الفَصلُ الثَّالِث "شُرَكاءُ معَ الله"

القسم: رسالة رومية آية آية الجزء الثالث.

(رُومية 10: 14- 21)

كما أشَرتُ سابِقاً، يختُمُ بُولُس الأفكارَ التي يُقَدِّمُها في الأعدادِ الثَّلاثَة عَشَر الأُولى من هذا الإصحاحِ العاشِر، بإقتِباسَينِ من النَّبِيّ إشَعياء والنَّبِيّ يُوئيل، اللذين وعظا قائِلَينِ أنَّ اللهَ سيَكُونُ مَسرُوراً جدَّاً بأن يُخَلِّصَ جميعَ أُولئكَ الذين يدعُونَ بإسمِهِ للخلاص. وها هُوَ الآنَ يكتُبُ قائِلاً أنَّهُ بإمكانِنا أن نَكُونَ شُركاءَ معَ اللهِ الذي هُوَ مَصدَرُ القُوَّة الكامِنة خلفَ الخلاص، والذي مجدُهُ هُوَ القصدُ المَرجُوُّ من هذه المُعجِزَة العظيمة، بالإتيانِ بالآخرينَ للخَلاص، إذ يكتُبُ قائِلاً: "فكيفَ يَدْعُون بمَن لم يُؤمنوا بهِ؟ وكيفَ يؤمنونَ بمَن لم يَسمعوا به. وكيفَ يَسمعون بلا كارزٍ. وكيف يَكْرِزون إنْ لم يُرْسَلُوا. كما هو مكتوبٌ ما أجملَ أقدامَ المبشّرينَ بالسلامِ المُبَشّرينَ بالخيراتِ!" (رومية 10: 14- 15)

بَعدَ أن جعلَ بُولُس الأمرَ يبدُو في الإصحاحَين 8 و9 وكأنَّ الخلاصَ هُوَ عمَل الله بالكامِل، يكتُبُ الآنَ قائِلاً أنَّ الخلاصَ يعتَمِدُ على تجاوُبِ الإيمانِ الدَّاخِليّ والإعتِراف الخارِجيّ. وهُوَ في قَلبِ هذه الإصحاحات الثَّلاثَة يُقدِّمُ العنايَةَ الإلهيَّة السَّائِدة لإلهٍ سبقَ فعرَفَ وعَيَّنَ ودعا وبَرَّرَ ومجَّدَ أُولئكَ الذين إختارَهُم للخَلاص. ولكن رُغمَ ذلكَ، في هذا الإطار يكتُبُ أنَّهُ إن يَكِرزْ أحدٌ وإن لم يُرسَلْ أحَدٌ، لن يَكُونَ هُناكَ خلاص.

في الإصحاحِ الثَّامِن، تقديمُهُ الرَّائِع لسيادَةِ اللهِ في الخلاص، وتعليمُهُ عنِ الإختيار في الإصحاحاتِ الثَّامن، التَّاسِع والحادِي عشَر، جعلَت البَعضَ يُسيئُونَ فهَمَ هذا المَوضُوع. قَرَّرَ بعضُهُم أنَّهُ بإمكانِنا أن نترُكَ خلاصَنا وكُلَّ قضايا حياتِنا الرُّوحِيَّة كُلِّيَّاً في يديِ الله. وبما أنَّ اللهَ هُوَ المصدَرُ والقُوَّةُ الكامِنَةُ خلفَ خلاصِنا، فسَوفَ يَصِلُ بنا وبِكُلِّ أُولئكَ الهالِكينَ، سيَصِلُ بنا إلى الخلاص بِدُونِ أيِّ تدخُّلٍ منَّا.

سَمِعتُ مَرَّةً قِصَّةً عن مُزارِعٍ تَقِيّ، عَمِلَ بِجهدٍ على تحويلِ قطعَةِ أرضٍ كانت مَليئَةً بالأشواك إلى مزرَعَةٍ جميلَةٍ مُنتِجة. بَعضُ رِفاقِهِ المُؤمنين أخبَرُوا راعِي كنيستِهِم أنَّهُم يعتَقِدُونَ أنَّ هذا المُزارِع كانَ مُذنِباً بِخَطِيِّةِ الكبرياء. فدعا الرَّاعي المُزارِعَ وقالَ لهُ في الوقتِ المُناسِب، "لقد قُمتَ أنتَ والرَّبُّ بعَمَلٍ رائِعٍ على هذه المزرَعة، أليسَ كذلك؟" فأجابَ المُزارِعُ، "أنا مُتَأكِّدٌ من صِحَّةِ هذا الأمر أيُّها الرَّاعي. فبِدُونِ مُساعَدَةِ الرَّبّ لما قَدِرتُ بتاتاً على تغييرِ حالِ هذه المزرَعَة. ولكن، أيُّها الرَّاعي، كانَ عليكَ أن ترى كيفَ كانت حالُ هذه المَزرَعة عندما كانَ الرَّبُّ يُديرُها بِِدُونِي!"

إحدَى أعظَمِ البَرَكاتِ منَ الرَّبّ، تأتي إلى حياتِنا عندما يُقَرِّرُ الرَّبُّ أنَّهُ لن يعمَل عَمَلَهُ بِنَفسِهِ. في أحدِ الحُقُول، أعطى يسُوعُ تلاميذَهُ درساً عظيماً. لقد كان يُعطيهم سِتَّةَ أسبابٍ يتوجَّبُ عليهم لأجلِها أن يَكُونُوا مُثمِرين. مِفتاحُ كَونِ الرِّب يسُوع مُثمِراً هُوَ أنَّهُ كانَ هُوَ والآبُ واحِد. كانَت لدَيهِ وحدَةٌ وثيقَةٌ لا تنفَصِم معَ الآب طِوالَ الوقت، وتلكَ العلاقَة كانت المِفتاح لإثمارِهِ. لِهذا كانَ يَحُضُّهُم على أن يَكُونُوا واحِداً معَهُ بعدَ قيامَتِهِ.

أظهَرَ يسُوعُ للتَّلاميذ كرمَةً ذاتَ أغصانٍ كثيرَة. ثُمَّ أخبَرَ هؤُلاء الرِّجال أنَّ المِفتاحَ للإثمارِ هُوَ أن يَكُونُوا واحِداً معَهُ، تماماً كما كانت هذه الأغصانُ ثابِتَةً في الكَرمَةِ التي منها كانت الأغصانُ تستَمِدُّ مبدَأَ إعطاءِ الحياة الذي جعلَها مُثمِرَةً. ولقد أعطَى يسُوعُ تصريحَهُ العظيم، "أنا الكَرمَة وأنتُم الأغصان." وحذَّرَهُم أنَّهُم بِدُونِهِ لا يستطيعُونَ أن يفعَلُوا شَيئاً.

بِدُونِهِ لا نستطيعُ أن نفعَلَ شَيئاً. ولكنَّني أتَعَجَّبُ عندما أُدرِكُ أنَّ هذه الإستِعارَة تنطَوي أيضاً على تصريحٍ ضِمنِيّ أنَّهُ بِدُونِنا، لن يفعَلَ الرَّبُّ شَيئاً. في هذه الإستِعارَة المجازِيَّة البَسيطَة، نَجِدُ أنَّ الثِّمارَ لا تنبُتُ على الكَرمَة. في هذا الإطار، يسُوعُ هُوَ كَرمَةٌ تبحَثُ عن أغصانٍ تُريدُ أن تتَّحِدَ معَهُ كَونه الكرمة، بطريقَةٍ تجعَلُ من هذه الأغصان مُثمِرَةً. التَّحَدِّي لكَ ولِي هُوَ: "هل سنَكُونُ واحِداً معَهُ وواحِداً منَ الأغصانِ المُثمِرَة؟"

لو كُنتُ أنا مكانَ الرَّبّ، لما جَعَلتُ منَ الكائِناتِ البَشريَّةِ الجسديَّةِ الضَّعيفَة جزءاً من عَمَلِي. ولكنَّهُ شَمَلَنا في عَمَلِهِ العجائِبيّ بجلبِ الهالِكينَ في هذا العالم إلى الخلاص. ألا ينبَغي أن يملأَنا هذا بالشُّكرِ والتَّسبيح. فاللهُ يملأُ حياتنا بالمعاني والقِيَم عندما يجعَلُنا شُرَكاءَهُ في العَمل، فيُنجِزُ عملَهُ من خلالِنا. ويُدخِلُ خالِقُنا أيضاً فرحاً كبيراً إلى حياتِنا عندما يَشمَلُنا في مُعجِزَةِ تحقيقِ الخلاصِ للهالِكينَ الذين نلتَقي بهم في هذا العالم. فالفَرَحُ لا يتساقَطُ منَ السَّماءِ ليَستَقِرَّ على رُؤوسِ بعضِ النَّاسِ دُونَ غيرِهِم. ولكنَّ الفَرحَ، مثلَ السَّلام، لهُ شُرُوطُهُ وأسبابُهُ. لقد أخبَرَ يسُوعُ الرُّسُلَ بأنَّهُ عليهِم أن يَكُونُوا مُثمِرينَ، لكي يثبُتَ فرَحُهُ فيهِم وليَدُومَ فَرَحُهُم (يُوحَنَّا 15: 11). لقد وجدَ رَبُّنا سُرُوراً كبيراً في إتمامِ مشيئَةِ وعَمَلِ أبيهِ السَّماوِيّ (عبرانِيِّين 10: 7). كتبَ بُولُس للغَلاطِيِّين، أنَّنا عندما نعمَلُ العمل الذي يُريدُنا اللهُ أن نعمَلَهُ، نجدُ في عمَلِنا المُثمِر سبباً للفَرَحِ الكبير (غلاطية 6: 4، 5). فكَونُنا شُرَكاءُ معَ اللهَ يُعطينا العَمَلَ ذا المَغزى الذي يمنَحُ حياتَنا معنىً عظيماً.

يُعلِنُ المقطَعُ أعلاهُ أنَّ النَّاسَ الهالِكين، الذي سيَكُونُونَ مُختاري الله، الذين سبق فعَيَّنَهُم ودعاهُم وإختارَهُم اللهُ لِلخلاص، هؤُلاء لا يُمكِنُهُم أن يخلُصُوا، إلى أن تقُومَ الكنيسة بتحمُّلِ أربَعِ مسؤوليَّاتٍ. فالهالِكُونَ لا يستَطيعُونَ أن يدعُوا بإسمِ الرَّبّ الذي لا يُؤمِنُونَ بهِ. ولا يُمكِنُهُم أن يُؤمِنُوا إن لم يسمَعُوا إنجيلَ رَبِّنا يسُوع المسيح. ولا يُمكِنُهُم أن يسمَعُوا بِدُونِ كارِز. والذين يَكرِزُونَ لا يُمكِنُهُم أن يكرِزُوا إن لم يُرسَلُوا لأُولئِكَ الذينَ عليهِم أن يسمَعُوا ويُؤمِنُوا. فهُوَ يَحُضُّ الكنيسة على أن تُدرِكَ لماذا هي كنيسة، عندما يكتُبُ قائِلاً أنَّهُم لا يستَطِيعُونَ أن يكرِزُوا إن لم يُرسَلُوا (مِنَ الكنيسة).

في الإصحاحَين الثَّامِن والتَّاسِع، يبدُو وكأنَّ اللهَ لديهِ كُلُّ المَسؤوليَّة لجلب الهالِكينَ للخلاص. في الإصحاحِ العاشِر، نأخُذُ إنطباعاً بأنَّ الهالِكِينَ لدَيهِم كُلّ المسؤوليَّة ليُؤمِنُوا ويعتَرِفُوا بأنَّهم قد يخلُصُون. ثُمَّ لدَينا هذا المقطَع العَظيم الذي يُقَدِّمُ بإسهابٍ هدَفَ مُهِمَّةِ الكنيسة، ويُعطي الإنطِباعَ الواضِح أنَّ الكنيسة لدَيها المَسؤوليَّة لتُرسِلَ كارِزينَ ليُعلِنُوا الإنجيلَ للهالِكين، وإلا فإنَّهُم لن يسمَعُوا، ولن يُؤمِنُوا، ولن يدعُوا بإسمِ الرَّبِّ لِيخلُصُوا.

يقتَبِسُ بُولُس من إشعياء ليُبارِكَ مسؤوليَّةَ الكنيسة بالكِرازَةِ وبإرسالِ مُبَشِّرين: "ما أجمَلَ أقدامَ المُبَشِّرينَ بالسَّلام المُبَشِّرينَ بالخَيرات." (إشعياء 52: 7) هذه إستِعارَةٌ جميلة، تُصَرِّحُ بأنَّ اللهَ يُعطِي قيمَةً كُبرَى لأُولئكَ المُرسَلينَ لإعلانِ الإنجيل للذين يُريدُونَ أن يسمَعُوا. علينا أيضاً أن نُعطِي قيمَةً كُبرى للمَسِيَّا الذي أُرسِلَ لنا، لكي نسمَعَ ونُؤمِنَ بأخبارِ الخلاص السَّارَّة.

هُنا تجدرُ الإشارَةُ إلى مُلاحَظَتَين. كلِمَة "واعِظ أو كارِز" قد تَكُونُ مُربِكَةً، إذا جَعَلَتْنا نعتَقِدُ أنَّ المقصُودَ منها هُوَ الواعِظُ الذي يتكلَّمُ من على مِنبَرِ الكنيسة. الكَلِمةُ تتَضَمَّنُ هذا المَعنَى بالطَّبع، ولكنَّ المقصُودَ منها هُوَ معنى أوسَع. الكلمة اليُونانِيَّة تعني بالحقيقة، "القِيامُ بإعلان." علينا أن لا نَحُدَّ هذا الشَّخص الذي يَصِفُهُ بُولُس ليَكُونَ حَصرِيَّاً راعِي كنيسة أو مُبَشِّر أو مُرسَل من كَنيسة.

نقرأُ أنَّ الجيلَ الأوَّلَ من تلاميذِ يسُوع أعلَنُوا الإنجيل لأفرادِ عائِلاتِهِم. وفعلُوا الشَّيءَ نفسَهُ في صداقَاتِهِم، ومعَ كُلِّ الذين إلتَقَوا بِهِم في مرَاكِزِ عملِهِم أو في حياتِهِم بِشَكلٍ عام. بالإضافَةِ إلى أُولئِكَ الذين أُرسِلُوا مثل بُولُس، وبالإضافَةِ إلى الوُعَّاظ والمُبَشِّرين المَوهُوبِين، ينبَغي أن نتذَكَّرَ إنتشار الإنجيل من خلالِ من نُسَمِّيهِم "بالعِلمانِيِّين"، في حديثِنا عن هَؤلاء الكارِزين.

كتبَ بُولُس يَقُولُ للكُورنثِيِّين أنَّ جميعَ الذين إختَبَرُوا مُعجِزَةَ المُصالَحَة معَ الله من خلالِ المسيح، قد إستُودِعُوا مُباشَرَةً رسالَةَ وخدمَةَ مُصالَحة (2كُورنثُوس 5: 13- 6: 2). عندما يَظُنُّ المُؤمِنُونَ المُصالَحُونَ في كنيسَةٍ ما أنَّ اللهَ أعطى مسؤُوليَّةَ إعلانِ الإنجيل فقط لراعي الكنيسة أو الواعِظ أو المُرسَل، تتحوَّلُ الكنيسَةُ إلى "عملاقٍ نائم." إحدَى الحقائِق التي يُمكِنُ أن تُوقِظَ هذا "العملاق النَّائم" هي أنَّنا جميعاً مُفَوَّضُونَ لإعلانِ الإنجيل للهالِكين. في هذا المعنى، نحتاجُ أن نُدرِكَ أنَّنا إمَّا أن نَكُونَ مُرسَلين أو هَدَفاً للمُرسَلين.

يُعطِي اللهُ قِيمَةً كبيرَةً لأُولئكَ الذين يحمِلُونَ الإنجيل للهالِكين. فكِّرُوا بهذا بالطَّريقَةِ التَّالِيَة. اللهُ كانَ عندَهُ إبنٌ وحيدٌ، وكانَ هذا الإبنُ الوَحيدُ مُرسَلاً. فهَل تُعطُونَ قيمَةً كبيرَةً للشَّخصِ أوِ الأشخاص الذين أَعلَنُوا الإنجيلَ لكُم لكي تسمَعُوا، وتُؤمِنُوا، وتدعُوا بإسمِ الرَّبّ وتخلُصُوا؟ هذا الشَّخصُ أو هؤُلاء الأشخاص هم الأكثَر أهَمِّيَّةً بينَ الذين إلتَقيَتُمُوهُم في حياتِكُم، وعَلَيكُم تكريمُهُم. هُناكَ مثلٌ يقُولُ أنَّ تربيَةَ الطِّفلِ تتطلَّبُ قريَةً بأسرِها. بهذا المعنى، يتطلَّبُ الأمرُ كنيسَةً بأسرِها لإعلانِ الإنجيل وتقديمِهِ للهالِكين. إنَّ الشَّهادَةَ التَّعاوُنِيَّة التي تُقدِّمُها كنيسَةٌ بكامِلها، غالِباً ما أوصَلت حقيقَةَ الإنجيل إلى حياةِ الهالِكين.

مُلاحَظَتي الثَّانِيَة حِيالَ هذه الأعداد عن جَمَالِ أقدامِ أُولئكَ الذين يُبَشِّرُونَ بالإنجيل، تُثيرُ السُّؤالَ التَّالي: "من هُوَ بالحقيقة الذي يُرسِلُ هؤُلاء المُبَشِّرين ليُعلِنُوا الإنجيل للهالِكينَ في هذا العالم؟" رُغمَ أنَّهُ يبدُو ظاهِريَّاً أنَّ الكنيسة هي التي تُرسِلُ هؤُلاء الكارزين، ولكنَّ القُوَّةَ الكامِنَةَ وراءَ هذا الإرسال هي المسيحُ الحَيُّ المُقَام. لقد علَّمَ يسُوعُ رُسُلَهُ أن يُصَلُّوا لِرَبِّ الحصاد أن يُرسِلَ فعلَةً إلى حصادِهِ. (مرقُس 9: 38؛ لُوقا 10: 2).

علينا أن نُدرِكَ أنَّهُ لا يَستَطيعُ أيُّ إنسانٍ أن يأتِيَ إلى المسيح، إن لم يجتَذِبْهُ الآبُ (يُوحَنَّا 6: 44). أحياناً يتساءَلُ النَّاسُ، "ماذا لو لم أكُنْ مُختاراً حتَّى وإن أردتُ أن أخلُص؟" الجوابُ على هذا السُّؤال هُوَ أنَّهُ إن لم يَكُنْ هذا الإنسانُ مُختاراً وإن لم يجتَذِبْهُ الرُّوحُ القُدُس، فهُوَ لن يشعُرَ بالرَّغبَةِ بالخَلاص.

علَينا أيضاً أن نُدرِكَ أنَّهُ عندما يُرسَلُ أشخاصٌ مثل بُولُس وبرنابا بِواسِطَةِ كنيسَةٍ محَلِّيَّة، فإنَّ هذا يحدُثُ لأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ قادَ النَّاسَ في الكنيسة، وتحرَّكَ في قُلُوبِ الذين سيُرسَلُونَ ليتجاوَبُوا معَ الدَّعوَةِ للإنفِرازِ لتلكَ الخدمة (أعمال 13: 2). كتبَ بُولُس لكَنيسَةِ فِيلبِّي أنَّ اللهَ هُوَ العامِلُ فينا لنُريدَ ونعمَلَ من أجلِ مسَرَّتِهِ (فيلبِّي 1: 6؛ 2: 13).

فاللهُ يعرِفُ مُسبَقَاً، يُعَيِّنُ مُسبَقاً، يدعُو، يُبَرِّرُ ويُمَجِّدُ مُختاريه، ولكنْ عليهِم أن يُؤمِنُوا في قُلُوبِهِم ويعتَرِفُوا بأفواهِهِم ليَخلُصُوا. اللهُ يختارُ ويدعُو أُولئِكَ الذين سيُعلِنُونَ الإنجيلَ للهالكِين، ولكنَّهُ يختارُ أيضاً أُناساً، وإلا فلن يَكُونَ لهُم خلاص. ولكن، أُولئكَ المَدعُوُّونَ ليحمِلُوا الأخبارَ السَّارَّةَ للهالكين، عليهِم أن يتجاوَبُوا ويُطيعُوا دَعوَةَ اللهِ في حياتِهِم، وأن يُصبِحُوا شُركاءَ الله – أي أغصاناً تحمِلُ ثماراً – لأُولئكَ الذين سيخلُصُون.

مُجَدَّداً، لا يَسَعُنا إلا أن نطرَحَ السُّؤال، "هل اللهُ يَقُومُ بإتِّخاذِ خياراتٍ هُنا، أم أنَّنا نختارُ الإمتيازاتِ العَظيمة بأن نَكُونَ عامِلينَ معَ اللهِ في جَلبِ الخلاص للهالِكين في هذا العالم؟" الجوابُ لا ينسَجِمُ معَ مَنطِقِنا بِسُهُولَة، ولكنَّ الجوابَ ينبَغي أن يَكُونَ أنَّ القَضِيَّة ليسَت إمَّا هذا أو ذاك، بل الإثنانِ معاً. فإلهُنا صاحِبُ السَّيادَةِ، والمسيحُ الحَيُّ المُقام، هُما اللًَّذانِ يَقومانِ بهذه الخيارات، ولكن علينا أن نختارَ بأن نَكُونَ مُختارين. فنَحنُ نختارُ أن نثبُتَ فيهِ كما يثبُتُ الغُصنُ في الكَرمَة أي في المسيح، وهذا ما يجعَلُنا مُثمِرين (يُوحنَّا 15).


سِرُّ الإيمان وعَدم الإيمان

في عِدَّةِ مُدُنٍ كبيرَة، العمَلُ البَسيطُ بإدارَةِ مفتاحِ الضَّوء لملءِ غُرفَةٍ ما بالنُّور، يتطلَّبُ مصدراً للطَّاقَةِ لا يُمكِنُ رُؤيَتُهُ. فليسَ بإمكانِنا أن نرى الكهرباء أو الكيلومترات الطَّويلَة منَ الأشرطة والكابلات تحتَ الأرض، تلكَ التي أتَتْ بالكَهرباء إلى منطَقَةٍ شاسِعَةٍ تنتَشِرُ فيها منازِلُنا. ونحنُ لا نَنتَبِهُ للمُوَلِّداتِ والمُحَوِّلاتِ الضَّخمَة، وفي بعضِ الحالاتِ لا ننتَبِهُ للسُّدُودِ الكبيرة التي تُولِّدُ الكهرباءَ منَ الماء، لتُوفِّرَ الكهرباء للمدُنِ والأحياء والشَّوارِع والمنازِل التي نعيشُ فيها، ونُضيءُ فيها النُّورَ بكبسَةٍ صغيرَة.

بالطَّريقَةِ نفسِها، يُظهِرُ بُولُس في هذه الإصحاحات عمَلَ الرُّوح القُدُس غير المَنظُور، وسيادَة العنايَة الإلهيَّة، التي لا يُمكِنُنا كذلكَ رُؤيتها. نحنُ لا نستَطيعُ رُؤيَةَ الكهرباء بتاتاً، ولكن بإمكانِنا أن نرى نتائجَ أو مفاعِيلَ الكهرباء عندما نُضيءُ الضَّوءَ في غُرفَتِنا. وكذلكَ، ليسَ بإمكانِنا أن نرى الرُّوحَ القُدُس، ولكنَّنا نستَطيعُ أن نرى بُرهانَ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس في كُلِّ مَرَّةٍ يسمَعُ فيها الخاطِئُ الإنجيلَ، فيُؤمِنُ ويعتَرِفُ ويخلُص.

يُخبِرُنا كُلٌّ من يسُوع وبُولُس أنَّهُ عندما تُعلَنُ الأخبارُ السَّارَّة للهالكين، بعضُ النَّاسِ يُؤمنُون، ولكنَّ مُعظَمَهُم لا يُؤمِنُون. لِماذا نَجِدُ دائماً هذا التَّجاوُب المُتَناقِض معَ الإنجيل؟ هل لأنَّ أُولئكَ الذين يُؤمِنُونَ ليسُوا بمِقدارِ ذكاءِ الذين لا يُؤمِنُون؟ أم لأنَّ أُولئِكَ الذين يُؤمِنُونَ هُم أكثَرُ ذكاءً من أُولئِكَ الذين يرفُضُونَ أن يُؤمِنُوا؟

جَوابُ بُولُس على هذا السُّؤال هُوَ أنَّ الذَّكاءَ ليسَ التَّفسيرَ لطريقَةِ تجاوُبِ النَّاسِ معَ الإنجيل. يُخبِرُنا يسُوعُ وبُولُس أنَّ أُولئكَ الذين يُؤمِنُونَ يتجاوَبُونَ بهذه الطريقة لأنَّهُم مُنِحُوا عَطِيَّةَ الإيمان (متَّى 13: 11؛ 19: 11؛ فيلبِّي 1: 29؛ 1كُورنثُوس 2: 9- 11)

بِحَسَبِ النَّبِيِّ إشَعياء، هذا التَّجاوُبُ المُتناقِضُ بينَ الإيمانِ أو عَدَمِهِ عندما يُعلَنُ الإنجيلُ، ليسَ شَيئاً حدَثَ فقط في زَمَنِ العهدِ الجديد منَ التَّاريخِ العِبريّ. فلقد أبرَزَ إشَعياءُ نَبَوِيَّاً مجيءَ المَسيَّا، مُعطِياً إيَّانا نُبُوَّاتٍ مَسيَاوِيَّة أكثَرَ من أيِّ نَبِيٍّ آخر في العهدِ القَديم. أكثَر من سبعمائة سنَة قبلَ أن يحدُثَ هذا الأمر، أعطانا إشَعياءُ أحدَ أعظَمِ إصحاحاتِ الكتابِ المُقدَّس وأوضَحِها عن معنى موتِ المسيحِ على الصَّليب (إشَعياء 53).

الأعدادُ السِّتَّةُ الأُولى من هذا الإصحاح هي ستَّةٌ من أهمِّ وأبلَغِ أعدادِ الكتابِ المُقدَّس رُوحيَّاً حولَ معنى موتِ المسيح على الصَّليب: "مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنا ولِمَنِ إستُعلِنَت ذِراعُ الرَّبّ. نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرخٍ وكَعِرقٍ من أرضٍ يابِسَةٍ لا صُورَةَ لهُ ولا جَمالَ فنَنظُرَ إليهِ فَنَشتَهِيَهُ. مُحتَقَرٌ ومخذُولٌ منَ النَّاسِ رَجُلُ أوجاعٍ ومُختَبِرُ الحَزَن، وكَمُسَتَّرٍ عنهُ وُجُوهُنا، مُحتَقَرٌ فلم نعتَدَّ بهِ.

"لكنَّ أحزانَنا حمَلَها وأوجاعَنا تَحَمَّلَها، ونحنُ حَسِبناهُ مُصاباً مَضرُوباً منَ اللهِ ومَذلُولاً. وهُوَ مجرٌوحٌ لأجلِ معاصِينا، مَسحُوقٌ لأجلِ آثامِنا، تأديبُ سلامِنا عليهِ، وبِحُبُرِهِ شُفينا. كُلُّنا كَغَنمٍ ضَلَلنا، مِلنا كُلُّ واحِدٍ إلى طريقِهِ، والرَّبُّ وضعَ عليهِ إثمَ جميعِنا." (إشَعياء 53: 1- 6).

يَحُثُّنا بُولُس لنُلاحِظَ الطريقَة التي بدأَ بها إشعياءُ تلكَ النُّبُوَّة المَسياوِيَّة المُوحاة: "لكنْ ليسَ الجميعُ قد أَطاعوا الإنجيلَ. لأنَّ أشعياءَ يقولُ يا ربُّ مَن صَدَّقَ خَبَرَنا. إذاً الإيمانُ بالخَبَرِ والخبرُ بكلمةِ اللهِ". (رُومية 10: 16- 17)

بِحَسَبِ بُولُس، كما بدأَ إشَعياءُ وصفَهُ النَّبَوِيِّ الرَّائِع لمَوتِ المسيح، ركَّزَ هُوَ إنتِباهَنا على هذا السِّرّ للإيمانِ وعدَمِ الإيمان، بطرحِ ذلكَ السُّؤال. وبِحَسَبِ إشَعياء، الأمرُ المِفتاحِيُّ الذي يَفصِلُ بينَ المُخَلَّصِينَ وبينَ الهالِكين في هذا العالم، هو يسُوع المسيح. فلقد بدأَ إشَعياءُ هذا الإصحاح العَظيم بقَولِ ما جَوهَرُ معناهُ، "لديَّ أعظَمُ نُبُوَّةٍ لأُخبِرَكُم بها، والتي لم يسبِقْ لأيِّ نَبيٍّ آخر أن يُعلِنَها، ولكن من هُوَ الذي سيُؤمِنُ بها يا تُرَى؟"

يُضيفُ بُولُس بعدَ هذا تصريحاً عميقاً يُظهِرُ كيفَ يستَخدِمُ الرُّوحُ القُدُسُ كلمَةَ اللهِ خلالَ جَذبِهِ النَّاس للإيمانِ ولِلمَسيح. يكتُبُ بُولُس الرَّسُول قائِلاً أنَّ الإيمانَ يأتي بِسماعِ كلمَةِ الله. يذكُرُ العددُ حَرفِيَّاً أنَّ الإيمانَ يأتي من سماعِ رسالَةِ المسيح.

هُنا ينضَمُّ بُطرُس لبُولُس مُعَلِّماً الحقيقَةَ نفسَها. فبالنِّسبَةِ لبُطرُس، كلمَةُ اللهِ هي بِذارٌ لا يفنَى، الذي يُوَلِّدُ حياةً رُوحيَّةً في أُولئِكَ الذينَ يتجاوَبُونَ بِطريقَةٍ صحيحَةٍ معَ تلكَ الكلمة، عندما يسمَعُونَها أو يقرَأُونَها (1بُطرُس 1: 22، 23).

يُعَلِّمُ بُطرُس هذه الحقيقَةَ نفسَها مرَّةً ثانِيَة، مُستَخدِماً إستِعارَةً أُخرى جميلَة، عندما يَحُضُّ قُرَّاءَهُ على الإقتِرابِ من كَلِمَةِ الله، وكأنَّها نُورٌ في مَوضِعٍ مُظلِم. بالنِّسبَةِ لبُطرُس، بينَما يقتَرِبُونَ من هذا النُّور، سوفَ يختَبِرُونَ مُعجِزَتَين: ينفَجِرُ النَّهارَ ويطلَعُ كَوكَبُ الصُّبِح في قُلُوبِهم (2بُطرُس 1: 19).

هذا التَّصريح لبُولُس، وهاتانِ الإستِعارتانِ المُستَخدَمتانِ من قِبَلِ بُطرُس اللتانِ تتوازَيانِ معَ هذا التَّصريح لبُولُس، تُشَكِّلُ هدَفَ إرسالِيَّةِ بُولُس، وتُوفِّرُ تعريفاً لِفَلسَفَتِي في الخدمة منذُ العام 1949. لقد أخبَرَنا إشعياءُ في نُبُوَّتِهِ أنَّهُ كرزَ بكَلِمَةِ الله، لأنَّ كَلِمَةَ اللهِ أوصَلت أفكارَ وطُرُقَ اللهِ والإنسان إلى الإنسجامِ (إشعياء 55: 8- 11). لقد إكتَشَفتُ أنَّنا عندما نُدخِلُ النَّاسَ إلى كَلِمَةِ اللهِ ونُدخِلُ كلَمَةَ اللهِ إلى حياةِ النَّاس، عندها يأتي الإيمانُ، ويُولَدُ هؤُلاء من جديد. تلكَ الولادَةُ الجديد مَوصُوفَةٌ بِشَكلٍ جَميلٍ في إستِعارَتَي بُطرُس.


مَزيدٌ منَ الاسئِلَة والأجوِبَة

يختُمُ بُولُس هذا الإصحاحِ العاشِر مَرَّةً أُخرى بإستِباقِ أسئِلَةٍ يتوقَّعُها من قُرَّائِهِ. عندما يُرَكِّزُ على الأهمِّيَّة المَصيريَّة لٍِسَماعِ الكلمة التي من خلالِها يأتي الإيمان، بإمكانِ الرَّسُولِ أن يتصوَّرَ قُرَّاءَهُ وهُم يسأَلُونَهُ، "حسناً، وماذا عن الذين لم يسمَعُوا رِسالةَ الإنجيل؟" بعدَ أن قُمتُ بِمُشارَكَةِ الإنجيل معَ الكثيرِ من طُلاَّبِ الجامعاتِ في إطارِ جامِعَةٍ عِلمانِيَّة، سَمِعتُ طُلاباً يطرَحُونَ هذا السُّؤال مُباشَرَةً عندما كانُوا يسمَعُونَ الإنجيل لأوَّلِ مرَّة: "ماذا عن جميعِ أُولئكَ الذين لم يسمَعُوا الإنجيلَ بتاتاً؟"

يطرَحُ بُولُس السُّؤال ومن ثَمَّ يُجيبُ عليهِ: "لَكِنِّي أقُولُ ألَعَلَّهُم لم يسمَعُوا؟ بَلَى. إلى جَميعِ الأرضِ خرجَ صَوتُهُم، وإلى أقاصِي المسكُونَةِ أقوالُهُم. لَكِنِّي أقُولُ ألَعَلَّ إسرائيلَ لم يَعلَمْ. أوَّلاً مُوسى يَقولُ أنا أُغيرُكُم بما لَيسَ أُمَّة. بأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُكُم. ثُمَّ إشَعياء يتجاسَرُ ويَقُولُ وُجِدتُ منَ الذين لم يَطلُبُوني، وصِرتُ ظاهِراً لِلَّذينَ لم يَسأَلُوا عَنِّي. أمَّا من جِهَةِ إسرائيل فيَقُولُ طُولَ النَّهارِ بَسَطتُ يَدَيَّ إلى شَعبٍ مُعانِدٍ ومُقاوِم." (رُومية 10: 18- 21؛ مزمُور 19: 1- 4؛ تثنِيَة 32: 21؛ إشَعياء 65: 1)

يقتَبِسُ بُولُس من داوُد، مُوسى، وإشعياء في جوابِهِ على هذا السُّؤال. يُعَلِّمُ داوُد بما يُسمِّيهِ اللاهُوتِيُّون "الإعلان الطَّبيعيّ"، عندما يكتُبُ أنَّ السماواتِ تُحَدِّثُ بِمَجدِ الله، والفَلَكُ يُخبِرُ بِعَمَلِ يديهِ، وأنَّهُ لا يُوجَدُ مكانٌ على الأرض لم يسمَعْ بإعلانِها.

خلالَ أسفارِي لزيارَةِ المُرسَلين في بَعضِ المناطِق النَّائِيَة منَ الأرض، حقَّقتُ إكتشافاً. عندما يَقُومُ البَعضُ منَّا، منَ الذين يعيشُونَ في المُدُنِ الكَبيرَة، بِزِيارَةِ أماكِن في الأدغال، حيثُ لا إنارَة مَدينة، نُصبِحُ أكثَرَ إدراكاً لِوُجُودِ النُّجُوم ولهذا الكَون المُدهِش الذي نعيشُ فيه. ولَرُبَّما قضَى داوُد كراعي غَنَمٍ شابّ، الكثيرَ منَ الليالي مُستَلقِيَاً على ظَهرِهِ، مُحدِّقاً بِنُجُومِ السَّماء. فأَوحَى لهُ الرُّوحُ القُدُس بأن يكتُبَ المَزمُور التَّاسِع عشر، بأنَّ السَّماواتِ والفَلَك يُخبِرَانِ بمجدِ الرَّبّ. ولا تُوجَدُ ليلَةٌ واحِدَةٌ حيثُ لا تكرِزُ السَّماواتُ والفَلَكُ بهذه العِظة. بِحَسَبِ داوُد، حتَّى ولو لم يَكُنْ يُوجَدُ ولا أيُّ صَوت، ولكن لا يُوجَدُ مكانٌ واحِدٌ في العالم لا يُكرَزُ فيهِ بهذه العِظَة.

في الإصحاحِ الأوَّلِ من هذه الرِّسالَة، يُعلِنُ بُولُس أنَّهُ بسببِ الرِّسالَة التي تمَّ إيصالُها من خلالِ مُعجِزَة الخَلق، لذلكَ فالهالِكُونَ هُم بِلا عُذر (رُومية 1: 20). ولكن هل بإمكانِ الهالكينَ أن يعرِفُوا ما يكفي من خلالِ الإعلانِ الطَّبيعي ليَتَبَرَّرُوا بالإيمان؟ الجوابُ الواضِحُ على هذا السُّؤال هُوَ "كلا."

يُعَلِّمُ الكتابُ المُقدَّسُ أنَّهُ إذا أدركَ الخاطِئُ الهالِك الذي يبحَثُ عنِ الحَق، من خلالِ الخليقَة أنَّهُ يُوجَدُ خالِقٌ، فإذا طَلَبَ هذا الخالِقَ تجاوُباً معَ النُّورِ الذي نالَهُ من خلالِ الخليقَة، فإنَّ اللهَ سيُعطيهِ المزيدَ منَ النُّور. هذا مبدأٌ هامٌّ جدَّاً في كَلِمَةِ الله (فيلبِّي 3: 16؛ يُوحَنَّا 9: 40، 41؛ 15: 22). يُخبِرُنا المُرسَلُونَ أنَّهُم عندَما أوصَلوا الإنجيلَ إلى شُعُوبٍ في مناطِقَ بدائِيَّة نائِيَة منَ العالم، كانت هذه الشُّعُوب تُخبِرُهُم بأنَّهُم كانُوا ينتَظِرُونَ ويتوقَّعُونَ أن يأتِيَ أحدٌ ما ويُخبِرهم عن اللهِ الذي كانُوا يطلُبُونَهُ منذُ سنواتٍ طَويلَة.

لدَيَّ إختبارٌ شَخصِيٌّ أكَّدَ لي هذه الحقيقة. فبينما كُنتُ كراعي كنيسة أُعلِّمُ درسَ كتابٍ مُقَدَّس تبشيريّ، سألَتي إمرأَةٌ يابانيَّة ووجهُها يَشُعُّ بالنُّور، إن كانَ بإمكانِها أن تلتَقي بي بعدَ الإجتماع. وعندها أخبَرتني أنَّها بينما كانت تختَبِئُ في ملاجِئِ طُوكيو خلالَ الأشهُرِ الخِتامِيَّة من الحربِ العالميَّةِ الثَّانِيَة، صَلَّت للهِ الذي كُنتُ أُقَدِّمُهُ لَهُم في دراسَةِ الكتابِ المُقدَّسِ تلك. لقد كانت بُوذِيَّةً، ولكنَّها عرَفَت في قَلبِها أنَّهُ يُوجَدُ إلهٌ حَقيقيٌّ قادِرٌ أن يُخَلِّصَها إذا صَلَّت لهُ.

لقد وضَعَت إيمانَها بيسُوع المسيح، فإنفجَرَ النَّهار وطلعَ كَوكَبُ الصُّبحِ في قَلبِها. وهكذا أصبَحَتْ تلميذاً ليسُوع المسيح، والنُّورُ يَشُعُّ من وَجهِها! ففي ملجَأِ القنابِلِ ذاك، تجاوَبَت معَ اللهِ الذي أعطاها النُّور – ولقد أعطاه المَزيد منَ النُّور، فغادَرت المكان تلكَ الليلَة وهِيَ تَقُولُ، "الرَّبُّ نُورِي وخلاصِي." (مَزمُور 27: 1)

ثُمَّ يقتَبِسُ بُولُس عدداً عميقاً من سِفرِ التَّثنِيَة، حيثُ يُعطي مُوس النُّبُوَّةَ التي ستُصبِحُ مَوضُوعَ ما تبقَّى من هذا الإصحاح، وكامل الإصحاح الحادِي عشَر من هذه التُّحفَة اللاهُوتيَّة. يتنبَّأُ مُوسى أنَّ اللهَ سيُثيرُ غَيرَةَ إسرائيل بإختِيارِ أُمَمٍ غير رُوحِيِّين للخلاص.

أشارَ يسُوعُ إلى الأُمَمِ "بالكِلاب"، الأمرُ الذي كانَ يُقصَدُ بهِ أنَّ الأُمَمِي عابِدَ الأوثانِ كانَ تمييزُهُ الرُّوحِيُّ لا يتعدَّى مُستَوى التَّمييز الرُّوحِي لدى الكلاب. فلا بُدَّ أنَّ غيرَة اليَهُودِ ستُثارُ إذا تحوَّلَ اللهُ عنهُم وإختارَ "كِلاباً" ليَكُونُوا شعبَهُ المُختار. يُتابِعُ بُولُس واحدةً من أروَعِ نُبُوَّاتِ الكتابِ المُقدَّس، عندما يُشَدِّدُ على نُبُوَّةِ مُوسى أنَّ اللهَ سيُثيرُ غيرَةَ اليَهُودِ بتخليصِ الأُمَم. ومُوسى أيضاً تنبَّأَ أنَّ اللهَ سيُثيرُ غضَبَ إسرائيل بإختيارِ شعبٍ جاهِلٍ، أو شَعبٍ بِدُونِ فهمٍ، للخَلاص.

هل لاحَظتُم الذَّكاءَ والمَواهِبَ الخارِقَة لدى اليَهُود؟ لاحِظُوا كم من مَشاهير العُلماء، ورابِحي جائِزة نُوبل، والبَحَّاثَة الذَّائِعي الصِّيت، والمُوسيقارِيِّين ومُؤَلِّفي المَعزُوفات الرَّائعة، يتحدَّرُونَ من أصلٍ يَهُودِيّ. فيا لِلسُّخرِيَة أن يختارَ اللهُ شَعباً أقلَّ مواهِبيَّةً وأقلَّ ذكاءً منَ اليَهُود، ليَكُونُوا شعبَهُ المُختار الجديد. يُؤَكِّدُ بُولُس أنَّ الأُممَ الذين إختَارَهُم اللهُ ليسُوا مُختارين لأنَّهُم شُرفاء أو أقوياء أو أذكِياء (1كُورنثُوس 1: 26- 29).

نُبُوَّةُ مُوسى يتبَعُها نُبُوَّتانِ لإشَعياء، تُضيفانِ على ما قالَهُ مُوسى، بأنَّ اللهَ سيُثيرُ غَيرَةَ اليَهُودِ بإختيارِ شَعبٍ لا يَطلُبُهُ البَتَّة. لقد سبق واعتَرَفَ بُولُس بأنَّ اليَهُودَ لديهِم غَيرَةٌ لله، ولكنَّ غيرَتَهُم ليسَت حسبَ المعرِفَة، لأنَّهُم يطلُبُونَ اللهَ بالنَّظَرِ إلى الدَّاخِل، وبكَونِهِم مُعتَمِدينَ على بِرِّهِم الذَّاتِي. اليَهُودُ الذين كانُوا مثل شاوُل الطَّرسُوسِيّ، قبلَ أن إلتَقُوا بالمسيح، كانُوا مُلتَزِمينَ بشدَّةٍ وتعصُّبٍ بذلكَ البِرِّ الذَّاتي كطَريقَةٍ للإقتِرابِ منَ الله.

ولأكثَرِ من خمسَةِ عُقُودٍ، إندَهَشتُ بسماعِ قصَص عنِ الله، أو شهادات مُؤمنين منَ الذي إلتَقيتُهم كراعي كنيسة. بمعنىً ما، لا يُمكِنُ أن نَجِدَ قِصَّتَين مُتَطابِقَتَين من هذه القِصَص عن كيفَ وجدَ المُؤمنُونَ الله، أو كيفَ وجدَهُم اللهُ. هُناكَ نَمُوذَجٌ لاحَظْتُهُ في كُلِّ هذه القِصَص، وهُوَ ما أُسَمِّيهِ "التَّدخُّل الكَبير." هذا التَّدخُّل يُقدَّمُ بطريقَةٍ جميلَةٍ في إستِعارَةٍ يذكُرُها داوُد عندما يُخبِرُنا في مزمُورِ الرَّاعي كيفَ أصبَحَ الرَّبُّ راعِيَهُ. فقالَ: "يُربِضُني."

بينما كُنتُ أُصغِي للنَّاسِ وهُم يُخبِرُونَني كيفَ جاؤُوا إلى الإيمان باللهِ وبالمسيح، أتعجَّبُ كم منهُم لم يَكُونُوا يطلُبُونَ اللهَ بتاتاً. بل كانَ اللهُ يطلُبُهم ويبحَثُ عنهُم. فجعَلَهُم يربُضُون بِضَربِهِم على رُؤوسِهِم بعصا الرَّاعي، الذي ظهَرَ غالِباً بِمظهَرِ مُشكِلَةٍ لا يستَطيعُونَ حَلَّها. ولاحقاً نظَرُوا إلى هذه المُشكِلَة على أنَّها التَّدخُّل المُحِبّ من قِبَلِ راعيهم الله، فشَكَرُوهُ على هذه المُشكِلَة. ويُتابِعُ ليُؤَثِّرَ على هذه التَّدَخُّلات في نُقاطِ تحوُّلٍ مِفصَليَّة في رحلاتِ إيمانِهم. منَ الواضِحِ أنَّ المُبادَرَةَ تأتي منَ اللهِ وليسَ من سَعيِهِم وراء َالله.

قالَ أحَدُهُم، "الدِّيانَةُ هي سَعيُ الإنسانِ وراءَ الله، ولكنَ الكتابَ المُقدَّس يُقدِّمُ اللهَ وهُوَ يسعَى وراءَ الإنسان." يتنبَّأُ بُولُس، مُقتَبِساً من إشعياء، بحدَثٍ غيرِ إعتِيادِيّ، الذي نراهُ اليَومَ في حياتِنا وفي رِحلاتِ الأخرين الإيمانِيَّة. على خِلافِ اليَهُود، الذين كانَت لديهم غيرَة مُمَيَّزَة لله، النَّاسُ الذين لا يسعُونَ وراءَ اللهِ بتاتاً، هَؤُلاء يَجِدُهُم اللهُ، لأنَّهُ يسَعَى هُوَ وراءَهُم. كُلٌّ من مُوسى، إشعياء وبُولُس يُضيفُونَ على هذه الحقيقَة المُدهِشَة عنِ الحياةِ الرُّوحيَّة، التَّعليمَ أنَّ اللهَ سيعمَلُ هذا للأُمَم ليدفعَ اليَهُود للتَّوبَةِ الرُّوحِيَّة.