تفاسير

عِنايَةُ الله

القسم: رسالة رومية آية آية الجزء الثاني.

يُلحِقُ بُولُس هذه الأعداد الثَّلاثَة عن وُجهَةِ نظَرِ وتوصِيَةِ الصَّلاةِ العَظيمة، بإحدَى أسمَى وأجَلّ الكلمات التي سبقَ ودُوِّنَت في وَحِي الرُّوح القُدُس. تَذَكَّرُوا أنَّهُ لا يزالُ يُعالِجُ المَوضُوعَ الذي بدَأَهُ في العددِ الثَّانِي منَ الإصحاحِ الخامِس. فكيفَ يُمكِنُ لخُطاةٍ أُعلِنُوا أبراراً من قِبَلِ اللهِ، أن يعِيشُوا حياةً بارَّة؟ لقد شكَّلَ المُنتَصِرُونَ الأربَعة والمبادِئ الرُّوحيَّة الأربَعَة جوابَهُ على هذا السُّؤال. وها هُوَ الآن يُعطينا جوابَهُ الأعَظم، الأقوَى، الأكثَر إقناعاً وإلهاماً وفصاحَةً، على هذا السُّؤال، الذي يستَنتِجُ أنَّهُ بإمكانِنا أن نَكُونَ أعظَمَ من مُنتَصِرين، لا بَل بإمكانِنا أن نَكُونَ مُنتَصِرينَ فَوقَ العادَة!

إنَّ جَوهَرَ ذُروَةِ كتاباتِ بُولُس الرَّسُول المُلهِمَة، هي أنَّ إنتِصارَنا لَيسَ قَضِيَّةَ مَنْ وماذا نحنُ. فالإنتِصارُ الرُّوحِيُّ ليسَ قَضِيَّةَ ماذا نستَطيعُ أو لا نَستَطيعُ فعلُهُ. إنتِصارُنا ليسَت لهُ علاقَةٌ معَ ما نُريدُهُ. بل يَجدُ الإنتِصارُ الرُّوحِيُّ مصدَرَهُ وقُوَّتَهُ الدِّينامِيكيَّة في من وما هُوَ الله، وفيما يستطيعُ ويُريدُ فعلَهُ. إنَّهُ مصدَرُ إنتِصارِنا. وهُوَ القُوَّةُ الكامِنَةُ خلفَ إنتِصارِنا الآن وفي الدَّهرِ الآتِي. ومجدُهُ هُوَ هَدَفُ كُلّ ما يحدُثُ لنا – كَونَنا خُطاةً مُتَبرِّرِينَ للتَّقَوى.

عندما يختُمُ مقطَعَهُ التَّعليميّ عن هذه التُّحفَة، يستَخدِمُ مُجدَّداً عبارَة "كُلّ الأشياء." فهُوَ سيَكتُبُ من جَديد، "لأنَّ منهُ وبهِ ولَهُ كُلُّ الأشياء. لهُ المَجدُ إلى الأبد. آمِين." (رُومية 11: 36). هذا العدد سيأتي لاحِقاً، ولكن إذا قرأنا الأعداد الأربَعة الأخيرة منَ الإصحاحِ الحادِي عشَر، قبلَ أن نقرأَ هذا المقطَع الذي نحنُ بِصَدَدِهِ الآن، فإنَّ هذا سيَمنَحُنا وُجهَةَ نظَرٍ ستُسَاعِدُنا على فهمِ هذا المقطع الذي يُعتَبَرُ القِمَّةَ لكُلِّ الكتاباتِ المُوحى بها لهذا الرَّسُول الذي كتبَ نِصفَ العهدِ الجديد.

يبدَأُ بِالقَولِ أنَّهُ عندما قَرَّرَ اللهُ أن يُرسِلَ إبنَهُ إلى عالَمِنا لكي يستطيعَ أن يُعلِنَنا نحنُ الخُطاة أبراراً، تطلَّبَ الأمرُ لكي يُطَبِّقَ اللهُ هذه المُعجِزَة علينا، تطلَّبَهُ الأمرُ ثلاثَ مُعجِزاتٍ يمكنُهُ القِيام بها. وهُوَ يُخبِرُنا أيضاً أنَّنا بعدَ أن تبرَّرنا، سيَكُونُ هُناكَ بُعدٌ مُستَقبَلِيٌّ لحياتِنا المُستَقيمَة، التي تتطلَّبُ أيضاً مُعجِزَةً، وحدَهُ اللهُ يستَطيعُ إنجازَها.

كتبَ يَقُولُ: "لأنَّ الذين سبقَ فعَرَفَهُم سبقَ فَعَيَّنَهُم ليَكُونُوا مُشابِهينَ صُورَةَ إبنهِ، ليَكُونَ هُوَ بِكراً بَينَ إخوَةٍ كثيرين. والذي سبقَ فعَيَّنَهُم فهَؤُلاء دعاهُم أيضاً. والذين دعاهُم فهَؤُلاء بَرَّرَهُم أيضاً. والذين برَّرَهُم فهَؤُلاء مجَّدَهُم أيضاً." (رُومية 8: 29، 30).

المُعجِزَةُ الأُولى للعِنايَةِ الإلهيَّة في تبريرنا بالإيمان، هي أنَّ اللهَ عرفَ مُسبَقاً أُولئكَ الذينَ سيُعلِنُهُم أبراراً. عندما نُطَبِّقُ المعرِفَةَ المُسبَقَة على اللهِ، نُسمِّيها "العِلمُ بِكُلِّ شَيء." هذا يعني أنَّ اللهَ يعلَمُ بكُلِّ شَيء، ماضِياً، حاضِراً، ومُستَقبَلاً. واللهُ لا يتفاجَأُ بتاتاً بأيِّ شَيءٍ يحدُث. عندما سقَطَ الجنسُ البَشَرِيُّ في آدم، لم يتفاجأْ الله. ولم يتوجَّبْ عليهِ اللُّجُوء إلى خُطَّةٍ بديلَةٍ. بل كانَ فداءُ الإنسانِ السَّاقِط دائماً في خُطَّةِ الله.

كَونُ اللهِ عَلِمَ أنَّنا سنتبرَّرُ، لا يعني أنَّهُ إنتَهَكَ حُرِّيَّةَ إرادَةِ أُولئكَ الذينَ أُعلِنُوا أبراراً. كَون الله عَيَّنَ مُسبَقاً أُولئكَ الذين عرَفَهُم، لا يعني أنَّهُ إختَارَ أحدَهُم للسَّماءِ والآخَرُ لجَهَنَّم. فعندما نَصِلُ إلى الإصحاحِ التَّاسِع، سوفَ ندرُسُ مفهُومَ الإختِيار، الذي يُثيرُ هكذا أسئِلَة. التَّعليمُ هُنا هُوَ بِبَساطَةٍ أنَّ اللهَ عَيَّنَ مُسبَقاً خُطاةً مُبَرَّرِينَ ليَكُونُوا على صُورَةِ إبنِهِ.

عندما يَعِيشُ الذين أُعلِنُوا أبراراً بإستِقامَة، كيفَ سيعلَمُونَ ماذا يعني العَيشُ الصَّحيح؟ هذا واحِدٌ من عدَّةِ أهدافٍ لأجلِها أرسَلَ اللهُ إبنَهُ إلى هذا العالم. لقد عيَّنَ اللهُ مُسبَقاً، وحددَ مُسبَقاً أنَّ إبنَهُ سيَكُونُ الأوَّل بينَ كَثيرِينَ منَ الذين سيَكُونُونَ على صُورَتِهِ، لأنَّهُم سيُشابِهُونَ صُورَةَ إبنهِ كإخوَةٍ كثيرِين. لهذا نقرأُ أنَّهُ لا يَستَحي بأن يدعُوَهم إخوَةً لهُ (عبرانِيِّين 2: 11).

المُعجِزَةُ الثَّالِثَة التي ينبَغي أن تأتيَ منَ الله، لكي نَكُونَ مُشابِهينَ صُورَةَ إبنهِ، هي أنَّ أُولئكَ الذين سبقَ فعرَفَهُم وسبقَ فعيَّنَهُم، قد دعاهُم أيضاً. لقد سبقتُ وأَشَرتُ إلى أنَّ هذه واحِدَةٌ من كلِماتِ بُولُس المُفضَّلَة لوصفِ أتباعِ المسيح الذينَ يختَبِرُونَ الخلاص. فأن يكُونَ الإنسانُ مُتَبَرِّراً بالإيمان، وأن يَجِدَ وُصُولاً بالإيمانِ إلى النَّعمة، هُوَ أكثَرُ من مُجَرَّدِ قضيَّةٍ فِكريَّة. إنَّها دَعوَةٌ للتَّمتُّعِ بعلاقَةٍ معَ المسيحِ الحَيِّ المُقام (1كُورنثُوس 1: 9). فاللهُ يُريدُنا أن نعرِفَ إبنَهُ، وأن نُصبِحَ مُشابِهينَ لهُ.

هذه المُعجزاتُ الثَّلاثُ تُوفِّرُ الإطارَ للمَوضُوعِ الأساسيّ لهذه الرِّسالة: الذين سبقَ فعرَفَهُم وعَيَّنَهُم ودعاهُم، فهؤُلاء قد بَرَّرَهُم. ثُمَّ يَذهَبُ بُولُس إلى ما وراء هذه الحياة، ويتنبَّأُ عن مجالٍ حاضِرٍ ومُستَقبَلٍ لهذه المُعجِزَة. أُولئكَ الذين بَرَّرَهُم، هؤُلاء قد مجَّدَهُم أيضاً. هذا يُظهِرُ تلكَ المُعجِزات العظيمة التي وصفَها بُولُس بطريقَةٍ جميلَة للكُورنثِيِّين، عندما سيَقومُ اللهُ الذي أعطانا جسداً أرضِيَّاً لِنَعيشَ فيهِ هذه الحياة، بأعطائِنا جسداً رُوحيَّاً سماوِيَّاً لِنَحيَا في السَّماء.

ولكنَّ هذا العدد يُرينا أيضاً أنَّ إختِبارَ كَونِنا مُمَجَّدِينَ يبدَأُ عندما نتبرَّرُ بالإيمان، ونَصِلُ إلى نِعمَةِ الله. عندما تُغَيِّرُ نِعمَةُ اللهِ حياتَنا فنُصبِحُ خلائِقَ جديدَة، يُعطينا إنسانُنا الدَّاخِليُّ صُورَةً مُسبَقَةً عن الحالَةِ المُمَجَّدَة التي سنَختَبِرُها للأبديَّة.

أضف تعليق


قرأت لك

ماذا قصد يسوع بالخطيّة ضد الروّح القدس؟

هذا الأمر يحيّر الكثيرين، فإن خطية التجديف على الروح القدس، أو الخطية التي لا تغفر التي قصدها المسيح في الكتاب المقدس هي: 1- أن ينسب ما للروّح القدس بأنه عمل الشّيطان: هذه كانت خطية الفريسيّين الذين قالوا أنّ يسوع عمل عجائبه بقوّة الشيّطان، بينما هو كان يقوم بها بقوّة الروح القدس. شجب يسوع هذه الخطية ودعاها تجديفا".

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة