تفاسير

لماذا يتعذب الناس -1

القسم: عظات على سفر أيوب.

النص الكتابي: أيوب: 4

وصلتني هذا الصباح رسالة من أحد مستمعينا الكرام يطلب مني مساعدته للخروج من مأزق حرج وجد نفسه فيه. وكم حزنت وتأسفت في نفس الوقت لعدم إمكانية مساعدته نظراً لعدة عوامل خارجة عن نطاق مقدرتي، ولم تكن هذه الرسالة الأولى من نوعها بل سبقتها المئات من الرسائل المشابهة من أناس طالبين مني يد المساعدة. فبحكم مركزي أي كمذيع تردني رسائل من أماكن عديدة من عالمنا المتصاغر ونظراً لكثرة المشكلات التي تعصف بحياة البشر، لا أستغرب من نوعية بعض الرسائل التي تصف لنا واقعاً حياتياً تراجيدياً. وكبشري أؤكد من قرارة قلبي بأنني أشعر مع كل إنسان  قذفت به الحياة إلى دوّامة لا مخرج منها. ويا ليت كان بمقدوري أن أساهم في مد يد المعونة إلى أقراني بني البشر المعذّبين، المشرّدين أو الذين تنهك أجسادهم أمراضاً مستعصية، وإذ أتأمل في هكذا حالات بشرية مؤلمة، كيف أستطيع أن أفهم عالمنا المعاصر وكيف أتمكن من الاستمرار في إذاعة هذه البرامج الدينية المبنية على تعاليم الوحي الإلهي؟

جوابي هو أنني كمؤمن بالله القدير آخذ نقطة انطلاق تفكيري من معتقدي. ما أعنيه هو أنني لا أنظر إلى الوجود البشري وكأنه شيء حدث تلقائياً بل إنه يعود في أصله إلى عمل الله في البدء أي عندما أمر الله فجاء الكون إلى حيّز الوجود. عالمنا هذا هو إذن تحت سلطة الله في جميع دوائره وليس هناك ما يحدث أو يتم بدون معرفة الله.

ولكني ما أن أبدأ تفكيري على هذا الأساس القويم أي على أساس معتقدي بالله والصالح والودود حتى أواجه مشكلة أو معضلة الشّر ونتائجه في العالم ولا سيما في دنيا البشر. الله صالح وعادل وقدير، فلماذا يتعذب البشر؟ لماذا مات ولا يزال يموت العديدون من الأطفال وهم يتضورون جوعاً وعطشاً؟ كيف نفسّر قساوة الإنسان  بقرينه الإنسان ؟ وكيف نفهم وجود أمراض مستعصية كمرض السرطان أو كالوباء المعاصر المتفشي في عالمنا والمعروف بمرض الأيدز أو السيدا " أي نقص المناعة المكتسب"؟

يمكننا الاسترسال في الكلام عن الأمور العديدة التي تهدّد حياة الإنسان  المعاصر وكتابة لائحة كبيرة تضمّ أكثرها. لكن هذا لن ينفعنا. نحن نعلم من اختباراتنا أن حياتنا مهدّدة بصورة مستمرة ولذلك نتوق بأن نفهم لماذا نتعذّب ولماذا لا نجد في كثير من الأحيان منفذاً للنجاة؟ لا يمكن الجواب في نظريات فلسفية ملحدة أو مؤلهة للكون بل في تسليم مقاليد حياتنا لإلهنا المحب والشفوق. لا يزال القدير على عرشه ومهما صار وحدث فإننا لن نتخلّى عن إيماننا به

الخطوة الثانية التي علينا أن نعترف بها هي أنه لا توجد دائماً علاقة مباشرة بين مسيرتنا الحياتية والأمور المزعجة التي تعصف بنا. وهذا بالفعل ما نتعلّمه من سفر أيوب الصديق الذي ابتدأنا بدراسته منذ مدة قصيرة. فبعد أن خسر هذا الإنسان  أمواله وبنيه وبناته وصحته جاء إليه أصحابه الثلاثة لتعزيته ولكنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليه مدّعين بأن ما حدث له إنما كان يستحقه نظراً لعمل شرير كان قد ارتكبه هو أو أحد أفراد عائلته. لم يقبل أيوب هكذا تعليل خاطئ لمشكلاته وثابر في جوابه على القول بأنه لم يرتكب خطأ معيناً لتنهمر عليه نوائب الحياة. ابتدأ أول أصحابه أليفاز التيماني بالكلام قائلاً:

2[إِنِ امْتَحَنَ أَحَدٌ كَلِمَةً مَعَكَ فَهَلْ تَسْتَاءُ؟ وَلَكِنْ مَنْ يَسْتَطِيعُ الاِمْتِنَاعَ عَنِ الْكَلاَمِ! 3هَا أَنْتَ قَدْ أَرْشَدْتَ كَثِيرِينَ وَشَدَّدْتَ أَيَادِيَ مُرْتَخِيَةً. 4قَدْ أَقَامَ كَلاَمُكَ الْعَاثِرَ وَثَبَّتَّ الرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ. 5وَالآنَ إِذْ جَاءَ عَلَيْكَ ضَجِرْتَ! إِذْ مَسَّكَ ارْتَعْتَ! 6أَلَيْسَتْ تَقْوَاكَ هِيَ مُعْتَمَدَكَ وَرَجَاؤُكَ كَمَالَ طُرُقِكَ؟ 7اُذْكُرْ مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ وَأَيْنَ أُبِيدَ الْمُسْتَقِيمُونَ؟ 8كَمَا قَدْ رَأَيْتَ أَنَّ الْحَارِثِينَ إِثْماً وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهُمَا. 9بِنَسَمَةِ اللهِ يَبِيدُونَ وَبِرِيحِ أَنْفِهِ يَفْنُونَ. 10زَمْجَرَةُ الأَسَدِ وَصَوْتُ الزَّئِيرِ وَأَنْيَابُ الأَشْبَالِ تَكَسَّرَتْ. 11اَللَّيْثُ هَالِكٌ لِعَدَمِ الْفَرِيسَةِ وَأَشْبَالُ اللَّبْوَةِ تَبَدَّدَتْ.

جاء أليفاز التيماني ليعزّي أيوب وكما تعلّمنا سابقاً جلس هو وصاحباه الآخرين مع أيوب لمدة سبعة أيام وسبع ليال بدون أن يتفوّهوا بكلمة واحدة. وكما ذكرنا في عظتنا السابقة ابتدأ أيوب بالكلام عن قلب مرير وسبّ يوم ولادته وتمنّى لو لم يولد، فأول ردّ على كلمات لأيوب إنما كان كلام أليفاز. وها هي خلاصة ما جاء في المقطع الأول من الفصل الرابع من سفر أيوب:

يا صاحبنا أيوب، لا تستاء مما سنذكره في ردنا على كلماتك لأنه من المستحيل لنا أن نبقى صامتين. أنت الذي علّمت وأرشدت العديدين من معارف، تذكّر ما كنت تنادي به. لا يهلك بريء في دنيانا، بل الذي يزرعه الإنسان  فإياه يحصد.

لم تكمن العلّة في كلمات أليفاز في كونها غير منطبقة على الحقيقة بل لأنها بل لأنها لم تأخذ الحقيقة بأسرها بعين الاعتبار. طبعاً كان أيوب الصديق يعلّم الناس وينادي بطرق الله المستقيمة. فمن البديهي أن الحارثين إثما والزارعين شقاوة يحصدونها. ولكن هذا لا يتم دوماً ولا بصورة آلية. ففي بعض الأحيان يتألم ويتعذب الأبرياء والأشرار لا يعاقبون في دنيانا كما يستحقّون. نادت محاضرة أليفاز بنصف الحقيقة، لا بالحقيقة بكاملها.

وتابع أليفاز كلماته اللا معزّية والتي سكبها في قالب جعلها تظهر وكأنها انبعثت من مصدر سماوي قائلاً:

12ثُمَّ إِلَيَّ تَسَلَّلَتْ كَلِمَةٌ فَقَبِلَتْ أُذُنِي مِنْهَا هَمْساً. 13فِي الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ عِنْدَ وُقُوعِ سُبَاتٍ عَلَى النَّاسِ 14أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ فَرَجَفَتْ كُلُّ عِظَامِي. 15فَمَرَّتْ رُوحٌ عَلَى وَجْهِي. اقْشَعَرَّ شَعْرُ جَسَدِي. 16وَقَفَتْ وَلَكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا. شِبْهٌ قُدَّامَ عَيْنَيَّ. سَمِعْتُ صَوْتاً مُنْخَفِضاً: 17أَالإنسان  أَبَرُّ مِنَ اللهِ أَمِ الرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟ 18هُوَذَا عَبِيدُهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ يَنْسِبُ حَمَاقَةً. 19فَكَمْ بِالْحَرِيِّ سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ الَّذِينَ أَسَاسُهُمْ فِي التُّرَابِ وَيُسْحَقُونَ مِثْلَ الْعُثِّ؟ 20بَيْنَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ يُحَطَّمُونَ. بِدُونِ مُنْتَبِهٍ إِلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُونَ. 21أَمَا انْتُزِعَتْ حِبَالُ خِيَامِهِمْ؟ يَمُوتُونَ بِلاَ حِكْمَةٍ.

وماذا نقول في كلمات ألفاز هذه؟ لقد أصابت كبد الحقيقة. طبعاً لا مقارنة بين الإنسان  المخلوق الضعيف والخاطئ وبين الله القدوس والقدير، الإنسان  أبرّ من الله أم الرجل أطهر من خالقه؟ حاشا..ليسكت الإنسان  وليرتعب وهو يتأمل في كمال خالقه وباريه. نقول آمين إذ نصغي إلى كلمات رفيق أيوب، ولكن، ولكن.... لم تكن في محلّها بمعنى أن أيوب الصديق كان شاعراً كل الشعور بأنه لم يرتكب أية معصية لتنهال عليه نوائب الحياة. أقرّ أيوب وشهد في أكثر من مناسبة بأن الله بار وقدوس يتعالى على جميع مخلوقاته من ملائكة وبشر. لم ينكر أيوب ولا مرة في حياته الحقيقية المتعلّقة بربه وباريه. انحصرت مشكلته في عدم فهمه لسبب كل الكوارث التي انقضت عليه وكأنه كان من أعظم وأكبر الأشرار والخطأة. فمشكلة أليفاز الذي جاء مع صاحبيه لتعزية أيوب أنه انقلب إلى مشتك على أيوب لأنه نظر إلى حالة أيوب بمنظور تبسيطي. فالحياة البشرية التي نعيشها في هذه الدنيا هي معقّدة للغاية ولا يمكننا أن نحلّل ونفسّر تفاصيلها على الطريقة التي لجأ إليها أصحاب أيوب الثلاثة. في بعض الأحيان ينال المجرم جزاء جرمه ولكن هذا لا يحدث بصورة دائمة. وفي كثير من الأحيان يتعذب الأبرياء بدون سبب معقول. ليست الحياة الدنيا حياة بسيطة شفّافة بل كثيرا ما تكتنفها ألغاز وأسرار لا نقدر أن نسبر غورها.

نعود إذاً إلى ذكر ما ذكرناه في الماضي بعد أن شرعنا في إذاعة هذه العظات المبنية على سفر أيوب الصديق بأن الله شاء فأعطانا هذا الكتاب لكي لا نسرع في حكمنا على ما يحدث لأقراننا بني البشر أو لأنفسنا عندما تنهال علينا نوائب الحياة. نظرتنا الحياتية هي محدودة إذ أننا لسنا بعليمين بكل شيء. الله وحده عليم وقدير ومهيمن على جميع تفاصيل دنيا البشر. ولا نكون متهربين من مسؤولياتنا عندما نقول: نحن لا نفهم لماذا تمّ ما تمّ ولماذا مات والد هذه الأسرة وترك امرأته وأولاده في حالة يرثى لها، نحن لا نفهم لماذا لا يزال الأسرى بدون حل لمشكلتهم ولماذا لا يزال الجوع يفتك بملايين البشر ولماذا يتقاتل الناس وقد خلقهم الله ليعيشوا بسلام ووئام.

وكذلك أعطانا الله سفر أيوب لنفهم أنه علاوة على العامل البشري في دنيانا هذه هناك العامل الشيطاني الذي يعكّر صفو الحياة ويجعل منها كابوساً مخيفاً ومرعباً. لكن عاقبة أيوب التي سنطّلع عليها في المستقبل سترينا أن الغلبة هي لله ولمحبيه والسائرين على طريقه المستقيم.

وبما أن سفر أيوب هو واحد من أقسام العهد القديم أي كتب الوحي التي جاءت في أيام ما قبل الميلاد، يجر بنا نحن الذين نعيش في أيام ما بعد الميلاد أن نسلّط نور الحي الكامل على مسيرتنا وعلى مشكلاتنا. ما أعنيه هو أن مجيء المسيح المخلّص إلى عالمنا وتتميمه لعمله الخلاصي والفدائي على الصليب يعطينا نور الوحي الكامل الذي يعلّمنا أنه بالرغم من جميع الآلام والعذابات التي تعصف بحياتنا فإن النصر حليفنا فيما إذا كنا قد سلّمنا حياتنا للذي انتصر على الشر والموت والشيطان بقيامته الجبارة من بين الأموات.

يا من تتعذب وتتألم وتتخبّط في تساؤلاتك عن سبب كل ما حدث لك وصار، هل وجّهت نظرك إلى من جاء إلى عالمنا لينقذنا من كل الشرور التي تهدّدنا؟ هل آمنت بالمسيح يسوع كمخلّصك من الخطيئة؟ لا تؤجل إلى المستقبل المجهول أهم قرار في حياتك، أمن بالمخلص اليوم واختبر الغفران والنصر على الشر والشيطان، آمين.

أضف تعليق


قرأت لك

على طريق دمشق

 هو شاول المتكبّر والصارم الكتوم والجريء والعميق جدا في أفكاره، وهو المدافع عن عقيدة شعب الله بحسب رأيه، شدّ العزم ذاهبا نحو دمشق ليقتل من هم من أهل الطريق أي أتباع المسيح، وهناك وقبل أن يصل إلى تلك المدينة التي كانت تحمي تحت جناحيها المؤمنين الذين اختبروا غفران المسيح من خلال توبتهم وإيمانهم، هناك فاجىء المسيح شاول برهبته وجبروته وقداسته، فكان الحدث العجيب يسوع يظهر لشاول:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة