تفاسير

الفَصلُ الثَّانِي "وصفَةٌ لِلهُوِيَّة"

القسم: وصفات المسيح الجزء الثالث.

إنَّ اللهَ يُريدُنا أن نَكُونَ في مَكَانٍ مُعَيَّن، وأن نَكُونَ ذَوِي هُوِيَّةٍ مُعَيَّنة. وأَوَدُّ الآنَ أن أُرَكِّزَ على ثمانِيَةِ أسئِلَةٍ يَطرَحُها اللهُ علينا في الكتابِ المُقدَّس، التي تُرينا أينَ، ماذا، وخاصَّةً مَن يُريدُنا اللهُ أن نَكُونَ. وأنا أُسَمِّي هذه الأسئِلَة الثَّمانِيَة بالبُوصلة الرُّوحيَّة. فإن كُنَّا سنسمَحُ للهِ أن يطرَحَ علينا هذه الأسئِلَة الثَّمانِيَة، وإذا أجَبْنا عليها بِرُوحِ الصَّلاةِ، سوفَ نَجِدُ أنفُسَنا نُقيمُ حِواراً معَ اللهِ. وسوفَ يَصِحُّ هذا خاصَّةً على المراحِلِ الإنتِقالِيَّة التي يتوجَّبُ علينا إجتِيازُها في حياتِنا وخِدمَتِنا.

أوَّلُ أربَعَةِ أسئِلَةٍ من هذه الأسئِلَة الثَّمانِيَة، هي الكَلِماتُ الأُولى التي خاطَبَ بِها اللهُ الإنسانَ السَّاقِطَ: "وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِيَاً فِي الجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ. فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسْطِ شَجَرِ الجَنَّةِ. فَنَادَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ أَيْنَ أَنْتَ. فَقَالَ سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الجَنَّةِ فَخَشِيْتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ. فَقَالَ مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ. هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ التي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لا تَأْكُلَ مِنْها. فَقَالَ آدَمُ المَرْأَةُ التي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ. فَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ للمَرْأَةِ مَا هَذَا الذِي فَعَلْتِ". (تَكوِين 3: 8- 13).

ألَيسَ منَ الغَريبِ أنَّ الخالِقَ يطرَحُ أسئِلَةً على خليقَتِهِ؟ بالطَّبعِ، الخالِقُ يعرِفُ الأجوِبَةَ على الأسئِلَةِ التي طرحَها. فاللهُ يعرِفُ أينَ هُوَ الإنسانُ. ولكنَّ المُشكِلَة هي أنَّ الإنسانَ لا يعرِفُ أينَ هُوَ. وأوَّلُ ما يحتاجُ الإنسانُ السَّاقطُ أن يعرِفَهُ، هُوَ أنَّهُ ساقِطٌ. وما أبرَزنَاهُ هُنا، هُوَ حِوارٌ بينَ اللهِ والإنسان، حيثُ يطرَحُ اللهُ أسئِلَةً على الإنسان، لأنَّ الإنسانَ بحاجَةٍ أن يُفَكِّرَ بمكانِ وُجُودِهِ، إلى أن يُدرِكَ أنَّهُ ساقِطٌ وليسَ مَوجُوداً حيثُ يُفتَرَضُ بهِ أن يكُون.

كَكُلِّ شَيءٍ آخر في سِفرِ التَّكوِين، لا تَصِفُ هذه الأسئِلَةُ هذا الحوارَ بينَ اللهِ والإنسانِ كما كانَ عليهِ في الماضِي فَحَسب، بل وأيضاً كما هُوَ عليهِ الآن. هل سبقَ وإختَلَجَكَ الشُّعُور بأنَّ اللهَ يُريدُكَ أن تَكُونَ في مكانٍ ما، ولم تَجِدْ نفسَكَ مَوجُوداً فيهِ؟ وهل سبقَ وأزعجتْكَ فكرَةُ عدم كَونِكَ الشَّخص الذي يُريدُكَ اللهُ أن تَكُونَهُ؟ بإمكانِكَ أن تُسمِّيَ هذه المشاعر بأزَمَةِ الهُوِيَّة. بِحَسَبِ مُوسَى، ما يُسمَّى بأزَمَةِ هُوِيَّتِكَ، قد يُشَكِّلُ بالنِّسبَةِ لكَ صَوتَ اللهِ، ماشِياً في جَنَّةِ حياتِكَ، مُتَحَدِّياً إيَّاكَ بهذه الكَلِماتِ الأُولى التي وجَّهَها اللهُ للإنسانِ السَّاقِط. "أينَ أنتَ؟"

إنَّ القَصدَ منَ السُّؤالِ الأَوَّلِ هُوَ أنَّ اللهَ يُريدُ أن يكُونَ الإنسانُ حَيثُ يُريدُهُ اللهُ أن يَكُون. والقَصدُ مِن سُؤالِهِ الثَّانِي، "من أخبَرَكَ؟" هُوَ أنَّهُ يُريدُ أن يُدرِكَ الإنسانُ أنَّ إلهَهُ يُحاوِلُ أن يُقيمَ حِواراً معَهُ. فاللهُ يُريدُ أن يعتَرِفَ الإنسانُ بالذي يُصغِي لهُ، وبالتَّحديد من أينَ يأتِي بتوجِيهاتِهِ. هذا السُّؤالُ الثَّاني يُوَجِّهُ آدَمَ وزوجَتَهُ رُجُوعاً إلى حيثُ أكَلا من الشَّجَرَةِ الخَطأ، وكيفَ أنَّهُما عَرَفا مُباشَرَةً أنَّهُما كانا عُريَانَين (7).

قبلَ أن يبدَأَ اللهُ هذا الحِوار بهذه الأسئِلة، كانَ يتواصَلُ معَ آدَم وحَوَّاء. والقَصدُ منَ السُّؤالِ الثَّاني كانَ أن يجعَلَهُما ينتَبِهانِ لِتلكَ المُعجِزَة. فهُما لم يكُونا مُدرِكَينِ لكَونِ اللهِ يجعَلُهُما يعلَمانِ ما يُريدُهُما أن يعلَما. فهل منَ المُمكِنِ أن لا تَكُونَ عالِماً بمُعجِزَةِ اللهِ بأن يجعَلَكَ تعلَمُ ما يُريدُكَ أن تَعلَمَهُ؟

تفسيري الخاصّ للسُّؤالِ الثَّالِث هُوَ: "هل كُنتَ تأكُلُ من الأشجارِ الخطأ، أي التي قُلتُ لكَ أن لا تأكُلَ منها؟" ويُمكِنُ تفسيرُ هذا السُّؤال أيضاً بالقَول، "هل كُنتَ تبحَثُ عنِ الأجوِبَة في المَكانِ الخَطَأ؟" لقد وضعَ اللهُ شجراتِ جنَّةِ عدن لتُلَبِّيَ حاجاتِ الإنسانَينِ الأوَّلَين. وإذا تفحَّصتَ الإطار الذي جرى فيهِ هذا الحِوار، ترى أنَّ حاجاتِ الإنسان والمرأة كانت ستُلَبَّى بواسِطَةِ شجراتِ الجَنَّة، بترتيبٍ دقيقٍ للأولَوِيَّات (تك 2: 8، 9).

كانَ ينبَغي أن تُلَبِّيَ أشجارُ الجَنَّةِ إحتِياجاتِ العَين، والحاجة للغِذاءِ والحاجَة لِلحَياةِ نفسِها. فشَجَرَةُ المَعرِفَة أُعلِنَت من قِبَلِ اللهِ على أنَّها خَطٌّ أحمَر، أي أنَّها ممنُوعَةٌ. في الإصحاحِ الثَّالِث، عندما أخطأَ آدمُ وحَوَّاءُ، إنتَهَكا هذه الأولويَّة المَوصُوفَة من قِبَلِ الله. فالإنسانُ والمرأَةُ الأَوَّلَين كانا يَضَعانِ إحتِياجاتِهِما الجَسَديَّة، أو الحاجة للغذاءِ أوَّلاً، وجعلا من حاجَةِ العَين أولويَّتَهُما الثَّانِيَة. وأمَّا حاجَتُهُما للحَياةِ فلم تُلَبَّ أبداً. فبدلاً منَ الحياةِ التي أرادَ اللهُ أن يختَبِرَها كُلٌّ من آدم وحَوَّاء، إختَبَرا الموتَ والطَّردَ من أمامِ اللهِ، ومن جَنَّتِهِ.

لم يَكُونا مُذنِبَينِ فقَط بِوضعِ أولويَّاتِهِما مكان أولَوِيَّاتِ اللهِ، بل أيضاً عصيا أمرَ اللهِ وأكلا من شجرَةِ المعرِفَة. لقد كانَ الدَّافِعُ لدى آدَم وحَوَّاء هُوَ فِكرَةُ أنَّهُما إذا أكلا من شجَرَةِ المعرِفَة، سيُصبِحانِ حَكيمَينِ مثلَ الله. والتطبيقُ المجازِيُّ على عالَمِنا اليوم، هُوَ التَّشديدُ المُفرِط على المعرِفَة، وإعطاءُ إهتِمامٍ ضَئيلٍ فقط للحاجَةِ إلى إعلانٍ منَ الله.

كُلُّ هذا هُوَ مجازٌ. فهل سبقَ ورأَيتَ شجرَةَ معرِفَةٍ أو شَجَرَةَ حياة؟ وحقيقَةُ أشجارِ الجنَّةِ هي إيضاحٌ لعِظَةٍ عَظيمَةٍ ألقاها مُوسى. فلقد بدأَ يسُوعُ خِدمَتَهُ العَلَنِيَّة بإقتِباسٍ من عظَةِ مُوسى هذه: "...لِكَي يُعْلِمَكَ أنَّهُ لَيسَ بالخُبزِ وحدَهُ يحيا الإنسان، بَلْ بِكُلِّ ما يخرُجُ منَ فَمِ الرَّبِّ يحيا الإنسان." (تثنِيَة 8: 3؛ متَّى 4: 4) فالحَقيقَةُ العميقَةُ التي رَكَّزَ عليها مُوسَى ويسُوع، مُصَوَّرَةٌ مجازِيَّاً في هذه الأشجارِ الثَّلاث في جنَّةِ عدَن.

في الكِتابِ المُقدَّس، تُشيرُ العَينُ إلى الذِّهنِيَّة، أو إلى الطَّريقَة التي بها نرى ونفهَمُ الأُمُور. علَّمَ يسُوعُ قائِلاً: "سِراجُ الجَسد هُوَ العَين. فإن كانت عينُكَ بَسيطَةً، فجَسَدُكَ كُلُّهُ يكُونُ نَيِّراً. وإن كانَت عينُكَ شِرِّيرَةً فجَسَدُكَ كُلُّهُ يكُونُ مُظلِماً. فإن كانَ النُّورُ الذي فيكَ ظلاماً، فالظَّلامُ كم يكُون." (متَّى 6: 22، 23). كانَ يسُوعُ يُعَلِّمُ بِوُضُوحٍ أنَّ حياتَنا يُمكِنُ أن تَكُونَ مملوءَةً بالسَّعادَة، أو بالكَآبَةِ والحُزن. والفَرقُ بينَ هذينِ النَّقِيضَين، هُوَ الطريقة التي بها ننظُرُ إلى الأُمُور، أي الذِّهنِيَّة، أو نظرَتِنا للحَياة.

يتمَُّ تَعليمُ هذه الحقيقَة نفسَها بطريقَةٍ مجازِيَّة في جَنَّةِ عدن، عندما نُخبَرُ أنَّ هذه الشجّرات ينبَغي أن تُوفِّرَ لنا إحتياجاتِنا. فجوهَرُ الحقيقَةِ التي يُشارِكُنا بها اللهُ هي: إذا إقتَرَبنا من كَلِمَةِ اللهِ وطَلَبنا منَه أن يُلَبِّيَ إحتياجاتِ عيُونِنا، أو أن يُظهِرَ لنا من خلالِ كلمتِهِ كيفَ ينبَغي علينا أن نرى الاُمُور، سوفَ  تُلَبَّى جميعُ إحتِياجاتِنا. وستَكُونُ لنا حياةٌ بينما يُلَبِّي اللهُ حاجَتَنا القُصوى، التي هي حاجَتُنا ليُريَنا اللهُ كيفَ يُريدُنا أن نَرى كُلَّ شَيء.

إنَّ المَغزى المَجازِيّ من شجرَةِ المعرفة التي أكلَ منها آدم وحوَّاء – والتي قالَ لهُما اللهُ أن لا يأكُلا منها – تُصَوِّرُ لنا الفَلسَفَةَ الإنسانِيَّةَ التي تَقُولُ، "أنا لا أحتاجُ لإعلانٍ منَ الله. لأنَّهُ لديَّ عقلٌ يُفَكِّرُ، وهذا كُلُّ ما أحتاجُهُ.

في بِدايَةِ الكتابِ المُقدَّس، يُخبِرُنا اللهُ، أنا وأنتَ، أنَّ خالِقَنا عالِمٌ بكُلِّ حاجَةٍ من حاجاتِنا، لأنَّهُ هُوَ الذي خلقَ فينا كُلَّ هذه الحاجات. فهُوَ يعرِفُ – وهُوَ يُريدُنا أن نعرِفَ – أنَّ حاجَتَنا الكُبرى هي حاجَةُ العَين. فنحنُ نحتاجُ أن نطلُبَ منَ اللهِ أن يمنَحَنا إعلاناً من خلالِ كلمتِهِ، الذي يُرينا كيفَ يُريدُنا أبُونا السَّماوِيّ أن نتعرَّفَ على حاجاتِنا وأن نُلَبِّيَها.

فكما كانَ الأمرُ عليهِ من زَمان، هكذا هُوَ عليهِ الآن. فهل نُفَسِّرُ حاجاتِنا على ضَوءِ كلمةِ اللهِ، أم أنَّنا نُفَسِّرُ كلِمَةَ اللهِ على ضَوءِ حاجاتِنا؟ فما هُوَ الذي فعلَهُ الزَّوجانِ الفاشِلانِ في جنَّةِ عَدَن؟ هل أكَلا تُفَّاحَةً؟ هل مارَسا الجِنس؟ إنَّ قِراءَةً حكيمَةً لهذا الإصحاح من سفرِ التَّكوين، معَ طلَبِ مُساعَدَةِ تعليمِ الرُّوحِ القُدُس، سوفَ يُعلِنُ هذا حقيقَةً أعمَق جِدَّاً من تلكَ النَّظراتِ الخاطِئة التي عرضَناها أعلاه.

فاللهُ يَقُولُ لنا – كما كانَ الأمرُ عليهِ من زَمان، هكذا سيكُونُ عليهِ الآن – أي أنَّ آدم وحوَّاء فَسَّرا كلمةَ اللهِ على ضَوءِ إحتِياجاتِهما. ولقد وضعا إحتياجَاتِهما أوَّلاً، وإعلان اللهِ ثانِياً. بِكَلِماتٍ أُخرى، لقد قاما بِما رَغِبا بهِ، ومن ثَمَّ طَلَبا منَ اللهِ أن يُرِيَهُما أفكاراً عن كيفَ ينبَغي أن تُلَبَّى إحتياجاتُهُما.

لقد كانا يُشبِهانِ مُؤمناً إعتِيادِيَّاً يستَمِعُ حالِيَّاً إلى كلمةِ اللهِ في كنائِسنا. وطِوالَ الأُسبُوع، يعمَلُ هذا المُؤمنُ ما يُريدُهُ، ويُقَرِّرُ كيفَ ينبَغي أن تُلَبَّى إحتياجاتُهُ. ثُمَّ يأتي إلى الكنيسة ليسَمعَ ما تَقُولُهُ كلمَةُ اللهِ حولَ كيفَ ينبَغي أن تُلَبَّى إحيتاجاتُهُ. ولكن كانَ ينبَغي أن يكُونَ الأمرُ عكسَ ذلكَ تماماً. فعلينا أن نأتِيَ أوَّلاً إلى الله، ونطلُبَ منهُ أن يُريَنا كيفَ ينبَغي أن تُلَبَّى إحتياجاتُنا، وأن نَكُونَ مُستَعدِّينَ للطَّاعَة.

السُّؤالُ الرَّابِعُ "ماذا فَعَلْتَ؟" وضعَ أمامَ الإنسانَينِ الأوَّلَينِ تحَدِّياً بأن ينظُرا إلى الوَراء وأن يُفَكِّراً بأَعمالِهِما. القَصدُ من هذا السُّؤال الرَّابِع كانَ إنتِزاعَ إعتِرافٍ منهما.

تعني كلمة إعتِراف بحَسَبِ الأصلِ اليُونانِيّ كَلِمَتين: "التَّكلُّمُ بالمِثل." أن تعتَرِفَ يعني أن "تقُولَ المِثلَ،" أو أن "تُوافِقَ معَ الله." فكونُهُ أبانا السَّماوِيّ الكامِل، اللهُ يعرِفُ ماذا فَعَلنا، ولكنَّ اللهَ يُريدُ أن يسمَعَنا نَقُولُ مثلَهُ حيالَ ما فعَلناهُ. هل عمِلتَ ذلكَ معَ أولادِكَ؟

أنا أجِدُ السُّؤالَ الخامِس العَظيم الذي طرحَهُ اللهُ لاحِقاً في سفرِ التَّكوين. فلقد سألَ جارِيَةً مِصرِيَّةً إسمُها هاجَر، "مِنْ أينَ أتَيتِ وإلَى أينَ تَذهَبِين؟" (تَكوِين 16: 8) وهذا سُؤالٌ حاسِمٌ عنِ الإتِّجاه. فاللهُ يُحِبُّ أن يسأَلَنا هذا السُّؤال خِلالَ الأيَّامِ الأخيرَةِ والسَّاعاتِ الأخيرَةِ من حياتِنا، عندما نَكُونُ في حالَةٍ إنتِقالِيَّة أو نعتَقِدُ أنَّنا كذلِكَ. هذا السُّؤالُ الخامِسُ يتحدَّانا أن ننظُرَ إلى الخَلف وأن نربِطَ بَينَ ماضِينا وحاضِرِنا ومُستَقبَلِنا. تبدَأُ الأخبارُ السَّارَّةُ بالإنتِشار عندما يطرحُ اللهُ علينا هذا السُّؤالَ الخامِسَ. فالإنجيلُ (أو الأخبارُ السَّارَّةُ) للكِتابِ المُقدَّسِ بكامِلِهِ، هُوَ أنَّنا لا نحتاجُ أن نرجِعَ إلى المكانِ الذي أتَينا منهُ. يعتَقدُ الملايينُ اليوم أنَّ حاضِرَنا وماضِيَنا مُتَنَبَّأٌ عنهُما بماضِينا. إنَّ "التَّحليلَ العاجِزَ" يُعلِنُ الأخبارَ السَّيِّئة أنَّنا سوفَ نرجِعُ دائماً إلى المكانِ الذي جِئنا منهُ.

رُغمَ أنَّ السُّؤالَ الخامِسَ يُشيرُ عَرَضَاً إلى الأخبارِ السَّارَّة، ولكنَّهُ يُقدِّمُ أيضاً حقيقَةً مُرَوِّعَة. فإن لم يَكُنْ لدَينا حدَثٌ مُغَيِّرٌ لِحياتِنا، عندَها فإنَّ مُستَقبَلَنا سوفَ يتقرَّرُ على أساسِ ماضِينا. يُعَلِّمُ الكِتابُ المُقدَّسُ أنَّ النَّاسَ لا يُغَيِّرُونَ أنفُسَهم، ولا يَستَطيعُونَ حتَّى أن يُغَيِّرُوا أنفُسَهم إذا أرادُوا. يسخَرُ إرميا من مُحاوَلاتِنا لتَغييرِ أنفُسِنا: "هل يُغَيِّرُ الكُوشِيُّ جِلدَهُ أوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ. فأنتُم أيضاً تقدِرُونَ أن تَصنَعُوا خَيراً أيُّها المُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ." 13: 23،كما يُعَبِّرُ الفلاسِفَةُ اليُونانُ عن هذه الحقيقة، "كَما الآن، كذلكَ لاحِقاً."

إنَّ إنجيلَ الكتابِ المُقدَّس، على أيَّةِ حال، هُوَ مُتَفائِلٌ وإيجابِيٌّ عندما يُعلِنُ هذه الحقيقة المَجيدَة: نستطيعُ أن نأتِيَ إلى اللهِ بالإيمان، ونستطيعُ أن نتغيَّرَ! (2كُورنثُوس 5: 17؛ 3: 18؛ رومية 12: 2).

أنا أجِدُ السُّؤالَ السَّادِسَ العظيم الذي طرَحَهُ اللهُ، أجِدُهُ لاحِقاً في سفرِ التَّكوين، حيثُ سألَ اللهُ شَقيقين، "من أنتُما؟" (تَكوين 27: 18، 19، 32- 34). هذا السُّؤالُ يُشيرُ إلى السُّؤالِ السَّابِق، بطرحِ السُّؤالِ والإجابَةِ عليهِ،"تَغَيُّرٌ إلى ماذا؟" هذا السُّؤالُ يتضمَّنُ أنَّهُ يتوجَّبُ علينا أن نَكُونَ أحداً ما. تماماً كما تضمَّنَ السُّؤالُ الأوَّلُ أنَّهُ يتوجَّبُ عَلينا أن نَكُونَ في مكانٍ ما، وقد لا نَكُونُ في ذلكَ المكان، يتضمَّنُ السُّؤالُ السَّادِسُ أنَّهُ ينبَغي علينا أن نكُونَ أحداً ما، ولَرُبَّما نحنُ لسنا من ينبَغي أن نَكُون.

عندَما سُئِلَ عِيسُو، "مَن أنتَ؟" إنتَحَبَ وبَكَى، لأنَّهُ كانَ قد باعَ بُكُورِيَّتَهُ أو هُوِيَّتَهُ لأجلِ طَبَقٍ منَ الحِساء. وعندما طُرِحَ هذا السُّؤالُ نفسُهُ على يُوحَنَّا المعمدان، أجابَ ذلكَ النَّبِيُّ العَظيمُ بِأجوِبَةٍ صَحيحَة (يُوحنَّا 1: 19- 23). لقد عرفَ من هُوَ، وكذلكَ عرفَ أيضاً من ليسَ هُوَ. ولم يسمَحْ لضغطِ المُجتَمَعِ أن يُملِي عليهِ أو أو يُقحِمَهُ ليَدَّعِيَ أو يُحاوِلَ أن يَكُونَ من لم يَقصِدْ لهُ الرَّبُّ أن يَكُونَهُ.

الجَوابُ الصَّحيحُ أو غِيابُ الجَوابِ الصَّحيحِ على السُّؤالِ السَّادِسِ، لَرُبَّما هُوَ السَّبَبُ الرَّئيسيُّ للكآبَةِ أو عدَمِ سعادَةِ الفَرد في العالَمِ اليوم. وكَوني قِسِّيساً لأكثَر من نصفِ قرن، أستَطيعُ القَولَ أنَّ هذه الحالَة تنطَبِقُ أيضاً على المُؤمنِين.

فإن كُنتَ تُعانِي من كآبَةٍ شَخصِيَّةٍ كمُؤمِنٍ وكتابِعٍ ليسُوع المسيح، فإنَّ إلهَكَ المُحِبِّ يَوَدُّ أن يَحُثَّكَ وأن يَحُضَّكَ بهذا السُّؤالِ السَّادِسِ حتَّى تُدرِكَ أنَّ اللهَ خلقَكَ، وأعادَ خلقَكَ رُوحيَّاً، لكَي تَكَونَ ذلكَ الشَّخص الذي يُريدُكَ أن تَكُونَهُ. فاللهُ يُريدُ أن يُحَرِّكَكَ ويجعَلَكَ تُفَكِّرُ، إلى أن يستَخدِمَ هذا السُّؤالَ السَّادِس ليجعَلَكَ تعرِفُ أنَّكَ لن تَكُونَ أبداً سَعيداً، إلى أن تَقُولَ، بِنِعمَةِ اللهِ، أنَّكَ أصبحتَ ذلكَ الشَّخص الذي خلقَكَ اللهُ وأعادَ خلقَكَ ثانِيَةً لِتَكُونَهُ. (مزمُور 139: 16- 24؛ رُومية 12: 1، 2).

أجِدُ أنَّ السُّؤالَ السَّابِعَ "ما أنتَ؟" مُتَضَمَّنٌ في تصريحاتٍ قدَّمَها أشخاصٌ مثل الرَّسُول بُولُس، عندَم أخبَرَنا قائِلاً، "بِنِعمَةِ اللهِ أنا ما أنا." (1كُورنثُوس 15: 10). وهو يَشكُرُ اللهَ أنَّهُ لم ينَلِ النِّعمَةَ ليَكُونَ ما هُوَ عبثاً، ويَحُثُّنا لنرى أنَّنا لم نقبَلْ نعمَةَ اللهِ باطِلاً.

وما نحنُ عليهِ مُتَضمَّنٌ في نماذِجِ سِيَرِ حياةِ أشخاصٍ مثل مُوسَى، الذين دعاهُمُ اللهُ وأهَّلَهُم ليَكُونُوا مُنقِذِينَ، مُلوكاً، أنبِياءَ، كهنَةً، أو أيَّ نَوعٍ آخر منَ القَادَة في عملِ اللهِ. وعلينا أن نربِطَ هذا السُّؤال وأجوِبَتَهُ معَ تعليمِ بُولُس الذي يَقُولُ أنَّنا خَلُصنا "لأعمالٍ صالِحَةٍ قد سبقَ اللهُ فأعدَّها لِكَي نسلُكَ فيها." (أفسُس 2: 10)

هذا السُّؤالُ السَّابِعُ يتعلَّقُ بمواهِبِنا الرُّوحيَّة والطَّبِيعيَّة، وبِخِدمَتِنا للرَّبِّ كسِراجٍ أقامَهُ اللهُ في هذا العالم لنُنِيرَ من خلالِهِ. يتعلَّقُ هذا السُّؤالُ بما نعمَلُهُ طِوالَ النَّهار. وبما أنَّنا كائِناتٍ بَشَريَّةً ولسنا مَصنُوعاتٍ بَشَريَّة، فمَنْ نحنُ هُوَ أكثَرُ أهمِّيَّةً من ماذا نحنُ وما نعمَلُهُ طِوالَ النَّهار. فالذي نعمَلُهُ مُرتَبِطٌ مُباشَرَةً بما نحنُ.

السُّؤالُ الثَّامِنُ والأخيرُ هُوَ "ماذا تُريدُ؟" هذه هي كَلِماتُ يسُوعُ الأُولى التي دُوِّنَت في إنجيلِ يُوحنَّا، عندما كانَ يُجَنِّدُ تلاميذَ كلَّفَهُم لاحِقاً ليَكُونُوا رُسُلَهُ (يُوحنَّا 1: 38).

عندما نسمَحُ للهِ أن يُسَلِّطَ كُلَّ هذه الأسئِلَة على خفايانا الرُّوحيَّة، إلى أن تُظهِرَ لنا هذه الأسئِلة من، ماذا، وأينَ يُريدُنا اللهُ أن نَكُون، يُصبِحُ السُّؤالُ الصَّعبُ عندها: "ماذا نُريدُ؟ وكم نُريدُ هذا الشَّيء؟"

لقد خلقَكَ اللهُ لتَكُونَ خليقَةً ذاتِ خَيار. وهُوَ يعرِفُ أينَ أنتَ، ومن أنتَ، وماذا أنتَ. واللهُ يعرِفُ أيضاً من، وماذا، وأينَ يُريدُكَ أن تَكُونَهُ. وبما أنَّهُ يُحِبُّكَ، فهُوَ يُريدُكَ من كُلِّ قَلبِهِ أن تَكُونَ لديكَ الأجوبَة على هذه الأسئِلة.

فاللهُ يُكرِمُ كَونَنا خلائِقَ ذاتَ خيار، وبمعنىً ما، لن يجعَلَنا أبداً نُعطيهِ الأجوِبَةَ الصَّحيحَةَ على هذه الأسئِلة! فإذا تكلَّمنا مجازِيَّاً، قد يُعاملُنا اللهُ كما عامَلَ يُونان، وقد يُرسِلُ عواصِفَ إلى حياتِنا، أو حتَّى قد يُدخِلُنا إلى بَطنِ حُوتٍ أو سَمَكَةٍ كَبيرَةٍ، إلى أن نُعطِيَهُ الأجوِبَةَ الصَّحيحَةَ على هذه الأسئِلة. وقد يضغَطُ علينا بِشدَّةٍ إلى أن يُصبِحَ الشيءُ الوَحيدُ المَعقُول الذي ينبَغي علينا أن نعمَلَهُ هُوَ أن نُعطِيَهُ الأجوِبَةَ الصَّحيحَةَ على هذه الأسئِلَة. وقد يتدخَّلُ في حَياتِنا كما تدَخَّلَ في حياةِ الرَّسُول بُولُس على طريقِ دِمَشق. لأنَّهُ يُحِبُّنا، وقد يُقدِّمُ لنا حَلاً لا نَستَطيعُ رَفضَهُ، ولكن كما كانتِ الحالُ معَ يُونان وبُولُس الرَّسُول، علينا أن نختارَ أن نجعلَ إرادَتَنا تنسَجِمُ معَ إرادَةِ اللهِ، وأن نَكُونَ من يُريدُنا اللهُ أن نَكُونَهُ، وأن نعمَلَ ما يُريدُنا اللهُ أن نعمَلَهُ.

عندما خلقنا اللهُ كمخلُوقاتٍ ذاتِ خيار، خلقَنا على صُورَتِهِ ومِثالِهِ. إن خلائِقَ اللهِ العَظيمة كالشَّمس والقَمر والنُّجُوم، ليسَ لدَيها خياراتٌ لِتَتَّخِذَها (مزمُور 8؛ 19). وكذلكَ مخلُوقاتُ اللهِ الصَّغيرة جداً ليسَ لديها خياراتٌ كذلكَ. والنَّحلُ الذي يكُونُ في القَفير وكافَّةُ أشكالِ الحياة التي نراها بواسِطَةِ المِجهَر، جميعُها لا تتَّخِذُ خياراتٍ.

عندما نُلاحِظُ خليقَةَ اللهِ من خلالِ تِيليسكُوب أو ميكرُوسكوب، نُلاحِظُ نظاماً عجيباً، لأنَّ إرادَةَ اللهِ فُرِضَت على هذه الخلائِقِ الإلهيَّة. ولكنَّ الإنسانَ هُوَ المخلُوقُ الوَحيدُ الذي خلقَهُ اللهُ ليَكُونَ لديهِ أهلِيَّةٌ لإتِّخاذِ الخَياراتِ. وأهلِيَّتُنا على الإختِيار هِي خُطَّةُ اللهِ لنا. لِهذا، لن ينتَهِكَ اللهُ بتاتاً حُرِّيَّتَنا بالإختِيار.

في نِهايَةِ العَهدِ الجَديد، نرى المَسيحَ المُقام واقِفاً وقارِعاً بِصبرٍ على بابِ حياتِنا (رُؤيا 3: 19، 20). هذا القَرْعُ يُشيرُ إلى محبَّةِ المُخَلِّصِ الذي يُحاوِلُ أن يُؤَدِّبَنا بِمَحَبَّةٍ لِنَفتَحَ بابِ حياتِنا لهُ، لكي تَكُونَ لهُ شَرِكَةٌ معنا. والمسيحُ لن ينتَزِعَ القِفلَ عن هذا الباب، ولن يكسِرَ هذا البابَ أبداً.

عندما رسمَ فنَّانٌ شخصَ المسيحِ الواقِفِ على البابِ وهُوَ يقرَعُ، لم يضَعْ مسكَةً للبابِ منَ الخارِج، قاصِداً بِذلكَ أنَّ البابَ ينبَغي أن يُفتَحَ منَ الدَّاخِل. وكَونُنا مخلُوقاتٍ ذاتِ خَيارٍ يجعَلُ هذا السُّؤالَ الأخيرَ "ماذا تُريدُ؟" سُؤالً عميقاً لِلغَايَة.

بعدَ أنِ إستَخدَمتُ هذه الأسئِلة كبُوصُلَةٍ رُوحِيَّةٍ شَخصِيَّةٍ لأَكثَرِ من خَمسَةِ عُقُودٍ، شارَكتُها معَكُم هُنا، راجِياً أن تُصبِحَ هذه بُوصُلَةً رُوحِيَّةً لكُم أيضاً. ولقدِ إكتَشَفتُ أنَّهُ رُغمَ عدَمِ تَغَيُّرِ هذه الأسئِلة، فإنًَّ الأجوِبَةَ تتغيَّرُ دراماتِيكيَّاً عبرَ الأجيال. وعندما تقبَلُونَ أن يستَخدِمَ اللهُ هذه الأسئِلة ليجعَلَكُم تَعرفُونَ من، ماذا، وأينَ يُريدُكُم اللهُ أن تَكُونُوا، تَذَكَّرُوا أن تَسمَحُوا لخالِقِكُم المُحِبِّ أن يسأَلَكُم ذلكَ السُّؤالَ الثَّانِي مرَّةً إضافِيَّة: "من أخبَرَكُم؟ ومن تَظُنُّونَ يجعَلُكُم تَعرِفُونَ هذه الأشياء؟"

أضف تعليق


قرأت لك

رسالة من المسيح

تضاربت الرسائل من كثرتها في وسط المجتعات عبر كل العصور، فمنهم من كتب عن الحزن والألم ومنهم من كتب عن الغزل والفرح وهناك رسائل حاولت أن تكتب عن نفس الإنسان الداخلي وكانت مليئة بالضبابية وبعدم الوضوح، وبين كل هذه التباينات كانت رسالة السماء التي دونت في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد تعبر عن تنفس الله المباشر في قلوب الجميع لكي ينقذهم من خطاياهم فكانت هذه الرسالة:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة