّانِيَة إلى أهلِ كُورنثُوس. فالنِّعمَةُ مُتَوَفِّرَةٌ لكُلِّ تلميذٍ حقيقيٍّ ليسُوع المسيح.

ولكن كيفَ يشعُرُ اللهُ عندما يرانا نُصارِعُ لنعيشَ كما ينبَغي في هذا العالم، عالِماً أنَّهُ وفَّرَ لنا طريقَةً للوُصُولِ إلى النِّعمَةِ التي نحتاجُها، وأن ليسَ لنا وُصُولٌ إلى النِّعمَة؟ بعدَ أن كتبَ بُولُس أنَّهُ بإمكانِنا أن نَصِلَ إلى نِعمَةِ اللهِ بالإيمان، عندما يَحُضُّنا للمرَّةِ الثَّانِيَةِ بأن نفرَحَ، يُعلِمُنا بطريقَةٍ ثانِيَةٍ للوُصُولِ إلى نِعمَةِ الله. علينا أن نفرَحَ لأنَّ نِعمَتَهُ تُؤَهِّلُنا لنُمَجِّدَهُ بالعَيشِ الصَّحيح، وعندما يستَخدِمُ اللهُ الألَم ليُقدِّمَ لنا عَرضاً لا يسَعُنا رفضُهُ.

تُوجَدُ درجاتٌ منَ الآلامِ، التي لا نستطيعُ إحتِمالَها بِدُونِ نِعمَةِ الله. عندما يَدفَعُنا ألَمُنا إلى ما وراءِ حدُودِ الإحتِمالِ البَشَريَّةِ الكامِنَةِ فينا، تُصبِحُ أوقاتُ التَّجارِبِ القاسِيَة هذه فُرصَةَ اللهِ ليُوفِّرَ لنا نعمَتَهُ. عَبَّرَ أحدُ المُرَنِّمينَ الأتقياء عن هذه الحقيقَة بالطَّريقَةِ التَّالِيَة:

 

"يُعطينا نعمَةً زائدة عندما يزدادُ الحِملُ أكثر

يُرسِلُ قُوّةً مُضاعَفَةً عندما يُصبِحُ العَملُ أكبر

كُلَّما إزدَادَتِ المَلَمَّاتُ، زادَ رحمَتَهُ العظيمة

كُلَّما تفاقَمَتِ الآلامُ، ضاعَفَ لنا سلامَهُ

 

عندما نستَنفِدُ طاقَتَنا على الإحتِمال

عندما تَخُورُ قُوَّتُنا ويأفُلُ نهارُنا

عندما تنضُبُ منابِعُنا البَشَريَّة

عندَها يبدَأُ أبانا السَّماوِي بالعَطاء

 

محبَّتُهُ ليسَ لها حدُود

نعمَتُهُ ليسَ لها قِياس

قُوَّتُهُ لا يَعِرفُ حَدُّها بَشَرٌ

لأنَّهُ من غنى المسيح الذي لا يُستَقصَى

يُعطي ويُعطِي ويُعطِي بِدُونِ توقُّف.

 

عندما نختَبرُ تلك َالنِّعمة علينا أن نفرَحَ بالألم الذي قادَنا لتحقيقِ هذا الإكتِشاف. في الأعدادِ الثَّلاثَةِ التَّالِيَة، يَصِفُ بُولُس هذه العمليَّة: "ولَيسَ ذلكَ فقَط بَل نَفتَخِرُ في الضِّيقاتِ عالِمِينَ أنَّ الضِّيقَ يُنشِئُ صَبراً والصَّبرُ تزكِيَةً والتَّزكِيَةُ رجاءً. والرَّجاءُ لا يخُزِي لأنَّ محبَّةَ اللهِ قدِ إنسَكَبَت في قُلُوبِنا بالرُّوحِ القُدُسِ المُعطَى لنا." (رُومية 5: 3- 5).

يُخبِرُنا بُولُس في هذه الأعداد أنَّ إرادَةَ اللهِ لن تَقُودَنا أبداً إلى حَيثُ لا تستطيعُ نعمَةُ اللهِ أن تحفَظَنا. ولكنَّ إرادَةَ اللهِ غالِباً ما تَقُودُنا إلى حيثُ تستطيعُ نِعمَتُهُ أن تحفَظَنا. كَثيراً ما تظهَرُ هذه الحقيقَةُ في إختِباراتِنا للألَم. يكتُبُ بُولُس قائِلاً أنَّ "الألَمَ يُنتِجُ." فعندما لا نستَطيعُ  أن نتحمَّلَ ألَمنا، فنُطالِبُ اللهَ بأن يُعطِيَنا قياسَ النِّعمَةِ الذي ينبَغي أن نتحلَّى بهِ، تنتُجُ فَضِيلَةٌ رُوحِيَّةٌ فينا، يُعَبَّرُ عنها هُنا بكلمة "صَبر،" وهي باليُونانِيَّة: Hupo-mone. تتألَّفُ هذه الكلمة من جزئَينِ يعنِيان: "البَقاء تَحت."

تُوجَدُ أوقاتٌ نجدُ فيها أنفُسَنا في أماكِنَ صَعبَة، وعندما نصرُخُ للرَّبِّ طَلَباً للإنقاذ، يُجيبُ صلاتَنا، ويُنقِذُنا من هذه الأماكن الصَّعبَة. ولكن تُوجدُ أوقاتٌ أُخرى حَيثُ لا يُنقِذُنا بل يمنَحُنا النِّعمَة للبقاءِ تحتَ ضُغوطاتِ مشاكِلِنا.

طَلَبَ بُولُس منَ الفِيلبِّيِّين أن يُصَلُّوا لكَي يُمنَحَ لهُم من السِّجنِ، أي أن يُحَرَّرَ ويُرسَلَ إليهِم. ولكنَّ بُولُس كانت لدَيهِ مُشكِلَة وصفَها بأنَّها "شَوكَة في الجَسد،" وأنا مُقتَنِعٌ أنَّها كانت مُشكِلَةً صِحِّيَّةً. باليُونانِيَّة، قالَ بُولُس حرفِيَّاً للغَلاطِيِّين أنَّ مُشكِلَةَ عينِهِ كان يصعُبُ على النَّاظِرِ أن ينظُرَ إليها بدُونِ أن يشعُرُ بالقَرَف. عندما دخَلَ غلاطية أوَّلاً، مُنِعَ منَ الرُّوحِ أن يدخُلَ آسيا. في تلكَ النُّقطَة المفصَلِيَّة من رحلَتِهِ التَّبشيريَّة، إنضَمَّ إليهِ طَبيبُهُ المَحبُوب لُوقا، الذي كتبَ سفرَ الأعمال، وغَيَّرَ الضَّميرَ من الغائِبِ الجمع "هُم" إلى المُتَكَلِّمِ الجَمع "نحنُ." (غلاطية 4: 15؛ 6: 11؛ أعمال 9: 8، 18؛ 16: 6، 10). فلقد طلَبَ منَ اللهِ ثلاثَ مرَّاتٍ أن يُحَرِّرَهُ من هذا المرَض. فأجابَ اللهُ قائِلاً لبُولُس أنَّهُ لن يُحَرِّرَهُ، بل سيُعطِيهِ النِّعمة "ليَبقَى تحتَ" المُشكِلَة (2كُورنثُوس 12: 7- 10). يعرِفُ بُولُس من الإختِبار الشَّخصِيّ ما يَصِفُهُ وينصَحُ بهِ هؤلاء المُؤمنينَ في رُومية.

ويكتُبُ بُولُس قائِلاً أنَّ الأمرَ يعمَلُ بالطريقَةِ التَّالِيَة: عندما يُعطينا اللهُ نعمَةَ تحمُّلِ العَيش معَ مشاكِلِنا، تتطوَّرُ نَوعيَّةٌ منَ الصَّبرِ في شخصِيَّتِنا، التي تُصبِحُ بُعداً حَيَويَّاً لمن وما نحنُ في المسيح. يُقالُ أنَّ البُرتُقالَة تُصبِحُ بُرتُقالَة، لأنَّها بِبَساطَةٍ تثبُتُ في مكانِها إلى أن تُصبِحَ بُرتُقالَة. بِحَسَبِ بُولُس، هذا المُستَوى منَ الصَّبر يُنتِجُ تَزكِيَةً، والتَّزكِيَةُ رجاءً. ثُمَّ يكتُبُ بُولُس قائِلاً أنَّ الرَّجاءَ لا يُخزِي. (رُومية 5: 5) وهُوَ يقصُدُ أنَّ التِّلميذَ الذي سيتحلَّى بهذه الشَّخصِيَّة المُختَبَرَة، لن يترُكَ مكاناً صَعباً، كما تركَ يُوحَنَّا مرقُس عائداً إلى مَنزِلِهِ، عندما تعرَّضَ معَ بُولُس والآخَرِينَ للإضطِّهادِ في الرحلة الإرساليَّة الأُولى (أعمال 15: 37- 40).

خلالَ زِيارَتي لمُرسَلينَ على الحُدُودِ بينَ باكستان وأفغانِستان عام 1977، تعلَّمتُ أنَّ إحدَى أكثَر المُؤهِّلات أهمِّيَّةً التي يطلُبُها قادَةُ الجمعيَّات الإرساليَّة في المُرشَّحِينَ للعمَلِ الإرساليّ، هي ما يُمكِنُ تَسمِيَتُهُ، بالبقاءِ أو الإلتِصاق." أي القُدرَة على البَقاء في المكانِ الذي يضَعُكَ اللهُ فيه. فهل بإمكانِكَ أن تذهَبَ إلى حضارَةٍ أجنَبِيَّة، كبعضِ الأطِبَّاء المُرسَلين الذين إلتَقَيتُهُم في تلكَ الحضارَة الصَّعبَة، وأن تبقَى لمُدَّةِ خمسة عشر عاماً، أو عشرين أو خمسة وعشرين عاماً؟ وهل بإمكانِكَ أن تحيا حياةَ التِّشبُّهِ بالمسيح في تلكَ المناطِق، بِطريقَةٍ تُصبِحُ فيها حياتُكَ تفوحُ منها رائحَةُ المسيح الزَّكِيَّة، وتُعَبِّرُ عن بشارَةٍ لا يُمكِنُ إنكارُها عن إنجيلِ المسيح، لأشخاصٍ عدائِيِّينَ ضدَّ المسيحِ وأتباعِهِ؟

تبحَثُ المُؤَسَّساتُ الإرساليَّة عن مُرَشَّحِينَ لدَيهم تلكَ النَّوعِيَّة في شَخصِيَّاتِهِم، لأنَّهُم يعلَمُونَ أنَّهُ لكَي تكُونَ مُرسَلاً طَويلَ الأمد ومُثمِراً في حضارَةٍ أجنَبِيَّة، إحدى المُؤَهِّلاتِ التي ينبَغي أن تتحلَّى بها هي الصَّبر أو المُثابَرَة. مُعظَمُ العمَلِ الإرساليّ لا يقتَصِرُ على مُجَرَّدِ الوعظ، بل على تحدِّي العَيش في المسيح في حضارَةٍ تختَلِفُ تماماً عن حضارَتِكَ، إلى أن يرى النَّاسُ الذين تُحاوِلُ تبشيرَهُم "المسيحَ في جَسَدِكَ المائِت،" إذا أردنا أن نستَخدِمَ كَلِمات أعظَم مُرسَل في تاريخِ الكنيسة (2كُورنثُوس 4: 11).

ثُمَّ يَصِفُ إختِبارَ تلميذٍ إمتُحِنَ وتبرهَنَ ثباتُهُ بالإضطِّهاد، عندما يكتُبُ قائِلاً أنَّ "محبَّة الله قدِ إنسَكَبَت في قُلُوبِنا بالرُّوحِ القُدُس المُعطَى لنا. قد تَكُونُ هذه طريقَةٌ أُخرى لوَصفِ ما قصدَهُ بُولُس في مكانٍ آخر بكَونِ المُؤمن مَملُوءاً منَ الرُّوحِ القُدُس (أي مُقاداً منهُ). (أفسُس 5: 18) قد يكُونُ هذا أيضاً ما وصفَهُ يسُوعُ في آخرِ مواقِفِهِ المُبارَكَة، عندما منحَ بَركَةً لأُولئكَ الذين يُضطَّهَدُونَ من أجلِ البِرّ (متَّى 5: 10).

هل بإمكانِكَ أن ترى لماذا قالَ بُطرُس أنَّهُ علينا أن نفرَحَ في الضِّيقاتِ، لأنَّها تُنتِجُ ثماراً؟ فالضِّيقُ يُنشِئُ صَبراً، والصَّبرُ تزكِيَةً، والتَّزكِيَةُ رجاءً، (أي "إلتِصاق")، أو الصَّبر الطَّويل الأناة، الذي لا يستَسلِمُ ويهرُبُ منَ المنارَةِ التي وَضَعنا عليها ستراتيجيَّاً المسيحُ الحَيُّ المُقامُ، لنُنِيرَ في وسطِ العالَمِ المُظلِم. عندها يملأُ اللهُ هكذا تلميذ بمحبَّتِهِ، التي هي ثَمَرَةُ أو بُرهانُ الحقيقَةِ الجميلة أنَّ الرُّوحَ القُدُس يُسَيطِرُ على حياةِ تلميذِ يسُوع.

"لأنَّ المسيحَ إذ كُنَّا بَعدُ ضُعفاءَ ماتَ في الوَقتِ المُعَيَّن لأجلِ الفُجَّار. فإنَّهُ بالجَهدِ يَمُوتُ أحدٌ لأجلِ بارٍّ. رُبَّما لأجلِ الصَّالِحِ يجسُرُ أحَدٌ أيضاً أن يَمُوت. ولكنَّ اللهَ بَيَّنَ محبَّتَهُ لنا، لأنَّهُ ونحنُ بَعدُ خُطاةٌ ماتَ المسيحُ لأجلِنا. فبالأولى كَثيراً ونحنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمشهِ نخلُصُ بهِ منَ الغَضَب. لأنَّهُ إن كُنَّا ونحنُ أعداءٌ قد صُولِحنا معَ اللهِ بمَوتِ إبنِهِ، فبالأولى كَثيراً ونحنُ مُصالَحُونَ نخلُصُ بحياتِهِ. وليسَ ذلكَ فقط بل نفتَخِرُ أيضاً باللهِ بِرَبِّنا يسُوع المسيح الذي نِلنا بهِ الآنَ المُصالَحَة." (رُومية 5: 6- 11)

يرجِعُ بُولُس بِسُرعَةٍ الآنَ إلى تَشديدِهِ على حقيقَةِ الإنجيل الأُولى، عندما يقُولُ أنَّ محبَّةَ اللهِ هي غَير إعتِيادِيَّة، لأنَّ اللهَ أحَبَّنا بموتِ المسيح ومن خلالِه، ونحنُ بعدُ أثَمَة، خُطاة، وأعداء الله. فالحقيقَةُ المَهُوبَة أنَّ اللهَ أحبَّنا (وهُوَ يُحِبُّنا الآن) بالمسيح، توضِحُ لنا تماماً أنَّنا كُنَّا ولا نزالُ غير مُستَحِقِّينَ لمحبَّةِ الله. وشَرطُنا المَفقُود يُضَخِّمُ ويُرَفِّعُ من محبِّةِ اللهِ، وليسَ صلاحُنا، ولا ظَنُّنا أنَّنا نستَحِقُّ الخلاص. لهذا أحدُ جُذُورِ معنى كلمة "نعمَة" هي "العَطف غير المُستَحَقّ."

هُنا يَرجِعُ بِسُرعَةٍ إلى النُّقطَةِ الثَّانِيَة منَ الإنجيل، إذ يطرَحُ السُّؤال: "لأنَّهُ إن كُنَّا ونحنُ أعداءٌ قد صُولِحنا معَ اللهِ بمَوتِ إبنِهِ، فبالأولى كَثيراً ونحنُ مُصالَحُونَ نخلُصُ بحياتِهِ؟" فهُوَ يُخبِرُنا هُنا لماذا على الخُطاة نظيركَ ونظيري أن يُؤمِنُوا بهاتَينِ الحقيقَتَينِ منَ الإنجيل، عندما يستَخدِمُ كلمة "مُصالَحة."

النَّتيجَةُ الجَوهَرِيَّةُ للمُصالَحة معَ اللهِ عندما نتبرَّرُ بالإيمان بِرَبِّنا يسُوع المسيح، هي السَّلامُ معَ الله. يَحُضُّنا بُولُس للمرَّةِ الثَّالِثَة بأن نفرَح. فلقد سبقَ وحضَّنا على أن نفرَحَ لأنَّنا نستطيعُ أن نحيا حياةً تُمَجِّدُ الله. علينا أن نفتَخِرَ بضيقاتِنا، لأنَّها تُلزِمنا على الوُصُولِ إلى نعمَةِ الله. وأخيراً، يَحُضُّنا بُولُس على أن نفرَحَ لأنَّنا نِلنا المُصالَحة معَ الله.

إبتداءً منَ العددِ الثَّانِي عَشَر، في النِّصفِ الثَّانِي من هذا الإصحاح، يكتُبُ بُولُس ما يُمكِنُ إعتِبارُهُ واحداً من أصعَبِ المقاطِع بينَ كُلِّ كتاباتِهِ. وأنا مَدينٌ مِن جديد للدُّكتُور David Stuart Briscoe ، لأجلِ مُلَخَّصٍ بَسيطٍ ولكن رائِع لهذا المقطع، الذي يقَعُ في قَلبِ لاهُوتِ العهدِ الجديد. 


الفاتِحُونَ الأربَعَة

بِحَسَبِ ما يَقُولُهُ هذا المُفسِّر للكتابِ المُقدَّس، يُخبِرُنا بُولُس في هذا المقطع عن أربَعَةِ مُحتَلِّينَ أو فاتِحين. كُلُّ واحد مِنهُم يدخُلُ إلى هذا العالم. وهُم يزدَهِرُونَ في هذا العالم، إلى أن يملِكُوا وينتَصِرُوا. فهُوَ يَقُولُ أوَّلاً أنَّ الخَطِيَّةَ دخَلَت وتكاثَرت وملكَت، ولهذا بإمكانِنا أن نُسمِّيَها "المَلكُ خَطيَّة." ولكنَّ بُولُس لا يُقدِّمُ أُطرُوحَةً عن كيفَ دخَلَتِ الخطيَّةُ العالم، وكيف تدخُلُ حياتَنا. بل يعتَرِفُ بُولُس بِبَساطَةٍ بالحقيقَةِ الصَّعبَة، أنَّ الخَطيَّةَ والشَّرَّ هُما هُنا، وهُما حاضِرَانِ بتوفُّرٍ في حياتنا الشَّخصِيَّة.

أصلُ الشَّرِّ هُوَ مُشكِلَةٌ بَحَثَها الفلاسِفَة واللاهُوتِيُّون لآلافِ السَّنين. أولئك المُؤمنُونَ لا يُمكِنُهُم أن يُفَسِّرُوا كيفَ أو من أينَ جاءَ الشَّرُّ، إن كانَ كُلُّ ما خَلَقَهُ اللهُ صالِحاً. والكتابُ المُقدَّسُ واقِعيٌّ بشكلٍ كافٍ، ليَعتَرِفَ بحقيقَةِ وُجُودِ هذه القوى المُعادِيَة لله ولكُلِّ ما هُوَ صالِحٌ، ولكنَّ الكتابَ لا يُخبِرُنا لماذا وكيفَ سمحَ اللهُ لها بالوُجُود.

أقرَبُ تفسيرٍ نَصِلُ إليهِ هُوَ في المثَلِ الذي علَّمَهُ يسُوعُ عن الحنطَةِ والزِّوان (متَّى 13: 24- 30). البذُورُ الصَّالِحَة غُرِسَت، ولكن حدَثَ تخريبٌ لهذا الزَّرعِ، لَرُبَّما في الليل، عندما جاءَ أحدُهُم لا يُريدُ الخيرَ لهذا المُزارِع، وغرسَ زواناً وحشيشاً يُشبِهُ تماماً نباتَ القمح. وعندما نما الإثنانِ معاً، كانَ مُستَحيلاً تمييزُهُما عن بعضِهما البَعض. يُطرَحُ السُّؤالُ وتَتِمُّ الإجابَةُ عليهِ: "ألم تَغرِس بذاراً جَيِّداً في حقلِكَ؟ فمن أينَ أتى هذا الزَّوان؟ والجوابُ هُوَ، "إنسانٌ عَدُوٌّ فعلَ هذا."

أُذَكِّرُكُم مُجَدَّداً أنَّهُ كما فعلَ مُوسى في سِفرِ التَّكوين، بُولُس لم يَكُن يتكلَّمُ فقط عن كيفَ كانَتِ الحالُ آنذاك. بل كانَ يُقدِّمُ هؤُلاء الفاتِحينَ الأربَعة كما هُم عليهِ اليوم. عليكُم أن تنتَظِروا إلى أن تروا بَقِيَّةَ الحُجَّة – أنَّهُ يُعَلِّمُ الخُطاةَ الذين أُعلِنوا أبراراً، كيفَ يُمكِنُهُم الوُصُول إلى نعمَةِ اللهِ، بالإيمان، ثمَّ أن يحيوا بإستِقامَةٍ في عالَمٍ خاطِئٍ ساقِط.

يُخبِرُنا بُولُس أنَّ "الملك خَطِيَّة" دَخَلَ العالَمَ وحياتَنا. ونيَّتُهُ هي أن يزدَهِرَ في حياتِنا وفي عالمِنا، إلى أن يتغلَّبَ علينا ويسُودَنا. علَّمني أحدُ القُسُوس المُتَقدِّمينَ في السِّنّ قائِلاً، "لا يُمكِنُكَ أن تتَعايَشَ معَ الخطيَّة في حياتِكَ أكثَر مِمَّا يُمكِنُكَ أن تتعايَشَ معَ مرضِ السَّرطان." فكُلُّ تابعٍ مُخلِصٍ للمسيح يحتاجُ أن يعرِفَ أنَّ الخطيَّةَ هي أحدُ الفاتِحين. وعندما دَخَلَتِ الخطيَّةُ إلى هذا العالم، أو إلى حياتِنا، كانت النِّيَّةُ منها ولا تزالُ أن تنمُو وتزدَهِر إلى أنت تتغلَّبَ علينا وتَسُودَ على حياتِنا.

الفاتِحُ الثَّانِي الذي يُقدِّمُهُ بُولُس في هذا الإطار هي "الملِك مَوت." فهُوَ سيَقُولُ في نهايَةِ الإصحاحِ السَّادِس، أنَّ أُجرَةَ الخَطِيَّةِ هي موت. وعندما يستَخدِمُ إستِعارَةَ المَوت، يعني بهِ أوَّلاً المعنى الحرفيّ، ولكنَّهُ يقصدُ ما هُوَ أبعد من ذلكَ. إنَّهُ يُلصِقُ صبغَة َالموتِ على كُلِّ العواقِب السَّلبِيَّة للخطيَّة في عالَمِنا وفي حياتِنا. فعندما يدخُلُ الملك "خطيَّة" في حياتِنا، سوفَ يُرافِقُهُ دائماً "الملك مَوت."

إنَّ كاتِبَ المزامير القَديم والمُوحَى، أعلن أنَّنا نأكُلُ من تَعَبِ يَدَينا (مزمُور 128: 2). ويُخبِرُنا الشَّاعِرُ قائِلاً: "عاجلاً أم آجِلاً، سيجلِسُ كُلُّ إنسانٍ على مائِدَةِ العواقِب." ولقد شدَّدَ يسُوعُ كثيراً على هذه الحقيقة التي لا يُمكِنُ إنكارُها، أنَّ كُلَّ قرارٍ أو خيارٍ نتَّخِذُهُ يَقُودُ إلى عواقِب (متَّى 7: 13- 17). في هذا المقطع العميق، يُعَلِّمُ بُولُس هذه الحقيقةَ نفسَها، عندما يُعلِنُ أنَّ "الملك مَوت" يتبَعُ دائماً "الملك خَطِيَّة."

الفاتِحانِ الأوَّلانِ يُمكِنُ نعتُهُما بالأخبارِ السَّيِّئَة. أمَّا الفاتِحانِ التَّالِيان الثَّالِث والرَّابِع، فيُشَكِّلانِ الأخبار السَّارَّة. فالفاتِحُ الثَّالِثُ هُو "الملك يسُوع،" أو "يسوع الملك." الإنجيلُ الذي يُقَدِّمُهُ بُولُس في هذه الرِّسالَة هو أنَّ يسُوعَ دَخَلَ إلى هذا العالم. ولقد مكَثَ وتوسَّعَ تأثيرُهُ في هذا العالم إلى أن إنتَصَرَ على الخطيَّة، الشَّرّ، والشَّيطان. وذاتَ يومٍ، سوفَ يملِكُ يسُوعُ على ملكُوتِهِ، الذي لن تكُونَ لهُ نهايَة.

يسُوعُ المسيحُ هُوَ أعظَمُ فاتِحٍ سبقَ ورآهُ هذا العالَمُ على الإطلاق. فلِمُدَّةِ ألفَي سنَة، كانَ يسُوعُ يدخُلُ إلىحياةِ النَّاسِ حولَ العالم. وذاتَ يَومٍ، سوفَ يُعرَفُ أنَّهُ إنتَصَرَ وسادَ علىكُلِّ شَعبٍ وأُمَّةٍ وقَبيلَةٍ وعِرقٍ ولسانٍ في هذا العالم. (متَّى 24: 14، رُؤيا 5: )) بِحَسَبِ آخِرِ سِفرٍ من أسفارِ الكتابِ المُقدَّس، أي سفر الرُّؤيا، يوماً ما سوفَ ينتَصِرُ يسُوعُ حرفيَّاً، كونَهُ ملك المُلُوك وربّ الأرباب.

تَذَكَّرُوا أنَّ الحُجَّةَ المُنظَّمَةَ التي يُقَدَّمُها بُولُس هُنا، هي أنَّهُ منَ المُمكِنِ الوُصُول إلى نعمَةِ اللهِ التي ستمنَحُنا القُوَّةَ الدِّيناميكيَّةَ الرُّوحيَّة لِنَحيا حياةً صحيحَةً، كما يجدُرُ بالذين يُعلَنُونَ أبراراً بأن يعيشُوا. الحقيقَةُ الأكثَرُ ديناميكيَّةً في العهدِ الجديد، هي الأخبارُ السَّارَّة، أنَّ يسُوعَ نفسَهُ الذي دخَلَ هذا العالم ليُخَلِّصَنا من خطايانا – بما أنَّهُ أُقيمَ منَ الأمواتِ- بِصِفَتِهِ المسيح الحَيّ المُقام يقدِرُ أن يدخُلَ حياتَكَ اليوم.

عندما دخَلَ يسُوعُ هذا العالم، وعندما يدخُلَ حياتَنا اليوم، يُريدُنا أن نفيضَ ونتزايَدَ في هذا العالم، إلى أن يَسُودَ على حياتِكَ وحياتِي (رُومية 5: 17). لقد أعلَنَ أنَّهُ جاءَ لِتَكُونَ لنا حياةٌ ولِيَكُونَ لنا أفضَل (يُوحَنَّا 10: 10). هذا ينبَغي أن يُثيرَ تساؤُلاتٍ في قَلبِكَ وفي قَلبِي: هل أنا تبَرَّرتُ بالإيمانِ بيٍسُوع المسيح؟ أم أنَّني لا أزالُ مغلُوباً منَ "الملك خَطِيَّة؟" ومغلُوباً من توأمِها "الملك مَوت؟" هل أتناوَلُ الطًَّعامَ دائماً على "مائِدَةِ العواقِب،" الأمرُ الذي يُظهِرُ لي وللذينَ يعرِفُونَني أنَّني لا أزالُ مغلُوباً من هذينِ المَلِكَين؟"

إن كُنتَ لا تزالُ مهزُوماً منَ الخطيَّة وعواقِبِها، فأنتَ إذاً مُستَعِدٌّ لقُبُولِ الأخبارِ السَّارَّة (الإنجيل) عنِ الفاتِحِ الرَّابِع في هذا التَّصريحِ الرَّائِع، الذي معَهُ يفتَتِحُ بُولُس مَوضُوعَهُ عن كيفيَّةِ العيشِ الصَّحيح. بعدَ أن أخبَرَنا عن هؤلاء الفاتِحينَ الأربَعة، كتبَ بُولُس يَقُول، "لأنَّهُ إن كانَ بِخَطِيَّةِ الواحِدِ قد مَلَكَ المَوتُ بالواحِد، فبِالأَولَى كَثيراً الذين ينالُونَ فَيضَ النِّعمَة وعَطِيَّةَ البِرِّ سَيَملِكُونَ في الحَياةِ بالواحِدِ يسُوع المسيح." (رومية 5: 17)

هُناكَ الكَثيرُ منَ الحقيقَةِ في هذا المقطَع العميق، لدرجَةِ أنَّهُ لن يتسنَّى لي المجالُ الكافِي لأُفَسِّرَهُ. الحقيقَةُ الهامَّةُ التي نستخلِصُها من هذا المقطَع العظيم هي أنَّهُ منَ المُمكِنِ لنا أن ندخُلَ في المسيح وأن ننمُوَ فيهِ وأن نملِكَ فيه، وأن ننتَصِرَ على الخَطِيَّةِ والموت.

الإستعارَةُ الجميلة عن هؤُلاء الفاتِحينَ الأربَعة تفتَتِحُ هذا المقطعَ الثَّانِي من الإصحاحاتِ الأربَعة، والتي تتكلَّمُ بمُجمَلِها عن كيفَ نستَطيعُ أن نتغلَّبَ على المَلك خَطِيَّة والمَلِك مَوت، وأن ندخُلَ إلى حياةِ الإتِّحادِ معَ المسيح، وأن نملِكَ في الحياة من خلالِ علاقَتِنا معَهُ. الإصحاحاتُ السَّادِس، السَّابِع، والثَّامِن ستُطَوِّرُ هذا التَّعليم بِطَريقَةٍ عميقَةٍ وشامِلة. فهُوَ سوفَ ينتَهي في الإصحاحِ الثَّامِن بالإعلانِ أنَّهُ بإمكانِنا أن نَكُونَ أعظَمَ من مُنتَصِرين، من خلالِ الذي أحَبَّنا! (37)

يختُمُ بُولُس هذا التَّعليم عنِ الفاتِحينَ الأربَعة برَبطِ الخَطِيَّةِ بآدَم، الذي من خلالِهِ أصبحنا جميعاً خُطاة، معَ عمَلِ المسيح، الذي من خلالِهِ أصبحَ جميعُ المُؤمنينَ أبراراً.

"فإنَّهُ كما بِخَطِيَّةٍ واحِدَةٍ صارَ الحُكمُ إلى جَميعِ النَّاسِ للدَّينُونَة، هكذا بِبِرٍّ واحِدٍ صارَت الهِبَةُ إلى جَميعِ النَّاسِ لِتَبريرِ الحياة. لأنَّهُ كما بِمَعصِيَةِ الإنسانِ الواحِد جُعِلَ الكَثيرونَ خُطاةً، هكذا أيضاً بإطاعَةِ الواحِد سيُجعَلُ الكَثيرُونَ أبراراً." (رُو 5: 18، 19)

نتجَ عن خَطِيَّةِ آدم حُكمُ ودينُونَةُ الموت، أمَّا عمَلُ بِرِّ المسيح فنتجَ عنهُ عطيَّة التَّبرير المجَّانِيَّة والحياة لأُولئكَ الذين هُم أولاد إبراهيم، لأنَّ لديهم الإيمان ليُصَدِّقُوا اللهَ عندما يُخبِرُهُم عمَّا فعلَهُ من أجلِهِم في المسيح.

ثُمَّ يُلَخِّصُ بُولُس تعليمَهُ عن هذه النُّقطَة بالقَولِ أنَّهُ عندما دخَلَ نامُوسُ اللهِ إلى العالَم بِمُوسَى، بما أنَّ عمَلَ النَّامُوٍس كانَ دائماً ولا يزالُ أن يُحَذِّرَنا منَ خَطِيَّتِنا، بهذا المعنى جعلَ النَّامُوسُ التَّعدِّي يزداد. ولكنَّ الأخبارَ السَّارَّةَ كانت ولا تزالُ أنَّهُ عندما تزدادُ الخطيَّة، هُناكَ تكثُرُ النِّعمَةُ جداً: "وأمَّا النَّامُوسُ فدَخَلَ لِكَي تكثُرَ الخَطيَّة. ولكن حَيثُ كَثُرَتِ الخَطِيَّةُ إزدَادَتِ النِّعمَةُ جدَّاً. حتَّى كما ملَكَتِ الخَطِيَّةُ في المَوتِ هكذا تَملِكُ النِّعمَةُ بالبِرِّ لِلحياةِ الأبديَّة بيسُوع المسيح رَبِّنا." (رُومية 5: 20- 21)

أدَّت سيادَةُ الخَطِيَّةُ وتُؤَدِّي اليومَ إلى الموت، ولكنَّ سيادَةَ النِّعمَة أدَّت وتُؤدِّي اليومَ إلى الحياةِ الأبديَّة بيسُوع المسيح رَبِّنا. سوفَ يُطَوِّرُ بُولُس ويُوسِّعُ هذه الحقيقَة في الإصحاحِ السَّادِس، وسوفَ يختُمُ التَّعليمَ الذي بدَأَهُ هُنا، في نهايَةِ الإصحاحِ السَّادِس، بالكلماتِ التَّالِيَة: "لأنَّ أُجرَةَ الخَطِيَّة هي مَوتٌ، وأمَّا هِبَةُ اللهِ فهِيَ حياةٌ أبَدِيَّةٌ بالمسيح يسُوع رَبِّنا." (رومية 6: 23)

أضف تعليق


قرأت لك

شمسية قديمة للملكة !

بينما كانت الملكة تتجوّل بدون رسميات، أمطرت السماء. فقرعت باب أقرب منزل وطلبت "شمسية". فترددت صاحبة المنزل قائلة "هل أعطي شمسية جديدة لعابر سبيل!؟". فأحضرت شمسية قديمة متروكة وأعطتها للملكة. وفي اليوم التالي حضر موظف الملكة وبيده مظروف ليعبّر عن شكر الملكة لها. ولكن صاحبة الشمسية دمعت عيناها لأنها لم تعط الملكة أحسن ما عندها!. فهل نعطي نحن أحسن ما عندنا للرب يسوع الذي أعطانا نفسه.