الفصلُ الرَّابِع وصفاتٌ كِتابِيَّةٌ للتَّواصُلِ معَ الله

القسم: وصفات المسيح الجزء الأول.

في الفُصُولِ الثلاثَةِ الاُولى من هذا الكُتَيِّب، تأمَّلنا بالوَصَفاتِ الكِتابِيَّة لِمَشاكِلِنا معَ العلاقاتِ الصَّعبَة، ومعَ الغَضَبِ الآثِمِ والغَضَبِ المُقدَّس. هُناكَ خَيطٌ مُتَسَلسِلٌ ينسابُ عبرَ كُلٍّ من هذه الوَصفات، وهُوَ مَوضُوعُ التواصُل أو الإتِّصال.

عندَما نَجِدُ أنفُسَنا في علاقاتٍ صَعبَة، تُعَلِّمُنا الوَصَفاتُ التي تأمَّلنا بها أنَّنا نحتاجُ أن نُهَذِّبَ ثمرَ الرُّوح في حياتِنا لكي نربَحَ إصغاءَ الشخصِ الآخر لنا في هكذا علاقاتٍ صَعبَة. في لحظاتِ التَّعلُّمِ هذه، تكُونُ القُدرَةُ على التَّواصُل هي الجزءُ الأصعَب في الوصفة. ولن نتمكَّنَ أبداً من حَلِّ هذه النِّزاعات أو نُساعِدَ على تحريرِ المُقيَّدِينَ فيها، إن لم نتواصَلْ معَهُم ونُخبِرُهْم بوصفاتِ اللهِ.

عندما يتعلَّقُ الأمرُ بالغَضَب، سواءٌ الغضَب الآثِم أم المُقدَّس، قُلتُ أنَّ أهمَّ كلماتٍ هِيَ التَّالِيَة: "لقد كُنتُ مُخطِئاً، أنا آسِف، هل تُسامِحُني؟"، أو، "لقد كُنتَ مُخطِئاً، ولقد آذَيتَني، ولكنَّني أُسامِحُكَ." عندما إستُخدِمَت هذه الكلماتُ، كثيراً ما أنقَذَت زِيجاتٍ كَثيرَة؛ كما وأنَّ عدم إستخدامِ هذه الكلمات أدَّى إلى تحطيمِ الكثيرِ من الزِّيجات، خاصَّة في العلاقاتِ الصَّعبَة.

هُناكَ أشخاصٌ لن يَقُولُوا أبداً، "لقد كُنتُ مُخطِئاً،" ولن يقُولُوا أبداً، "أنا آسِف." فبالنسبَةِ لهُم، الإعتِرافُ بالخَطَأِ هُوَ نوعٌ من الضَّعف، ولهذا لا يعتَرِفُونَ أبداً بالخَطأ. وللسببِ ذاتِه، لا يقُولُونَ أبداً أنَّهُم آسِفُون. وبالطبعِ لن يقُولُوا أبداً، "هل تُسامِحُني؟" فهُم يعتَقِدُونَ أنَّ هذا يضعُهُم تحتَ مُستَوى الشَّخص الآخر. وبما أنَّهُم لن يفعَلُوا هذا أبداً، تفشَلُ علاقاتُهم. ولكنَّ كلماتٍ بَسيطة مثل هذه: "لقد كُنتُ مُخطِئاً، أنا آسِف، هل تُسامِحُني،" أو، "لقد كُنتَ مُخطِئاً (سواءٌ أقَبِلتَ بذلكَ أم لا)، ولقد آذَيتَني، ولكنَّني أُسامِحُكَ،" فإنَّ كلماتٍ بَسيطَةً مثلَ هذه تستطيعُ أن تُنقِذَ زيجاتٍ وعلاقاتٍ. إنَّ قولَ مثل هذه الكلمات أو عدم قولِها هُوَ قَضِيَّةٌ تتعلَّقُ بالتَّواصُلِ أو بالإتِّصال.

عندما نتعامَلُ معَ الغَضَب، علينا أن نتمكَّنَ من التواصُل. فإن كانَ لدينا غضَبٌ أنانِيٌّ، عَلَينا أن نتكلَّمَ بِبَساطَةٍ بِهذهِ الكلماتِ الحَيَويَّة، وأن نطلُبَ غُفرانَ أُولئكَ الذين آذَيناهُم بغضَبِنا الآثِم. وعندما يكُونُ لَدَينا غضَبٌ مُقدَّس، علينا أن نتواصَلَ بينما نتكلَّمُ عن الظُّلم الذي ينتَهِكُ ويُعيقُ مشيئةَ وعملَ الله. عندما نكُونُ نحنُ ضحايا هذا التعدِّي، علينا أن نَصِلَ بالغُفرانَ لأُولئكَ الذين سبَّبُوا لنا الأذَى كما فعلَ المسيح. (لُوقا 23: 34).


التَّواصُل معَ الله

العلاقَةُ التي لدينا معَ اللهِ هي علاقَةٌ علينا أن نتعلَّمَ فيها كيفَ نُطَوِّرُ مهاراتِنا في التَّواصُل. النَّمُوذج الكِتابِيّ للتَّواصُل في هذه العلاقة نجدُهُ في الإصحاحِ الثالِث من الكتاب المقدَّس، حيثُ يتكلَّمُ اللهُ معَ آدَم وحَوَّاء بعدَ  أن أخطآا. نقرَأ: "وسَمِعا صَوتَ الرَّبِّ الإلهِ ماشِياً في الجَنَّةِ عندَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهار. فاختَبَأَ آدَمُ وامرأَتُهُ من وجهِ الرَّبِّ الإله في وسطِ شجرِ الجَنَّة. فنادَى الرَّبُّ الإلهُ آدمَ وقالَ لهُ أينَ أنت. فقالَ سَمِعتُ صوتَكَ في الجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأنِّي عُريانٌ فاختَبَأتُ. فقالَ من أعلَمَكَ أنَّكَ عُريانٌ؟" (تَكوِين 3: 8- 11).

بينما نبدَأُ بقراءَةِ الكتابِ المُقدَّس، نتعلَّمُ مبدَئَين هامَّين جدَّاً عن التواصُلِ السليم معَ الله. أوَّلاً، نتعلَّمُ أنَّنا عندما نُخطِئُ، يُتابِعُ اللهُ القَضِيَّةً مُباشَرَةً، ويُبادِرُ بالتواصُلِ معنا وبترميمِ العلاقَةِ معنا. نتعلَّمُ أيضاً أنَّنا غالِباً ما نهرُبُ من سماعِ صَوتِهِ.

الحقيقَةُ المُدهِشة المُقدَّمَة في هذهِ الصُّورَة هي أنَّ اللهَ يتكلَّمُ ويتواصَلُ معَ خليقَتِهِ. فالصَّوتُ يتكلَّمُ. نقرأُ أنَّ آدَم وحَوَّاء سمِعا صوتَ الرَّبِّ الإله ماشِياً في الجَنَّةِ عندَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهار، فَخبَّآا أنفُسَهُما من وجهِ الرَّبّ. فلقد أظهَرَ صوتُ اللهِ حُضُورَهُ، أو كانَ تعبيراً نبعَ من محضَرِهِ.

في بدايَةِ الكتابِ المُقدَّس، نجدُ ظاهِرَةً عجائِبيَّة، كما كانت في ذلكَ الزَّمان، وكما هي عليهِ الآن. فاللهُ يُريدُ أن يتواصَلَ معَنا وأن يكُونَ لَدَيهِ علاقَةٌ معَ الجِنسِ البَشَريّ، ولكنَّ الجِنسَ البَشَريّ يختَبِئُ من ذلكَ التعبير الفَصيح والجَميل عن محبَّةِ اللهِ غير المَشرُوطَة. أَوَّلُ أربَعَةِ أشياء قالَها اللهُ للإنسان كانت أسئِلة. السؤالُ الأوَّلُ كان: "أينَ أنتَ؟" لماذا سألَ اللهُ هذا السُّؤال؟ ألم يعرِفْ أينَ كانا؟ بالطبعِ عرَفَ. ولقد عرفَ أنَّهُما إحتاجا للإعتِرافِ بأنَّهُما لم يَعرِفَا أينَ كانَا، لأنَّهُما كانا ضَالَّين.

أوَّلُ شَيءٍ يحتاجُ أن يعرِفَهُ الضَّالُّون هُوَ أنَّهُم ضالُّون. فاللهُ يسألُهُم، "أينَ أنتُم؟" وهُم يُجيبُونَ بما معناهُ، "سوفَ نقُولُ لكَ أينَ نحنُ. فنحنُ نسمَعُ صوتَكَ. ونحنُ لسنا بَعِيدِين عنكَ لدرجَةٍ لا نسمَعُ فيها صوتَكَ. ولكن عندما نَسمَعُ صوتَكَ، يُقلِقُنا كَثيراً، لأنَّهُ مثلَ النُّور السَّاطِع الذي يفضَحُ عُريَنا. ونعرِفُ أنَّنا إذا إستَمرَّينا بالإصغاءِ إلى صَوتِكَ، فأنتَ سوفَ تفضَحُ عُريَنا. وهذا ما لا نُريدُهُ، ولهذا نختَبِئُ. هذا هُوَ مكانُ وُجُودِنا."

عندَما نقرَأُ: "سمِعا صوتَ الرَّبِّ الإله ماشِياً في الجَنَّةِ عندَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهار،" قد يصعُبُ علينا فهمَ ذلكَ. فهل سبقَ ورأيتُم صوتاً يَمشِي، أو سَمِعتُم صوتاً يَمشي؟ أيٌّ منهُما؟ هل سترَونَهُ أم ستَسمَعُونَهُ؟ ينبَغي أن يكُونَ هذا الوصفُ لُغَةً مجازِيَّةً تُقدِّمُ حقيقَةً عميقَةً عن كيفَ يتواصَلُ اللهُ معنا، وكيفَ يبني علاقَةً معنا، وكيفَ نتواصَلُ نحنُ مع الله وكيفَ نبني علاقَةً معَهُ. عندما أُسمِّي هذه القصَّة مجازاً، لا أقصُدُ أنَّها أُسطُورَةً. فالمجازُ هُوَ قصَّةٌ يتَّخِذُ فيها الأشخاصُ والأماكِنُ والأشياءُ معنىً أعمَق.

الصَّوتُ يَتَواصَلُ. لقد سَمِعا صوتَ الله. فإختَبَآا من حضرَةِ الرَّبّ. ولقد بَرهَنَ صَوتُهُ حُضُورَهُ، أو كانَ تعبيراً خرجَ من حضرَتِه. فالذي إختبَآا منهُ لم يكُن الصَّوت؛ بل إختبآا من محضرِ الله.

جاءَ اللهُ إلى الجَنَّةِ لكَي يُتابِعَ علاقَتَهُ معَ آدم وحَوَّاء. ولأنَّهُ عرفَ أنَّهُما أخطآا، بادَرَ بالإتِّصالِ بِهِما وببناءِ علاقَةٍ معَهُما. وهذا مجازٌ عن الوضعِ كما كان، وكما هُوَ عليهِ الآن، عن كيفَ يلاحِقُنا اللهُ اليوم، مُبادِراً بالإتِّصالِ وبِعلاقَةٍ معَنا، وبالحقِيقَةِ بسببِ كونِ الخَطيَّةِ في حياتِنا تعني أنَّنا بحاجَةٍ ماسَّةٍ إلى تِلكَ العلاقَة معَ الله، الذي يُحبُّنا بدُونِ شُروط. هذه القِصَّة العميقة والجَميلة هي مجازٌ رائِعٌ عن محبَّةِ اللهِ غير المَشرُوطة لنا نحنُ الخُطاة، كما كانت من زَمان، وكما هي عليهِ الآن.

عندما أخبرَ أَوَّلُ رَجُلٍ وإمرأَةٍ اللهَ أينَ كانا، أجابَهُما اللهُ قائِلاً، "من أخبَركَ أنَّكَ عُريانٌ؟" إذا قرأتَ القِصَّةَ، سوفَ تَجِدُ أنَّ اللهَ وضَعَهُما في الجَنَّةِ وقالَ لهُما أن لا يأكُلا من بعضِ الأشجار. نقرَأُ أنَّهما في اللَّحظَةِ التي أكلا فيها، علِما أنَّهُما عُريَانَين. رُغمَ أنَّ اللهَ لم يبدَأْ معَهُما هذا التواصُلِ بعد، علِما أنَّهُما كانا عُريانَين.

في سُؤالِهِ الثَّانِي، يُشيرُ اللهُ إلى تِلكَ اللَّحظَة التي عَرَفا فِيها أنَّهُما عُرَيَانان. كانَ يَقُولُ، "عندما عرفتُما رُوحِيَّاً أنَّكُما عُريانان، من تَظُنَّانِ قالَ لكُما ذَلِكَ؟" (لا يقُولُ الأصلُ العِبرانِيُّ حَرفِيَّاً، "من أخبَرَكُما؟" بل يقُولُ، "من جعَلَكُما تعرِفَانِ  أنَّكُم عُريانَان؟" من تَظُنَّانِ أعلَنَ لكُما هذا؟) كانَ يسألُ، "ألستُما تعلَمانِ أنَّني كُنتُ أتواصَلُ معكُما ولكِنَّكُما لم تُدرِكا أنَّ هذه المُعجِزة كانت تحدُثُ؟" بنفسِ الطريقة، يتواصَلُ اللهُ معنا اليَوم، ونحنُ لا نُدرِكُ حُصُولَ هذه المُعجِزة. فكما كانَ الحالُ من زمان، وكما هُوَ عليهِ الآن، في الإصحاحِ الثالِث من سفرِ التَّكوين، يُظهِرُ اللهُ مُعجِزةَ الإشتِراك أو العلاقة التي يُمكِنُ للكائِناتِ البَشَريَّة أن يُقيمُوها معَ خالِقِهم.

هل تُعطي قيمَةً كافِيَةً للتَّواصُلِ معَ الله، لكَي تُخَصِّصَ وقتاً كافِياً لهذا التواصُل؟ قالَ مُودِي، "إن كُنتَ ستأخُذُ خُلوَةً معَ الله، ينبَغي أن تأخُذَها قبلَ أن يستَيقِظَ الناسُ أو بعدَ أن يخلُدُوا إلى النَّوم." أَفَلا يستَحِقُّ الأمرُ أن تستيقِظَ باكِراً قبلَ أن يكُونَ الآخرُونَ قد إستَيقَظُوا، أو أن تبقَى  ساهِراً بعدَ أن يكُونَ الجميعُ قد نامُوا، لكي تتواصَلَ معَ الله؟

في يُوحَنَّا الإصحاح الرَّابِع، حيثُ نقرَأُ أنَّ يسُوعَ إلتَقَى بإمرأَةٍ عندَ البِئر، أخبَرها حقيقَةً عجيبَة عن العِبادَةِ بالنسبَةِ لليَهُودِيّ أو للسامِريّ. فلقد كانا يُناقِشانِ الإختِلافاتِ بينَ نظرَةِ اليَهُود إلى الله، ونظرَة السامِريِّين إلى الله. فقالَتِ المرأَةُ، "أنتُم اليَهُود تقُولُونَ أنَّ لدَيكُم الله في هيكَلِكُم في أُورشَليم. ونحنُ نقُولُ أنَّ لدَينا اللهَ هُنا على جَبَلِ جِرِزِّيم. فمن منَّا على حَقّ؟" في أَيَّامِنا الحاضِرَة، يُطرَحُ السُّؤالُ على الشكلِ التَّالِي: "هُناكَ عدَّةُ طوائِف مُتَنَوِّعة في العالَمِ المَسيحيّ. أيُّها على حَقّ؟"

عندما أجابَ يسُوعُ على سُّؤالِها، قالَ ما معناهُ، "لا أحد يَحتَكِرُ اللهَ. فاللهُ رُوحٌ، والذين يسجُدُونَ لهُ فبالرُّوحِ والحَقِّ ينبَغي أن يسجُدُوا. لأنَّ اللهَ طالِبُ مثلَ هؤُلاء السَّاجِدِينَ لهُ." كانَ A. W. Tozer يقُول، "اللهُ لا يبحَثُ بِشكلٍ خاصٍّ عن عُمَّالٍ، لأنَّ لدَيهِ الكثير منهُم. بل هُوَ يبحَثُ عن عابِدينَ، لأنَّ ليسَ لديهِ منهُم إلا القَليل."

طُقُوسُ العِبَادَةِ اليَهُودِيَّةِ التي أشارَت إليها المَرأَةُ السامِريَّةُ، ترجِعُ إلى بدايَةِ تعليماتِ شعبِ اللهِ لِعبادَتِهِ، عندما أخبَرَ اللهُ مُوسى كيفَ ينبَغي أن يقتَرِبَ منهُ شعبُهُ في العِبادَة. فأعطى مُوسى هذه التَّعليمات في سفرِ الخُرُوج.

قالَ اللهُ لمُوسى أن يبنِيَ خَيمَةَ عبادَةٍ. وكانت تحتَوي خيمَةُ العِبادَةِ على قُدسِ أقداسٍ، وهي غُرفَةٌ داخِليَّةٌ كانَ تابُوتُ العَهدِ يُحفَظُ فيها. فقالَ اللهُ لمُوسَى، "إنَّ حُضُوري سيمكُثُ في تابُوتِ العَهد." وكانَ أشخاصٌ مثل داوُد يقِفُونَ بإستمرار في خَيمَةِ العِبادَة، طالِبينَ الإقتِراب من محضَرِ اللهِ المُقدَّس. ولقد مكَثَت سحابَةُ المَجد (الشَّكينة) حَرفِيَّاً في قطعَةِ الأثاث المُقدَّسة تِلكَ. لِهذا، عندما كانَ دانِيالُ في السَّبِي، كانَ دائِماً يتَّجِهُ نحوَ أُورشَليم عندَما كانَ يُصَلِّي. إنَّ حُضُورَ الله المُقدَّس مكَثَ حَرفِيَّاً في هيكَلِ أُورشَليم.

فكانَ جوهَرُ ما قالَهُ يسُوعُ للمرأَةِ السَّامِريَّةِ عندَ البِئر، "لم يَعُدِ الأمرُ كذلكَ. فاللهُ مَوجُودٍ في كُلِّ مكانٍ حيثُ تأتُونَ إليهِ، تقتَرِبُونَ منهُ، تعبُدُونَهُ، وتعرِفُونَهُ بالرُّوحِ والحَقّ." لَرُبَّما كانَ يُبرِزُ نَبَويَّاً الحقيقَةَ الأكثَر دينامِيكيَّةً في العهدِ الجَديد: "ألستُم تعلَمُونَ أنَّكُم هيكَل الله؟" ثُمَّ، "المَسيحُ فيكُم رَجاءُ المَجد." (1كُورنثُوس 6: 19؛ كُولُوسي 1: 27). فبالنِّسبَةِ لنا اليَوم، التَّواصُلُ معَ الله يعني أنَّ كُلَّ ما عَلينا أن نفعَلَهُ هُوَ أن نُخَصِّصَ الوقتَ اللازِمَ للتَّواصُلِ معَ الله، ونُدرِكَ أنَّهُ بإمكانِنا أن نتواصَلَ معَ الله، بِغَضِّ النَّظَر أينَ نحنُ.

نثنائِيل، عندما سمِعَ عن يسُوع، سألَ، "ألَعلَّ شيئاً صالِحاً يخرُجُ من النَّاصِرة؟" وعندما إلتَقى يسُوعُ بِنثنائِيل، قالَ، "هُوَّذا إسرائِيليٌّ حَقَّاً لا غِشَّ فِيهِ." (يُوحَنَّا 1: 47) فسألَهُ نثنائِيل، "من أينَ تعرِفُني؟" فأدهَشَهُ يسُوعُ بِقَولِه ما معناهُ، "أنا هُوَ الشخصُ الذي  كُنتَ تَتَواصَلُ معَهُ تحتَ التِّينَة."

فقالَ نثنائِيلُ مُتَعجِّباً: "أنتَ إبنُ الله، أنتَ مَلِكُ إسرائيل!" لقد كانَ نثنائِيلُ رجُلاً تَقِيَّاً. ويبدُو أنَّهُ عبدَ اللهَ كُلَّ يَومٍ تحتَ شجَرَةِ التِّين. ولَرُبَّما لم يعِرفْ أحَدٌ عن هذا الأمر إلا اللهُ ونثنائيل نفسُهُ. فهل لديكَ شجَرَةُ تينٍ تعبُدُ اللهَ تحتَها؟ هل لديكَ مكانٌ وزمانٌ حيثُ تتواصُلُ فيهِما معَ الله؟

تَعريفِي المُفَضَّل للصَّلاة هُوَ أنَّ الصَّلاةَ هي مُحادَثَةٌ معَ الله. فإن كُنتَ تُعتَبَرُ مُحدِّثاً بارِعاً، هذا يعني أنَّكَ تعرِفُ أنَّ كُلَّ مُحادَثَةٍ لدَيها بُعدان أو مجالان: عندما تتكلَّمُ أنتَ، وعندما يتكلَّمُ الطَّرَفُ الآخر. وهذا يَصِحُّ بِشكلٍ خاصٍّ في التَّواصُلِ معَ الله. فهُناكَ أشياءُ يريدُ اللهُ أن يسمَعَها منَّا، مثل عندما نعتَرِفُ بِخطايانا، وعندما نعبُدُهُ. ولكنَّنا لا نَقُولُ لهُ أبداً ما لا يعرِفُهُ هُوَ أصلاً، أو ما قد يُفاجِئُهُ. ولكن عندما يتواصَلُ معَنا، فهُوَ يجعَلُنا نعرِفُ أشياءَ لم يَكُنْ مُمكِناً أن نعرِفَها بطريقَةٍ أُخرى. وهُوَ يجعَلُنا أيضاً نعرِفُ أشياءَ تُدهِشُنا.

في تَكوين 3، يقُولُ اللهُ، "أنا أتواصَلُ معَكُم، وأُريدُكُم أن تتَواصَلُوا مَعِي. أُريدُ أن أتَمتَّعَ بِعَلاقَةٍ معكُم. أنا أعرِفُكُم، وأُريدُكُم أن تَعرِفُونِي. تَعالَوا إلى مَحضَري، تواصَلُوا مَعي، اعرِفُوني وابنُوا علاقَةً معِي. وسألتَقيكُم إذا خصَّصتُم زماناً ومكاناً لعلاقَتِكُم مَعِي."

الذي أبرَزَهُ مُوسَى هُنا هُوَ العلاقة الأكثَر أهمِّيَّة والتَّواصُل الأكثَر أهمِّيَّةً في العالم. فما هُوَ الهَدَفُ من هذه التَّواصُل؟ القصدُ من هذه التَّواصُل هُوَ أن نعرِفَ اللهَ وأن نعبُدَهُ. أن نعرِفَهُ يعني أن نُحِبَّهُ. فالعِبادَةُ هي ببساطَةٍ التعبير عن محبَّتِنا لهُ. والقصدُ هُوَ أيضاً الصلاة لهُ، أن نأتي كما قالَ بُطرُس، "مُلقِينَ كُلَّ هَمِّكُم عليهِ،" ومن ثَمَّ نكتَشِفُ أنَّهُ يهتَمُّ لأمرِنا. القَصدُ من هذا التَّواصُل هُوَ أن نأتي إلى عَرشِ النِّعمة لكي ننالَ رحمَةً على سقطاتِنا، ونعمَةً لتُساعِدَنا في أوقاتِ حاجَتِنا (1بُطرُس 5: 7؛ عبرانِيِّين 4: 17).


التواصُلُ مع أنفُسِنا

كانَ هُناكَ رجُلٌ يَعيشُ كناسِكٍ في عُزلَةٍ، وقامَ بِزِيارَةٍ لمكتَبِ البَريد القَريب من صومَعَتِهِ التي كانَ يعيشُ فيها. وهُناك، إلتَقى بِرَجُلٍ كانَ يُغادِرُ مكتَبَ البَريد، حامِلاً رُزمَةً من الرَّسائِل، مُبتَهِجاً بِكَونِهِ قد وصلَتْهُ هذه الرٍِّسائِل الكثيرة كُلَّها. فسألَهُ النَّاسِكُ، "متى كانت آخِر مرَّة إستَلمتَ فيها رِسالَةً من نفسِكَ لِنفسِكَ؟"

أليسَ هذا السؤالُ مُثيراً للعَجَب؟ فكم من الوقتِ مضى منذُ أن سمِعتَ رسالَةً من نفسِكَ لنَفسِكَ آخِرَ مرَّة؟ فأنتَ تسمَعُ من الآخرِين، ولكنْ كم مرَّ من الوقتِ منذُ أن سَمِعتَ من نفسِكَ؟ وهل مُمكِناً أن يسمَعَ الإنسانُ رسالَةً من نفسِهِ؟ هل تَعتَقِدُ أنَّكَ إذا تكلَّمتَ معَ نفسِكَ تَكُونُ مجنُوناً؟ مرَّةً سَمِعتُ أحدَهُم يقُولُ، "أنا أتكلَّمُ معَ نفسِي لأنَّ هذا هُوَ الوَقتُ الوَحيدُ الذي أتكَلَّمُ فيهِ معَ شخصٍ ذَكِيّ، أو أتكلَّمُ عن شَخصٍ ذَكِيّ."

إنَّ السؤالَ الذي طَرَحَهُ النَّاسِكُ الذي يعيشُ في العُزلَة، يُبرِزُ الإنضباطَ الرُّوحي بالإستِماعِ إلى النَّفس، وبِوَعي ما يجري في عقلِكَ وذِهنِكَ. وهذا ينسَجِمُ معَ الكلمات التي كتبَها داوُد: "تَكَلَّمُوا في قُلُوبِكُم على مَضاجِعِكُم." (مَزمُور 4: 4). عندما نتأمَّلُ بصَمتٍ، مُهَدِّئِينَ قُلُوبَنا في داخِلِنا، يكُونُ بإمكانِنا أن نتأمَّلَ بالأشياءِ التي يُريدُ اللهُ أن يُعَرِّفَنا إيَّاها، ويكُونُ بإمكانِنا أن نُحضِّرَ تجاوُباً ذِهنيَّاً على ما تأمَّلنا به. إن كُنَّا لا نأخذُ هذه الفُرص والأوقات الهادِئة المُنفَرِدة، لن نَحيا معَ فهمٍ للمكانِ الذي فيهِ يُعَرِّفُنا اللهُ كيفَ نُمَجِّدُهُ.

