تفاسير

الفَصلُ الثَّانِي "مَواقِفُ الذَّهاب لأجلِ الرَّبّ" - المُضطَّهَدُون

القسم: الموعظة على الجبل.

فهرس المقال

المُضطَّهَدُون

"طُوبَى للمُضطَّهَدِينَ لأجلِ البِرّ، لأنَّ لهُم مَلَكُوت السَّماوات." قُلتُ أنَّ هذه التَّطويبات تأتي زَوجَينِ زَوجَين، وهي هكذا بالفِعل. فالتَّطويبَةُ السَّابِعة ترتَبِطُ بالثَّامِنَة.

لقد أعطَى بُورِيس كُورنفيلد حياتَهُ ليَكُونَ خادِمَ مُصالَحَةٍ لألكسندَر سولزينيتزين. كانَ هذا إختِبارَ خُدَّامِ المُصالَحَة عبرَ تاريخِ الكنيسة. لهذا تَقُولُ التَّطويبَةُ السَّابِعة ما معناهُ، "طُوبَى لخُدَّامِ المُصالَحة،" وتقُولُ التَّطويبَةُ الثَّامِنَة، "طُوبَى للمُضطَّهَدِينَ من أجلِ البِرّ، لأنَّ لهُم ملكُوت السَّماوات." أُولئكَ الذين يُضطَّهَدُونَ لكَونِهِم خُدَّامَ مُصالَحَة، يعتَرِفُونَ بِحَقٍّ بِسيادَةِ المَلِك على قُلُوبِهم، حتَّى ولو كَلَّفَهُم ذلكَ حياتَهُم.

لاحِظُوا أنَّ الآيَةَ لا تَقُولُ فقط "طُوبَى للمَطرُودِينَ،" لأيِّ سَبَبٍ كان – خاصَّةً بسببِ مشاكِل يجلِبُونَها على أنفُسِهِم. بل تَقُولُ الآيَة، "طُوبَى لِلمَطرُودِينَ من أجلِ البِرّ." لأنَّهُم بَشَّرُوا بالإنجيل – لأنَّهُم وحَّدُوا أنفُسَهُم معَ يسُوع المسيح، سيُضطَّهَدُون. بإمكانِكُم رُؤية سبب إرتِباط هاتَينِ التَّطويبَتَين الأخيرَتَين معاً.

خُدَّامُ المُصالَحَة يُضطَّهَدُونَ لأنَّهُم يُوضَعُونَ ستراتيجيَّاً في مركَزِ الصِّراعِ والإنحِراف. يذهَبُونَ حَيثُ يتصارَعُ النَّاسُ المُنحَرِفُونَ معَ بعضِهِم البَعض. تفَكَّرُوا بالنُّقاطِ السَّاخِنَة في العالم، كالشَّرقِ الأوسَطِ مثلاً، أو بأَيِّ مكانٍ آخر في العالم حيثُ تُوجَدُ صِراعاتٌ حادَّة. يذهَبُ خُدَّامُ المُصالَحَةِ إلى هكذا أماكِن رُغمَ كَونَها خَطِرَةٌ جِدَّاً.

يُعَلِّمُ يسُوعُ بهذه التَّطويباتِ الثَّمانِي الجَميلة، ثُمَّ إبتداءً منَ العدد الحادِي عشَر، يبدأُ بتطبيقِها. لاحِظوا الضَّمائِر التي إستَخدَمَها يسُوعُ في التَّطويباتِ الثَّماني – طُوبَى لأُولئِكَ... الضَّميرُ عادَةً شامِلٌ وغير شَخصِيّ. ولكن، إبتداءً من العددِ الحادِي عَشَر يَقُولُ، "طُوبَى لكُم إذا عَيَّرُوكُم وطَرَدُوكُم وقالُوا عليكُم كُلَّ كَلِمَةٍ شَرِّيرَة من أجلِي."

إنَّهُ يتَّجِهُ نحوَ أُولئكَ الجالِسينَ حَولَهُ، ويجعَلُ رسالَتَهُ شَخصِيَّةً. وهُوَ يُطَبِّقُ نُبُوءَتَهُ بالإضطِّهاد. يبدَأُ هذا التَّطبيقُ للتَّطويباتِ الثَّمانِي هُنا، وتعليمُ هذه التَّطويبات سيُطَبَّقُ الآنَ من خلالِ ما تبقَّى من تعليمِهِ.

قد نَظُنُّ أنَّهُ لو وُجِدَ أُناسٌ يتحلُّونَ بهذه المَواقِف الجميلة في عالَمِنا اليَوم، سيُصَفِّقُ العالَمُ لهُم. ولكنَّ هذه التَّطوِيبات النِّهائِيَّة تُخبِرُنا أنَّهُ رُغمَ كُلِّ مواقِفِهِ المُبارَكَة، سيَكُونُ تِلميذُ المسيحِ عُرضَةً للإضطِّهاد. لِماذا؟

الجَوابُ على هذا السُّؤال هُوَ أنَّ التِّلميذَ الذي يتحلَّى بهذه المَواقِف، يُواجِهُ أشخاصاً لدَيهِم نَمُوذَجٌ عمَّا ينبَغي أن يَكُونوا. عندما يتواجَهُ النَّاسُ في هذا العالَم معَ حياةِ تلميذٍ للمسيح لديهِ هذه المَواقِف، يكُونُ لديهم خياران: بإمكانِهِم أن يعتَرِفُوا بهذا النَّمُوذَج عن كيفَ ينبَغي أن يعيشُوا، وبإمكانِهم أن يرغَبُوا بالمَواقِفِ المُبارَكَة التي تجعَلُ منهُم كما هُم عليهِ. أو يُمكِنُهُم أن يُهاجِمُوا التِّلميذَ الذي يُمَثِّلُ ذهنِيَّةَ وقِيَمَ يسُوع المسيح. ولكن لمُدَّةِ ألفَي عام، كانَ العالَمُ البَعيدُ عنِ اللهِ يُمارِسُ الخَيارَ الثَّانِي. 

أضف تعليق


قرأت لك

من تحت الركام

أحيانا كثيرة يظن المؤمن بأنه يحيا وحيدا وسط كل الضجيج الذي ينبعث من هذا العالم المادي المليء بالفساد والبعد عن الخالق وكأنه في بحر هائج لا من معين ولا من يسانده على حل مشاكله أو على التفكير معه، فيشعر كأن الأبواب مقفلة أمامه ويشاهد كل ما يدور من حوله كسواد الليل الدامس.