تفاسير

الفَصلُ العاشِر أُناسٌ مُتَألِّمُون

القسم: قيم المسيح الجزء الأول.

لقد أولى يسُوعُ قيمَةً كُبرَى للناس – خاصَّةً أُولئكَ الذينَ كانُوا يتألَّمُونَ، وكانُوا مُحتاجِينَ إلى كُلٍّ من الشِّفاءِ الجَسَدِيّ والرُّوحِيّ. نقرَأُ عن العديدِ من الأمثِلة حيثُ تحرَّكَ يسُوعُ بِعَطفٍ ليَشفِيَ أُناساً أهمَلَهُم المُجتَمَع – عندما لمسَ عيني الأعمَيَين اللَّذَينِ كانَ يلتَمِسانِ منهُ الشِّفاء، رُغمَ أنَّ الجمعَ إنتَهَرَهُما ليَسكُتُوا (متَّى 20: 29- 34)، وعندما مدَّ يدَهُ ليُطَهِّرَ الأبرَصَ الذي إقتَرَبَ منهُ، رُغمَ أنَّ البُرصَ كانُوا يُعتَبَرُونَ منبُوذينَ ونَجِسين (مرقُس 1: 40- 42)، وعندما شفى يدَ الرَّجُل اليابِسة في الهَيكَلِ يومَ السبت، رُغمَ أنَّ الفَرِّيسيِّينَ تآمَرُوا ضِدَّهُ لعمَلِهِ هذا (مَرقُس 3: 1- 6). هذه الأمثِلة تُخبِرُنا كيفَ تحرَّكَ يسُوعُ بالعَطفِ على الناسِ المُتَألِّمين، وكيفَ تألَّمَ على قساوَةِ قُلوبِ الناسِ في المُجتَمَع.

لم يكُنْ ليسُوعَ فقط عطفٌ على الأفرادِ الذين إلتَقاهُم في طريقِهِ، ولكن أيضاً على الجُموع التي كانت تَتبَعُهُ: "وكانَ يسُوعُ يَطُوفُ المُدُنَ كُلَّها والقُرَى يُعَلِّمُ في مَجامِعِها. ويَكرِزُ بِبِشارَةِ الملكوت. ويَشفِي كُلَّ مرَضٍ وكُلَّ ضعفٍ في الشعب."

"ولمَّا رأى الجُمُوع تحنَّنَ عليهِم إذ كانُوا مُنزَعِجِينَ ومُنطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لا راعِي لها. حينَئِذٍ قالَ لِتَلامِيذِهِ الحصادُ كَثيرٌ ولكنَّ الفَعَلَةَ قَليلُون. فاطلُبُوا من رَبِّ الحَصَادِ أن يُرسِلَ فَعَلَةً إلى حصادِهِ." (متَّى 9: 35- 38)

تُشيرُ الكلماتُ اليُونانِيَّةُ المُستَخدَمَةُ في هذا النَّص إلى أنَّ جسدَ يسُوعَ إرتَعشَ بكامِلِهِ عندما رأى هذه الجُموع، وعطفَ عليهمِ بشكلٍ كَبير. ولكنَّهُ لم يشعُر بالعطفِ على هَؤُلاء الناسِ المُتألِّمينَ فقط، بل طوَّرَ ستراتيجيَّةً خاصَّةً لمُساعدتِهِم في مِحنَتِهِم – وهي ستراتيجيَّة تطلَّبت إنخراطَ تلاميذِهِ أيضاً في مُساعدتِهِ للجُموع المُتَألِّمَة.

في كُلِّ مَرَّةٍ رأى فيها يسُوعُ آلامَ الجُموع، كثَّفَ تدريبَ تلاميذِهِ. قالَ للرُّسُل في المقطَعِ السابِق، "الحصادُ كَثيرٌ ولكنَّ الفعَلَةُ قَليلُون. فاطلُبُوا من رَبِّ الحصادِ أن يُرسَلَ فعلَةً إلى حَصادِهِ." في خِتامِ الإصحاحِ الرابِع من إنجيلِ متَّى، نقرَأُ أنَّ الجموعَ الغَفيرَة كانت تأتي إلى يسُوع من كُلِّ حدبٍ وصَوب. وعندما كانَ جمعٌ غفيرٌ قد تجمَّعوا، دعا تلاميذَهُ إلى رأسِ الجَبَل، وعقدَ خُلَوَةً جنَّدَ فيها التلاميذ الإثني عشَر. في كُلِّ مرَّةٍ رأى هذه الجمُوع، كثَّفَ تدريبَهُ لهؤلاء الإثني عشر.

في متَّى 14 و15، نجدُ حادِثَةَ إشباع يسُوع للخَمسَةِ آلاف وللأربَعَةِ آلاف. نقرَأُ أنَّهُ "تحنَّنَ عليهِم وشفَى مرضاهُم" (14: 14)، وأنَّهُ "أشفَقَ على الجَمعِ لأنَّ [كانَ] لهُم ثلاثَةُ أيَّامٍ يمكُثُونَ مَعَهُ وليسَ لهُم ما يأكلُون." (15: 32) في كِلتَي المُناسَبَتَين، أمرَ يسُوعُ تلاميذَهُ أن يُعطُوا الشعبَ ليأكُلُوا، وذلكَ من بعضِ السمكِ والخُبزِ القليل، الذي كثَّرَهُ إلى أن أشبعَ آلافِ الجُمُوعِ الجائِعة.

تُعطينا هذه المقاطِعُ ليسَ فقط سرداً لهاتَينِ المُعجِزَتَين العظيمَتَين ليسُوع، بل أيضاً تَبياناً لرُؤياهُ الإرساليَّة. لقد وضعَ يسُوعُ تلامِيذَهُ ستراتيجيَّاً بينَهُ وبينَ الجُموع، ومرَّرَ الغِذاءَ للجُمُوع من خلالِ أيدِي تلاميذِه. وهذه تماماً هي الطريقة التي بها يُريدُ يسُوعُ أن يسُدَّ حاجات الناس المُتألِّمينَ في هذا العالم – إنَّهُ يُريدُ أن يُقدِّمَ نفسَهُ، خُبز الحياة، إلى الناسِ المُتألِّمين في العالم، من خِلالِ أيدِي كَنيستِه.

هل أنتَ كَواحِدٍ من المُتألِّمِينَ بينَ هذه الآلاف من الجُموع، تتطلَّعُ بِشَوقٍ للإقتِرابِ من يسُوعَ بشكلٍ كافٍ لتأخُذَ منهُ "الخُبز"؟ دَعْ ذلكَ يلمُس قلبَكَ لِتَعرِفَ أنَّكَ القصدَ الذي من أجلِهِ جاءَ ومن أجلِهِ يَعيشُ في كنيستِهِ ومن خِلالِها اليوم. إنَّهُ يُريدُ أن يَلمُسَ قُلُوبَ أشخاصٍ نَظِيرَكَ.

وبالمُقابِل، هل أنتَ راغبٌ بالإعتِرافِ بالقِيمَةِ التي أولاها يسُوعُ للأشخاصِ المُتألِّمينَ في هذا العالم؟ على خِلافِ رِجالِ الدِّين، الذين لم يستطيعُوا أن يشعُروا بالمحبَّةِ والعطفِ على أُولئكَ الذين كانُوا في حاجَةٍ، تحرَّكَ قلبُ يسُوع عطفاً ليلتَقِيَ بالناس حيثُ كانُوا بحاجَةٍ إليه. ولهذا فهُوَ يضعُ التحدَّي أمامَنا، وأمامَ تلاميذِهِ، بأن نقُولَ ما يقُولُهُ هُوَ عن إعطاءِ خُبزِ الحياة للجِياعِ والمُتَألِّمين. ففي المرَّةِ القادِمة عندما تلتَقِي بشخصٍ جائِعٍ، أو مُتألِّم، تذكَّرْ القِيمة التي أولاها يسُوعُ لهكذا أشخاص، واطلُبْ من المسيحِ الحَيِّ المُقام أن يُمَرِّرَ من خِلالِكَ إلى هؤلاء الأشخاص المحبَّةَ، النُّورَ والحَياة.

أضف تعليق


قرأت لك

شوكة في الجسد (2 كو 12)

كان الرسول بولس رجلا عظيما قد استخدمه الرب بشكل معجزي. وقد كتب تقريبا نصف العهد الجديد في اربع عشر رسالة رعوية ومائة اصحاح. وكان كفؤا ومؤهلا لتأسيس المسيحية وانجاحها في العالم. وقد بشّر بولس سبعة دول واسّس آلاف الكنائس المحلية. ومع كل ذلك، كان فيه شيء أعاقه وسبّب له التعب والاذلال.

في الرسالة الثانية لاهل كورنثوس، الفصل الثاني عشر، تحدث بولس العظيم عن شوكة في الجسد سبّبت له المعاناة. ربما كان ذلك ضعفا جسديا ما او نقصا جسمانيا ما في جسمه او نظره. لم يحدّد الكتاب المقدس ماهيتها، ويبدو انه ليس من الاهم معرفة ما هي. لكن من الواضح ان الشوكة هي امر في كل واحد منا، كلما ينجح في انجاز معين، يتذكّر ذلك الامر الذي في حياته، فيشعر بالاذلال والاهانة مما يمنعه من الافتخار بالانجاز.

حصل بولس على الكثير من الاعلانات الالهية. وصنع الرب من خلاله معجزات خارقة، لكن الرب ابقى في جسد بولس امرا ما جعله يشعر بالاهانة والاذلال. استغرب الرسول واغتاظ وتساءل في نفسه مفكرا :"كل ما فيّ عظيم ورائع، لكن اتمنى لو ان الرب يزيل هذه الشوكة من حياتي، اكون عندها من اسعد البشر". صلّى الى الرب ولم يحصل على اية استجابة. صلى ثانية وثالثة، لكن السماء بقية صامتة ومغلقة.