تفاسير

الفصلُ السَّادِس "الدَّعوَة"

القسم: الموعظة على الجبل.

الدَّعوَةُ العَظيمة

بعدَ أن أصدَرَ يسُوعُ دعواتِهِ الثَّلاث للإلتِزام، والتي إنتَهَت معَ القاعِدَةِ الذَّهَبِيَّة، يُعطي يسُوعُ الآنَ دعوَةً يُمكِنُ تصنيفُها بينَ أقوال يسُوع الصَّعبَة. فهُوَ لم يَكُنْ يكُن أبداً يَدعُو النَّاسَ ليأتُوا وينالُوا شَيئاً مُقابِل لا شَيء. لم تَكُنْ هذه دَعوة للخَلاص، بل كانت دعوَةً أو تَحَدِّياً لنلتَزِمَ بأن نَكُونَ حُلُولَ وأجوبَةَ المسيح، وأن نَصِلَ إلى العالَمِ أجمَع بإنجيلِهِ.

إنَّ سابِقَةً تقديمِ الدَّعوة، التي تأتي بأُولئِكَ الذين سَمِعُوا الوعظَ أو التَّعليم إلى مرحَلَةِ إتِّخاذِ القَرار والإلتِزام، بدأَت معَ مُوسى والأنبِياء (تثنيَة 30: 19، 20). تقديمُ الدَّعوَة كانت خاصِّيَّةً مُمَيِّزَةً في خدمَةِ يسُوع المسيح. عندما عُقِدَت هذه الخُلوَة، كانَ التَّحَدِّي هُوَ، "هل أنتُم جزءٌ منَ المُشكِلَة أم أنَّكُم ستَكُونُونَ جُزءاً منَ الحَلّ؟ وهل أنتُم جزءٌ منَ الجَمعِ المَوجُود عندَ سَفحِ الجَبَل، أم أنتُم على القِمَّةِ معَ يسُوع؟

ولكن في خاتِمَةِ هذا التَّعليم، أُولئِكَ الذينَ يعتَرِفُونَ بأنَّهُم تلاميذ يسُوع، والذينَ يعترِفُونَ لذلكَ بِكَونِهِم جُزءاً من حُلُولِهِ وأجوِبَتِهِ، يسمَعُونَ دعوَةً مهُوبَة. تذَكَّرُوا أنَّ كُلَّ الذينَ سَمِعُوا هذه الدَّعوَة إعتَرَفُوا بأنَّهُم مُؤمِنين. هذه دَعوَةٌ مُعطاةٌ للتَّلاميذ على رأسِ الجَبَل. زخَمُ هذه الدَّعوَة هُوَ: أيُّ نَوعٍ منَ التَّلاميذِ هُوَ أنت؟

هُنا تأتي الدَّعوَة: "أدخُلُوا منَ البابِ الضَّيِّق. لأنَّهُ واسِعٌ الباب ورَحبٌ الطَّريق الذي يُؤَدِّي إلى الهَلاك. وكَثيرُونَ هُمُ الذين يدخُلُونَ منهُ. ما أضيَقَ الباب وأكرَب الطَّريق الذي يُؤَدِّي إلى الحياة. وقَليلُونَ هُمُ الذينَ يَجِدُونَهُ." (متَّى 7: 13- 14)

تُوجَدُ إمكانِيَّتان. ثلاثَ مرَّاتٍ في هذه الدَّعوة يَقُولُ يسُوعُ أنَّهُ يُوجَدُ نَوعانِ منَ الذين يعتَرِفُونَ بأنَّهُم تلاميذ. في هذا الجزء منَ الدَّعوَة، يَقُولُ يسُوعُ أنَّ هُناكَ الكَثرَة، وهُناكَ القِلَّة. الكَثرَة تعتَبِرُ أنَّ هُناكَ طريقَةٌ سَهلَة لنَكُونَ الحَلَّ والجَواب، أي لنَكُونَ ملحاً ونُوراً. ولكنَّهُم لا يُصبِحُون أبداً حُلُولاً وأجوِبَةً. إنَّهُم ليسُوا بالحقيقَةِ ملحاً مالِحاً ولا نُوراً مُشِعَّاً؛ بل هُم يدَّعُونَ ذلكَ فحَسب. يَقُولُ يسُوعُ ما معناهُ، "إذا لاحَظتُم ما يحدُثُ للكَثرَةِ التي تَتبَعُ خُطُوطَ الحدِّ الأدنَى منَ المُقاوَمة، وظَننتُم أنَّهُ تُوجَدُ طريقَةٌ سَهلَةٌ لتَكُونُ جُزءاً من حَلِّي وجوابِي، ستُقَرِّرُونَ أنَّكُم لا تُريدُونَ أن تَكُونُوا جُزءاً منَ الكَثرَة.

"ولكن بعدَ ذلكَ، هُناكَ القِلَّة التي تعرِفُ أنَّهُ لا تُوجَدُ طريقٌ سَهلَة. الكَثرَةُ تُؤمِنُ أنَّ الطَّريقَ تبدأُ بِبابٍ واسِعٍ يُؤَدِّي إلى طريقٍ رَحبٍ سَهلٍ مُستَقيم، ولكنَّ هذا الطَّريق يُؤَدِّي إلى الهَلاك. القِلَّةُ تَعلَمُ أنَّ البابَ ضيِّقٌ والطَّريقَ التي يُؤَدِّي إليها هذا البابُ الضَّيِّقُ كَربَةٌ وصعبَةٌ، ولكنَّها تَقُودُ للحَياة. وقِلَّةٌ هُمُ الذين يجِدُونَها. فالتَّحدِّي هُوَ: "هل أنتَ واحِدٌ منَ الكَثرَة أم منَ القِلَّة؟"

ثُمَّ يُقَدِّمُ يسُوعُ إحتِمالينِ أو إمكانِيَّتين: "إحتَرِزُوا منَ الأنبِياءِ الكَذَبَة الذين يأتُونَكُم بِثِيابِ الحُملان ولكِنَّهُم من داخِل ذِئابٌ خاطِفَة. من ثِمارِهِم تعرِفُونَهُم. هل يجتَنُونَ منَ الشَّوكِ عِنَباً أو منَ الحَسَكِ تيناً. هكذا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تصنَعُ أثماراً جَيِّدَةً. وأمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فتصنَعُ أثماراً رَدِيَّةً. لا تَقدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أن تصنَعَ أثماراً رَدِيَّةً ولا شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أن تصنَعَ أثمارً جَيِّدة. كُلُّ شَجَرَةٍ لا تَصنَعُ ثمراً جَيِّداً تُقطَعُ وتُلقَى في النَّار. فإذاً من ثِمارِهِم تعرِفُونَهُم." (متَّى 7: 15- 20)

وتَستَمِرُّ الدَّعوَةُ الصَّعبَةُ: "هل أنتَ تلميذٌ مُزَيَّفٌ أم تلميذٌ حقيقيٌّ ليسُوع؟" علَّمَ يسُوعُ مثلَ الحِنطَةِ والزِّوان، الذي فيهِ تنبَّأَ بِوُضُوحٍ أنَّ ملكُوتَهُ (الكنيسة) سيَكُونُ مَزيجاً منَ الحقيقيِّ والمُزَيَّف (متَّى 13: 24- 30). ولقد علَّمَ أنَّنا لن نتمكَّنَ من مَعرِفَةِ الفَرق. علينا أن لا نتفاجَأَ بأن نسمَعَ دَعوَتَهُ تُقَدِّمُ لنا هاتَينِ الإمكانِيَّتَين عنِ التِّلميذِ الحقيقيِّ والمُزَيَّف.

يَرجِعُ يسُوعُ إلى إستِعارَة القانُون الطَّبيعيّ في العالَمِ الرُّوحِيّ، عندما يُعلِنُ أنَّهُ بإمكانِنا أن نُمَيِّزَ الفَرقَ في حياتِنا أو في حياةِ الآخرين: "كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تصنَعُ أثماراً جَيَّدَةً. وأمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّة فتَصنَعُ أثماراً رَدِيَّة. لا تَقدِرُ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أن تصنَعَ أثماراً جَيِّدَة." بالطَّريقَةِ نفسِها، " لا تَقدِرُ شجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أن تصنَعَ أثمارَاً رَدِيَّة." فالتَّحَدِّي هُوَ، هل أنتَ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أم شجَرَةٌ رَدِيَّة؟ وهل أنتَ تلميذٌ مُزَيَّفٌ أم تلميذٌ حَقِيقيّ؟

الآن أصغُوا لِهذا: "ليسَ كُلُّ من يَقُولُ لي يا رَبّ يا رَبُّ يدخُلُ ملكُوتَ السَّماوات. بل الذي يفعَلُ إرادَةَ أبي الذي في السَّماوات. كَثيرُونَ سَيَقُولُونَ لي في ذلكَ اليَوم يا رَبُّ يا رَبُّ ألَيسَ بإسمِكَ تنبَّأْنا وبإسمِكَ أخرَجنا شَياطين وبإسمِكَ صَنَعنا قُوَّاتٍ كَثيرَة. فحينذٍ أُصَرِّحُ لهُم إنِّي لَم أعرِفُكُم قَطّ. إذهَبُوا عنِّي يا فاعِلي الإثم."(7: 21- 23)

هذا بعضٌ منَ أرهَبِ الكلماتِ في العهدِ الجديد. وسيتستخدِمُ التَّلاميذُ هذه الكلماتِ الثَّلاث ليُعطُوا تقييماً عن الحياةِ والخدمَةِ التي كانت لديهِم بينما كانُوا يتبَعُونَ يسُوع: "أعمالاً كَثيرَةً حسنَةً!" أمَّا يسُوعُ فسيستخدِمُ عندَها ثلاثَ كَلِماتٍ ليُعطِيَ حُكمَهُ على حياتِهِم وخدمَتِهِم: "يا فاعِليّ الإثم."

المَجمُوعَةُ الثَّالِثة من الإمكانِيَّاتِ في هذه الدَّعوَة القاسِيَة من يسُوع هي، "هل أنتَ واحِدٌ من أولئكَ التَّلاميذ الذين بالكادِ يتكلَّمُونَ عن إرادَة الآب، أم أنَّكَ واحِدٌ منَ الذين يعمَلُونَ بها بالفِعل؟"

يُؤَدِّي هذا بِيَسُوع إلى الخاتِمَة الدَّراماتِيكَّة لهذه العِظة العُظمى: "فَكُلُّ من يسمَعُ أقوالي هذه ويعمَلُ بها أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عاقِلٍ بَنَى بيتَهُ على الصَّخر. فنَزَلَ المَطَرُ وجاءَتِ الأنهارُ وهَبَّتِ الرِّياحُ ووَقَعَت على ذلكَ البَيت فلم يسقُط. لأنَّهُ كانَ مُؤَسَّساً على الصَّخر. وكُلُّ من يسمَعُ أقوالِي هذه ولا يعمَلُ بها يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ جاهِلٍ بنى بيتَهُ على الرَّملِ. فنَزَلَ المَطَرُ وجاءَتِ الأنهارُ وهَبَّتِ الرِّياحُ وصَدَمَت ذلكَ البَيت فسَقَط. وكانَ سُقُوطُهُ عظيماً." (متَّى 7: 24- 27)

كلماتُ يسُوع الختامِيَّة هذه تُتابِعُ التَّمييزَ بينَ أُولئكَ الذين يَقُولُونَ وأُولئكَ الذين يعمَلُونَ بدعوَتِهِ. التَّحَدِّي الأخير هُوَ أنَّهُ إن سَمِعَ تلميذٌ هذا التَّعليم، ولكنَّهُ لم يُطَبِّقْ أبداً ما سَبَقَ وسَمِعَهُ، لن يَكُونَ لديهِ أساسٌ متينٌ لِحياتِهِ ولا لإعتِرافِ إيمانِهِ. ولكن إذا طَبَّقَ ما سبقَ وتعلَّمَهُ، فإنَّ حياتَهُ وإيمانَهُ سيَكُونَانِ مَبْنِيَّينِ على أساسٍ مَتين.

لو أعطَيتُكُم قِطعَةَ قِماشٍ، ومجمُوعَةَ رِيَشٍ وألوانٍ للرَّسم، وكُنتُم رَسَّامينَ مَوهُوبِين، ماذا كُنتُم ستَرسُمُونَ لو طَلَبتُ منكُم أن ترسُمُوا "الحياة؟" الشُّبَّانُ قد يَرسُمُونَ شَيئاً مِثالِيَّاً،كشابٍّ يقضِي وقتاً مُمتِعاً. أمَّا والديهم فقد يرسُمُونَ شَيئاً بالِغَ التَّشاؤُمِ قد يعكِسُ صُورَةَ الحياةِ القاسِيَة التي عاشُوها.

أمَّا يسُوعُ فلم يَكُنْ لا مِثالِيَّاً ولا تشاؤُمِيَّاً، بل كانَ واقِعيَّاً. لقد علَّمَ أنَّ الحياةَ عواصِف. ولا أحَدَ مُحَصَّنٌ ضِدَّ عواصِفِ الحياة. هذه العواصِفُ ستَضرِبُ هذينِ البَيتَين. ولكنَّ الحياةَ المَبنِيَّة على طاعَةِ تعليمِهِ ستصمُدُ بِوَجهِ العواصِف، والحياة التي تكتَفي بسَماعِ تعليمِهِ، ولكن لا تعمَلُ بِشَيءٍ من تعليمِهِ، لن تصمُدَ أمامَ العواصِف. بل ستَسقُطُ هذه الحياةُ، وسيَكُونُ سُقُوطُها عظيماً. تنتَهي هذه العِظَة معَ التَّحَدِّي القائِل، "أيُّ نَوعٍ من التَّلاميذِ هُوَ أنتَ؟"

الكَلِماتُ الأخيرة التي نقرَأُها هي تجاوُبُ النَّاس الذين لم يحضُرُوا هذه العِظة، بل كانُوا على السُّفُوحِ، بعيدينَ عن قمَّةِ الجبل التي عليها كانَ يسُوعُ يُعطي تعليمَهُ: "فلَمَّا أكمَلَ يسُوعُ هذه الأقوال، بُهِتَتِ الجمُوعُ من تعليمِهِ. لأنَّهُ كانَ يُعَلِّمُهُم كمَنْ لهُ سُلطانٌ وليسَ كالكَتَبَةِ." (متَّى 7: 28 و29)

أضف تعليق


قرأت لك

رد على اعتراضات

الاعتراض الأول- الختان والمعمودية:

يجابهني صديقي بهذا الاعتراض قائلاً- مهلاً مهلاً- أفليس كتابنا هو كتاب الرموز التي انحلت في فرائض وطقوس؟ وإن كان كذلك فالختان كان رمزاً للمعمودية، وكان الختان في العهد القديم للطفل

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة