الفَصلُ الخامِس "وَصفَةٌ للصَّلاة"

القسم: وصفات المسيح الجزء الثالث.

أنتثمّة الكثير من الوصفات من أجل الصلاة في الكتاب المقدّس. وأعظم صلاةٍ هي الصلاة الرَّبَّانِيَّة، أو صلاة التَّلاميذ التي علَّمَها الرَّبُّ يسُوع. إنّها أعمَقُ وصفةٍ لِلصلاة مُنِحَت للعالم، لكنّها ليست الوصفة الوحيدة الواردة في الكتاب المقدّس. فَمِن بَينِ عِدَّةِ أمثِلَةٍ وتعاليم عنِ الصَّلاة، تُوجَدٌ وصفَةٌ أُخرى للصَّلاةِ أوَدُّ أن أُشارِكَها معَكُم. عندما قَسَت عليَّ ظُرُوفُ الحياةِ، إكتَشَفتُ هذه الوصفة للصَّلاة. هذه الوَصفَة تحتَوي على إستِعارَةٍ تُعَبِّرُ بِطَريقَةٍ مجازِيَّة عن الوَصفة.


عَرشُ النِّعمة

تُصَوِّرُ لنا إستِعارَةُ الصَّلاةِ هذهِ وتُعَلِّمُنا أنَّ الصلاة تشبه الإقتِراب من عرشٍ. ويُسمَّى هذا العَرشُ "بِعَرشِ النِّعمة." نقرَأُ في كَلِمَةِ اللهِ، "فلنَتَقدَّمْ بِثِقَةٍ إلى عَرشِ النِّعمة، لِكَي ننالَ رَحمةً ونَجِدَ نِعمَةً، عَوناً في حِينِهِ." (عبرانِيِّين 4: 16).

ومن هذا العرش يُوزِّعُ اللهُ مجَّاناً النعمة والرحمة، لِسَدِّ إحتِياجاتِهِم وحَلِّ مشاكِلِهم. لذا، عندما تأتون الى عرش النعمة هذا، عليكم أن تتوقّعوا أنّكم ستتلقَّون النعمة لتساعدكم في حاجَتِكُم والرحمة لتساعدكم في فشلِكم. فالرَّحمَةُ هي صِفة الله التي تجعَلُهُ يحجِبُ عنَّا ما نَستَحِقُّهُ. والنِّعمَةُ هي صِفَةُ اللهِ التي تجعَلُهُ يُغدِقُ علينا كُلَّ تلكَ البَركاتِ التي لا نَستَحِقُّها، والتي لا يُمكِنُنا إكتِسابُها أو تحقيقُها بجُهدِنا الذَّاتِي.

فعندما تأتون الى اللهِ في الصلاة، هل تطلبون الحصول على هاتَينِ العَطِيَّتَين الرَّائِعتَين منَ الله - "الرحمة والنعمة"؟ وردت كلمة الرحمة في الكتاب المقدّس ثلاثمئة وستّةٌ وستّين مرّةً. ممّا يعني مرّةً لكلّ يومٍ من السنة حتّى في السنوات الكبيس.

أظنّ أنّ اللهَ يقول لنا من خلالِ وُرُودِ هذه الكلمة كُلَّ هذه المرَّاتِ العَديدة في الكتابِ المُقدَّس: "لا يمرّ يومٌ واحدٌ لا تحتاجون فيه الى رحمتِي". فكَم تَشكُرُونَ اللهَ على رحمته، وعلى حَجبِهِ عنكُم ما تَستَحِقُّونَهُ؟ كانَ مُرشِدي الرُّوحِيّ في دَرسِ كَلِمَةِ الله، الدُّكتُور J. Vernon McGee، في الحادِيَةِ والثَّمانِين من عُمرِهِ عندَما سَمِعتُهُ يَعِظُ لآخِرِ مَرَّةٍ. أذكُرُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ، "لقد بَلَغتُ الحادِيَةَ والثَّمانِين من عُمري، ولم أشعُرْ بمقدارِ ما أشعُرُ بهِ اليوم بأنَّني مُحتاجٌ لرحمَةِ الله."

إنَّ الأبطالَ الرُّوحِيِّين الذين نَلتَقيهِم في الكتابِ المُقدَّس، يأتُونَ إلى الله، مُصَلِّينَ كما صَلَّى داوُد، عندما إحتاجَ أن يعتَرِفَ بأنَّهُ إرتَكَبَ خَطِيَّةَ الزِّنى والقَتل: "إرحمَني يا اللهُ حَسبَ رَحمَتِكَ. حَسَبَ كَثرَةِ رأفَتِكَ إمحُ معاصِيَّ. إغسلْنِي كَثيراً من إثمي، ومن خَطِيَّتِي طَهِّرني. لأنَّنا عارِفٌ بمَعاصِيَّ، وخَطِيَّتي أمامِي دائماً." (مَزمُور 51: 1- 3)

هذه الكلماتُ هي صلاةُ شخصٍ تَقِيّ رُوحِيّ، أدركَ أنَّهُ كانَ يحتاجُ إلى رحمَةِِ اللهِ، لأنَّهُ أخطأَ خطيَّةً شنيعَةً. فالصَّلاةُ التي نتَعَلَّمُها عندَ عَرشِ النِّعمة هي: عندما نأتي إلى عَرشِ النِّعمة، علينا أن نأتِيَ بِثِقَةٍ كامِلَة بمراحِمِ اللهِ، المَبنِيَّة على ما أنجَزَهُ يسُوعُ المسيحُ من  أجلِنا على الصَّليب.

