الفصلُ السادِس رابِطُ الحُبّ

القسم: الزواج والعائلة الجزء الأول.

البُعدُ الروحيَّ هو أساسُ الوحدة التي خطَّطَ لها اللهُ للزَّوجِ والزوجة. الإتِّصالُ هو أداةٌ من خِلالِها يستطيعُ الزوجانِ أن يُغذِّيا ويَصُونا وحدَتَهُما. والإنسِجامُ أو التلاؤُم هو بُرهانُ وحدَتِهما. الحُبُّ هو المُحرِّك الديناميكي العظيم للوحدة التي خطَّطَ لها اللهُ، عندما أعلَنَ أن يُصبِحَ هذانِ الإثنان واحِداً.

هُناكَ سُؤالٌ جيِّدٌ أن يطرَحَهُ الأشخاص الذين يستَعدُّونَ للزواج على أنفُسِهم: "عندما تقولان واحِدُكُما للآخر أُحبُّكِ أو أُحبُّكَ، ماذا تقصُدَانِ بِهَذا؟ هل تعنِي أن لديكَ حاجة وأن الشخصَ الآخر يُلبِّي هذه الحاجة أكثرَ من أيِّ شخصٍ آخر سبقَ والتقيتَه؟ عندما تقوُلانِ، "أُحِبُّكِ أو أُحِبُّكَ،" فهل تعنِيان، "أحتاجُكِ أو أحتاجُكَ؟" إن كانَ هذا هو مَفهُومُكُما للحُبِّ، فَليسَ لكُما وُجهة النظر الكِتابيَّة لمعنى كلمة "حُبّ أو محبَّة."

عندما تقولانِ، "أنا أُحبُّكِ أو أُحبُّكَ، هل تقصُدانِ: أنَّ خيرَكِ أو خيرَكَ هو مُهمٌّ لي تماماً كخيري؟" هذا تعريفٌ أفضل، ولكنَّهُ ليسَ تعريفاً كِتابِيَّاً للمحبَّة المُتشبِّهة بالمسيح.

المُشكِلة الأكبر في الزواج هي الأنانيَّة. وبالعَكس، فإنَّ المُحرِّك أو الدافِع الأقوى في الزواج هو عدم الأنانيَّة، الإهتمام بالغَير، القُدرَة على وضعِ الآخر في وسطِ الدائِرة، والتفكير في طريقةِ سدِّ حاجاتِ الآخر. عندَما تَكتَشِفُونَ التعريفَ الكِتابِيَّ للحُبّ، سوفَ ترون أنَّ المحبَّة المُتشبِّهة بالمسيح هي أعظَمُ مُحرِّكٍ ديناميكي في الزواج،لأنَّ محبَّةَ المسيح تُمكِّنُنا حقَّاً من أن نكونَ غيرَ أنانِيِّين.

 قالَ يسوعُ، "مغبُوطٌ هو العَطاءُ أكثر من الأخذ." (أعمال الرُّسل20: 35) لقد شاهدتُ زيجاتٍ تغيَّرت جذريَّاً نحوَ الأفضَل عندما طُبِّقَ هذا المبدأ. غالِباً ما يتزوَّجُ الناسُ لأنَّهم يُريدُونَ أن يأخُذُوا من الآخر كُلَّ ما يستطِيعون الحُصُول عليه. ولكن إن كانا كِلاهُما يُريدانِ الأخذَ ويرفُضانِ العطاء، فلن يحصلَ أحدٌ منهُما على أيِّ شيء. ولكن الأُمُور تتغيَّرُ بشكلٍ جذريّ عندما يُدرِكانِ أنَّهُ "مغبُوطٌ هو العَطاءُ أكثرُ من الأخذ."

إن لم تتعلَّم كيفَ تضعُ الآخَرين في الوسط، لا تُنجِبْ أولاداً. فكما أنَّ الدعوةَ للزواج ينبَغِي أن تكونَ مبنيَّةً على الإرشادِ الإلهي، كذلكَ ينبَغي على الأزواجِ الأتقِياء أن لا يُنجبوا الأولاد إلى أن يقودَهم الربُّ إلى إنجابِ الأولادِ في زواجِهم وفي العالم. إن إنجابَ الأولاد هُوَ أكثَرُ أمرٍ غير أناني يُمكِنُ لزوجينِ أن يعملاه. فخِلال تربيتِهما لأولادَهما لمُدَّةِ عشرين أو خمس وعشرينَ سنةً، عليهما أن يُعطِيا ويُعطِيا ويُعطِيا، بدونِ أيِّ مُقابِل. فإن كانا أهلاً صالِحين، عندما يترُكُ أولادُهما المنـزل، يتزوَّجُ هؤلاءُ الأولاد ويُنجِبُونَ بِدورِهم، ويُضَحُّونَ لأولادِهم. إن هذا يتطلَّبُ الكثير من عدَم الأنانيَّة.

أنا واحِدٌ من الأجيال النادِرة اليوم. لقد باركَني اللهُ بأُمٍّ تقيَّةٍ كانت تُؤمِنُ بِخُطَّةِ اللهِ للزواجِ والعائِلة. كانَ لأُمِّي أحدَ عشرَ ولداً فسألتُها ذاتَ يوم، لو أنَّها كانت ستبدأُ حياتَها من جديد، هل كانت ستقبَلُ أن تُنجِبَنا نحنُ أولادَها جميعاً؟ فقالت، "نعم، ولكن قبلَ أن أفعلَ هذا، أُقرِّرُ أنَّهُ لن يكونَ لديَّ أية حياة خاصَّة." قد يبدوَ لكَ الأمرُ غريباً، أنَّ أُمِّي لم تكُنْ لها أيَّة حياة خاصَّة.

أحدُ المُسلَّمَات في القرنِ الحادِي والعِشرين عند الأجيالِ الشابَّة، هُوَ حقُّهم بأن يعيشوا حياتَهم. لِهذا تُصدَمُ الكثيرُ من النِّساءِ من فِكرة كونِهنَّ يُكمِّلنَ الرجُل. ويُصدَمُ الرجالُ بفِكرة أنَّهُ عليهم أن يُحِبُّوا نِساءَهُم ويبذُلُوا نُفُوسَهُم من أجلِهِنَّ كما أحبَّ المسيحُ الكنيسةَ وبذلَ نفسَهُ من أجلِها. فكيفَ بإمكانِكَ أن تعيشَ حياتَكَ لِنَفسِكَ، وفي نفسِ الوقت أن تبذُلَ حياتَكَ لزوجَتِكَ وعائِلتِك؟ الجوابُ هو أنَّكَ لن تستطيعَ أن تعملَ هذا.

قِيلَ عنِ المسيح، "خلَّصَ آخرين، وأما نفسُهُ فلا يستطيعُ أن يُخلِّصَها." (متى 27: 42) أن تُحِبَّ بمحبَّةِ المسيح، عليكَ أن تُضحِّي بِحياتِكَ من أجلِ الذينَ يُحِبُّونَكَ. لقد أحبَّت أُمِّي زوجَها وأولادَها بِمحبَّةِ المسيح. لِهذا لم يكُن لها حياةٌ شخصيَّةٌ لتَعيشَها. ولكنَّها كانَ سعيدَةً. ولقد عاشَت حياةً زوجِيَّةً طَويلَةً، ولم تقرأْ مرَّةً أيَّ كِتابٍ عن الزواج. بل قرأت الكِتابَ المُقدَّس بكُلِّ بساطة. وكانت زَوجَةً وأمَّاً سعيدَةً، لأنَّها إكتَشَفَت دينامِيكيَّةَ زواجِها في الكتابِ المقدَّس.

إن أُسلوبَ الحُبّ الذي إختارتهُ يتعارَضُ معَ موقِف الأنانيَّة في هذا الجيل. وهذا يتعارَضُ مع قولِ يسوع، "ليسَ لأحدٍ حُبٌّ أعظمُ من هذا أن يضعَ الإنسانُ نفسَهُ من أجلِ أحبَّائِه" (يوحنا 15: 13). أو تعليم يسوع، "فإنَّ من أرادَ أن يُخلِّصَ نفسَهُ يُهلِكُها. ومن يُهلِك نفسَهُ من أجلِي فهذا يُخلِّصُها." (لُوقا 9: 24) كتبَ أحدُ المُرسَلين الذي إستُشهِدَ من أجلِ إيمانِه، "حَكيمٌ هو الذي يبذُلَ ما لا يستطيعُ الإحتِفاظ بهِ، لكَي يربَحَ ما لا يُمكِنُ أن يخسَرَهُ أبداً." فأن يُضحِّيَ الشريكَان الزوجِيَّان كُلٌّ بِحياتِهِ من أجلِ الآخر، أو الآخرين، هو أعظَمُ حُبٍّ هُنا. هذا هو نوعُ الحُب الذي نراهُ في تعريفِ دورِ الرجُل والمرأة اللذَينِ جُمِعا معاً في الزواج كما خُطِّطَ لهُ في الكتابِ المقدَّس.

أنا أُسمِّي هذا دينامِيكِيَّة الوِحدَة في الزواج. بالإختِصار: إن العلاقَة الروحيَّة التي يتمتَّعُ بها الشريكانِ معَ المسيح فرديَّاً وكِلاهُما معاً هي أساسُ الوِحدَة. والاتِّصالُ هو الأداةُ التي تُعزِّزُ الوِحدَة. والانسجامُ أو التلاؤُم هو بُرهانُ الوِحدَة. والحُبُّ هو الدِينامِيكيَّة التي تُحرِّكُ الوِحدَةَ.


ما هُوَ الحُبُّ؟

لقد سألتُ الأزواجَ عبرَ السنين، "ماذا تعني عندما تقولُ لِزوجَتِكَ أنَّكَ تُحبُّها؟" وتعجَّبتُ كم يتعثَّرُ الرجالُ ويتلعثَمونَ في إيجادِ الكلمات المُناسِبَة، أو في عدمِ قُدرَتِهم على تفسيرِ مفهومهم للحبّ. الحقيقَةُ هي أنَّنا عندما نكونُ في مرحلةِ الشبابِ ونُريدُ أن نتزوَّج، لا نعرِفُ الأمرَ الأولَ عنِ الحُب. فعندما يقولُ الشابُّ لعَروسِهِ "أُحِبُّكِ،" لربَّما هو يعنِي، "أُحِبُّ نفسِي وأُريدُكِ." ولكن إن كانَ هذا هو كُلّ ما  يقصُدُه الرجُل عندما يقولُ لِعروسِهِ أنَّهُ يُحِبُّها، فهذا سيكُونُ خالياً من الأمان للزوجة، لأنَّ الرجلَ قد يجِد من يُلَبِّي حاجَتَهُ تِلك بشكلٍ أفضل مِن زوجَتِه.


إصحاحُ الزواج في الكتابِ المقدَّس

أودُّ أن أُشارِكَ معكُم ما أَظُنُّهُ أعظمَ تعريفٍ مكتُوب عن محبَّةِ اللهِ والمسيح. نجدُهُ في 1كورنثوس 13، وهو مقطَعٌ لربَّما مألوفٌ لديكم. لم تكُنِ المحبَّةُ هي الموضُوعُ الأساسي عندَ بُولُس عندما كتبَ للكُورنثُوسيِّين هذه الكلمات المُوحى بها. بل كانَ يتكلَّمُ عن المواهِب الروحيَّة. ولكي يُوضِحَ المواهبَ الروحيَّة ويضعَها في إطارِها الصحيح، كتبَ هذا الإصحاح المُوحَى بهِ عنِ المحبَّة.


المَحبَّةُ المُقارَنة (أعداد 1-3)

"إن كُنتُ أتكلَّمُ بألسِنَةِ الناس والملائكة ولكن ليسَ لي محبَّة فقد صِرتُ نُحاساً يطِنُّ أو صَنجاً يَرِنّ. وإن كانت لي نُبُوَّةٌ وأعلَمُ جميعَ الأسرار وكُلَّ عِلمٍ وإن كانَ لي كُلُّ الإيمان حتَّى أنقُلَ الجِبالَ ولكن ليسَ لي محبَّة فَلستُ شيئاً. وإن أطعَمتُ كُلَّ أموالي وإن سَلَّمتُ جَسدي حتَّى أحتَرِق ولكن ليسَ لي محبَّة فلا أنتَفِعُ شيئاً."

في الأعداد الثلاثة الأولى من هذا الإصحاح الرائِع، يقولُ بُولُس أنَّ المحبَّةَ ليسَ لها بديل، وليسَ لها مَثيل. يقولُ ما معناهُ أنَّهُ "لا يُمكِنُ لأيِّ شيءٍ أملِكُهُ أو أكونُهُ أو سأكونُه أو أعملُهُ أن يحُلَّ محلَّ المحبَّة في حياتِي." في أيَّامِ بُولُس، إشتَهرَ الذين كانُوا يعيشونَ في حضارَةِ كُورنثُوس اليونانيَّة بشَغَفِهم بالخُطابَةِ البليغة وبتَشدِيدِهم على الفكر والفلسفة.  ولقد كان المسيحيُّونَ الأوائل في كُورنثُوس كثيرو الإهتمام بالمواهِبِ الروحيَّة، خاصَّةً التكلُّم بألسِنة. لِهذا يُقارِنُ بُولُس بينَ المحبَّةِ والفصاحة، أو ألسِنة النَّاس والمَلائِكة، وكُلَّ علم، لكَي يُعطي الأولويَّة للمحبَّة التي كتبَ عنها، والتي ليسَ لها بَديلٌ ولا مثيل.

ثُمَّ يتكلَّمُ عن موهِبَةِ النبُوَّة، التي يقولُ عنها فيما بعد أنَّها كانت أعظم المواهِب الروحيَّة. (1كُورنثُوس 14: 1) ثُمَّ يُقارِنُ المحبَّةَ بالإيمان، ويختُمُ الإصحاحَ بالقَول أن الإيمان هو واحِدٌ من أعظم القِيَم الأبديَّة الثلاث. وكما عرف أعظَمُ مُرسَلٍ في الكنيسة على الإطلاق، نُدرِكُ كم كانَ الإيمانُ مُهِمَّاً بالنسبَةِ لبُولُس. رُغمَ ذلكَ يكتُبُ قائلاً أنَّهُ إن كانَ لنا إيمانٌ بدونِ محبَّة، فلسنا شيئاً. بينما يُقارِنُ بُولُس المحبَّةَ بهذه القِيَم المُعتَبَرة في كُورنثُوس، يستنتِجُ بالقَول، "لا شيءَ من كُلِّ هذه المواهب مُمكِن أن يحُلَّ مكان المحبة في حياتِكَ، بسبب ما هي المحبَّة."


المَحبَّةُ المُفارَقة (أعداد 8-13)

"المحبَّةُ لا تسقُطُ أبداً. وأمَّا النُّبُوَّاتُ فستُبطَل والألسِنة فَسَتنتَهي والعِلمُ فسيُبطَل. لأنَّنا نعلَمُ بعضَ العِلم ونتنبَّأُ بعضَ التنبُّؤ. ولكن متى جاءَ الكامِلُ فحينئذٍ يُبطَلُ ما هُوَ بَعض. لما كُنتُ طِفلاً كَطِفلٍ كُنتُ أتكلَّمُ وكَطِفلٍ كُنتُ أفطَنُ وكطِفلٍ كُنتُ أفتَكِر. ولكن لمَّا صِرتُ رجُلاً، أبطَلتُ ما للطفل. فإنَّنا ننظُرُ الآنَ في مِرآةٍ، في لُغزٍ، لَكِن حينئذٍ وَجهاً لِوَجهٍ. الآن أعرِفُ بعضَ المعرِفة لكن حينئذٍ سأعرِفُ كما عُرِفت. أمَّا الآن فيَثبُتُ الإيمانُ والرَّجاءُ والمَحبَّة، هذه الثلاثَة ولكنّ أعظَمَهُنَّ المحبَّة."

في نهايةِ هذا الإصحاح، يُلخِّصُ بُولُس مُقارَناتِهِ للمحبَّة عندما يقولُ أنَّ هُناكَ ثلاثةُ أُمورٍ تبقَى، لأنَّها قِيَمٌ أبديَّة: الرجاء، الإيمان، والمحبَّة. ولكنَّهُ يستنتِجُ أنَّ أعظَمَ هذه القِيَم الأبديَّة هي المحبَّة. الرجاءُ هُوَ من القِيَم الباقِيَة لأنَّهُ يُؤدِّي إلى الإيمان. فرجاؤُنا أنَّ شيئاً صالِحاً سيحدُثُ لنا، سوفَ يُصبِحُ يوماً ما مُجسَّداً عندما يقودُنا إلى الإيمان. (عبرانيِّين 11: 1) والإيمانُ هو واحِدٌ من القِيَم الباقِية لأنَّهُ يقودُنا إلى الله. ولكن عندما نكتَشفُ المحبَّة، سنكتَشِف الله. لهذا المحبَّةُ ليسَ لها بديلٌ ولا مثيل. لأنَّ اللهَ محبَّة (1يُوحنَّا 4: 16)


المحبَّةُ المُعَنقَدَة (أعداد 4-7)

المحبَّةُ تتأنَّى وتَرفُق. المحبَّةُ لا تحسُد. المحبَّةُ لا تتفاخَرُ ولا تنتَفِخ ولا تُقبِّح ولا تطلُبُ ما لِنفسِها ولا تحتَدّ ولا تظُنُّ السوء. ولا تفرَحُ بالإثم بل تفرَحُ بالحَق. وتَحتَمِلُ كُلَّ شيءٍ وتُصدِّقُ كُلَّ شَيءٍ وتَرجُو كُلَّ شيءٍ وتَصبِرُ على كُلِّ شيء."

يقولُ Henry Drummond  في كتابِه التفسيري التأمُّلي "أعظَمُ شيءٍ في الدُّنيا"، أنَّهُ في الأعداد 4-7، يُعبِّرُ الروحُ القُدُس عن مفهومِ المحبَّة من خِلالِ فكرِ الرسول بُولُس المُوحَى، ويخرُجُ من الجهةِ الثانِية كَعُنقُودٍ من  الفضائل. هُناكَ خمسَ عشرةَ فضيلةً مُسمَّاة في هذه الأعداد الخَمسَة من 1كورنثوس 13. وإن تأمَّلتَ في هذه الفضائل، ستكونُ تتأمَّلُ في جوهرِ الحُب الإلهي، وتضعُ الحُبَّ أو المحبَّةَ أو الطبيعة الإلهيَّة تحتَ مِجهَر التحلِيل، لأنَّنا نعرِفُ أنَّ اللهَ محبَّة. (1يوحنَّا 3: 16)

من الصعبِ جِداً أن نُعرِّفَ الله أو المحبَّة التي هي الله. يُخبِرُنا بُولُس، بحكمةٍ عظيمة وبإرشادِ الروح القُدُس، كيفَ تتصرَّفُ المحبَّةُ الإلهِيَّة. فهو يقول ما معناهُ، "إن كانَ لديكَ هذه المحبّة التي أكتُبُ عنها، فبهذهِ الطريقة ينبَغي أن تتعامَلَ معَ الناس الذي تلتقيهم في حياتِكَ." وفي رِسالةٍ أُخرى مُوحَىً بها من الله، يُخبِرُنا بُولُس أنَّ هذا النوع من المحبَّة هو ثمرُ وبُرهانُ كونِ الروح القُدُس يحيا فينا. (غلاطية 5: 22) في هذه الأعداد الأربَعة في قَلبِ إصحاحِ المحبَّةِ هذا، يضَعُ بُولُس هذه المحبَّة تحتَ المِجهَرِ الرُّوحي.

سوفَ أضعُ أمامَكُم هذا التحدِّي. بينما نُحلِّلُ هذه الفضائل الخمسةَ عشر التي تُشكِّلُ الحُب أو المحبَّة الإلهيَّة، فكِّر بِزوجَتِكَ أو بِزوجِكِ أو بالأولاد. لا تُفكِّرْ بِنَفسِك. أنا أتعجَّبُ من قُدرةَ الناس العجيبة على قلبِ الأُمور رأساً على عقِب، فيقولون، "بهذه الطريقَة ينبَغي أن أكونَ محبُوباً من قِبَلِ زوجَتي أو زوجي." ولكن ما يقولُهُ بُولُس هو، "بهذهِ الطريقَة ينبَغي أن أُحِبَّ الآخرين."

منذُ عدَّةِ سنوات، عندما كانت إبنتُنا الكُبرى لا تزالُ في الثانِية من عُمرِها، بعدَ أن أوصَلتُها إلى حضانَةِ الكنيسة ذاتَ يوم، اختبأتُ جانباً وصرتُ أُراقِبُ ماذا يحدُثُ. دخلت ابنَتِي، ورأت طِفلاً صغيراً بِيَدِهِ خشخيشةٌ يلعبُ بها الأطفالُ عادةً. فإنتَزَعَت إبنَتي الخشخيشةَ من يدِ الطفلِ وقالت لهُ، "قالَ يسوع أن نُشارِكَ ما لنا معَ الآخرين. فأعطِنِي هذه." من الواضِح أنَّ ابنَتي لم تفهمْ معنى المحبَّة التي تكلَّمَ عنها بُولُس في هذا المقطَع. نحنُ البالِغين نفعَلُ هذا الأمر بِعينِه. فعندما ندرُسُ هذا المقطع عن الحُب، نتساءَل، "لماذا لا تُعامِلُني زوجَتي بهذه الطريقة؟" فكلَّما تنظُرُ إلى فضائِلِ الحُبِّ هذهِ، لا تُفكِّرُ كيفَ ينبَغي أن تُحبَّكَ زوجتُكَ، بل اسأل نفسَكَ هل أنتَ تُحبُّها بهذه الطريقة؟ والآن دَعُونَا ننظُرُ إلى كُلِّ واحِدَةٍ من هذه الفضائِل على حِدَة:

المحبَّةَ "تتأنَّى وترفُق". تعني الكلمةُ في الأصل اليونانيُّ أنَّها رحيمة ولا تنتقِمُ لنَفسِها، ولا تُطالِبُ بِحُقوقِها، حتَّى ولو توفَّرَت لها الفُرصة لذلك.

"المحبَّةُ لا تحسُدُ". الكَلمِة التي يستخدِمُها بُولُس هُنا مُرادِفة لكلمة "كَريمة." هذا يُشيرُ إلى الالتزام غير الأناني من واحدٍ تجاه الآخر. إنَّها نوعٌ من الغَيريَّة المُقدَّسة. فهل أنتَ مُلتَزِمٌ بِسلامةِ وسعادةِ الشريكِ الآخر، وبأن تُعطيَهِ من وقتِكَ وطاقَتِكَ وأي شيءٍ آخر يُمكِن أن يكونَ مَطلُوباً لإرضاءِ حاجَةِ شَريكَةِ حياتِك؟ هذا ما تعنيهِ عبارةُ "المحبَّةُ لا تحسُد" في اللغةِ الأصليَّة.

"المحبَّةُ لا تتفاخَر ولا تنتَفِخ". فليسَ لها حاجةٌ لإثارةِ إعجابِ الآخرين بها، وليست مُتبجِّحَةً لأنَّها في جوهرِها مُتواضِعة، وليستَ مُستَكبِرَة أو مُدَّعِية، بل هي نقيضُ الكِبرياء.


بُعدا المحبَّة الإلهيَّة

كُلُّ هذه الفَضَائِل لها بُعدان، خارجيٌّ وداخِلي. خارِجِياً، المحبَّةُ تتصرَّفُ هكذا لأنَّها هي هكذا داخِليَّاً. هذا ما نراهُ في العدد 5: المحبَّة لا "تُقبِّح." فخارِجياً، المحبَّةُ لا تُسيءُ التصرُّف، بل تتصرَّفُ بِلياقة وتهذيب. والمحبَّةُ "لا تطلُبُ ما لِنَفسِها ولا تحتَدّ." أي لا يُمكِنُ إثارةُ غضبها بِسُهولة. هي غيرُ مُتزعزِعة وغيرُ مُتقلِّبة. فلا تسمحُ لكَ بأن تُغضِبَ صاحِبَها، ولا أن تُحزِنَه. فهذا هو تعبيرٌ خارِجي عن حقيقةٍ داخليَّة، لأنَّ هكذا شخصٌ لا يبحَثُ عن صالِحِه الشخصي، ولا يتآكلُهُ الإشفاقُ على الذات أو الانهماكُ بالذات.

 والمحبَّةُ "لا تظنُّ السوء". هذا يعني أنَّ المحبَّة تجعلُ الإنسانَ لا يحفظُ سِجِلاً بأخطاءِ الآخرين. بِكلامٍ آخر، يُصبِحُ لدى الإنسان ذاكِرةً مُقدَّسة. هل تُمسِكُ سجلات بِأخطاء زوجَتِكَ أو زوجَكِ؟ إن كُنتَ تفعَلُ، أعتقِدُ أن هذا لا يأتي من محبة المسيح في قلبِكَ. سببُ كونِ هذا الحُب لا يحفظُ خارِجياً سجلات أخطاء الشريك الآخر هو أنَّهُ داخِلياً لا يفرحُ بالإثم، مما يعني أنهُ لا يفرحُ بأخطاءِ وفشلِ الشريكِ الآخر المحبوب. وإذا حدثَ وفشِلَ الشريكُ الآخر، يتألَّمُ المُحِبُّ ويُسَتِّرُ عن خطأ الشريكِ الآخر خارِجياً. وهو يفرحُ داخِلياً بِنجاحِ الشريكِ الآخر. هذا ما تعنيهِ عبارَة "المحبَّةُ تفرحُ بالحق". أن نفرحَ عندما يسودُ الحقُّ في حياةِ الشريك الآخر هو تعبيرٌ عن محبَّةِ المَسيح.

ويقولُ العددُ السابِع أن المحبَّةَ"تحتَمِلُ كُلَّ شيء، وتُصدِّقُ كُلَّ شيء، وترجو كُلَّ شيء، وتصبِرُ على كُلِّ شيء." فعندَما يسقُطُ مَوضُوعُ حُبِّنا، أي الشريكُ الآخر، يُستِّرُ عليهِ الحبيبُ. هذا ما تعنيهِ عبارَة "تحتَمِلُ كُلَّ شيء." المحبَّةُ هي أن يكونَ لدَينا الإيمان والثقة بقُدرَةِ وطاقةِ الشريكِ الآخر موضُوعِ الحُبّ. وهذا يُؤدِّي الكثيرَ من الخيرِ للآخرين.

عندما كُنتُ شاباً يافِعاً ولا أتمتَّعُ إلا بالقليلِ من الطاقَةِ الهزيلَةِ، كانَ لديَّ راعي كنيسة يُعامِلُني بهذه الطريقة مما أفادَني كثيراً. وكانَ عادةً يقولُ، "أنا أثقُ بكمالِك." وبالطبعِ أنا لم أُصبح كامِلاً، فأن ترى شخصاً يقولُ أنَّهُ يثقُ بِكمالِك، اعتقدتُ أنُّهُ يمزح، ولكنَّهُ كانَ جادَّاً. لقد وثقَ بي بالفعل. لقد "صدَّقَ كُلَّ شَيء."

وبما أنَّ المحبَّةَ لدَيها الإيمان لترى قدرةَ وطاقةَ الشريك الآخر، فهي ترجُو كُلَّ شيء، مما يعنِي تنتظِرُ بِفَرَحٍ إتمامَ ما تراهُ وتثِقُ به. وعندها، بينما تثِقُ وتنتظرُ لإتمامِ ما تراهُ في موضُوعِ الحُب، أي في الشريكِ الآخر، "تحتَمِلُ كُلَّ شيء." يعني هذا بالأصلِ اليوناني أنَّها تُثابِرُ بالثقةِ والانتظار. كُلُّ هذا مُعبَّرٌ عنهُ خارِجيَّاً، لأنَّ المُحِبَّ لديهِ داخِليَّاً هذهِ الثقة المُقدَّسة. هذه الثِّقة هي لَيسَت بمَوضُوعِ الحُب، بِمقدارِ ما هِي بقُدرَةِ المسيح أن يعمَلَهُ مع ومن خِلالِ مَوضُوعِ الحُب أو المحبُوب.

وأخيراً، يُؤكِّدُ لنا بُولُس أنَّ المحبَّةَ "لا تسقُطُ أبداً" (عدد 8). نحنُ نفشَلُ أو نسقُطُ في المحبَّة، ولكنَّ المحبَّةَ لا تسقطُ أبداً. والمُحِبُّ يعرِفُ داخِليَّاً أنَّ المحبَّةَ التي يكنُّها نحوَ موضُوعِ الحُبِّ لن تسقُطَ أبداً ولن تفشَلَ ولن تفقُدَ تأثيرها على موضُوعِ الحُبِّ أو الشريكِ الآخر. بِكلماتٍ أُخرى، يستمرُّ المُحِبُّ بالقولِ للشريكِ الآخر، "لن يمنعَنِي أيُّ شيءٍ تقولِينَهُ أو تفعلينَهُ عن حُبِّي لكِ. لأنَّنِي أُحِبُّكِ بمحبَّةِ المسيح التي تحتَمِلُ كُلَّ شيء."

على ضَوءِ هذه الفضائِل الخمسة عشر، أنظُر إلى زوجتِكَ أو إلى زوجِكِ، وإسأل نفسَكَ، "عندما أقولُ أنَّني أُحبُّها، ماذا أعني بذلك؟" فإن كانَ الروحُ القُدُسُ ساكِناً فيك، سيكونُ لديكَ الإمكانيَّة بأن تُحِبَّ زوجَتَكَ بِهذه المحبَّة المُعنقَدَة بالفضائل. هذه هي القُوَّة الديناميكيَّة التي تُفعِّلُ الوِحدَةَ بينَ شَريكَين يعيشانِ في زواجٍ مسيحيّ كما خطَّطَ الله عندما خلقَ الإنسانَ ذَكراً وأُنثَى. وبدونِ هذه الديناميكيَّة، ستكونُ وِحدَتُكُما مُجتَزَءَةً من روحِ قانُونِ الزواج والعائلة. ولكن، إن كانَ لكُما بِنعمةِ الله هذه الديناميكيَّة، فهذه المحبَّة تستطيعُ أن تجعل من الوِحدَة أن تكونَ بحسبِ قصدِ الله.