تفاسير

الفَصلُ الرَّابِع "البِرُّ العلاقاتِيّ"

القسم: الموعظة على الجبل.

(متَّى 5: 17- 48)

"لا تَظُنُّوا أنِّي جِئتُ لأنقُضَ النَّامُوسَ أوِ الأنبِياء. ما جِئتُ لأنقُضَ بل لأُكَمِّل. فإنِّي الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لكُم إلى أن تَزُولَ السَّماءُ والأرض لا يَزُولُ حَرفٌ واحِدٌ أو نُقطَةٌ واحِدَةٌ منَ النَّامُوس حتَّى يَكُونَ الكُلّ. فمَن نقضَ إحدَى هذه الوَصايا الصُّغرى وعلَّمَ النَّاسَ هكذا يُدعَى صَغيرَاً في مَلَكُوتِ السَّماوات. وأمَّا من عَمِلَ وعَلَّمَ، فهذا يُدعَى عَظيماً في مَلَكُوتِ السَّماوات. فإنِّي أقُولُ لكُم إنْ لم يَزِدْ بِرُّكُم على الكَتَبَةِ والفَرِِّيسيِّين، لن تَدخُلُوا ملكُوتَ السَّماوات." (متَّى 5: 17- 20)

نَقتَرِبُ الآنَ من أطوَلِ وأصعَبِ قِسمٍ منَ المَوعِظَةِ على الجَبل (متَّى 5: 17- 48). يبدأُ المقطَعُ بتصريحٍ قَويٍّ يُقَدِّمُهُ يسُوعُ عن نظرَتِهِ لنامُوس اللهِ والبِرِّ الشَّخصِيّ. يعتَقِدُ البَعضُ خاطِئين أنَّ يسُوعَ كانَ يُناقِضُ مُوسَى في هذه الأعداد. ولهذا يسألُون، "لماذا علينا أن نقرَأَ العهدَ القَديم، إن كانَ يسُوعُ قد جعلَهُ لاغِياً؟" ولكنَّ يسُوع لم يُبطِلْ العهدَ القَديم. ولم يُناقِض مُوسى في هذه الأعداد. بل كانَ يُواجِهُ تعليمَ الكَتَبَة والفَرِّيسيِّين.

عندما أشارَ يسُوعُ إلى "النَّامُوس والأنبِياء،" قصدَ ما نُسمِّيهِ "العهد القَديم." كانَ يَقُولُ لتلاميذِهِ ما جَوهَرُ مَعناهُ: "كُلُّ شَيءٍ أُعَلِّمُكُم إيَّاهُ يُوجَدُ في كَلِمَةِ الله، ولكن ما أُعلِّمُكُم إيَّاهُ هُوَ في صِراعٍ مُباشَرٍ معَ ما يُعَلِّمُكُم إيَّاهُ قادَتُكُم الدِّينيُّون." لقد كانَ يقُولُ دائماً لتلاميذِهِ: "عندما تَنزِلُونَ لتَكُونُوا معَ الجُمُوع، إذا أردتُم أن تَكُونُوا جُزءاً من حَلِّي، عليكُم أن تفهَمُوا كيفَ تُطَبِّقُونَ كَلِمَةَ اللهِ على حياةِ النَّاس."

يبدأُ بإعلانِ كَونِهِ لم يأتِ ليُبطِلَ نامُوسَ اللهِ، وأنَّ كُلَّ ما كانَ يُعَلِّمُهُ كانَ في إنسِجامٍ كامِلٍ إتماماً لنامُوسِ الله. في الأعدادِ الثَّمانِيَة والعِشرين التالِية، سوفَ يُفَسِّرُ جُملَتَهُ الإفتِتاحِيَّة عن الإختِلافات بينَ نظرتِهِ لكلمةِ الله وبينَ تعليم الكَتبة والفَرِّيسيِّين. جَوهَرُ هذا الإختِلاف مُرَكَّزٌ من خلالِ تصريحِ يسُوع بأنَّهُ جاءَ ليُكَمِّلَ نامُوسَ الله، وأنَّ كُلَّ حَرفٍ من كلمات النَّامُوس العِبريَّة سوفَ تُتَمَّمُ من خلالِ تعليمِهِ.

سوفَ ينعَتُ الرَّسُولُ بُولُس هذا الإختِلاف بأنَّهُ "رُوح النَّامُوس" ضِدَّ "حرف النَّامُوس." (2كُورنثُوس 3: 6). يكتُبُ بُولُس أنَّ رُوحَ النَّامُوس يُحيِي، ولكنَّ حَرفَ النَّامُوسِ يقتُل. رُوحُ النَّامُوسِ يُحيِي، لأنَّ رُوحَ النَّامُوسِ هو محبَّة. رُوحُ النَّامُوسِ يُذَكِّرُنا بأنَّ كُلَّ نامُوس اللهِ – أو كَلِمة الله – كان قد وُلِدَ في قَلبِ محبَّةِ اللهِ للإنسان. كانَ يسُوعُ يُرَكِّزُ دائماً على هذا الأمر.

لقد حقَّقَ يسُوعُ قصدَ النَّامُوس، أو كلمة الله، بتفسيرِهِ وتطبيقِهِ لِرُوحِ النَّامُوس بإستِمرار. طَريقَةٌ أُخرى للتَّعبيرِ عن هذا الأمر، هي أنَّهُ مرَّرَ نامُوس الله من خلالِ عدَسَةِ محبَّةِ الله، قبلَ أن يُطَبِّقَ نامُوسَ اللهِ على حَياةِ شعبِ الله. الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ إمَّا أنَّهُم لم يَعرِفُوا أنَّهُم سيَفعَلُونَ هذا، أو أنَّهُم نَسوا أنَّ نامُوسَ اللهِ أُعطِيَ لخيرِ شَعبِ الله. لقد أضَرُّوا شعبَ اللهِ بواسِطَةِ الطَّريقة الخالِيَة منَ الشَّفَقة التي بها طَبَّقُوا حرفَ النَّامُوسِ أو كلمة اللهِ على حياةِ شَعبِ الله.

أعلَنَ يسُوعُ أنَّ البِرَّ الشَّخصِي، أو الحَياة المٍُستَقيمَة التي يعيشُها تلاميذُهُ ينبَغي أن تزيدَ على بِرِّ الكَتبَة والفَرِّيسيِّين. لقد حَذَّرَ أنَّهُ إن قامَ أيُّ تلميذٍ من تلاميذِهِ بكسرِ وصِيَّةٍ واحِدَةٍ على الأقَلّ من وَصايا الله، وعلَّمَ الآخرين أن يفعَلُوا هكذا، سيَكُونُ الأصغَرَ في ملكُوتِ السَّماوات. وأعلَنَ أنَّهُ إن لم يعمَلْ تلاميذُهُ ويُعَلِّمُوا بِوصايا النَّامُوس، لن يَكُونُوا عُظماءَ في الملكوتُ الذي كانَ يُقدِّمُهُ ويُعَلِّمُ بهِ.

بينما كانَ يسُوعُ يُطَبِّقُ التَّطويبات في ما تبقَّى من تعليمِهِ (5: 17- 7: 27)، قارَنَ بينَ البِرِّ الذي علَّمَ بهِ وطالَبَ بهِ تلاميذَهُ، معَ البِرِّ المُزَيَّف عندَ رِجالِ الدِّين المُرائِين. "بِرُّ" الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّينَ كانَ خارِجيَّاً، أمَّا بِرُّ التَّلاميذ فكانَ ينبَغي أن يَكُونَ داخِليَّاً. كانَ لدَى يسُوع حوارٌ معَ رجالِ الدِّين هؤُلاء لأنَّهُم شَدَّدُوا على الأشكالِ الخارِجيَّة للدِّيانَة، وتجاهَلُوا قَضايا القَلب الدَّاخِليَّة (مَرقُس 7: 8، 15).

كانَ بِرُّ الدِّيانَةِ الرَّسمِيَّة آنذاكَ مُجَرَّدَ بِرٍّ أُفُقِيّ. لقد شَدَّدَ رِجالُ الدِّين على مظاهِرِ الأُمُور، أي أن يظهَرُوا أمامَ النَّاسِ بأنَّهُم أبرار. كانَتِ القَضِيَّةُ مَظهَرَاً يضعُونَهُ لمنفَعَةِ النَّاس، لكَي ينظُرَ إليهِم الجَميعُ عندما يُعطُونَ، أو عندَما يُصَلُّون. ولكنَّ يسُوعَ يُعَلِّمُ تلاميذَهُ بما جوهَرُ معناهُ، "بِرُّكُم لا ينبَغي أن يَكُونَ أُفُقِيَّاً، بل ينبَغي أن يَكُونَ عَمُوديَّاً. ينبَغي أن يَكُونَ بِرَّاً أمامَ اللهِ ولأجلِهِ." لهذا علَّم تلاميذَهُ بأن لا يُمارِسُوا أعمالَهُم الصَّالِحَة أمامَ النَّاس (متَّى 6: 1)

البِرُّ الذي عَلَّمَهُ يَسُوعُ لتلاميذِهِ كانَ برَّاً كِتابِيَّاً، أمَّا بِرُّ القادَة الدِّينيِّين فكانَ بمُعظَمِهِ بِرَّاً تقليديَّاً. بِرُّ الفَرِّيسيِّين غالباً لم يَكُنْ مَبنِيَّاً على أساسِ كلمةِ اللهِ، وعندما كانَ كِتابِيَّاً، لَم يَكُنْ يعتَمِدُ على تفسيرٍ صحيحٍ للكتابِ المُقَدَّس.

يُلَخِّصُ يَسُوعُ الفرقَ بينَ البِرِّ الذي علَّمَ بهِ وبرّ رجال الدِّين اليَهُود، عندما نَعتَهُم بالمُرائِين. كانت هذه هي الكلمة اليُونانِيَّة التي يستَخدِمُونَها للتَّعبيرِ عن الوَجهِ المُزَيَّف أو القِناع الذي كانَ يَلبَسُهُ المُمَثِّلُونَ في المَسرَحِيَّات اليُونانِيَّة، والتِي كانت جزءاً لا يتجزَّأُ منَ الأمبراطُوريَّةِ اليُونانِيَّةِ العالميَّة التي كانت قبلَ الأمبراطُوريَّةِ الرُّومانِيَّة. عندما إختارَ يسُوعُ تلكَ الكَلِمة كوَصفِهِ المُفَضَّل لرجال الدِّين اليَهُود في زَمانِهِ، كانَ يُعلِنُ أنَّ بِرَّهُم كانَ مُرائِياً بينَما كانَ بِرُّ تلاميذِهِ حقيقيَّاً.

عندما نفهَمُ ما كانَ يسُوعُ يَقُولُهُ في هذه الأعداد عن الأسفار المُقدَّسة وعن البِرّ، سنُدرِكُ لماذا كانَ دائماً في صِراعٍ معَ الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّين. سوفَ نُعطِي مُقدِّمَةً أيضاً لهذا المقطَعِ الطَّويل الصَّعب الذي نحنُ بِصَدَدِهِ.

في هذه الأعداد الثَّمانِية والعِشرين، ستّ مرَّات سوفَ نسمَعُ يسُوعَ يَقُولُ أمراً كالتَّالِي: "قِيلَ لكُم،" أو "لقد عَلَّمُوكُم لوقتٍ طَويلٍ بالتَّالي، ولكن إسمَعُوا الآنَ ما تُعَلِّمُكُم بهِ كلمَةُ الله." سوفَ يُشيرُ يسُوعُ سِتَّ مَرَّاتٍ إلى تعليمِ رِجالِ الدِّين، ومن ثَمَّ يُعطِي يَسُوعُ تعليمَهُ.

هُناكَ أوقاتٌ لا يُوافِقُ فيها يسُوعُ على الطَّريقة التي فَسَّرَ بها رِجالُ الدِّين وطَبَّقُوا نامُوسَ الله. وسوفَ يُكَمِّلُ نامُوسَ اللهِ بتعليمِ رُوحِ النَّامُوس. أحياناً يُخالِفُ يسُوعُ مُباشَرَةً تعليمَ التَّلمُود التَّقليدِيّ، الذي لم يَتِمَّ تعليمُهُ في كَلِمَةِ الله. متَّى ومَرقُس كِلاهُما يَصِفانِ يسُوعَ وهُوَ في خِضَمِّ مُواجَهَة عَدائِيَّةٍ معَ رجال الدِّين اليَهُود، لأنَّهُم وضَعُوا تقليدَهُم في مَوقِعِ سُلطَةٍ يتَفَوَّقُ على نامُوسِ الله. (متَّى 15: 3- 6؛ مَرقُس 7: 9- 13)

ونحنُ نضَعُ هذه الأُمُور في مُخَيِّلَتِنا، دَعُونا ننظُرُ إلى التَّعاليم السِّتَّة للكَتَبَة والفَرِّيسيِّين، التي تحدَّاها يسُوعُ صَراحَةً، والتي كانت تتعلَّقُ بالتَّالي: 

أضف تعليق


قرأت لك

مجروح لأجل معاصينا

قبل أن يتجسد ربنا وفادينا يسوع المسيح بحوالي 750 سنة دوّن إشعياء النبي وكتب بقلب خرق به الزمن إلى المستقبل، ذاهبا مباشرة إلى الحدث المهيب الذي حصل على تلة الجلجثة، حيث

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة