تفاسير

الفَصلُ الرَّابِع "البِرُّ العلاقاتِيّ" - الأشرار

القسم: الموعظة على الجبل.

فهرس المقال

الأشرار

"سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ عَينٌ بِعَينٍ وسِنٌّ بِسِنّ. وأمَّا أنا فأقُولُ لكُم لا تُقاوِمُوا الشَّرَّ. بل من لطَمَكَ على خَدِّكَ الأيمَن فحَوِّلْ لهُ الآخرَ أيضاً. ومن أرادَ أن يُخاصِمَكَ ويأخُذَ ثوبَكَ فاترُكْ لهُ الرِّداء أيضاً. ومن سَخَّرَكَ مِيلاً واحِداً فاذهَبْ معَهُ إثنَين. مَنْ سألَكَ فأَعطِهِ. ومَن أرادَ أن يقتَرِضَ منكَ فلا تَرُدَّهُ." (متَّى 5: 38- 42)

هُنا نَجِدُ يسُوعَ يختَلِفُ مُجَدَّداً معَ الكَتَبَة والفَرِّيسيِّين في الطَّريقة التي بها فَسَّرُوا وطَبَّقُوا نامُوسَ مُوسى. هؤلاء القادة الدِّينيُّون كانُوا يُعَلِّمُون، "العَينُ بالعَينِ والسِّنُّ بالسِّنّ." بإمكانِكُم أن تَجِدُوا هذا في سفرِ الخُرُوج، اللاوِيِّين، والتَّثنِيَة. ولكنَّ يسُوعَ يُعلِنُ ما معناهُ، "أنا لا أُوافِقُ معَ رُوحِ النَّامُوس الذي فيهِ يُعَلِّمُونَ "العَينُ بالعَينِ والسِّنُّ بالسِّنّ."

وكما فعَلَ عندما سمَحَ بكتابِ الطَّلاقِ ذاك، عندما أوصَى مُوسى بالقَول، عينٌ بِعَينٍ وسِنٌّ بِسِنّ،" كانَ يَضَعُ حُدُوداً للقُلُوبِ القاسِيَة لشَعبٍ صُلبِ الرَّقَبَة. وكانَ يَحُدُّ من رَغبَتِهِم الجامِحَة بالإنتِقام. فإذا كَسرَ أحدُهُم سنَّ الآخر، كانَ مَوقِفُ الآخر يَقُول، "أُريدُ أن أكسِرَ عُنُقَهُ." وإذا فقأَ أحدُهُم عَينَ الآخر، كانَ موقِفُ الآخر يَقولُ، "سأقطَعُ رأسَهُ."

لَم تَكُنْ هذه عدالَةٌ بل رغبَةٌ جامِحَةٌ بالإنتِقام. العدالَةُ تكُونُ: العَينُ بالعَينِ والسِّنُّ بالسِّنّ. هذا غالِباً ما يكُونُ رُوحُ الرَّغبَة التي تُحرِّكُ المُحاكَمات القَضائِيَّة. لهذا تكلَّمَ يسُوعُ عن كيفيَّةِ تطبيقِ تطويباتِهِ عندَما نُؤخَذُ إلى المحكَمَةِ للمُقاضاة. عندما نَسمَعُ في بلادٍ مثل أميركا، عن أُناسٍ يُقدِّمُونَ شكاوى بملايين الدُّولارات، منَ الواضِحِ أنَّ هؤُلاء النَّاس يذهَبُونَ بعيداً جدَّاً أكثَرَ من مُجَرَّدِ العدالَة؛ إنَّهُم يُطالِبُونَ بالإنتِقام بهدَفِ الرَّبحِ الأنانِيّ. كيفَ يُمكِنُ لهذا أن يُؤَثِّرَ على حياتِنا، على محاكِمنا، وعلى أنظِمَتِنا القَضائِيَّة في حضارَتِنا، إذا أخذنا تعليمَ يسُوع على مَحمَلِ الجَدّ؟

كانَ يسُوعُ يُتَمِّمُ ويذهَبُ إلى ما هُوَ أبعَد من رُوحِ نامُوسِ مُوسى عندما علَّمَ قائِلاً، "وأمَّا أنا فأقُولُ لكُم لا تُقاوِمُوا الشَّرّ." إنَّهُ يُعَلِّقُ على هذا التَّصريح، ومنَ الواضِحِ أنَّهُ يُطَبِّقُ التَّطويبات على صانِعي السَّلام المُضطَّهَدِين، عندما يُعَلِّمُ تلاميذَهُ أن يُحَوِّلُوا الخدَّ الآخر، وأن يُعطُوا الرِّداءَ عندَما يُقاضُونَ لأجلِ الثَّوب، وأن يذهبُوا المِيلَ الآخر، وأن يُعطُوا بِسخاءٍ ولا يَرفُضُوا أن يُقرِضُوا إنساناً يطلُبُ مُساعدَتَهُم. ماذا كانَ يُعَلِّمُ يسُوعُ في هذا المقطع الصَّعب؟

عندما سأَلتُ رَجُلَ أعمالٍ عمَّا هي الحال عندما يعمَلُ في سُوقِ الأعمالِ المليئة بالمُنافَسَة، أجابَ، "لا نأخُذُ أسرى، ونقتُلُ جرحانا!" هُناكَ بَيتٌ شعرٍ في قَصيدَةٍ يَقُولُ، "كُلُّ الطَّبيعَةِ حمراءُ في أسنانِها وبَراثِنِها."

يُمكِنُ للحَياةِ أن تَكُونَ كَصِراعِ ذِئابٍ من شدَّةِ المُنافَسَةِ، لا بَل كَسِباقِ جُرذان. ولكنَّ الحَياةَ ستَكُونُ فقط صِراعَ ذِئابٍ وسباقَ جُرذان، إذا كُنَّا نحنُ نتصرَّفُ كَذِئابٍ وكَجُرذان. كانَ يسُوعُ يُعَلِّمُ أنَّهُ إذا عاشَ تلاميذُهُ مواقِفَهُ الثَّمانِية المُبارَكة، في تعاطِيهم معَ النَّاسِ في هذا العالم، سيُظهِرُونَ لأهلِ هذا العالم أنَّهُ لا يَنبَغي أن تَكُونَ الأُمُورُ هكذا.

في تلكَ الأيَّام، كانَ بإمكانِ الرُّومان المُنتَصِرين أن يأمُرُوا يَهُودِيَّاً أن يحمِلَ حِملَهُم لمسافَةِ كيلومترين. وكانَ عليهِم أن يُطيعُوا عندما يُؤمَرُونَ بأن يفعَلُوا ذلكَ، ولكن لم يَكُن عليهِم أن يُذعِنُوا بموقِفٍ رَديء. يُعَلِّمُ يسُوعُ بما معناهُ، "إذا ألزَمُوكَ بالسَّيرِ معَهُم لكيلومترٍ واحدٍ، إذهَب إثنَين. في الجيل الأوَّلِ منَ الكنيسة، بعضُ المُتَجَدِّدينَ المُبَكَِّرين كانُوا جُنُوداً رُوماناً وأصبَحُوا مُؤمنينَ، بسببِ تقوى وأمانة تلاميذ يسُوع الذين عاشُوا التَّطويبات في تعاطيهم معَ المُحَتلِّين الرُّومان. 

أضف تعليق


قرأت لك

كلٌ يعمل ما يحسن في عينيه!

اجتمع نسر وحمار وحصان واتفقوا على شدّ عربة، فربطوا العربة بالحبال وشدّ كل منهم العربة، الا ان الحبال تمزقت وبقيت العربة مكانها، فقد شدّ النسر العربة الى اعلى وشدّ الحصان العربة الى الخلف وشدّ الحمار الى الامام، فظلّت العربة في مكانها!! وسوف تظلّ الكنيسة في مكانها طالما يعتزّ كل واحد برأيه وطالما نذمّ بعضنا بعضاً ولا نشجّع بعضنا بعضاً ولا نقدّم أحدنا الآخر.