تفاسير

الفَصلُ السَّادِسُ "وصفَةٌ لِلمِحنَة"

القسم: وصفات المسيح الجزء الثاني.

فهرس المقال

إسمعوا الكلمات التي ختم بها يسوع العظة العظيمة التي قدّمها على الجبل: "كُلُّ مَنْ يَأْتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلامِي وَيَعْمَلُ بِهِ أُرِيْكُمْ مَنْ يُشْبِهُ. يُشْبِهُ إِنْسَاناً بَنَى بَيْتاً وَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ الأَسَاسَ عَلَى الصَّخْرِ. فَلَمَّا حَدَثَ سَيْلٌ صَدَمَ النَّهْرُ ذَلِكَ البَيْتِ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسَاً عَلَى الصَّخْرِ. وَأَمَّا الذي يَسْمَعُ وَلا يَعْمَلُ فَيُشْبِهُ إِنْسَاْناً بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الأَرْضِ مِنْ دُوْنِ أَسَاسٍ. فَصَدَمَهُ النَّهْرُ فَسَقَطَ حَالاً وَكَانَ خَرَابُ ذَلِكَ البَيْتِ عَظِيْمَاً". (متَّى 5: 24- 27).

تخيّلوا أنّ جميعكم يتمتّع بموهبة الرسم، وأنّني أعطيت كلّ واحدٍ منكم لوحةً ومجموعةً من الريشات والطلاءات، وكُلَّ المَعِدَّاتِ اللازِمة لِرَسمِ لوحَةٍ جَميلة. ولنفترض أنّي قلتُ لكم: "أرسموا كلّ ما يخطر في بالكم عندما أقول كلمة "حياة"". فماذا ترسمون؟

في هذه الإستعارة العظيمة التي أنهى بها يسوع العظة على الجبل، رسم لنا صورة الحياة. فثمّة منزلان يقعان جنباً الى جنب، وفجأةً ضربتهما العواصف. هذه هي الحَياةُ بالنسبَةِ لِيَسُوع. في وصفِهِ للحَياة، صرَّحَ يسُوعُ أنَّ هذَين المَنزِلَين يبدُوانِ مُتَشابِهَين – قبلَ أن تَهِبَّ عليهِم العاصِفة. ولكن، عندما ضربت العواصف المنزلينِ، تكتَشِفُونَ أنَّهُما ليسَا مُتَشَابِهَين. سقط أحدهما سقوطاً عظيماً لكنّ الآخر بقي سليماً في موقعه. ويكمن الفرق بينهما في ما يلي: إنّ المنزل الذي سقط سقوطاً عظيماً كان قد بُنِيَ من دون أساسٍ أي على الرمل، أمّا المنزل الذي لم يقع فقد بُنِيَ على صخرةٍ صلبةٍ.

لو قامَ أشخاصٌ في مُقتَبَلِ الشَّبابِ بِرَسمٍ لَوحَتِهِم للحَياة، لكانَت صُورتُهُم مثالِيَّةً، تُشبِهُ شخصاً يتزحلَقُ على رُؤُوسِ الأمواج. أمَّا الصُّورَةُ التي يرسُمُها أهلُهم، أو أجدادُهم، فقد تكُونُ مُتَشائِمَةً، مثلَ شخصٍ يجلِسُ في سَفينَةً تغرَقُ، على بُعدِ ثمانينَ كِيلُومتراً من الشاطِئ، بِدُونِ أيَّةِ مُساعَدَةٍ تبدُو في الأُفُق. إنَّ صُورَةَ يسُوع عن الحياة ليسَت مِثالِيَّة ولا مُتشائِمَة. إنَّها واقِعيَّةٌ. فالحياة قاسيةٌ. بالنسبة الى يسوع، الحياة هي بمثابة عواصف. وبِحَسَبِ الصُّورَة التي رسمَها يسُوعُ عنِ الحَياة، ليسَ أحدٌ مَعفِيَّاً من العواصِف – ولا سِيَّما أتباع يسُوع.

عندما يواجهُ بعضُ تلاميذ يسُوع الأتقِياء عواصفَ معيّنةً، يعتَقِدُونَ أنَّهُ لا ينبغي أن تحدُثَ أيَّةُ عاصِفَةٍ لهُم، لأنَّهُم تلاميذ مُخلِصين ليسُوع المسيح. يُوجدُ لاهُوتٌ شائِعٌ في العالَمِ اليوم يُسمَّى، "لاهُوت الإزدِهار،" الذي يُعلِّمُ أنَّ شعبَ اللهِ لا يجِب أن يتألَّموا ولا أن يمرَضُوا، بل ينبَغي أن يكُونُوا دائماً مُزدَهِرين، وفي صِحَّةٍ جَيِّدة، وأغنِياء. كَثيرُونَ يتعلَّمُونَ أنَّ يسُوعَ وعدَهُم بِحَياةٍ ستكُونُ خالِيَةً من أيَّةِ مِحَنٍ. هؤُلاء مُقتَنِعُونَ بأنَّ الحَياةَ لا يُفتَرَضُ بها أن تكُونَ صَعبَةً على المُؤمن، وأنَّهُم عندَما قَرَّرُوا أن يُؤمِنُوا ويتبَعُوا يسُوع، مُنِحُوا حصانَةً ضِدَّ عواصِفِ الحياةِ ومِحَنِها.

لقد بدّدَ يسوعُ هذه الخُرافة، بالطريقَةِ التي ختمَ بها موعِظتَهُ على الجَبل. في تلكَ الخاتِمة، قدّم يسوع أيضاً تصريحاً عميقاً حول نتائج المحن. لقد قال إنّ ثمّة الكثير من الناس يعتقدون أنّ الحياة التي كان يَعِدُ بها أتباعَهُ تبدأ من بوّابةٍ عريضةٍ ويتبعها طريقٌ عام عريض وسهل. لكنّ ذلك ليس صحيحاً. لقد علَّمَ يسُوع أنَّ المدخَلَ الواسِعَ والسَّهلَ للحَياة سوفَ يَقُودُ إلى الدَّمار (متَّى 7: 13).

بيَنما كانَ يسُوعُ يُعَلِّمُ بهذه الصُّورة المجازِيَّة، وعدَ أنَّ تلاميذَهُ سوفَ يكتشِفُونَ أنَّ نوعِيَّةَ الحياة التي وعدَ بها تبدَأُ معَ بابٍ ضَيِّق، يتبَعُهُ نظامٌ صعبٌ وإنضِباطِيٌّ للحَياة. ولكنَّهُ وعدَ أيضاً أنَّ الحياةَ الصعبَةَ والإنضِباطِيَّةَ التي سيعيشُها تلميذُهُ سوفَ تُؤدِّي إلى حياةٍ فَيَّاضَةٍ، سبقَ ووعدَ بها أُولئكَ الذين كانُوا سيتبَعُونَهُ (يُوحنَّا 10: 10). كانَ واقِعيَّاً بشكلٍ كافٍ ليُعَلِّمَ أنَّ قلّةً من الناس سوفَ يتبَعُونَهُ وسوفَ يكتَشِفُونَ هذه النَّوعِيَّة من الحياة.

إنَّ قِراءَةً دقيقَةً للعهدِ الجديد ولتاريخِ الكَنيسة، تُظهِرُ أنَّ القِلَّة التي إتَّبَعَت يسُوع، اكتشفت تلكَ النَّوعِيَّة من الحياة، عندما إلتَزَمَ أعضاؤُها بأن يتبَعُوا يسُوع من خلالِ البابِ الضَّيِّق، وأن يَمشُوا على طَريقِ التلمذَةِ الصَّعب والمُنَظَّم، بِحَسَبِ شُروطِ المسيح.


وصفَةٌ للمِحنة

يشعُرُ الناسُ عادَةً بأنّ المحنة تؤدّي مباشرةً الى العواقِب التي يُعانُونَ منها في حياتِهم. يَقُولُونَ مثلاً أُمُوراً كالتَّالِي: "لقد فقدتُ عملي وأنا كئيبٌ. أنا كئيبٌ الى حدٍّ أفكّر بِقَتلِ نَفسِي". إنَّهُم يَقصُدُونَ القَول، "إنَّ مِحنَتِي أدَّتْ إلى عاقِبَةِ إكتِئابِي الرُّوحِيّ."