فلقد صَعِدَ إلى السماء وقدَّمَ دَمَهُ هُناكَ من أجلِ خطايانا، وهُوَ يتشفَّعُ بنا الآن (عبرانِيِّين 9: 11- 14). ولقد وفَّرَ مَوتُهُ على الصَّليب القاعِدَةَ الوحيدة التي على أساسِها بإمكانِ اللهِ أن يُطَهِّرَنا من خطايانا. لقد تَمَّمَتْ ذبيحَتُهُ خلاصَنا إلى الأبد. وليسَ بإمكانِنا أن نُضِيفَ أيَّ شَيءٍ على ما عمِلَهُ من أجلِنا على الصَّليب (عبرانِيِّين 10: 17، 18). فعندما نقتَرِبُ من عَرشِ النِّعمة، علينا أن نقتَرِبَ بِثِقَةٍ كامِلَة بهذه الأخبارِ السَّارَّة.

النِّعمة – أي رِضَى وبَرَكة الله التي لا نَستَحِقُّها – هي كَلِمَةٌ جَميلَةٌ أُخرى من كلماتِ الكتابِ المُقدَّس. فنِعمَةُ اللهِ تأتينا بأشكالٍ مُتَعَدِّدَة. بِمَعنىً ما، تعني الكلمة بِجَذرِها، "بَركَة غير مُستَحَقَّة." هذا التَّعريفُ للنِّعمة يعني أنَّ خَطايانا لا تُغفَرُ لكَونِنا نَستَحِقُّ الغُفران. بَل تُغفَرُ خطايانا لأنَّ اللهَ أحَبَّنا بِشَكلٍ كافٍ، إلى دَرَجَةِ أنَّهُ أرسَلَ إبنَهُ الوَحيد إلى هذا العالم لِيَمُوتَ على الصَّليب من أجلِ خلاصِنا. ولكنَّ الكَلِمة تعني أكثَرَ من مُجَرَّد بَركَة غَير مُستَحَقَّة.


نِعمَةٌ مُدهِشَة

في عَدَدٍ رائِعٍ آخر يتكلَّمُ فيهِ بُولُس الرَّسُول عنِ النِّعمة، نقرَأُ: "واللهُ قادرٌِ أن يَزِيدَكُم كُلَّ نِعمَةٍ لِكَي تَكُونُوا ولَكُم كُلُّ إكتِفاءٍ كُلَّ حِينٍ في كُلِّ شَيءٍ، تزدادُونَ في كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ." هذا هُوَ أكثَرُ عددٍ في الكِتابِ المُقدَّس يُشَدِّدُ على النِّعمة التي وفَّرَها اللهُ لِشَعبِهِ (2 كُورنثُوس 9: 8).

فبِحَسَبِ بُولُس الرَّسُول، اللهُ قادرٌ أن يفيضَ عليكُم كُلَّ نِعمة، بِكُلِّ ملءٍ وليسَ بتَعيير، ولا يُغدِقُ هذه النِّعمة فقط على مشاهير المُؤمنينَ والمُرسَلين والوُعَّاظ، بل وعليكُم أنتُم أيضاً، وفي كُلِّ حينٍ، وليسَ في أوقاتٍ وأزمِنَةٍ مُعَيَّنَةٍ فقط، ولكُم كُلُّ إكتِفاءٍ وليسَ فقط بعضَ الإكتِفاء، في كُلِّ شَيءٍ وليسَ في بعضِ الأشياءِ فقط، كُلُّ هذه ستَفيضُ لكُم وتزيدُ ، ولن تُعطَى لكُم بِكَيلٍ ولا بِمعيار، لكَي تُؤتِيَ فيكُم كُلَّ عملٍ صالِحٍ وليسَ بعضَهُ.

كُلُّ نِعمة، كُلُّ فَيض، كُلُّ وقت، كُلُّكُم، كُلُّ إكتِفاء، كُلُّ شَيء، تزدادُونَ في كُلِّ عمَلٍ صالِحٍ يُريدُ اللهُ تحقيقَهُ من خلالِكُم! لقد قَلَبت كنيسةُ العهدِ الجَديدَ العالَمَ رأساً على عَقِب، لأنَّ مُؤمنيها آمنُوا وإختَبَرُوا الحقيقة التي كانَ بُولُس يُعلِنُها في هذا العددِ الرَّائِع عن نعمَةِ اللهِ المُدهِشة.

إنَّ تلكَ النَّوعِيَّة والكَمِّيَّة منَ النِّعمة مُتَوَفِّرَةٌ لكُم ولي، أمامَ عرشِ النِّعمة في كُلِّ وقتٍ نُصَلِّي فيهِ. ففي كُلِّ مرَّةٍ نُصَلِّي، علينا أن نُدرِكَ أنَّ هذه الصُّورَة المجازِيَّة عنِ الصَّلاةِ تدعُونا للمَجيءِ إلى الله لنَقبَلَ رحمَةً على أخطائِنا ونعمَةً لتُساعِدَنا على سَدِّ إحتِياجاتِنا، لِنَعيشَ مثلَ المسيح ونخدُمَ المسيحَ في هذا العالم.

أنا أُحِبُّ اللهَ لأنَّهُ جَعَلَ عَرشَ النِّعمَةِ مُتَوَفِّراً لي. فلقد وضعَ اللهُ عَرشَ النِّعمَةِ في مكانِهِ وقالَ، "في أيِّ وقتٍ إحتَجتُمُوهُ، هُوَ هُناكَ بإنتِظارِكُم. إذهَبُوا بِبَساطَةٍ إلى عرشِ النِّعمَةِ هذا، وسوفَ أَمنَحُكُم رحمَةً على أخطائِكُم ونِعمَةً لتُسَاعِدَكُم في حاجَتِكُم. فأنا أُحِبُّ أن أفتَحَ أبوابَ السماءِ على مِصراعَيها لكُم وأن أُغدِقَ بفيضٍ نعمَتي الرَّائِعة عليكُم."

مِمَّا يُحزِنُ قَلبَ اللهِ كَثيراً هُوَ عندما نتجاهَلُ كُلِّيَّاً عَرشَ النِّعمَةِ الذي وفَّرَهُ لنا جَميعاً. فبما أنَّهُ يُحِبُّنا، لدَيهِ طُرُقَهُ لتَشجِيعِنا لكَي نلتَقِيَ معَهُ هُناكَ. ويُخبِرُنا الكِتابُ المُقدَّسُ أنَّ شَعبَ اللهِ يُعانُونَ أحياناً لأنَّهُ تُوجَدُ أوقاتٌ يُرغِمُ اللهُ شعبَهُ حَرفِيَّاً على الدُّخُولِ إلى عرشِ النِّعمَةِ الذي وفَّرَهُ لهُم.

يكتُبُ بُولُس قائِلاً  أنَّ اللهَ أعطانا وُصُولاً بالإيمانِ إلى النِّعمة التي تُمَكِّنُنا منَ الوُقُوفِ لأجلِ المسيح في هذا العالم، وأن نحيا حياةً تُمَجِّدُ اللهَ. ثُمَّ يُخبِرُنا قائِلاً أنَّهُ علينا أن نفرَحَ في ضِيقَتِنا (ألَمِنا)، لأنَّ ضَيقَنا هُوَ الذي يُرغِمُنا أحياناً على الوُصُولِ إلى نعمَةِ اللهِ التي وفَّرَها اللهُ لنا (رُومية 5: 2- 5).

علينا جَميعاً أن نفرحَ ونشكُرَ اللهَ على أوقاتِ الألم الصَّعبة التي تُرغِمُنا على الإقتِرابِ من عرشِ النِّعمة. فبِدُونِ هذه التَّجارِب، لَرُبَّما فَوَّتنا على أنفُسِنا النِّعمَةَ التي نحنُ بأمَسِّ الحاجَةِ إليها، لكَي نحيا حياةً تُحَقِّقُ مقاصِدَ خلاصِنا وتُمَجِّدُ اللهَ.

بالخِتامِ، هل سبَق ووصلتُم إلى عَرشِ نعمَةِ اللهِ ورحمَتِه؟ إن لم تَصِلُوا بعَد إلى عرشِ النِّعمَةِ هذا، لا تُؤَجِّلُوا هذا الأمر يوماً آخَر. فالعَرشُ هُناكَ بإنتِظارِكُم، واللهُ ينتَظِرُكُم ليُغدِقَ عليكُم رحمَتَهُ ونِعمَتَهُ. إن كُنتُم قد قَبِلتُم نعمَةَ اللهِ ورحمَتَهُ المُدهِشة، فهل تقتَرِبُونَ من عرشِ النِّعمَةِ هذا يَوميَّاً؟ وهل تقبَلُونَ ومن ثَمَّ تُشارِكُونَ رحمَتَهُ ونعمَتَهُ معَ الآخرين؟

أهِّلني لأُلَبِّيَ هذه الشُّروط للسَّلامِ الشَّخصِيّ، بإسمِ رَبِّي يسُوع المسيح، من أجلِ سلامي ومن أجلِي مَجدِكَ. آمين.