يَحُضُّنا داوُد جَدِّياً في المزمُورِ الرَّابِع، على أن نتكلَّمَ معَ نُفُوسِنا وأن نجتَمِعَ بِنُفُوسِنا في مُنتَصَفِ اللَّيل. لا بُدَّ أن داوُد كان في ضِيقٍ عندما كتبَ هذا المَزمُور. ولم يكُن قادِراً على النَّوم، وهكذا تحادَثَ معَ نفسِهِ. وتواصَلَ معَ قلبِهِ على فراشِهِ. ما هُوَ القصدُ من هذا التواصُل؟ هذا ما نُسمِّيهِ بالتأمُّل أو التفكير الذَّاتِي. كانَ على داوُد أن يُفكِّرَ كيفَ سيتَجاوَبُ معَ الأُمور التي يُعَرِّفُهُ إيَّاها اللهُ، عندما يسمَعُ اللهَ.

هُناكَ بُعدٌ آخَر من التواصُلِ معَ اللهِ، نراهُ في المَزمُور الرَّابِع. يُخبِرُنا داوُد أنَّهُ إكتَشَفَ البُعدَ الإنسانِيّ للمحادَثَةِ معَ الله. كتبَ يقُولُ: "فإعلَمُوا أنَّ الرَّبَّ قد مَيَّزَ تَقِيَّهُ. الرَّبُّ يسمَعُ عندما أدعُوهُ." لقد عرفَ داوُد وإختَبرَ ذلكَ النَّوع من محادَثَةِ الصَّلاة التي هي أن يتكلَّمَ الإنسانُ معَ الله.

ولقد حَقَّقَ داوُد الإكتِشافَ التَّالِي: "في الضِّيقِ رَحَّبتَ لي الرَّبُّ." متى نتواصَلُ فعلاً معَ الله؟ هل نقُومُ بذلكَ عندما يكُونُ لدَينا مُشكِلَة ولا نعرِفُ ماذا نفعَلُ حِيالَها؟ هذا هُوَ الوقتُ الذي فيهِ يتكلَّمُ مُعظَمُنا معَ الله. وأنا لا أُحَذِّرُ من هكذا نَوع من الشَّرِكَة معَ الله. أشكُرُ اللهَ لما قد يُسمِّيهِ البَعضُ، "لاهُوتُ العاصِفَة – أي لاهُوت طلب الله عندما تَهُبُّ عواصِفُ الحياة."

إنَّ أيَّةَ أزَمَةٍ أو مُشكِلَةٍ تُوجِّهُنا إلى الله، تُعتَبَرُ تدَخُّلاً إلهيَّاً وفُرصَةً رُوحيَّةً يُنَمِّي فيها اللهُ إيمانَنا. لقد إلتَقَيتُ بأشخاصٍ أتقِياء، يقُولُونَ لنا أنَّ هكذا أنواع من التَّدَخُّل كانت أروعَ الأحداث في حياتِهم. فالتواصُلُ الحَقيقيُّ مع الله الذي يختَبِرُهُ البَشَرُ، يجرِي عادَةً في إطارِ أزمَةٍ أو ضيقٍ عظيم. إنَّ جوهَرَ ما يقُولُهُ لنا داوُد في هذا المَزمُور هُوَ: "عندما أكُونُ في ضِيقٍ، عندها تُصبِحُ حقيقَةً واقِعة بالنسبَةِ لي يا رَبُّ. فلقد تكلَّمَت فعلاً إليَّ وأنا تكلَّمتُ إليكَ عندما كُنتُ أتألَّمُ." (مزمُور 4: 1). إن كُنتَ مُتآلِفاً معَ قِصَّةِ حياةِ داوُد التي نتعلَّمُها من الأسفارِ التَّارِيخيَّة، ومن مزامِيرِ داوُد هذه، فسوفَ تَجِدُ بواسِطَةِ بعضِ الخَيالِ المُقدَّس، عدَّةَ أماكِن في رِحلَتِهِ الرُّوحيَّة، حيثُ صَلَّى داوُد مثل هذا المَزمُور.

يُخبِرُنا داوُد أنَّهُ إكتَشَفَ هذه الأُمُور، ولكنَّهُ يُتابِعُ بإخبارِنا عن البُعدِ الحَيويّ للمُحادَثَةِ معَ اللهِ، عندَما يَكتُبُ قائِلاً: "إذبَحُوا ذبائِحَ البِرِّ وتَوَكَّلُوا على الرَّبِّ. كَثِيرُونَ يَقُولُونَ من يُرينا خَيراً؟" (مَزمُور 4: 4- 6).

بإمكانِنا أن نفتَرِضَ أنَّ داوُد يتصارَعُ معَ واحدٍ من تلكَ القرارت التي نُواجِهُها عادَةً. فبإمكانِهِ أن يعملَ الصَّواب، أو أن يعمَلَ ما هُو نافِعٌ ومُناسِب لِمَصلَحَتِهِ. فإذا عمِلَ الصَّواب، كانَ مُقتَنِعاً أنَّ العواقِبَ ستَكُونُ مأساوِيَّةً. بالواقِع، لم يكُنْ بإمكانِهِ أن يرى إمكانِيَّةً للعَيشِ، إذا عمِلَ الصواب. وهكذا قرَّرَ أن يعمَلَ النافِع لمصلَحَتِهِ، وعندها طارَ عنهُ نومُهُ لأنَّهُ رَجُلٌ بحَسَبِ قلبِ الله، مُلتَزِمٌ بالمُطلَقاتِ الأخلاقيَّة، وبالإستقامَةِ الأدبيَّة.  لهذا لم يعُدْ قادِراً على النَّوم. هذا هُوَ إطارُ هذه المُحادَثَة التي قامَ بها داوُد معَ نفسِهِ ومعَ الله.

فبعدَ الإتِّصالِ باللهِ، وبِقَلبِهِ هُوَ شخصِيَّاً، قرَّرَ أن يُضَحِّي بأيِّ شيءٍ ينبَغي أن يُضَحِّيَ بهِ، وأن يُتابِعَ الوُثُوق بالرَّبّ. أحدُ الدَّوافِع التي حرَّكت قرارَهُ هُوَ أنَّهُ كانَ مُحاطاً بأشخاصٍ كانُوا يتطلَّعُونَ بِشَوقٍ ليَرَوا إنساناً لديهِ ما يكفي من الإيمانِ والإستِقامَةِ ليعمَلَ الصَّواب، وليسَ المنفَعة أو المصلَحة الذَّاتِيَّة، كما يفعَلُ الجَميع. إن كُنَّا سنسأَلُ داوُد السُّؤالَ الثَّاني التي طرَحَهُ اللهُ على آدم وحَوَّاء، "من أخبَرَكُما؟" لأجابَ بالتَّأكيدِ أنَّ اللهَ جعلَهُ يعلَمُ أنَّهُ عليهِ أن يُضَحِّيَ بأيِّ شَيءٍ لكَي يَعمَلَ الصوابَ، واثِقاً بأنَّ اللهَ سيحفَظُهُ.

سوفَ تَجدُ عَبرَ المزامير نماذِجَ عن صَلواتٍ مثل هذه الصلاة لداوُد، التي هي محادَثاتٌ معَ الله. فبينما تقرَأُ في المَزامِير، لاحِظْ أنَّ نَمُوذَجَ كُتَّابِ المَزامير هُوَ غالِباً إعلان تَضَرُّعاتِهم لله، ومن ثَمَّ أخذ كَلِمَة من الله، التي تُشكِّلُ الجزءَ الخاصّ بالله في مُحادَثَةِ الصلاة هذه. فالمزمُورُ الحادِي والعِشرُون هُوَ نَمُوذَجٌ مُمَيَّزٌ لمُحادَثاتِ الصَّلاة هذه.

إنَّ مُرَنِّمي المَزامير هُم مُحَدِّثُونَ بارِعُون، لأنَّهُم يعرِفُونَ أنَّ الجُزءَ المُهِمَّ من محادَثَةِ الصَّلاةِ هو عندما يتكلَّمُ اللهُ إليهِم جواباً على صَلَواتِهِم. هذا يجعَلُ منهُم يعرِفُونَ أنَّ اللهَ سَمِعَ صلاتَهُم، وأنَّهُم إختَبَرُوا البُعدَ الأكثَر أهمِّيَّةً من مُحادَثَتِهم معَهُ، وأنَّهُ عليهم أن يعمَلُوا بِبَساطَةٍ ما جعلَهُم اللهُ يعرِفُونَ أنَّهُ عليهِم أن يعمَلُوه. عِندَما تُصَلِّي، هل أنتَ مُحدِّثٌ جَيِّدٌ معَ الله؟ تُعطينا أُمُّ يسُوعَ قاعِدَةً مُطلَقَةً لِنتَّبِعَها عندما نسمَعُ جُزءَ اللهِ من محادَثَتِِهِ معنا.  قالَتْ مريَمُ للخُدَّامِ في عُرسِ قانا، حيثُ حوَّلَ يسُوعُ الماءَ خمراً: "مهما قالَ لكُم افعَلُوه."