إنَّ تَعليمَ يسُوع يُخَالِفُ وُجهَةَ النَّظَرِ هذه. فالمحنةُ لا تؤدّي مباشرةً الى العواقِب العاطِفيَّة أو غَيرِها، بالنسبَةِ ليسوع. لأنّه صوّر لنا رَجُلَينِ لديهما المحنة عينها. ولقد إستَخدَمَ الكلماتِ نفسِها لِوَصفِ محنَتِهِما: هَطَلَ المطرُ، وارتفع منسوبُ النَّهر وعَصَفَتِ الرياح وضربت المنزلينِ اللَّذَينِ يُمَثِّلانِ حياتَهُما. حدث الأمرُ عينُه في الحالتينِ لكنّ النتائج كانت متعارضةً.

هل لاحظتم يوماً كم مرّةً ناقش يسوع نظامَ معتقد تلاميذه عندما كان يحاول أن يعلّمهم هذا الأمر؟ هذا المقطع الرائع المأخوذ من نهاية الإصحاح السابع من إنجيل متّى تتبعه قصّةُ عاصفةٍ في الإصحاح الثامن: "أَمَرَ بِالذَّهَابِ الى العِبْرِ. ولَمَّا دَخَلَ السَّفِيْنَةَ تَبِعَهُ تَلامِيْذُهُ. وَإِذَا اضْطِرَابٌ عَظِيْمٌ قَدْ حَدَثَ فِي البَحْرِ حَتَّى غَطَّتِ الأَمْوَاجُ السَّفِيْنَةَ. وَكَانَ هُوَ نَائِمَاً. فَتَقَدَّمَ تَلامِيْذُهُ وَأَيْقَظُوْهُ قَاْئِلِيْنَ يَا سَيِّدُ نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ. فَقَالَ لَهُمْ مَا بَالُكُمْ خَائِفِيْنَ يَا قَلِيْلِيْ الإِيْمَانِ. ثُمَّ قَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيَاحَ والبَحْرَ فَصَارَ هُدُؤٌ عَظِيْمٌ".

لقد أذهلَتني هذه القصّةُ لمدّةٍ طويلةٍ. فهي تبدأُ بعاصفةٍ عظيمةٍ، وتنتهي بسكونٍ عظيمٍ. وبين العاصفةِ العظيمة والسكون العظيم، يُطرَحُ سؤالٌ عظيمٌ. وقد طَرَحَ لوقا السؤال على الشكل الآتي: "أين إيمانُكم؟". تطرَحُ إحدى الترجمات السُّؤالَ كالتَّالِي: "متى ستبدَأُونَ تؤمنون بي؟" إنَّ جَوهَرَ هذا السؤال العظيم عن الإيمان كانَ، "كيفَ يرتَبِطُ إيمانُكُم بهذه العاصِفة؟" لقد كانَ يتحدَّى بِوُضُوحٍ نظامَ إيمانِ رُسُلِهِ.

رأى آباءُ الكنيسةِ القُدَماء الكَثيرَ من الصور المجازيّة في الكِتابِ المُقدَّس. وعندما قالوا إنّ ثمّة شيئاً مجازيّاً لم يقصدوا أنّه خُرافة. بل عرَّفُوا الصورةَ المجازيّة بأنَّها قصّةٌ يحمل فيها الناسُ والأماكنُ والأشياءُ معنًى عميقاً يبنينا روحيّاً.

لقد إعتَبَرَ آباءُ الكَنيسةِ هذه القصَّةَ بأنَّها صُورَةٌ مجازِيَّةٌ عن الكنيسة، أو عن شعبِ اللهِ المَفدِيّ. عندما قال يسوع: "دعونا نعبر الى الجهةِ الأخرى"، كان ذلك صورةً ترمز الى يسوع يأخذنا الى الجانِبِ الآخر من الحَياة، أي الحياة الأبديّة. فهذا مجازٌ يُصَوِّرُ يسُوعَ معنا في المركب، ونحنُ جميعاً نُسافِرُ إلى الجِهَةِ الأُخرى. أمّا السؤال الذي يُطْرَحُ فهو: "كم عاصفة ستواجهكم في طريقكم الى الجهة الأخرى؟" إنّ يسوع يُعَلِّمُ أنَّ الحَياةَ صعبَةٌ، وأنَّهُ قد تُواجِهُنا عواصِفُ عديدة على طريقِنا نحوَ الجِهَةِ الأُخرى. ويعتَقِدُ البعضُ أنَّ يسُوعَ يُعَلِّمُ أنَّ الحياةَ نفسَها هي بمثابة عاصفةٍ نعبُرُ فيها في الوقت الذي ننتقل فيه من هذه الحياة إلى الحياةِ الأبديَّةِ في السماء.

قصّة العاصفة التي وردت في إنجيل متّى تتبعها قصّةٌ أخرى. نَقرَأُ أنَّهُ في تلكَ المُناسَبة، قالَ يسُوعُ لرُسُلِهِ أن يصعَدُوا إلى المركِب ويسبِقُوهُ إلى الجهَةِ الأُخرى من بحرِ الجليل. فبعدَ أن صرفَ الخمسة آلاف عائلة الجائعة، بعدَ أن أشبَعَهُم، إنسحَبَ بعُزلَةٍ إلى جانِبِ الجَبَلِ ليُصَلِّيَ (متَّى   14: 22- 33).

"وَبَعْدَمَا صَرَفَ الجُمُوعَ صَعِدَ الى السماءِ لِيُصَلِّيَ. وَلَمَّا صارَ المَساءُ كانَ هُناكَ وَحْدَهُ. وَأَمَّا السَّفِيْنَةُ فَكَانَتْ قَد صَارَتْ في وَسَطِ البَحْرِ مُعَذَّبَةً مِنَ الأَمواجِ. لأنَّ الريحَ كانتْ مضادّةً. وفي الهزيعِ الرابعِ مِنَ الليلِ (أي حوالي الساعة الرَّابِعة صَباحاً)، مَضَى إِلَيْهِم يَسوعُ ماشياً على البحرِ. فلمَّا أبصَرَهُ التَّلاميذُ ماشِياً على البَحرِ اضطربوا قائلينَ إنّهُ خيالٌ. ومِنَ الخوفِ صَرَخوا. (يقُولُ النَّصُّ باللُّغَةِ الأصليَّةِ أنَّ صَيَّادي السمك هؤُلاء إرتَعَدُوا خوفاً عندما رأوا يسُوعَ يمشي على الماءِ في وسطِ تلكَ العاصِفَة الرَّهيبة.) فللوَقْتِ كَلَّمَهُم يسوعُ قائلاً تَشَجَّعُوا. أنا هُوَ. لا تخافوا."

فأجابَهُ بُطْرُسُ وقالَ يا سَيِّدُ إِنْ كُنتَ أنتَ هو فَمُرْنِي أَنْ آتِي إِلَيكَ على الماءِ. فقالَ تعالْ. فنزلَ بطرسُ من السفينةِ ومشى على الماءِ ليأتيَ الى يسوعَ. ولكنْ لمّا رأى الريحَ شديدةً خافَ وإذِ ابْتَدَأَ يغرقُ صرخَ قائلاً يا ربُّ نَجِّني. ففي الحالِ مَدَّ يسوعُ يَدَهُ وأمسَكَ بِهِ وقالَ له يا قليلَ الإيمانِ لماذا شككتَ. ولمّا دخلا السفينةَ سكنتِ الريحُ".

ثمّة أوقاتٌ في خدمتِنا ومُهِمَّتِنا كمُرسَلِين، يدعونا فيها يسوع "للسير على المياه". فعندما يدعوكم الى السَّيرِ على الماء – أي إلى عملِ المُستَحيل- تأكّدوا أوَّلاً أنَّهُ الربّ، وثانِيَاً أنَّهُ هو الذي يدعوكم لتَسيرُوا على الماء. لأنّكم سوف تَبتَلِعُون الكثيرَ من المياه إن لم تتأكَّدُوا من تطبيقِ هذين الشَّرطَين.

لكن ثمّةَ أمرٌ ثالثٌ تعلَّمَهُ بطرس في ما يتعلّق بالسير على المياه. كان عليه أن يُثَبِّتَ نظَرَهُ على الربّ. نقرَأُ أنَّ هذا ما فعلَهُ بُطرُس عندما رأى الرِّيح. بالواقِع، بطرُس لم يَرَ الرِّيح، وهكذا هي الحالُ معنا، عندما نُحَوِّلُ أنظارَنا عن يَسُوع، فنُصبِحُ نرى أمُوراً ليسَت مَوجُودَةً هُناكَ. ونبدَأُ بإفتِراضِ المشاكِل والعقبات في الحياة. بُطرُس رأى الأمواج في البَحرِ الهائِج. وعندما صرخ للرَّبِّ ليُنَجِّيَهُ، للحال، مدّ يسوعُ يدَهُ وأمسكَ بِهِ، ومنحه لقباً. كانَ قد سبقَ ومنحَهُ سابِقاً لَقَبَ "بطرس". كانَ إسمُهُ سِمعان عندما إلتَقى بيسُوع، فدعاهُ يسُوعُ "بُطرُس." كانَ بطرُس مُتَقَلقِلاً عندما إلتَقى بيسُوع، ولكنَّ يسُوعَ دعاهُ "بُطرُس" ("صَخرَة") لِمُدَّةِ ثلاثِ سَنواتٍ، قبلَ أن يُصبِحَ صَخرَة. هُنا أعطاهُ لَقَباً آخَر: "يا قليلَ الإيمان". أعتَقِدُ أنَّ يسُوعَ كانَ لديهِ حسٌّ فُكاهِيٌّ قَوِيٌّ، وأنَّهُ كانَ يبتَسِمُ عندما أعطى لِبُطرُس هذه الألقاب.

عندما سألَ يسُوعُ بطرُسَ باليُونانِيَّة "لماذا شَكَكْتَ؟" كانت تعني هذه الكلمات حرفِيَّاً، "لماذا فكّرتَ مرّتينِ يا بطرس؟". التطبيقُ الشخصيُّ هُوَ أنَّكَ عندما تعلَمُ أنَّهُ الرَّبّ، وأنَّهُ يدعُوكَ لتَمشِيَ على الماء – أي لتَعمَلَ ما تَظنُّهُ أنتَ والآخرُونَ مُستَحيلاً، إيَّاكَ أن تفكّرَ مَرَّتين. بَل سِرْ على الماءِ معَ يسُوع. عندما أمسكَ يسُوعُ بيَدِ بطرُس وقالَ، "يا قَليلَ الإيمان. لماذا فكَّرتَ مرَّتَين." أعتَقِدُ أنَّهُ كانَ يبتَسِمُ  ويقصُدُ القَولَ لِبُطرُس، "لقد نجحتَ تقريباً، فلماذا فكَّرتَ مرَّتَين وتردَّدتَ؟"

كيف تَظُنُّونَ أنَّ يسُوعَ وبُطرُسَ رَجَعا الى السفينة؟ هل تظنّون أنّ يسوع حمل بطرس كالطفل، أو تعتقدون أنّ بطرس مشى على الماءِ مع يسوع حتّى بلغا السفينة؟ إنّه أمرٌ مثيرٌ للإهتمام. لكنّها قصّةٌ تتخطّى المعجزة العظيمة. أنا أوافق معَ آباءِ الكنيسَةِ القُدامى، عندما يعتَبِرُونَ هذه القصَّة عن العاصِفة بمثابة صورة مجازيّة عن المُرْسَلِين. فبالنسبَةِ لأولئكَ الآباء، هذه القصّة كانت صورةً مجازيّةً تُظهِرُ تحدِّياتِ الإيمان لأُولئكَ الذين "يمشُونَ على الماءِ" معَ يسُوع، خلالَ طاعَتِهِم للمَأمُوريَّةِ العُظمَى.

أحدُ قادَةِ الإرسالِيَّاتِ دعا مُعجِزَةَ إشباعِ يسُوع للخمسة آلاف عائِلة الجائعة بطريقَةٍ عجائِبيَّة، دعاها، "صُورَةً مجازِيَّةً عن الرؤيا الإرساليَّة التي وضعها يسوع للعالم". إنّ الجمع الجائع يمثّل العالم وكلّ حاجاته. فأخذ يسوع غداء الولد الصغير وكسره وباركه. ثمّ مرّره الى التلاميذ الذين بدورهم وزّعوه على الجمع. إذا شَملنا النِّساءَ والأطفالَ، نجدُ أن يسُوعَ أطعم عشرين ألف شخصٍ بواسطة غداءِ الصَّبي الصغير، الذي كانَ مُؤلَّفاً من خمسةِ أرغفةٍ صَغيرَةٍ وسمَكَتَي سَردين.

بعد إطعام الخمسةِ آلاف شخصٍ، ذهب يسوع الى الجبل وصلّى حتّى الساعة الرابعة فجراً. لكن من أجل ماذا صلّى؟ أظنّ أنّه صلّى من أجل العالم المُمَثَّلِ بالجُموع التي أشبَعَها لتَوِّهِ بمُعجِزَةٍ عظيمة. وأَعتَقِدُ أنّه صلّى أيضاً من أجل أولئكَ الإثني عشَر الذين كانوا يقاومون تلك العاصفة. أنا مُقتَنِعٌ بهذا، لأنّ استراتيجيَّتَهُ ورُؤيتَهُ الإرساليَّة كانت إعطاء كُلِّ شيءٍ يملكه لهذا العالم المُحتاج، من خلال تلاميذه الإثنَي عشَر.


مُلَخَّص

في الصُّورَةِ المجازِيَّةِ عن العاصِفة العظيمة، في خاتِمَةِ مَوعِظتِهِ على الجَبل، وفي هاتَينِ القِصَّتَين عن العاصِفة، أظنّ أنّ يسُوعَ يُعَلِّمُنا من خلال هاتينِ القصّتينِ ما يلي: "إسمعوا، إنّ الحياةَ مليئَةٌ بالعواصِف. وأنتم لا تريدون الحصولَ على مناعةٍ ضدِّ العواصفِ، لأنّكم إن حصلتم عليها فلن تنموا أبداً".

أظنّ أنّ الطريقة التي من خلالها يعلّمنا يسوع ويُبَرهِنُ لنا وصفتَهُ للمِحَنِ، هي كالآتي: عليكَ أن تُعَبِّرَ محنتَكَ من خلالِ نظامِ مُعتَقَدِكَ أو إيمانِك. بإمكانِنا القَول أنَّهُ يفترض بنا أن نُعَبِّرَ محَنَنا من خلالِ إيمانِنا، ومن خلالِ الصلاة، أو من خلالِ الكتابِ المُقدَّس بأكمَلِه. فكلُّ هذه التعابير عن الإيمان هي جزءٌ من نظامِ إيمانِنا أو مُعتَقَدِنا.

بينما نمشِي على الماءِ معَ يسُوع، حامِلينَ الإنجيلَ إلى العالم، يُطلَبُ منَّا أن نذهَبَ إلى عرشِ النِّعمة بِشجاعَةٍ، مُتوقِّعينَ بِثِقَة أن ننالَ رحمَةً على فَشَلِنا، ونِعمَةً لمُساعَدَتِنا في أوقاتِ حاجَتِنا (عبرانِيِّين 4: 16). إنَّ نَوالَنا النِّعمة التي نحتاجُها، يُساهِمُ بِوُضُوحٍ ودِينامِيكيَّةٍ بنُمُوِّنا الرُّوحِيّ. ولكن متى ننالُ النِّعمة التي تُنَمِّينا رُوحِيَّاً؟ عِندَما نختَبِرُ تلكَ العواصِف، ونُقيِّمُ تلكَ العواصِف من خلالِ النظَر عبرَ عدَسَةِ أنظِمَةِ إيمانِنا، عندها ننالُ نِعمَةَ اللهِ التي تُنَمِّينا رُوحيَّاً.

فالمَسيحُ الذي يحيا فينا، مُصَمِّمٌ بإصرارٍ على أن ننمُوَ أنا وأنتَ رُوحِيَّاً. لهذا يسمَحُ لا بَل أحياناً يُوجِّهُ العواصِفَ نحوَ حياتِنا. بإمكانِنا دائماً أن نعتَمِدَ على وصفَةِ يسُوع للمِحَنِ، لكَي نُشيرَ إلى الطريق التي تَمُرُّ من خلالِ عواصِفِ حياتِنا إلى النُّمُوّ الرُّوحِيّ الذي يُريدُنا اللهُ أن نَختَبِرَهُ، عندما يسمَحُ أو يَقُودُ رحلَةَ إيمانِنا عبرَ هذه العواصِف.

أضف تعليق


قرأت لك

ترنيمة شيلوه

أرنم، تقول كيف يمكن أن نرنم والكنيسة في مثل هذه الحالة، والقضاء وشيك الوقوع؟ وهذا ما حدث تماماً مع حنة عندما ترنمت ترنيمة شيلوه فقد كانت كطائر محلق يغني.